صورة لها تاريخ مع أستاذي أحمد الحضري بقلم صلاح هاشم

admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0

admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0

فيلم ” صبحي شفيق وسؤال الهوية ” هو فيلم وثائقي طويل 52 دقيقة.تصوير ومونتاج سامي لمع ، وسيناريو وإخراج صلاح هاشم.وسوف يعرض قريبا عند الإنتهاء من مونتاج الفيلم في مصر في مهرجان ( جاز وأفلام ) قريبا.
ينحاز فيلم ” ريش ” لعمر الزهيري الذي أثار ضجة عند عرضه في مهرجان ” الجونة ” بدعوى أنه يسيء الى صورة مصر
ينحاز في فكره لإتجاه ،يطلق عليه المخرج د.صبحي شفيق وشيخ النقاد السينمائيين في مصر والعالم العربي إسم المواجهةCONFRONTATION
فكر المواجهة السينمائي المستنير ، الذي يحكي عنه د.صبحي شفيق في الفيلم المذكور،،هو الفكر الذي يطرح السؤال الملح : من نحن؟ – سؤال الهوية . النهاردة الناس كلها بتسأل أنا مين، الشعوب بتسأل إحنا مين ؟. – ويقف في معسكر الإبداع CREATION- بمعنى أن نصنع أفلامنا بأنفسنا ولا نقلد .
فكر ضد التقليد ،وإقتباس نماذج الأفلام التجارية، الخارجة لتوها من مصنع الأحلام في هوليوود..مثل شطائر الهامبورجر للإستهلاك السريع ، وإقلب وغيره، وهكذا دواليك .المحافظة على وتيرة الإستهلاك
وفيلم ” ريش ” ينحاز الى هذا التيار في الفكر السينمائي، تيار المواجهة CONFRONTATION المغاير، الذي يلخص فلسفة د,صبحي شفيق في السينما، تيار الفكر السينمائي الحر المستقل المستنير ،الذي يريد للسينما ، في مواجهة فكر السينما التجارية الاستهلاكية المصرية، التي جعلتنا في معظم أفلامها التافهة مسخا، وغرباء في الأوطان، أن نتطور ونتقدم ونخترع ” نظرة” جديدة – كفانا مزايدة – وتحريك المياه الراكدة.
صبحي شفيق : السينما أهم فن يحمل الإجابة على سؤال الهوية

عرفت مصر النقد السينمائي مع العروض الأولى للأفلام الأجنبية عام 1896،ثم الأفلام المصرية القصيرة عام 1907، والطويلة عام 1923، وفي منتصف الخمسينيات – كما يذكر الناقد الكبير سمير فريد في كتابه ( صبحي شفيق الناقد الفنان ) الصادر عن المهرجان القومي السابغ للسينما المصرية 2001-
تطور النقد السينمائي تطورا كبيرا،سعد نديم وكامل يوسف وأحمد الحضري وفتحي فرج وهاشم النحاس وغيرهم ..
وينتمي المخرج د.صبحي شفيق- الى جيل الخمسينيات من نقاد السينما المصريين ،وقد مارس الإخراج السينمائي – فيلم ” تلاقي ” عام 72 ، ثم التليفزيوني، الى جانب النقد،
وكان الوحيد الذي أتيح له أن ينشر مقالاته النقدية في جريدة ” الأهرام ” منذ بداية الستينيات، ولذا فهو يمثل، “نقطة التحول “من نقد جيل الخمسينيات الى نقد جيل الستينيات،
وبالتالي كان تأثيره، من خلال كتاباته النقدية عن السينما في الأهرام، أكبر من تأثير الحضري وراشد والنحاس وفرج، الذين نشروا مقالاتهم في مجلة ” المجلة “، وغيرها من المجلات ..الموجهة للنخبة..

وفي الصفحة الرابعة من الكتاب المذكور،يصرح الناقد الكبير سمير فريد
( .. وقد عرفت النقد السينمائي، وأحببت أن أكون ناقدا سينمائيا من خلال قراءاتي لمقالات صبحي شفيق في الأهرا،م وأنا طالب في المدرسة الثانوية ..)
ويكتب عن مشاركة الناقد صبحي شفيق الذي أحبه في تأسيس ( جماعة السينما الجديدة ) عام 1968 ،ومجلة ( المسرح والسينما ) التي ظهرت في يناير 68،وكان جزء السينما في المجلة برئاسة سعد الدين وهبة ، وهيئة التحرير من أحمد الحضري ومصطفى درويش وصبحي شفيق وسكرتير التحرير محفوظ عبد الرحمن، ولأول مرة في اللغة العربية نشرت المجلة الترجمات الكاملة لسيناريوهات أفلام أجنبية هامة، كان أولها سيناريو فيلم ( رجل وإمرأة ) للمخرج الفرنسي كلود ليلوش ترجمة يوسف شريف رزق الله، ومن بينها سيناريو فيلم ” عاشت حياتها ” للمخرج الفرنسي والمفكر السينمائي الكبير جان لوك جودار ،ترجمة صبحي شفيق ..
وكان لصبحي شفيق دور كبير، في تأسيس العديد من الجمعيات والمهرجانات السينمائية ، مثل جمعية (نقاد السينما) و(مهرجان الأسكندرية لأفلام الشباب)، قبل أن يسافر الى فرنسا، ويعيش في باريس أكثر من 15 سنة،ولكنه ظل طوال هذه الفترة، يساهم في تطوير النقد السينمائي في مصر ، بقلمه ككاتب ومفكر سينمائي مصري موسوعي كبير، وفي تطور السينما أيضا بكاميرته كمخرج..
وقد تعلمت من أستاذي وصديقي د.صبحي شفيق ،وأستاذ سمير فريد والعديد من نقاد السينما في مصر وعشاقها وهم كثر، الكثير، حين التقيت به في باريس عاصمة النور، وشاءت الظروف أن نعمل سويا في مجلة ( الوطن العربي ) اللبنانية الإسبوعية – أول مجلة عربية مهاجرة الى باريس- في فترة الثمانينيات..وأتيح لي من خلال صحبتي معه وتشردنا في باريس.فرنسا وأصيلة في المغرب، أن أنهل من فكره، ومعارفه وثقافته السينمائية الموسوعية الكبيرة،
وتبحره ليس فقط في السينما، بل في علوم الفلك، والمصريات – الحضارة الفرعونية القديمة – واللاهوت والفلسفة والفنون واللغات والآداب الفرنسية والعالمية وغيرها، وأعتبره رائدا من رواد الفكر السينمائي المصري الطليعي المستنير، فكر ( المواجهة )- الإبداع في مواجهة التقليد- وعلما من أعلامه، وقد كان د.صبحي شفيق في كل كتاباته وترجماته وأفلامه، لا يمسك بالقلم أو الكاميرا، إلا لكي يعبر كـ ” فنان” مبدع عن ذاته..
ولذلك تنسجم كتاباته وترجماته – كما يقول سمير فريد في كتابه – الذي وضعه بمناسبة تكريم صبحي شفيق في المهرجان القومي السابع للسينما المصرية ليكون تحية تقدير لأستاذنا-
وترتبط بوحدة عميقة، إذ يربط بينها الدفاع عن سينما المؤلف- السينما التي يصنعها المخرج بكامل حريته، من دون ضغوطات أو شروط ، كما في أفلام المخرج البريطاني الكبير كين لوش مثلا، ويظل يحتفظ فيهابحقه
في أن تكون نسخة الفيلم، المطروحة في الأسوق،هي نسخة المخرج DIRECTORS CUT وليس نسخة منتج الفيلم،الذي يضع عينه أولا على شباك والتذاكر، وإيرادات الفيلم ، وربحيته، وليس تميز وجودة الفيلم ..وفنيته..
وقد كان صبحي شفيق ، الذي حمل مشعل التنوير والفكر السينمائي المستنير، وكان أول من يعبر عن إتجاه ( سينما المؤلف ) CINEMA D AUTEUR في النقد السينمائي المصري..
كان لايعلم، أن الزمن يتغير، وبسرعة، وأن فن السينما يتطور، ومع كل فيلم جديد يخرج للعرض، حتى أن معظم أفلام السينما الحديثة الآن،صارت من نوع ( سينما المؤلف ) مثل فيلم ” ريش ” لعمر الزهيري، والسينما المصرية التجارية محلك سر، وقد صارت منصات العرض الحديثة، مثل منصة( نيتفليكس) تنافس القاعات في عرضها، بل والمشاركة في صنعها – سينما المؤلف – وتمويلها وإنتاجها الآن..
فكرة السينما ، كما يذكر صبحي شفيق في فيلم ” صبحي شفيق وسؤال الهوية ” – فيلم وثائقي طويل 52 دقيقة – لابد وأن تكون خطرت على بال المصريون القدماء، وكانوا أول من عرفوها..
فلو تأملنا الرسوم المحفورة على جدران المعابد، سنرى أنها تتخذ شكل الرسوم المتحركة، فهي تعبر عن توالي الإيقاعات، عن طريق رسوم متتالية، نري فيها تباعد وإقتراب الراقصين، كما أن الراقصة ترقص وهي ممسكة بآلة موسيقية ، وبعض ماتغنيه من قصائد مدون على نفس الجدران، أليس هذا هو المسرح الأوبرالي، أو مانسميه الآن بالمسرح الشامل.
ويضيف الناقد والفنان المبدع الكبير صبحي شفيق في الفيلم المذكور :
أن السينما هي أهم فن يحمل الإجابة على سؤال ” الهوية “، و حياة أي منا ليست حياة الأشخاص.، وإنما هي جزء لايتجزأ من جهودنا مجتمعة لإستعادة هويتنا الثقافية،
لايجب أن نستسلم لتهويش أشباه المفكرين عن العولمة، وماشبه ذلك، العولمة لا وجود لها إلا هنا ..في هويتنا الثقافية. ”
ماذا أردنا إذن من صنع فيلم ” صبحي شفيق وسؤال الهوية”؟
أن يكون تحية تثدير وتكريم أيضا لأستاذنا صبحي شفيق ، وأن نكشف عن بعض ملامح وقيم ومباديء هذا الفكر السينمائي التقدمي المستنير ،الذي يحارب، وتحارب أفلامه الجديدة مثل فيلم ” ريش ” في مصر،بدعوى أنها تشوه صورة مصر الوطن- ويقف له البعض من تجار السينما الحقراء بالمرصاد ، لأنه يهدد مصالحهم ،ويطعن في سينما الإستهلاك التجارية المصرية التافهة ،التي هلكتنا بأفلامهم العقيمة.، ويقدم نماذج من أعمال السينما المصرية المضيئة لفكر الإبداع و المواجهة..
صلاح هاشم

صلاح هاشم كاتب وناقد ومثقف مصري كبير يعيش في باريس لكنه مسكون بمصر
ط.ش
–
مقتطف*

ذكر المخرج عمر الزهيري في العديد من الحوارات الصحفية التي أجريت معه أنه :
( .. يصب كل ما تعلمه من دراسة أساليب السينما العالمية ،ويصهره في مختبره، ليقدم لنا إرهاصات أسلوب ونهج سينمائي، يسير عليه. وقد نجح في أن يقدم نهجاً ،بدا مختلفاً عن الكثير من السياق السائد في السينما المصرية التقليدية.
ومن عناصر هذا الاختلاف تعامله مع الواقع الذي قدمه في عمله الفني ويصر على أنه سياق إنساني عام بلا زمان أو مكان إنساني محدد. لقد كان الزهيري في فيلمه هذا في حوار مع مرجعيته السينمائية التي يحاول في خطوته الأولى أن يحجز له مكاناً في سياقها وليس مخرجاً يسعى إلى تقديم قضايا كبرى، كما أكد في أكثر من مقابلة صحفية على أنه يقدم نفسه “كسينمائي وليس كشخص قادم لطرح قضايا” وأنه لا يحب تصوير الواقع “أحب أن أصور من خيالي”. وهذا الخيال هو خيال سينمائي صرف..)
*مقتطف من مقال بعنوان ( فيلم ” ريش ” الذي أتهم بالإساءة الى مصر بين الخيال الجامح والواقعية القذرة) بقلم صفاء الصالح ،على موقع بي بي سي عربي، بتاريخ 29 أكتوبر 2021
تعليق
كل كلمة قالها عمر الزهيري هنا ، تطرح نهجاأو ” رؤية ” لـ ” هوية ” وماهية السينما،، كما يجب أن تفهم وتدرس في المعاهد : الحديث فقط – في ” سينما المؤلف ” – بلغة الصورة..أحب أصور من خيالي ..وتصوير الخيال.
صلاح هاشم
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0
قاومت ظروفي الصحية، وعدت إلى الإسكندرية. لاحظت – والسيارة تنطلق في طريق الكورنيش – أن مئذنة أبو العباس لم تعد تعلو وحدها في الفضاء الفسيح، حاصرتها أبراج وبنايات مرتفعة، فهي تعانى. ربما لو أنى لم أترك بحري، ما لاحظت الاختفاء، التلاشي، الذى ابتلع الكثير من البنايات والشوارع والميادين. حتى الميدان الأشهر الذى يطل عليه جامع السلطان، تبدّلت هيئته، فقد توسطه مبنى هائل، تحولت أطراف الميدان من حوله إلى شوارع صغيرة، ضيقة، واتصلت – بالكاد – بما كان قائمًا من الشوارع الجانبية.
أقول: ربما لو أني لم أترك بحري، وأعود إليه، على فترات متباعدة، ما لاحظت ذلك التبدل في قسمات الحى.
أنا أتبين – في كل عودة إلى بحري – ما لم أكن لاحظته من قبل.
ربما لم أكن أكتب عن بحرى كل هذه الصفحات، بكل هذا الحب، لو أنى ظللت في الحي، لم أبتعد عنه. الابتعاد يتولد عنه الذكريات والشوق والحنين وغيرها من المشاعر التي تستفز المبدع في داخلي. الصور التي أشاهدها وأنا أجول في شوارع بحري وأزقته، تختلف تمامًا عن الصور التي أستعيدها وأنا في مكتبي.
في داخلي حنين إلى دنيا لم تعد موجودة، دنيا الموالد والأذكار والجلوات وسوق العيد وحفلات الزفاف والختان والخيام والبيارق والأعلام والدفوف والطبول والأدعية والأناشيد والأهازيج. غابت تلك الدنيا في غابات الأسمنت التي تلاصقت، حتى في ميدان أبو العباس الذى لم يبق منه سوى الاسم.
إسكندريتي ليست البنايات الضخمة على الكورنيش، ولا في الميادين والشوارع الفسيحة. إنها البيوت الصغيرة، المتلاصقة، والشوارع الضيقة، المتقاطعة، تتراكم فيها مياه الأمطار، تختلط بالتراب، فتصنع ما يشبه كومات الطين، تعلو فتهبط أبواب البيوت تحت مستوى الطريق. وثمة القهاوي والغرز والأضرحة والزوايا، ومدرسة البوصيري الأولية، وروضة مصر الفتاة، وكتاب الشيخ أحمد، والمذاكرة في صحن أبو العباس، وقلعة قايتباي، والبيت المهجور بشارع سيدي داود، أهرول أمامه لتصور أن الأشباح تسكنه، ونادى مدرسة إبراهيم الأول، وخطب الشيخ عبد الحفيظ، وتياترو المسيرى، وفرقة فوزى منيب، وحديقة سراي رأس التين، وجياد الملك في جولاتها الصباحبة، والمظاهرات الصاخبة لا أعرف من أين جاءت، ولا إلى أين تنتهي، تهتف بسقوط الملك وزعماء الأقلية، وبحياة النحاس، وصيد العصاري، وحلقة السمك ورائحة الزفارة والعطن وأريج البخور والكتاتيب والصوفية والموالد وحلقات الذكر والأهازيج، والوقفة أسفل بواخر البوستة الخديوية، ومباريات الكرة في الأراضي الخلاء، وقهوة فاروق، وشهبور الحلاق، وحلواني الطيبين، وسباق البنز والطائرات الورقية والجبب والقفاطين وملاءات اللف.
زمان، وأنا أصعد الترام المتجه إلى محطة القطار، خطفت نظرة من الشقة في البيت رقم 54 شارع إسماعيل صبري، النوافذ والشرفات التي أطللت منها على المشهد الذى أحبه، في داخلي شعور بأني مسافر بلا عودة، تفتح لي القاهرة حتى الباب الواحد والأربعين الذى يجب أن يظل مغلقًا.
ثمة تكوينات ومنمنمات تصنع فسيفساء المشهد: صيد المياس أوقات العصر، سمي صيد العصاري، آخر معارك الفتوات في ميدان ” الخمس فوانيس”، خطب الشيخ عبد الحفيظ في صلاة الجمعة، يأتي إليها المصلون من أحياء المدينة، ومن المدن القريبة، لعب الكرة في الشارع الخلفي، نواهي أمي ترفض الفكرة، ثم يتاح لي اللعب بإشفاق أبي، الجلوات القادمة من أبو العباس، تخترق شارع الأباصيري إلى ميدان “الخمس فوانيس”، تميل إلى شارع إسماعيل صبري، ثم شارع الميدان، لا أعرف أين تنفض، أعرف نهاية الجنازات: الصلاة في جامع الشيخ إبراهيم، ثم تتجه إلى مقابر العامود، سوق العيد بصخبه وزحامه وألعابه، يبدأ أول رمضان، يمتد إلى ما بعد أيام العيد، الرويعي الترزي فى جلسته الثابتة أمام الدكان، لا تفلت امرأة – ولو سحبت حفيدها – من معابثاته، محمود أفندي جار البيت المقابل، مثل لي جثمانه الملتف بالكفن عقدة عانيتها طيلة عمرى، موقف عربات الحنطور على ناصية إسماعيل صبري من ناحية التتويج، بيت الأوقاف القديم، فاطمة أول تعرفي إلى الدنيا الغامضة، النافذة قصاد النافذة، البنت تنبهني إلى ما يغيب عني، تمط شفتها السفلى في خيبة أمل، وتغلق النافذة، دكان الطيبين الحلواني، يسدل الستارة الحديدية، أعرف أن الرجل يسوي خلطة الهريسة السحرية، السرية، على المياه الساخنة، لا يأذن حتى لعماله بالمتابعة، عيادة الطبيب الأرمني الدكتور مردروس فى الطابق الأول من البيت، أتاح لنا التمورجي – في أوقات غياب الطبيب – ما اخترعناه من ألعاب، تعكس بقايا تأثيرات الحرب العالمية الثانية، جعلت الرجل – بما رواه أبي عن حياته – بطلًا لروايتي” صيد العصاري”، عم أحمد بائع ألواح الثلج، صندوقه الضخم لصق الجدار، أول شارع فرنسا، وسيلة تبريد الماء، وحفظ الطعام، في زمن الثلاجة الخشبية، أي التي بلا كهرباء، المظاهرات الحاشدة تأتي من ناحية باب الجمرك رقم واحد، تتشابك السواعد، وتنشد الصفوف: بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي، سيارات الجيش الإنجليزي يجري وراءها صبيان الفتوات، يقفز أحدهم داخلها، يقذف – في غيبة من انتباه السائق – ما تحمله إلى زملائه في نهر الطريق، آلاف الوفديين يحيطون بسيارة فؤاد سراج الدين، إلى جواره رفعة الزعيم الجليل في عربة مكشوفة، يحتفون بعودته من رحلته العلاجية بهتافات وأهازيج وأغنيات، بائع الصحف على ناصية الطريق، أشتري منه – كل صباح – ما يعرف أن أبي يقرأه من صحف عربية وأجنبية، الجريدة بخمسة مليمات، غالبية الأسماء غابت بتغير المشهد السياسي وغياب الإسكندرية الكوزموباليتينية: الأهرام، المصري، الاشتراكية، المقطم، البصير، البورص، الإجبشيان جازيت، البروجريه، إلخ. أميز الشيخ فتوح من صوته المسرسع، أتابع خطواته المترنحة تحت ثقل المخلاة فوق ظهره، بها – أتصور – ما يقدمه له الخيرون من أطعمة، وما ييسر حياته، متابعتي – من خصاص النافذة المغلقة – منشد الأهازيج في مشواره اليومي، قبل صلاة الفجر، عم عبده في دكان بيع السجاير، أمامها طلمبة بنزين وحيدة، يفسر أبى إغلاق الدكان والطلمبة – أحيانًا – بأن الرجل أخفق في الحصول على الكيف.
طال ابتعادي عن البيت والشارع، أعود في فترات متباعدة، لكن رائحة المكان تظل في أنفي، أميزها بصعوبة، لكنها موجودة، تلامس أنفي بتداخل روائح مختلفة، اختلاط ملح البحر واليود والبخور وزفارة السمك والطحالب والأعشاب، تصنع رائحة تعيدني إلى الحياة في بحري.
إذا كان قد خطر لي – أحيانًا – أن أدخل البناية رقم 54 شارع إسماعيل صبري، أصعد إلى شقة الطابق الثالث المجاورة للسلم، أستعيد ملامح وذكريات، فإن الخاطر نفسه راودني أن أدخل واحدة من البنايات المواجهة للمينا الشرقية، أطل من نافذة على أفق البحر. المحيط الجغرافي – على حد تعبير إيزابيل الليندي – هو الذى يحدد شخصية الإنسان.
لعل البحر في مقدمة ما أفدت من تأثيره، ليس البحر في إطلاقه، وإنما أفق البحر، حضه على التأمل بما لا يحضرني في موضع آخر.
محمد جبريل

محمد جبريل كاتب وروائي مصري كبير مقيم في القاهرة.مصر
admin شخصيات ومذاهب, كل جديد, نزهة الناقد 0
يمكن القول أن بلموندو – من مواليد 19 إبريل 1933 وتوفي في باريس في 6 سيتمبر 2021 – كان يعني ..السينما الفرنسية ، بالنسبة لعشاق هذه السينما وأفلامها، كما كان يعني إسم ديجول، أو رغيف الخبز “الباجيت” كان يعني فرنسا أو الحديث عن بلد إسمه فرنسا في العالم..

وقد نجح بلموندو، أن يفتح سكة للسينما الفرنسية على سكة الحداثة، عندما اضطلع ببطولة فيلم ” على اخر نفس” للمخرج الكبير جان لوك جودار الذي نقل السينما الفرنسية، من خلال حركة الموجة الجديدة ، من “سينما الجودة” التي كانت تضع كتاب السيناريو على القمة، في فترة الخمسينيات وتعتبره المبدع الاول في الفيلم
الى “سينما المؤلف”، التي تعتبر ان الاهمية القصوى لاي فيلم، كعمل ابداعي، يجب ان تذهب الى المخرج أولا، وبكل ابتكارات واختراعات الفن المدهشة..

كما يعود الفضل للمخرج الفرنسي الكبير فيليب دو بروكا في إطلاق شهرة بلموندو في العالم كبطل لافلام الحركة و المغامرات والمطاردات، كما في فيلمه البديع رجل من ريو، الذي شاهدناه في فترة الستينيات العظيمة، ومن خلال افلام السيف والمبارزات الفرنسية، استطاع بلموندو ان يحقق أيضا للسينما الفرنسية شهرتها وتألقها في العالم
لقد كان جان بول بلموندو، يعتبر الوريث الشرعي للممثل الفرنسي الكبير جان جابان، كامتداد لعبقرية التمثيل ،في السينما الفرنسية العريقة، ونجومها الكبار في التمثيل من أمثال لوي جوفيه وميشيل سيمون وآرليتي وسيمون سينوريه وغيرهم – وانتقالها من خلال أفلام السينما الفرنسية العظيمة من جيل الى جيل..
واعتبر ان فيلم “عروس المسيسيبي” لفرانسوا تروفو، من افضل الافلام التي ظهر فيها بلموندو، كممثل عبقري امام الفرنسية القديرة كاترين دينوف، وهو من أجمل وأقوى أفلام تروفو على مستوى القصة والحبكة والإثارة والتمثيل ومن أفضل أفلام دينوف، وكانت تجمعها بتروفو قصة حب أثناء تصوير الفيلم، ومن الحب ما قتل..
وفي ذكرى تأبين بلموندو،آرشح الأفلام المذكورة هنا في هذه الفقرة للمشاهدة عن جدارة
صلاح هاشم

salahashem@yahoo.com
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0
كرم الناقد السينمائي “أحمد عسر” بإسم المركز القومى للسينما الناقد السينمائي والمخرج صلاح هاشم خلال احتفالية “نادى سينما أوبرا الإسكندرية” ، تقديرًا لـ مسيرته الإبداعية وعرض فيلمه “البحث عن رفاعة” .



وأكد “صلاح هاشم” أن الفيلم رغم أنه فيلم تسجيلى عن رفاعة الطهطاوى ولكنه ليس سيرة ذاتية و لكن الفيلم يرصد أول عين مصرية للمجتمع الغربى و الفرنسي ، متابعا أن العلم بالنسبة إلى رفاعة الطهطاوي ليس مجردا و لكن هو يعنى تحديث و تغير المجتمع و تطويره.


مضيفًا أن رفاعة شارك فى النهضة المصرية لـ محمد على ، كما وضع فى كتابه الذى كتبه عقب عودته من فرنسا روشتة لتقدم الأمم ، متابعا أن نهضة المجتمعات تأتى من خلال الحرية و الإنفتاح و الحفاظ على الهوية الثقافية وقام بتعريب لأول مرة جريدة الوقائع المصرية التى كانت تصدر باللغة التركية ، و أنشأ مدرسة الألسن و ترجم 40 كتاب ، لافتا أن رفاعة كان يعتقد أن الحاكم لا يجب أن يستبد و لا يجب أن يثور الشعب على الحاكم ، لافتا أننا فى حاجة إلى أفكار الطهطاوي لمناهضة الفكر السلفى و العودة للعصور الأولى .
مروة السوري
عن موقع نقابة المعن السينمائية بتاريخ 26 يناير 2020
م
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, لف الدنيا 0
بعكف حاليا الأديب والكاتب والناقد المصري الكبيرصلاح هاشم على جمع الرسائل، التي كتبها خلال السنوات الأخيرة للكاتب والروائي والفيلسوف اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكيس، مؤلف كتاب ” تدريبات روحانية ” و ” تقرير الى الجريكو ” و رواية ” الإخوة الأعداء ” و رواية ” زوربا اليوناني ” ،التي اقتبستها السينما العالمية، وحولتها الى فيلم شهير ، بطولة الممثل الأمريكي العملاق أنتوني كوين

كازانتزاكيس
وتضم الرسائل مجموعة كبيرة من كتابات صلاح هاشم، عن مغامرة الحياة التي عاشها، و” سندبادياته” تحت بوابات العالم، من حي “قلعة الكبش” الشعبي العريق ، حيث نشأ في السيدة زينب، الى حي” بلفيل” العربي في باريس، مرورا بلندن ولاهور وكوبنهاجن ونيويورك وكريت وغرناطة ودبلن وكراتشي ..وغيرها من مدن العالم،
وجعلته يمثل ” حالة خاصة ” في المشهد الأدبي والسينمائي العربي، أمكن لها أن تمتص رحيق، تلاقي الثقافة العربية والغربية ،دون أن تنخلع من جذورها، أو تنسى انتمائها،
ولم تكن هذه الرسائل التي كتبها الحصان المصري المثقف الشارد في تجواله، سوى محصلة عقود ، من العمل الدؤوب ،والصعلكة المنتجة التي قادته على دروب الإبداع، في الأدب والفن والسينما.
وكما كتب نيكوس كازانتزاكيس تقريره الى الجريكو ، في صورة رسائل عن مغامرة الحياة التي عاشها، وموقع جزيرة ” كريت ” التي ولد بها ،كحلقة وصل، بين الثقافات المتوسطية وغيرها،

هاشم
يكتب صلاح هاشم في رسائله الى كازانتزاكيس عن عشقه لبلده مصر، وتاريخ وذاكرة حي قلعة الكبش الذي ولد فيه، ويضم مسجد أحمد بن طولون ، أهم أثر إسلامي في مصر، ويمثل المسجد وملعب طفولة الطفل هاشم، الطاسة التي شكلت دماغ المؤلف، وطبعتها بروحانيتها العميقة
وكذلك عن الشخصيات التي تأثر بها صلاح هاشم في حياته والأفلام العظيمة التي شاهدها في سينما إيزيس وسينمات الحي
ويتوقف عند محطات مهمة، في مسيرته الصحافية والأدبية والسينمائية، كناقد ومثقف مصري كبير – كما عرّفه أحدهم – يعيش في باريس..لكنه مسكون بمصر.
رسائل الى نيكوس كازانتزاكيس لصلاح هاشم ،هو سيرة ذاتية مختصرة للمؤلف، الكاتب والناقد المصري الكبير المعروف الذي يعيش في باريس.فرنسا، في شكل روايات وحكايات جد آسرة وشيقة، لدرويش مسافر من المشائين الكبار،
درويش زرع حديقة على شاطيء البحر، فلما أثمرت ، إنطلق في رحاب الله

رسائل الى نيكوس كازانتزاكيس.جريدة ” القاهرة ” ..
وما لايعلمه البعض هو أن صلاح هاشم مصطفى القاص والمترجم، وصاحب مجموعة ” الحصان الأبيض ” القصصية ومن أبرز كتاب جيل الستينيات في مصر في القصة القصيرة – حصلت المجموعة على جائزة في القصة في أول مؤتمر للأدباء الشبان في مصر عام 1969-كان من ضمن الكتاب الأوائل، الذين عرّفوا بأدب وفلسفة نيكوس كازانتزاكيس في مصر والعالم العربي ، حين نشرت له مجلة ” الكاتب ” الشهرية – مجلة المثقفين العرب – التي كان يترأس تحريرها الكاتب و الناقد الكبير أحمد عباس صالح في عددها الصادر في شهر أغسطس 1968 دراسة مهمة بعنوان ” مقدمة في فلسفة وأدب نيكوس كازانتزاكيس ” وهو طالب لايرال في الجامعة في سنة ثالثة قسم إنجليزي بآداب القاهرة..
ولاء عبد الفتاح
ولاء عبد الفتاح كاتبة وناقدة مصرية تعيش في القاهرة.مصر
admin شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0
ضياء حسني علي حسني محمود حسني، هذا اسمه الثلاثي فقط، كان يتندر عليه قبلنا، ويقول: يمكن اعتبار “حسني” عاملا مشتركا واختصاره، وعندما كان موظف يطلب منه اسمه الثلاثي كان يرد ساخرا: متأكد؟

الناقد النبيل الجميل ضياء حسني
يمكنك فعلا اختصار الأسماء الستة في واحد فقط: حسني بالنسبة لنا، و”الواد حسني” بالنسبة للكبار.. كان جودة خليفة يقول له دائما، تعليقا على عجائب الوسط الثقافي: دي مسخرة ياض يا حسني، وكان أبي لا يكمل غداءه أبدًا، ويغفو قليلا ثم يأكل ما تبقى بعد استيقاظه، وبعد غدوة سمك ذات يوم في بيتي جمعت ثلاثتنا فقط، استيقظ فلم يجد طبقه، فاتهمه فورا بالتهامه، قائلا: الواد حسني كل السمك بتاعي، وظل ضياء حتى أيامه الأخيرة يتذكر هذا اليوم ويضحك.
يهل عليك بطوله وعرضه وشاربه الكث، مهندم طوال الوقت وحليق الذقن، يخاف من البرد، فتراه يرتدي سويتر في عز الحر، أما في الشتاء فلا تكاد ترى منه تحت الآيس كاب والكوفية وطبقات الملابس سوى عينيه والشارب، تحتضنه فتشم روائح الكولونيا والدواليب القديمة، مدمن كولونيا بلا جدال، ثلاث خمسات و”فا”، وكل منهما لها عنده استخدام، يشتري منها كميات كبيرة، ويضع في كل غرفة زجاجة، وفي مكتبه بالأهرام أيضا. تحتضنه كأنك تحتضن خالك الذي جاء ذات مساء ليشرب معكم القهوة حاملا حبا وحلويات، لكنه ابنك أيضا، تكتشف حين تخرج معه أنه يخشى عبور الطريق وحده، يلتصق بك كصغير ملتزم، كنت أظنه يبالغ، وحين تركته مرة لم يتحرك فعلا ولم يجرؤ على العبور، وانتظر حتى خلا الشارع تماما ليلحق بي، مطلقا دفعة من الاتهامات الساخرة.
ساخر عظيم، صاحب ذهن متقد وإفيه حاضر دائما، ويا ويلك لو اكتشف أنك مدع أو جاهل أو حتى ثقيل الظل، ستصعد على خشبة المسرح فورا. فرانكفوني عظيم أيضا، يستخدم كلمات فرنسية في حديثه، وينطق حتى الكلمات والأسماء الإنجليزية بلكنة فرنسية محببة كان يغتاظ حين أصححها له باعتباري أدرس الفرنسية من سن الرابعة وليس “على كبر” مثله، يحب الجبنات، خاصة الصفراء والزرقاء، ويعشق القهوة الفرنسية ذات الحليب، يملك ماكينة خاصة بها، ويأتي لها بالفلاتر الأورجانيك خصيصا من فرنسا، لكن هذا لا يمس يساريته، ولا يمنع أن يصف فرنسا بأنها دولة استعمارية عنصرية.
تعرفت إليه منذ 25 عاما حين عاد من فرنسا بعد عشر سنوات من دراسة السينما والاقتصاد، انضم إلى فريق مجلة “الفن السابع” التي أسسناها عام 1997، أصبح أحد أعمدتها الرئيسية، وتولى بابيّ توثيق تاريخ السينما العالمية وتثقيف القراء فيما يتعلق بالتكنيك وشرح المصطلحات السينمائية. عاد خواجة ذو عربي مكسر في الكتابة، وكنت أفضل – كمدير لتحرير المجلة – أن يمليني ما يريد وما يقصد على أن أصيغ أنا، فتتعالى أصواتنا وضحكاتنا لسخريتي أنا من طريقة نطقه وتندره هو على أسئلتي التي يراها غير ضرورية وإجاباتها بديهية، لتتحول جلساتنا إلى فقرة محببة للعاملين في المجلة ولها جمهور يأتيها خصيصا من الخارج مثل مباريات الكرة.
أهم وأكفأ ناقد سينمائي مصري بثقافته وموسوعيته ومتابعته وتحليله لو أن هناك عدلا وموضوعية، ولو لم تكن اليد العليا للشللية والمحسوبية والنفاق والصوت العالي، لكنه لم يكن يبالي، وكان يترفع عن كل الصغائر والمهاترات والصراعات الصغيرة التافهة، لم يكن يغريه سفر أو منصب أو عضوية في لجنة أو دعوة لمهرجان، واكتفى بموقع خاص يكتب فيه ما يشاء وما يفيد واعتصم ببيته محترما عالي الرأس.
وسيبقى محترما عالي الرأس.
مع السلامة يا صاحبي.
أسامة عبد الفتاح

أسامة عبد الفتاح كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في القاهرة.مصر
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0
![]()
ستمر الأيام وينسحب الحزن من الملامح والوجوه ويستقر في مكانه الأثير “القلب”، بعدها ستنتعش الذاكرة لتعطي لممثلة من طراز فريد حقها، الممثلة هي “دلال عبد العزيز” التي رحلت عن عالمنا السبت الماضي بعد معاناة مع المرض، رحلت وسط أحزان ودموع وآلام بسبب فقد سيدة بسطت محبتها على الجميع، أسرتها وصديقاتها وزملائها وناس لا نعرفهم هي تعرفهم، غادرت وهي لا تعلم أن زوجها رفيق مشوار الحياة الكوميديان المتفرد قد رحل قبلها بثمانين يوما، رافقها حياتها ولحقته هي في مماته، كل هذا الحزن لم يوف للممثلة دلال عبد العزيز حقها في أن تصنف كواحدة من الممثلات البارزات في العقود الأخيرة، خصوصا على مستوى الدراما، الكل ركز على أننا نودع سيدة غاية في الرقة والطيبة والجمال، لكننا في السطور المقبلة سنودع ممثلة غاية في التمكن والقدرة والإتقان.
“لحظة ميلاد الفرح كان في حبيب رايح” كلمات فؤاد حجاج الشهيرة من تتر مسلسل” حديث الصباح والمساء” استخدمها البعض لوداع دلال عبد العزيز دون انتباه إلى أن وجود دلال في هذا المسلسل، من أبرز العلامات على كونها ممثلة من طراز خاص، المسلسل الذي مضى على عرضه قرابة 20 عاما قدمت فيه دلال بامتياز شخصية “نعمة المراكيبي” وهي في عز نضجها الفني كممثلة، قبل ان تبدأ أدوار الأمومة التي حققت لها شعبية كبيرة، لكن لأن الأعمال التلفزيونية في تلك الفترة كانت تعتمد على اسم النجم الرئيسي أو على شهرة العمل نفسه لم يكن النقد وقتها يتوقف أمام المستوى الذي تظهر عليه كل ممثلة أو ممثل على حدة، دلال بدأت مشوارها الفني بسلسلة من الأدوار الخفيفة، سواء في السينما نهاية سبعينات القرن الماضي، أو على المسرح مع سمير غانم وجورج سيدهم في مسرحية “أهلا يا دكتور” أدوار الفتاة الجميلة البسيطة على الشاشة أو الفتاة التي تأتي ثالثة في الأهمية بعد الكوميديانات الكبار على المسرح لا تسمح للممثلة بأن تظهر كل ما لديها مبكرا، وبعد تشكيل الدويتو مع سمير غانم في سلسلة من الأفلام التي لم تحظى أيضا بتقدير نقدي وظلت قرابة 20 عاما محصورة في هذا الإطار، ممثلة معروفة زوجة نجم كوميدي شهير، وأم لطفلتين بمجرد أن كبرا قليلا عادت للتألق لكن من خلال شاشة التلفزيون.
مع الزعيم والفخراني
سرعان ما تحررت دلال من هذا الأمر أو لنقل سارت في اتجاهين متوازيين، تتواجد مع سمير على المسرح تؤدي دور الفتاة التي يحبها بطل العمل باستمرار، لكن عندما يأتيها دور متميز تؤديه كما ينبغي دون أن تنتظر لقب النجمة أو تحلم بشباك التذاكر، ولأن السينما كانت لها معايير مختلفة دائما ظل التلفزيون ومن بعده المسرح الملاذ الآمن لدلال عبد العزيز، وقبل حديث الصباح والمساء بعد سنوات قدمت واحدة من أهم أدوارها على الإطلاق، في مسلسل “لا” الشهير أمام يحيي الفخراني حيث الممثلة التي تتمتع بشهرة كبيرة في الأربعينات وتلتقى الرجل الذي خسر كل شئ وتحبه رغم أي شئ وتظل إلى جواره ليستعيد اسمه وكرامته وكذلك زوجته، مشاعر متناقضة لا تؤديها إلا ممثلة متمكنة، ومع الفخراني أيضا برعت دلال عبد العزيز في الفيلم التلفزيوني الشهير “مبروك وبلبل” أول أعمال المخرجة ساندرا نشأت .
مع عادل إمام قدمت الفيلم الشهير “النوم في العسل” عام 1996 دور غير رئيسي لكن مشاهدها في الفيلم لا ينساها الجمهور وكلها كانت مع الزعيم الذي عادت للوقوف أمامه مجددا في أخر مسلسلاته قبل عامين “فلانتينو” وقدم شخصية مديرة المدرسة الحازمة المسيطرة بتمكن كبير، وصلت من خلاله دلال عبد العزيز إلى الدرجة التي تدفعها لأن تعكس الشخصية كما تريد دون النظر لباقي عناصر العمل، وهي درجة يحصل عليها فقط الممثل المجتهد الراغب في تطوير نفسه والمنعزل عن منغصات النجومية والتترات والأفيشات وغير ذلك من مسببات تشتت انتباه إي فنان .
الأم والأخت والجدة
دراميا أيضا لا يمكن تجاهل مسلسل ذائع الصيت قدمت فيه شخصية الأم والشقيقة والجارة هو “سابع جار” وكان من الأعمال التي لمع من خلال اسم دلال في السنوات الخمس الأخيرة وقدم جيلا جديدا من الممثلين، وأنهت مشوارها مع التلفزيون أيضا في شخصية الأم لعمرو سعد في “ملوك الجدعنة” مع مصطفي شعبان وياسمين رئيس، بينما جسدت “الجدة” في أخر أفلامها “أعز الولد” والذي عرضه عبر احدى المنصات قبل عدة أشهر.
وفي أعمال كوميدية لا تقوم هي فيها بشكل مباشر بمهمة الإضحاك، نجحت دلال عبد العزيز بسبب البساطة التي تعاملت بها مع الشخصيات التي تؤديها وحكاية العمل ككل جعلت وجودها على الشاشة محببا أي كانت المساحة وجعلتها هي دافعا لبطل العمل في أن يخرج أفضل ما عنده، فعلي سبيل المثال لا يمكن المرور على تجربة أحمد مكي في أول ظهور لشخصية حزلقوم دون الالتفات لكون والدته في الأحداث هي دلال عبد العزيز، نتكلم طبعا عن فيلم “لا تراجع ولا استستلام ..القبضة الدامية” وسخصية “سميرة سمير” في فيلم “سمير وشهير وبهير”، ومع صعود نجومية دنيا وإيمي سمير غانم كان منطقيا أن تكون هي الأم الأكثر تكرارا في أعمالهما دون أن يعترض الجمهور على هذا التكرار وكأن حالة “الإرتياح” الموجودة في البلاتوه قد وصلت للجمهور في منازلهم، واللافت أن دلال عبد العزيز توفيت عن عمر 61 عاما ليكتشف البعض أنها تؤدي شخصية الأم بانتظام ربما قبل أن تصل للخمسين ودون أن تعترض على كونها “لسة صغيرة” على هذه الأدوار، ما أهلها لتكون خليفة شرعية لكريمة مختار لولا أن كورونا لم يهملها طويلا أو ربما اشتاقت سريعا لسمير غانم الذي سبقها للسماء دون أن يخبرها أولا عكس عادته طوال 35 عاما جمعت بينهم في منزل الزوجية.
محمد عبد الرحمن

ممحمد عبد الرحمن كاتب وناقد مصري مقيم في القاهرة.مصر و رئيس تحرير موقع إعلام دوت كوم
admin شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0
يشعر من يتتبع مسيرة فنان السينما الكبير رأفت الميهي – في ذكراه السادسة لمن يملك الوقت والرغبة – بأن هناك أكثر من سينمائي مصري يحملون نفس الاسم، ليس فقط لتعدد “الأدوار” التي قام بها في تاريخ السينما المصرية، كسيناريست ومخرج ومنتج وأستاذ أكاديمي،

الفنان المخرج الكبير رأفت الميهي. للحب قصة أخيرة
ولكن أيضا لتعدد التحولات الحادة في مسيرته والأنواع السينمائية التي قدمها، وتنوع الأساليب التي استخدمها، سواء ككاتب للنص السينمائي أو كمنفذ له برؤية شديدة الخصوصية وروح ساخرة لم تفارق معظم أعماله، وإن كانت تحمل قدرا كبيرا من المرارة.
رأفت الميهي، المولود في 25 سبتمبر 1940، ينتمي إلى جيل من المثقفين المصريين تفتح وعيه على ثورة يوليو 1952، وتربى على قيمها ومبادئها، وعاش انتصاراتها وانكساراتها، وصدمته نكستها في يونيو 1967، ولم يكد يستعيد توازنه بعد انتصار أكتوبر 1973 حتى أصابه الإحباط والحيرة مع تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، بكل ما رافقه من فساد اقتصادي واجتماعي وسياسي، وبكل ما تسبب فيه من زيادة نسبة الفقر، واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتلاشي مفهوم العدالة الاجتماعية، ربما إلى يومنا هذا.
بدأ مشواره عام 1966 بكتابة السيناريو، حين كان شابا في السادسة والعشرين، وفي هذه المرحلة المبكرة كانت أعماله تعبيرا سينمائيا بليغا عن التحولات والتطورات الوطنية الحادة والمتلاحقة، في فترة “درامية” بامتياز من تاريخ مصر، هوت من ذروة وفورة الحلم القومي السعيد، بعد انتصار واستقرار ثورة 1952، إلى سفح ومستنقع النكسة، وبمعنى أدق: الهزيمة.. ومن قمة الشعور بالفخر الوطني بعد انتصار 1973، إلى حضيض فساد الانفتاح، الذي وصفه الكاتب الكبير الراحل أحمد بهاء الدين بأنه “سداح مداح”.
ويمكن اعتبار الفترة من 1966 إلى 1975 المرحلة الأولى من مسيرة رأفت الميهي، حين كان القلم الأمين المعبر عن هذه التحولات الدرامية، والعين التي رصدت تلك المتغيرات المصرية المتلاحقة خلال فترة قصيرة من الزمن، بوعي المثقف اليساري الذي يشعر بأن من واجبه تصفية حساب وطنه – وحساب جيله وحسابه هو شخصيا – مع فترة ما قبل ثورة 1952، ومع هزيمة 1967، ومع سياسة الانفتاح الاقتصادي وغيرها.
خلال تلك الفترة، كتب الميهي السيناريو والحوار، أو قام بالتأليف الكامل، لمجموعة من الأفلام المهمة التي دخل بعضها تاريخ السينما المصرية، ومنها “غروب وشروق” (1970)، و”شيء في صدري” (1971)، و”على من نطلق الرصاص” (1975)، وكلها من إخراج الكبير كمال الشيخ، الذي كوّن مع الميهي خلال هذه الفترة ثنائيا لا ينسى كان بمثابة ضمير سينمائي للوطن.. وفي هذه المجموعة من الأفلام، اعتنى الميهي بالحوار، وحوله في بعض الأحيان إلى محاكمات حقيقية لعهود أو أشخاص، من دون مضايقة المشاهد بالتعبيرات الإنشائية أو الشعارات الجوفاء، ومن دون إصابته بالملل.. وفيها أيضا اتبع طرقا في السرد مختلفة عما كان سائدا في السينما المصرية في ذلك الوقت، أبرزها في رأيي التوظيف الجيد لأسلوب العودة إلى الماضي (الفلاش باك)، بطريقة تجعل منه جزءا لا يتجزأ من البناء الدرامي، وليس زائدة يمكن الاستغناء عنها ببعض الجمل الحوارية، كما هي الحال في العديد من الأفلام السابقة واللاحقة.
وتميز أسلوبه في كتابة السيناريو خلال تلك الفترة أيضا باستخدام الإسقاطات والرموز الفنية، لكن بطريقة غير مباشرة تبتعد عن الفجاجة التي استخدم بها غيره الرموز خلال نفس الفترة وفي فترة سابقة عليها.. وعلى سبيل المثال، في المشهد الأخير من تحفة الشيخ والميهي “غروب وشروق”، تقف البطلة المستهترة التي تدفع ثمن استهتارها غالياً في عهد ما قبل الثورة (سعاد حسني) في النافذة وتزيح الستار قليلاً لكي تتابع – بعينين مبتلتين بالدموع – زوجها وصديقه (رشدي أباظة وصلاح ذو الفقار) وهما يغادران حديقة القصر بعد نهاية والدها رئيس القلم السياسي (محمود المليجي) وتدمير حياتها هي بالكامل.. عيناها تلخصان المأساة كلها من دون كلمة واحدة.. بعد خروجهما، تسحب يدها لينسدل الستار بسرعة على حياتها وعلى الفيلم كله.
هذه اللقطة البارعة لا تنهي المشهد أو الفيلم فقط، بل تنهي عصرا كاملا وتعلن بداية عصر جديد بشكل سينمائي بليغ وغير مباشر، شأن العديد من اللقطات والمشاهد الأخرى في سيناريوهات رأفت الميهي.
وفي “شيء في صدري”، صراع درامي نادر بين “الباشا” الفاسد عديم الأخلاق (رشدي أباظة)، و”الأفندي” رمز الشرف والاستقامة (شكري سرحان)، وتعود خصوصية الصراع إلى عدم وجود الأفندي أصلا، حيث يموت تاركا طيفه يطارد الباشا ليلا ونهارا، ويحول حياته إلى جحيم، مما يحول بدوره الميلودراما التقليدية المعهودة في مثل تلك القوالب إلى ما يشبه الدراما النفسية شديدة التعقيد، والتي تتطلب في كتابتها قدرا كبيرا من الوعي والمهارة والموهبة.
في الفيلمين السابق ذكرهما، أعد الميهي السيناريو والحوار عن أصلين أدبيين لجمال حماد وإحسان عبد القدوس على الترتيب، أما في الفيلم الثالث الذي يجب التوقف عنده، “على من نطلق الرصاص”، فكتب القصة والسيناريو والحوار، للتعبير عما يمكن تسميته “أزمة جيل النكسة” من شباب المثقفين، الذين أصابتهم الهزيمة بالإحباط واليأس والحيرة، وخرجوا – أثناء دراستهم الجامعية أو بعد انخراطهم في سوق العمل – في مظاهرات للمطالبة بالحقوق السياسية ومحاسبة المسئولين عن الهزيمة العسكرية، ثم صدمتهم – بعد سنوات قليلة – سياسة الانفتاح الاقتصادي وتداعياتها.
من هؤلاء “مصطفى” (محمود ياسين)، الذي اعتقل مرتين عامي 1964 و1967 لمشاركته في مظاهرات تطالب بالمزيد من الحريات وتقديم المسئولين الحقيقيين عن النكسة للمحاكمة وإعادة جميع الأحزاب بما فيها الحزب الشيوعي، وخضع للعلاج النفسي بعد إصابته بمرض عصبي إثر تعذيبه في المعتقل.. ولدينا صديقه المهندس “سامي” (مجدي وهبه)، الذي تلفق له تهمة التسبب في سقوط مشروع للإسكان الشعبي ويسجن ثم يتم قتله في السجن بالسم.
ينتمي “على من نطلق الرصاص” إلى نوعية “الفيلم نوار” أو القاتم، ويشهد تطبيقا مبكرا لمبدأ “الحل الفردي”، حيث يطلق “مصطفى” الرصاص على “رشدي”، رئيس شركة الإسكان (جميل راتب)، انتقاما لصديقه الذي قتله “رشدي” وتزوج خطيبته “تهاني” (سعاد حسني).. ويقدم الميهي في الفيلم مصيرا قاتما بدوره لجيل الهزيمة، حيث يموت “مصطفى” – كما مات صديقه – بعد أن صدمته سيارة أثناء هروبه من مسرح إطلاق الرصاص على “رشدي”، وتنهار حياة “تهاني” بالكامل بعد اكتشافها حقيقة زوجها الذي تحول من مجني عليه في واقعة إطلاق الرصاص إلى جان في جريمتي قتل “سامي” والغش في بناء المساكن الشعبية.
رسالة الفيلم شديدة الوضوح، وتصلح لكل زمان ومكان، وهي أنه يجب إطلاق الرصاص على “القطط السمان” من مصاصي دماء الشعوب، وليس على المجني عليهم من أبناء هذه الشعوب.. ويكشف الفيلم عن رؤية ثاقبة لرأفت الميهي تتجاوز حدود تصفية الحساب مع الماضي وتحليل الحاضر إلى استشراف المستقبل، وتتجلى في صرخة أطلقتها “تهاني” (سعاد حسني) في النهاية بعد أن اكتشفت الحقيقة: “الناس دي كلها ماتت ليه.. ماتت ليه.. الناس دي كلها بتموت ليه؟”، وكأنها صرخة يتم إطلاقها على خلفية ما تشهده مصر هذه الأيام.
ينهي “على من نطلق الرصاص” المرحلة الأولى من مسيرة رأفت الميهي، والتي أدلى فيها بشهادته عن فترة حرجة من تاريخ مصر، ثم توقف ليلتقط الأنفاس ويعيد الحسابات وترتيب الأوراق، حيث لم يقدم أي عمل سينمائي من 1975 إلى 1981.. وعندما عاد، كان كل شيء قد تغير، سواء على المستوى الوطني أو على مستواه هو شخصيا، ومستوى قناعاته الفكرية والفنية.
على المستوى الوطني، تولى الرئيس المخلوع حسني مبارك الحكم في عام عودة الميهي إلى السينما، وبدأ فترة حكمه بإشارات اعتبرها المثقفون – ومنهم السينمائيون – إيجابية، ومنها الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإعلانه رغبته في ألا تزيد مدة حكمه عن فترتين، ورفضه النفاق والمنافقين، وانعكس التجاوب معه في تخلي السينما المصرية عن أفلام الهزل وتصفية الحسابات التي كانت قد سادت في السبعينيات، ومحاولتها النزول إلى الواقع للتعبير عنه، فظهر ما سمي بعد ذلك – مع تحفظي شخصيا على التسمية – “الواقعية الجديدة”، وصعد نجم عدد من المخرجين المتميزين، سواء الذين بدأوا في الثمانينيات أو قبلها بسنوات قليلة، مثل عاطف الطيب ومحمد خان وداود عبد السيد وخيري بشارة وسمير سيف، وشهد عقد الثمانينيات صناعة عدد من تحف وكلاسيكيات السينما المصرية.
وعلى المستوى الشخصي، اتخذ الميهي في بداية الثمانينيات قرار الاتجاه للإخراج إلى جانب التأليف والإنتاج، ليصبح – في المرحلة الثانية من مسيرته السينمائية – أحد فرسان “الواقعية الجديدة” وأحد أبرز وجوهها.. ويبدو أن القرار كان استجابة للتحولات السياسية والاجتماعية من حوله، ولتحولاته الشخصية التي فرضت عليه أن يعبر عن أفكاره وآرائه في تلك التطورات بشكل أكثر حرية ووضوحا.. وكنت سألته – في حوار أجريته معه ونشر في “الأهرام المسائي” بتاريخ 30 يوليو 1995 – عن أسباب تحوله للإخراج، فرد قائلا: ” هذا تحول طبيعى جدا لأن معظم المخرجين قادمون إما من السيناريو أو من المونتاج.. طبيعى أن (سكة) السيناريو توصل إلى الإخراج.. وأيام كنت كاتبا للسيناريو فقط، كان الناس يقولون عنى إننى (مشروع مخرج) لأننى كنت أكتب الفيلم كاملا بكل تفاصيله على الورق.. ثم أننى فى لحظة ما شعرت برغبة داخلية فى أن أمتلك قيادة سفينتى وان أميل إلى التعبير الذاتى فى أفلامى وأن أقدم رؤيتى الخاصة التى يصعب على المخرجين الآخرين أن يقدموها.. وذلك رغم أننى لا أشكو من المخرجين الذين عملوا معى على الإطلاق، فقد قدموا جميعا أفلامى كما كتبتها على الورق تماما”.

تمتد المرحلة الثانية من مسيرة الميهي من 1981 إلى 1987، وخلالها أصبح “صانعا للأفلام” يكتب وينتج ويخرج، وقدم ثلاثة أفلام مهمة لا يمكن إغفالها، سواء في تيار الواقعية الجديدة أو في تاريخ السينما المصرية بشكل عام.. فقد عرض عام 1981 فيلم “عيون لا تنام”، أولى تجاربه الإخراجية، مستوحياً السيناريو من مسرحية “رغبة تحت شجرة الدردار” ليوجين أونيل، غير أن الفيلم مختلف تماما عن أحداث وأجواء المسرحية الأمريكية، حيث قدم الميهي معالجة جديدة لهذا العمل الأدبي الشهير، وغيَّر في الأحداث وفي بناء الشخصيات وعلاقاتها. وعن ذلك قال: “أنا مسئول عن نص (عيون لا تنام) من أوله إلى آخره.. فأنا لست ناشراً، ولا أعيد نشر رواية، بل أتناولها وأكتب وجهة نظري الخاصة”.
أضفى الميهي نكهة ملحمية على فيلمه الأول كمخرج، وحمّله أفكارا تعتمد أساساً على الرغبات المرتبطة بالطبيعة الإنسانية، ومنها الشهوة، والطمع، وحب التملك. ولكنه قدمها بعيون ناقدة ومتفهمة لمدى خطورة هذه الرغبات، فهي عندما تسيطر على الإنسان تحطمه وتقضي عليه.
وبعد 17 عاما كاملة من بدء مسيرته، شهد عام 1983 أول موعد للميهي مع الكوميديا التي ارتبط بها وارتبطت به فيما بعد طويلا، وإن كان الفيلم الذي بدأ به مشواره معها – “الأفوكاتو” – ينتمي إلى ما يمكن اعتباره “كوميديا سوداء”، حيث يتناول بسخرية مريرة مجتمع الفهلوة والشطارة المادي الذي أفرزته سياسة الانفتاح الاقتصادي، من خلال المحامي الألعبان “حسن سبانخ” (عادل إمام) الذي يحاول التأقلم مع أوضاع السجن أثناء قضائه عقوبة الحبس لمدة شهر بسبب إهانته المحكمة فى إحدى القضايا.
يتمكن “سبانخ” من إقامة العديد من علاقات البيزنس البهلوانية أبرزها مع تاجر المخدرات حسونة محرم، وسليم أبو زيد أحد مراكز القوى فى الستينيات، ويلعب على جميع الحبال، ويبدأ فى تحريك النظام القضائى وأوضاع المجتمع المقلوبة كعرائس الماريونيت. ينجح فى إخراج حسونة محرم من السجن “زى الشعرة من العجين”، وإعادته لواجهة المجتمع مرة أخرى، ليس من أجل “سواد عيونه” ولكن تمهيداً لقيام “سبانخ” نفسه بالنصب على حسونة فى “خبطة العمر”، حيث تضمنت خطته دخول المستشفيات والاتجار فى العملة، و تزويج شقيقة زوجته لحسونة، إلا أن الأخير ينجح فى الإيقاع بالمحامى البهلوان وإرغامه على دخوله السجن.. ولأن سبانخ لاعب أكروبات، فإنه سرعان ما يستأنف نشاطه من داخل أسوار السجن، متحالفاً مع سليم أبو زيد فى عملية جديدة وحياة “ملتوية” جديدة.
تلك كانت رؤية الميهي الساخرة لمجتمع ما بعد الانفتاح، والتي أتبعها برؤية ميلودرامية شجية لمجتمع الثمانينيات في فيلمه الجميل “للحب قصة أخيرة”، الذي يعتبره الكثيرون – وأنا منهم – من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية.. ورغم أنه يُصنف ضمن أبرز أعمال ما يسمى بتيار الواقعية الجديدة، إلا أنني أرى أنه ينتمي أكثر إلى الواقعية السحرية، بفضل أبعاده الروحية والميتافيزيقية، والأجواء الغامضة الساحرة لجزيرة الوراق التي تدور فيها أحداثه، وأسلوب تنفيذه تقنيا، ومعالجته دراميا ليصبح مزيجا من العلاقات الإنسانية المتناقضة، ومن الحب والكراهية، الحياة والموت، الوضوح والغموض، الصدق والزيف، الصحة والمرض، الخرافة والعلم.

قدم الميهي الفيلم في منتصف الثمانينيات، ومنتصف مسيرته السينمائية، ليكون شاهدا على وصوله إلى ذروة نضجه الفني، حيث أعتبر “للحب قصة أخيرة” أهم أفلامه على الإطلاق، سواء على مستوى التأليف أو الإخراج، لتعدد مستويات تلقيه، وتحميله رسائل ومعان شديدة الأهمية من دون مباشرة ولا فجاجة ولا صوت عال.. يضعنا الفيلم في مواجهة المرض والموت من خلال المدرس المثقف “رفعت” (يحيى الفخراني)، المريض بالقلب والذي ينتظر الموت في أي لحظة، لكنه يقرر أن يكذب على زوجته “سلوى” (معالي زايد) – بالاشتراك مع طبيب الجزيرة “حسين” (عبد العزيز مخيون) – ويوحي لها بأنه شُفي.. وتظن الزوجة أن “المعجزة” من “كرامات” الشيخ “التلاوي” الدجال الذي كانت قد لجأت إليه بعد أن أقام له أهل الجزيرة “مولد” إثر عودته إلى الحياة من الموت!
وعندما يموت “رفعت” في مشهد بليغ، وتنكشف حقيقة التلاوي، تذهب “سلوى” – في النهاية – إلى مقر الدجال وتحطمه بالفأس، في واحد من أهم مشاهد الفيلم، لأنه دعوة مباشرة للتخلص من الغيبيات والخرافات التي تحكم تفكير وسلوك الكثير من المصريين وتعطل تقدمهم، مسلمين ومسيحيين، حيث يشير الفيلم إلى جارة مسيحية طيبة تدعى “دميانة” تأتي ب”البشارة” على طريقتها بأن الله سينجي “رفعت”.
ويحسب لرأفت الميهي أنه كان – في ذلك الفيلم – من أوائل الذين نبهوا إلى خطورة تجار ومهاويس الدين، قبل سنوات قليلة جدا من موجة الإرهاب الديني الأسود التي ضربت مصر في بدايات التسعينيات من القرن الماضي.
وعلى مستوى آخر من التلقي، يطرح الفيلم قضايا فلسفية مثل الحياة والموت، وهناك معادل موضوعي للشاب الذي ينتظر الموت المؤكد – ورغم ذلك يتفاءل ويتمسك بالأمل – يتمثل في والدة الطبيب البالغة من العمر 95 عاما، والتي تظل وابنها يتوقعان الموت لمدة 15 عاما من دون أن يأتي، ويكون موتها بعد ذلك نذيرا بموت البطل.. ومقابل المدرس الحيّ / الميّت، هناك الميّت / الحيّ، المتمثل في شاب من أبناء الجزيرة يُقتل في حادث، ورغم ذلك يظل والده (عبد الحفيظ التطاوي) ينتظره كل ليلة – على مدار 15 عاما – عند “المعدية” التي تربط الجزيرة بالعالم الخارجي.
ويرمز المدرس المريض بالقلب للمثقف المأزوم الذي لا يستطيع تحمل الضغوط المحيطة به، حتى أنه من فرط اليأس والإحباط يفكر في فكرة تناسخ الأرواح، على أمل أن تعيش روحه بالشكل الذي يريده ويحلم به في جسد آخر بعد موته.. لكن الحقيقة أن الفيلم لا يتمسك بذلك الأمل، ولا يترك للمشاهد سوى الشجن النبيل الذي من المفترض أن يدعوه للتأمل وإعادة الحسابات.
ورغم التميز الفني الواضح لفيلمي “الأفوكاتو” و”للحب قصة أخيرة”، اللذين قدمهما الميهي في قمة توهجه الفني خلال ثلاث سنوات فقط (من 1983 إلى 1985)، إلا أنه لم يسلم من أعداء الإبداع من خفافيش الظلام، الذين أشهروا في وجهه سلاح محاكم التفتيش المصرية ولا حقوه قضائيا من دون أي مبرر.. فقد حوكم “الأفوكاتو” ومخرجه ومنتجه، وكذلك بطله (عادل إمام)، بتهمة “تشويه مهنة المحاماة”، وهي قضية كانت تعد – في ذلك الوقت – سابقة خطيرة في تاريخ السينما المصرية.
أما قضية “للحب قصة أخيرة”، فكانت أخطر، حيث اتهم المخرج وبطلا الفيلم (معالي زايد ويحيى الفخراني) ومنتجه (حسين القلا) بتهمة تصوير فعل فاضح وأحيلوا إلى نيابة آداب القاهرة. أما “الفعل الفاضح”، فكان مشهد حب جمع بين الزوجين في الفيلم، علماً بأن كل مشاهد الحب في ذلك العمل لم تكن لها أي علاقة بالإثارة، حيث كانت حزينة، تنعي علاقة عاطفية شاعرية مصيرها الموت.
بتلك القضية المؤسفة، انتهت المرحلة الثانية من مسيرة رأفت الميهي السينمائية، وبدأت المرحلة الثالثة عام 1987 بإخراجه فيلم “السادة الرجال”، وكانت – كالعادة – مختلفة تماما عن سابقتيها، ولابد من التوقف طويلا عندها، ليس فقط لأنها آخر مراحله واستقرت عندها شخصيته الفنية، ولكن أيضا لأنها شهدت أكثر تحولاته حدة، وأكبر كم من الصعوبات واجهها في مشواره.
من الواقعية، والواقعية السحرية، والدراما النفسية، و”الفيلم نوار”، والميلودراما، وكل الأنواع التي قدمها في المرحلتين السابقتين، إلى الفانتازيا والعبث المطلق والكوميديا الصرفة – “الفارص” إن شئت التعبير – في “السادة الرجال” وما تلاه من أفلام حتى فيلمه الأخير “شرم برم” (2007).. كيف حدث هذا التحول الحاد المفاجئ، الذي جاء بعد عامين فقط من تقديمه “للحب قصة أخيرة”؟
للإجابة، لابد من استعراض الأوضاع السياسية والاجتماعية والسينمائية أيضا في مصر في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، وفي عقد التسعينيات كله، وهي الفترة التي صنع خلالها الميهي معظم أفلامه الفانتازية أو العبثية، في رد محتمل على ما أحاط به من تطورات وما تعرض له من ضغوط.
كان الرئيس المخلوع حسني مبارك – بعد مرور بضع سنوات على توليه الحكم – قد بدأ يطرب للنفاق، ويحب المنافقين، ويلتصق بالكرسي، ويستعد للبقاء مدى الحياة.. وكان قد تحول إلى “زعيم” معزول في قصره لا يستمع ولا يثق إلا في البطانة السيئة المحيطة به.. وعلى أساس أن “الناس على دين ملوكهم”، انطلقت على الفور صناعة “الزعيم الأوحد” في كل مجال وقطاع على أيدي البطانات المنتفعة، وانسحب ذلك على السينما، فأصبح هناك زعيم للإخراج، وآخر للنقد السينمائي، وثالث للسيناريو.. إلى آخره.
وكما تجاوبت السينما مع الإشارات الإيجابية لمبارك في بداية فترة حكمه، تجاوبت مع الإشارات والممارسات السلبية التي ظهرت في دائرة سلطته وتزايدت بمرور السنوات، وبدأ السينمائيون يدركون أنه ليس الحاكم الذي تخيلوه أو تمنوه، وانعكس موقفهم الجديد على أعمالهم واختياراتهم.
وكانت التسعينيات عقدا مفصليا في تاريخ الوطن العربي، ومنطقة الشرق الأوسط، وفي فترة حكم مبارك بشكل خاص، ليس لأنها تتوسط هذه الفترة، ولكن لأنها شهدت حماقة غزو العراق للكويت، ثم تدمير العراق نفسه على أيدي الولايات المتحدة وحلفائها، في مأساة غيرت وجه المنطقة وموازين القوى والمصالح فيها إلى الأبد.. كما شهدت موجة الإرهاب الدموية التي اجتاحت مصر ودولا أخرى خلال النصف الأول من العقد، وتركت جرحا غائرا ما زلنا جميعا نحاول علاجه.
وكان من الطبيعي أن ينعكس كل ذلك على السينما، التي سرعان ما بدأت تخلع عباءة “الواقعية”، التي كانت قد ارتدتها في الثمانينيات، لنفورها من الواقع المرير.. وانعكس هروب السينمائيين المصريين من الواقع في اللجوء للترميز، والسينما الذهنية، التي قام أغلبها على أعمال أدبية، والعودة إلى التاريخ بشكل مشوه وممسوخ، كما فعل يوسف شاهين في “المهاجر” و”المصير”، وفي الدق على أبواب الدجل والشعوذة في أفلام مثل “البيضة والحجر” و”عتبة الستات”، وفي النقل عن الأفلام الأمريكية بلا حرج لتقديم “أكشن” ضعيف ومتهافت في أعمال مثل “الباشا” و”الإمبراطور” و”شمس الزناتي”.
وما يهمنا هنا، أن رفض الواقع والنفور منه انعكس أيضا في اللجوء إلى الفانتازيا كما فعل عدد من المخرجين منهم رأفت الميهي، ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذا هو السبب الوحيد لتحوله الفني الحاد، فهناك بالتأكيد أسباب أخرى، منها قناعاته الشخصية، وتفاعله مع ظروف وشروط السوق – خاصة أنه يعمل بالإنتاج – وظروف وأجواء الأزمات التي عصفت بالسينما خلال تلك الفترة.
وقد تتعجل – كما فعلت أنا شخصيا في يوم من الأيام – وتصف هذه المرحلة بأنها الأضعف في تاريخ الميهي الطويل، وأنه لم يقدم خلالها ما يرقى لما حمل توقيعه منذ بدأ الكتابة للسينما وحتى ألّف وأخرج “للحب قصة أخيرة”، لكنك لابد أن تتروى قليلا قبل إصدار مثل هذا الحكم.. وربما تساعدك الكلمات التي وصف بها الفنان الكبير – في حواره معي – حال السينما والسينمائيين خلال تلك الفترة التي شهدت اتجاهه للعبث والكوميديا، حيث قال: “ظللت أكثر من 30 سنة (أهاتى) دون أن يشعر بى أحد ودون أن يستمع أحد.. حتى بدا لى أنه لا يوجد أمل فى الحل.. المشكلة أن هناك أناسا لا يحبون السينما ولا يدركون ما يمكن أن تضيفه للدخل القومى المصرى.. عندهم كنز ولا يعرفون كيف يستثمرونه.. نبحث عن البترول تحت الأرض وفوق الأرض صناعة هى الفريدة من نوعها فى الشرق الأوسط.. السينما يمكن أن تحقق مليار دولار سنويا.. وكما ندعم صناعة السياحة وصناعة البترول ونسافر إلى دول العالم لكى ندافع عن صناعة القمصان وتجارة البطاطس، يجب أن نعطى صناعة السينما – التى ليس لها منافس فى المنطقة – مثل هذا الدعم أو حتى نصفه لأنها ليست أقل من هذه الصناعات.. وليس معنى ذلك أن ينتج القطاع العام، بل يعنى ان السينما تحتاج إلى دفعة قوية من الدولة تشمل مجموعة من القرارات والقوانين لتشجيع الاستثمار.. يجب أن يفهم المستثمر أنه يستطيع أن يكسب من السينما أكثر مما يكسب من صناعة الجلود. لا أمل ولا حل سوى في إعادة النظر فى صناعة السينما برمتها، ووضع دراسة جدوى اقتصادية (مهما كانت تكلفتها) للسينما المصرية لعشر سنوات لكى نحدد بالضبط ما هو المطلوب لكل قطاع من قطاعاتها لتحقيق المرجو منها وتشجيع الاستثمار. أما السينمائيون فإنهم يفعلون أقصى ما فى استطاعتهم ويعملون فى ظروف بالغة الصعوبة.. ونوع من القسوة الإنسانية أن تطلب من السينمائيين أن يفعلوا المزيد.. هؤلاء الناس الذين يعشقون الفن ويعشقون السينما وينحتون فى الصخر ويصنعون أفلاما جيدة رغم الأوضاع المتردية للسينما وستوديوهاتها ومعاملها وقاعاتها، يستحقون أن نقيم لهم تمثالا مثل الجندى المجهول ونسميه (السينمائى المجهول). هل يعلم أحد أننا ننتج بقروض من البنوك ونعمل بدون حماية؟ المسئولون عن السينما أقاموا الصناعة وعملوا فيها طويلا لكن السن لها حكمها والقضية فى حاجة إلى خيال خصب شاب وقرار حاسم، قبل أن نتصور أن هناك من يخطط لضرب صناعة السينما المصرية ومن يستهدف تدمير المنتجين حتى يتوقفوا عن العمل”.
معنى ذلك أن هذا الفنان كان يعمل ويحاول ويكافح فى ظل أزمة طاحنة وظروف قاسية، رغم أنه كان من السهل تماما أن يؤثر السلامة والراحة والربح ويعمل فى “الفيديو كليب” أو الإعلانات مثل غيره، ولكنه واصل الجهاد، ولذلك فهو – على الأقل – يستحق التحية.. وإن كان ذلك لا يمنع أنني لم أعجب بأفلام مثل “ميت فل” و”تفاحة”، رغم فوز الثاني بهرم مهرجان القاهرة الذهبي عام 1996.
فقد بدا لي الاستسهال واضحا فى الفيلمين، وأخطر ما فيه استسهال الموضوع أو القضية المطروحة، وهى فى “ميت فل” استبدال الآباء، وفى “تفاحة” استبدال الأزواج، مع الاعتماد فى كليهما على أربع شخصيات رئيسية فحسب، بينهما علاقات غائمة وغير منطقية (وغير فانتازية أيضا)، وتقوم على مفارقات فجة وبدائية.. وفى الحالتين، لم تكن “القماشة” (بلغة السينمائيين) تصلح لأن تكون فيلما، وكان الإصرار عليها يستوجب تعويض ضعف الموضوع بالعمق، والإحساس، والجدة، واللغة السينمائية الراقية، لكن الفيلمين افتقدا إلى كل ذلك.
وعلى المستوى التقنى، تبدى الاستسهال (بالفيلمين أيضا) فى الصور المسطحة، والإضاءة العادية، وزوايا التصوير التقليدية، فضلا عن السيناريو غير الجدير بتوقيع الميهي.. ويبدو أن ما دفعه إلى الاستسهال هو السعى لتخفيض النفقات، والتوفير، وإنجاز الفيلم فى أسرع وقت ممكن، نظرا لظروف الإنتاج وشروط “القرض” التى تجبره – كما قال – على إنتاج عدد معين من الأفلام فى عدد معين من السنين، لكن حتى ذلك ليس مبررا مقنعا، فطالما أن النقود موجودة (بأية طريقة)، لماذا لا نستغلها فى صناعة أفلام جيدة؟
أما أفضل أفلام تلك المرحلة الثالثة من مسيرة الميهي على الإطلاق، فهو “قليل من الحب كثير من العنف”، الذي يعد تجريبيا بامتياز ويقوم على سيناريو محكم وغير مسبوق لا يمكن أن يصدر إلا عن فنان كبير.. ولعل التردد بلغ بالميهى أشده وهو يفكر فى كيفية معالجة رواية الكاتب الكبير فتحى غانم التي تحمل نفس الاسم، فأخذ يسأل نفسه: هل يعالجها بالطريقة الميلودرامية التقليدية أم بالطريقة العبثية التى أحبها واعتاد عليها؟ ثم قرر فى النهاية، بعد أن أعياه التفكير، أن يقدم المعالجتين معا فى فيلم واحد، وهذا فى حد ذاته عبث يرضيه ويرضى من ينتظرون منه دائما الجنون (الفنى طبعا). فماذا كانت نتيجة هذه المغامرة؟
كانت النتيجة عملا جيدا يعد أول فيلم فى تاريخ السينما المصرية – وربما العالمية – يقدم معالجتين مختلفتين تماما لنفس القصة على نفس الشريط بفريقين مختلفين من الممثلين، فيما عدا ممثلة واحدة (ليلى علوى) تلعب نفس الدور فى المعالجتين، فكأنها تلعب شخصيتين مختلفتين تماما للاختلاف الكبير فى ملامح وخصائص الشخصية فى كل معالجة.
عهد الميهى إلى ثلاثى وسيم من الفتيان الأوائل (محمود حميده – هشام سليم – هشام عبد الحميد) ببطولة المعالجة الميلودرامية، وإلى ثلاثى كوميدى (يونس شلبى – نجاح الموجى – أشرف عبد الباقى) ببطولة المعالجة العبثية، وهو ما يعنى تلقائيا أن المعالجة الأولى ميلودرامية يشوبها الدمار والدموع، وأن المعالجة الثانية تتفجر بالمفارقات الكوميدية والسخرية المريرة.
ودون أن يشعر (وربما عن عمد)، يتحيز المخرج للمعالجة الميلودرامية، فيعطيها مساحة أكبر، ويختار أن ينهى الفيلم بنهايتها، ربما لأنه يهدى الفيلم – فى نهايته وليس بدايته – للمخرج الكبير صلاح أبو سيف، وهو من نجوم الميلودراما.
أما البداية فقد انشغل خلالها الميهى بأزمة السينما، وقضية السينمائيين، وأنشأ ما أسماه “مقبرة السينمائيين”، التى يُدفن فيها أهل السينما أحياء، أو يدفنون أنفسهم بكامل إرادتهم. ويستغل الميهى هذه المشاهد الأولى لضرب عصفورين بحجر واحد: توجيه صرخة السينمائيين إلى من يهمه الأمر، ومساعدة المشاهدين على الانتقال من معالجة إلى الأخرى، غير أنه – وفى منتصف الفيلم تقريبا، يرفع هذه المساعدة وينتقل بين المعالجتين دون فاصل، وهذا أفضل.
ولا شك أن أفضل مشهد تم فيه هذا الانتقال المباشر – ولعله أفضل مشاهد الفيلم – هو المشهد الذى تحتضن فيه ليلى علوى هشام سليم ثم يتسع الكادر لنجدها تحتضن نجاح الموجى الذى يقوم بدور هشام فى المعالجة العبثية، وهو أيضا أحسن مشاهد ليلى علوى من حيث الأداء، فهى تتحول أمام المشاهدين من النسخة الميلودرامية لشخصيتها إلى النسخة العبثية فى يسر وتمكن.
يدور الصراع فى المعالجتين بين ثلاثة رجال على شخصية “فاطمة زكريا الأفيونجى” التى تلعبها ليلى علوى فى الحالتين.. والذى يدفعنا إلى تسمية إحدى المعالجتين “ميلودرامية” والأخرى “عبثية” هو نهاية كل منهما، فالمعالجة الأولى تنتهى بالكثير من العنف والدماء وبطريقة ميلودرامية (مصرع فاطمة وأحد الرجال الثلاثة وتلويث ملابس الجميع بالدماء)، بينما تنتهى المعالجة الثانية نهاية عبثية (أغنية “فخفخينا” فى أحضان الإسكندرية واتفاق الرجال الثلاثة على “اقتسام” فاطمة).
والشيء الممتع فى “قليل من الحب كثير من العنف” أنه يشعرك أن الميهى يصطحب معه شخصيات فتحى غانم إلى الملاهى ويمررها أمام “المرايا المسحورة” فتطول أو تقصر أو تسمن أو ترفع بصورة تثير الضحك والكثير من المرارة أيضا.. فشخصية “طلعت” يلعبها محمود حميده بوسامته ويونس شلبى بخفة ظله وشكله المميز، ونفس الازدواجية فى شخصية “يونس” التى يلعبها هشام سليم ونجاح الموجى، وشخصية “سيد” التى يلعبها هشام عبد الحميد وأشرف عبد الباقى بالإضافة إلى شخصية “فاطمة” التى تلعبها ليلى علوى بطريقة “خلطة المحشى” وأيضا بطريقة الكمبيوتر التى تجعلها تنجب كل شهر مثل الأرانب!
وتمتد لعبة المرايا إلى الشخصيات الثانوية، فشخصية “مرسى” التى يقدمها عطية عويس بكل وقار وجدية، تصبح أمام المرآة قزما “لكن واصل” كما ورد على لسان نجاح الموجى، وشخصية “صفوت” يلعبها حسن كامى بكل عنجهية وتتحول فى نفس الوقت إلى شخص صامت مريب يتحدث مع الناس عبر جهاز التسجيل وبصمات الصوت.. أما أبلغ مثال على لعبة المرايا فهو شخصية شقيقة يونس التى تلعبها الرقيقة عزة بهاء وتتحول فى المعالجة العبثية إلى السمينة فاتن شعبان، التي اشتهرت وقت عرض الفيلم بعمل إعلان لنوع من الحلاوة الطحينية!
وبرر الميهي ظهور الفيلم بفريقين من الممثلين وبمعالجتين وكأنه فيلمان فى فيلم واحد بأن الرواية تبدأ بعد حرب الخليج، وأنه أراد أن يبرز حالة الشيزوفرينيا التى أصابت العالم العربى كله بسبب هذه الأزمة.. فكان لابد من هذا الشكل الجديد الذى يعبر عن المضمون.. ثم تساءل: “لماذا لا أتشجع وأقدمه، هل يجب أن أنتظر حتى يقدمه الغرب حتى أقلده؟”.
ولم يرجع صاحب الفيلم نجاحه تجاريا إلى استيعاب الناس للشكل الجديد، بل نسب الفضل لفريق النجوم الذي شارك في البطولة، قائلا: “أعتقد أن فريق الممثلين له دور، فالشكل صدم المشاهد إلى حد كبير لأنه غير معتاد عليه.. وبالمناسبة هو شكل غير مسبوق ويعتمد على إقامة (ماراثون) بين الممثلين ولم يقدم من قبل لا فى السينما المصرية ولا فى السينما العالمية، ولذلك أرهق المشاهد.. أعتقد أننى كنت قاسيا جدا على المشاهد لأن الفيلم – إلى جانب الشكل غير المألوف – به كمية كبيرة من القلق والتوتر والمتلقى بدوره به ما به منهما ولا يتحمل المزيد.. ولذلك قررت أن أقدم، فى مرحلة ما بعد (قليل من الحب)، لونا آخر يميل إلى الكوميديا”.
وربما يكون ذلك مبرر الميهي لإخراج “ميت فل”، و”تفاحة” و”ست الستات”، في محاولة “لتخفيف الجرعة” بعض الشيء.. وعندما سألته إن كان سعى بذلك لمصالحة الجمهور، قال: “لا، أتراجع فقط خطوتين لكى أتمكن من الانطلاق مرة أخرى.. ليس تراجعا فنيا ولكنه (تراجع طموح).. ثم أن الجمهور ليس له ذنب فى قضيتى الشخصية”.
إنه من “آخر السينمائيين المحترمين” الذين يضعون الجمهور في حسبانهم، لا بحسابات التجارة و”خلطاتها السرية” التي يظن بعض السينمائيين والمنتجين أنهم يحتكرونها، ولا بشعار “الجمهور عايز كده” المقيت، ولكن بحسابات التلقي التي يجريها مبدع كبير ليعرف أين يقف من جمهوره، وأين يقف جمهوره منه، وما إذا كان “قاسيا” على ذلك الجمهور من عدمه، رغم أنه أثرى السينما المصرية والعربية كاتبا للسيناريو ومخرجا ومنتجا تحت ظروف فى غاية الصعوبة والقسوة، ولم يهتم أحد بمعاناته ولم يمد له أحد يد العون.
ظنه الجميع يريد الحصول على لقب “مخرج” ليزين به صدره عندما بدأ مسيرة الإخراج إلى جانب كتابة السيناريو، لكن كانت لديه حسابات فنية دقيقة تصب في صالح الدراما التي يقدمها، والحرية المطلقة التي يحلم بها، من دون أي رغبات نرجسية أو أطماع ديكتاتورية.. وعندما سألته عن أقرب مظاهر إبداعه إلى نفسه، لم يختر “المخرج”، بل قال على الفور: “طبعا كاتب السيناريو”. وأضاف: “هذه هى لحظة الإبداع الأولى والحقيقية.. المخرج مايسترو يعزف سيمفونية أبدعها السيناريست، لكن هذا لا يعنى أنه أقل قيمة، فأنت قد تحب أن تسمع سيمفونية من مايسترو معين ولا تحب أن تسمعها من مايسترو آخر”.
وعندما أقدم على الإنتاج، ظنه الجميع ساعيا للربح المادي، لكنه كانت له وجهة نظر فنية بحتة ليست لها أي علاقة بالمعايير التجارية: “اقتحمت مجال الإنتاج من أجل المزيد من السيطرة على موضوعى، وحتى لا أحمل المنتج تبعاته.. أردت أن أتحمل وحدى مسئولية تجريبى وتجديدى لاسيما فى لون الفانتازيا”.
خاض – كمنتج – مغامرة غير مضمونة العواقب بتقديم مجدى أحمد على كمخرج لأول مرة فى “يا دنيا يا غرامى”، حيث لم يكن الأخير له اسم في السوق كما يقولون، وكان قادما بدوره من مجال كتابة السيناريو، لكن الميهي كانت له مبرراته التي توضح إلى أي مدى تصل موضوعيته: “مجدي كتب قبل أن يخرج سيناريو فيلم (ضحك ولعب وجد وحب) وعمل مساعدا لجميع المخرجين الذين كانوا موجودين على الساحة، وأنا اكتشفته كمخرج وأفخر بأنني قدمته (هدية) للسينما المصرية.. وقد جاء فيلمه الأول شديد الرقة والنعومة والجمال”.
ورغم كل ما قدم، لم يشعر يوما – مثل أي فنان حقيقي وأصيل – بالرضا الكامل، ولا بالاطمئنان والاستكانة : “أنا قلق، ولست راضيا.. لكن ما قدمته هو أقصى ما استطعت أن أفعله فى الظروف التى مررت بها.. أنا فخور بكل أفلامى، ولكن السؤال: ماذا أفعل غدا؟ أنا (مرعوب من بكرة). لا أريد أن أكرر نفسي.. عندى طاقة خيال أريد أن أفتحها ولكننى قتلت خيالى بنفسى لضعف الإمكانيات، فالخيال معناه المزيد من المال، ومعاناتى الآن أننى أخنق خيالى بيدى.. عندى أكثر من أربعة موضوعات وهناك استحالة أن أنفذها.. ومن قبيل (الإجرام) أن أطلب من منتج آخر أن ينفذها”.
وربما لذلك ابتعد عن الإخراج للسينما منذ أن قدم آخر أفلامه “شرم برم” عام 2007، والذي لم يحقق النجاح المطلوب، شأنه في ذلك شأن أفلامه الثلاثة السابقة عليه: “علشان ربنا يحبك” و”ست الستات” و”ميت فل”. أخرج مسلسلا واحدا للتليفزيون هو “وكالة عطية” عام 2009 عن رواية للكاتب الكبير الراحل خيري شلبي، لكنه لم يستطع أن يضبط بوصلته الفنية الدقيقة على اتجاهات السوق الإعلانية التليفزيونية المتوحشة، ولم يجد نفسه في التجربة فلم يكررها.
وحتى تكتمل رسالته، أنشأ أكاديمية “فنون وتكنولوجيا السينما” التي تحمل اسمه لتدريس الفن السابع، وتضم أقسام الإخراج والسيناريو والمونتاج، ليضيف إلى “أدواره” السينمائية التي لا تنسى دور الأستاذ الأكاديمي الذي يحرص على نقل خبراته الكبيرة إلى الأجيال الجديدة من السينمائيين.
ولأن قلوب المبدعين الحقيقيين لا تحتمل كل هذا القلق وكل تلك الضغوط، فقد مرض قلب رأفت الميهي، وأجرى فيه عمليتين جراحيتين، إحداهما عملية قلب مفتوح.. كما دخل العناية المركزة بمستشفى “الهلال” في أغسطس 2012 بعد أن أجرى عملية جراحية فى مفصل الحوض إثر تعرضه لكسر. وظل يصارع المرض إلى أن رحل في 24 يوليو 2015.
أسامة عبد الفتاح

أسامة عبد الفتاح كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في القاهرة.مصر
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0





