المخرجون يتحدثون : حوار مع المخرج الفرنسي الكبير روبير بريسون. إعداد وترجمة صلاح هاشم


admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0


admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب 0

محمد ناجى ( 1947 – 2014 ) هو بشهادة المنصفين من النقاد أكثر الروائيين موهبة فى أجيال ما بعد نجيب محفوظ ولكنه أقلهم حظا … رصيده 8 روايات فقط ، من (خافيه قمر) التى نشرها فى العام 1994 وصولا إلى ( قيس ونيللى ) روايته الأخيرة التى نشرت قبل رحيله بشهور ، وبينهما ( لحن الصباح ، مقامات عربية ، الأفندى ، العايقة بنت الزين ، رجل أبله .. امرأة تافهة ، ليلة سفر ) وهو إنتاج قليل العدد ولكنه كبير القيمة . هل قرر الزمان أخيرا أن يعتذر لمحمد ناجى بعد خمس سنوات من رحيله ؟
محمد ناجى من كبار الموهوبين الدارويش ، ولم يسع إلى ناقد أو جائزة ، مع أنه كان جديرا بالاهتمام والجوائز .. ولم يسع إلى شهرة مع أنه كان الأحق بها من أنصاف الموهوبين الذين يملأون حياتنا ضجيجا بلا طحن .
بل واستكثرت عليه الحياة قصة حبه ( الأسطورية ) مع زميلته بالجامعة والتى كللت بالزواج وبإنجاب ولد وبنت ، كانت الزوجة ابنه لطبقة ارستقراطية رأت أن الزيجة غير متكافئة اجتماعيا ، فقررت أن تستعيد ابنتها بأى طريقة من هذا الفقير القادم من أرياف الدلتا لا يملك إلا موهبته وحلمه !

ثم كانت مأساته ( الاغريقية ) فى محنته مع المرض اللعين ، والذى بدأ فيروس C ، دخل جسده على سبيل الخطأ فى عملية نقل دم ، واستوطن كبده وأصابه بتليف كامل استدعى زرع كبد جديد ، وبلغت التراجيديا ذروتها عندما فشل وزير الثقافة فى استصدار قرار علاج له على نفقة الدولة ، وحدثت ضجة وقتها احتجاجا وغضبا ، وخلال شهرين نشر 150 مقالا بأقلام أكبر الكتاب تطالب بسرعة سفر ناجى للعلاج ، ولما نجحت عملية زرع الكبد فى باريس .. مات فى فترة النقاهة !

ومن سمنود حيث جذور عائلته إلى باريس حيث ودع الحياة تمتد رحلة طويلة عريضة ، إنسانيا وإبداعيا ، شق فيها محمد ناجى اسمه فى الصخر ، ونجح بلا ضجيج ولا دعاية أن يكون رقما صعبا فى الرواية المصرية .. فى ربع القرن الأخير على الأقل .
بعد سنوات التجاهل الطويلة يعود محمد ناجى إلى النور ، حيث ضمته قائمة المكرمين فى الدورة الخمسين لمعرض القاهرة الدولى للكتاب ، حيث تقام له ندوة يعرض فيها الفيلم الوثاقى ( حكايات الغياب ) لصديق عمره الناقد والمخرج السينمائى المصرى صلاح هاشم ..
والمدهش أن تكريم ناجى فى المعرض جاء مصادفة ، فعندما عرفت الروائية القديرة سلوى بكر من صلاح هاشم فى زيارته الأخيرة للقاهرة أنه انتهى من مونتاج فيلم عن محمد ناجى ذهبت إلى مكتب د. هيثم الحاج رئيس الهيئة العامة للكتاب والمشرف على تنظيم المعرض ، وبجدها الخاص نجحت فى إدراج ندوة لتكريم محمد ناجى فى اللحظات الأخيرة .

فيلم ” حكايات الغياب ” ووصف مصر من تاني
وصلاح هاشم ناقد ومبدع يقيم فى باريس منذ سنوات طويلة ، وفيلمه عن ناجى هو فيلمه الوثاقى رقم 6 ضمن مشروع شخصى طموح لحفظ الذاكرة المصرية وتوثيق تاريخها ، ربما كان أبرزها فيلمه ( البحث عن رفاعه ) الذى قدم فيه رؤية جديدة لسيرة واحد من أكبر رواد التنوير فى مصر الحديثة .. الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى .
أما فيلمه الجديد عن محمد ناجى فله ملابسات مثيرة لعبت فيها المصادفة دورا مهما فى أن يجلس ناجى أمام عدسته ليحكى حكايته فى نحو خمس ساعات .. يحكى لى صلاح هاشم التفاصيل بحماس وبذاكرة متقدة لم تسقط منها التفاصيل : ” تعرفت على ناجى منذ سنوات دراستنا فى جامعة القاهرة التى التحقتنا بها عام 1962 ، كنا زملاء فى كلية الآداب ، هو فى قسم الصحافة وأنا فى قسم اللغة الانجليزية .. جمعتنا الموهبة الأدبية وجمعية ( آمون ) التى ضمت فى عضويتها وندواتها مجموعة من ألمع مثقفى الستينيات منهم أهداف سويف وزين العابدين فؤاد وأسامة الغزولى وعبد العظيم الوردانى ، وكان محمد ناجى هو ألمع شعراء الجامعة فى جيلنا ، وكنت مفتونا بشعره المعجون بلغة صوفية رمزية وأردده عنه فى المنتديات ، وكنت مفتونا بالقصة القصيرة وكتبت قصصا مهمة نشرتها فى ملحق جريدة (المساء) وكان يشرف عليه حينها رجل يدين له جيلى بفضل كبير .. عبدالفتاح الجمل عليه كل الرحمات والتحيات .
” تخرجنا فى الجامعة وجراح نكسة يونيو مازالت طرية وقلوبنا تنزف ألما ، ودخل ناجى ليؤدى الواجب الوطنى سنه 1969 ليشارك فى حرب الاستنزاف وليظل فى الخنادق وعلى خطوط النار حتى ربيع العام 1974 بعد أن وضعت الحرب أوزارها ..وفرقت بيننا الظروف، وهاجرت أنا إلى باريس ، وسافر هو إلى شطآن الخليج ليعمل فى صحافته ، وفى زيارة لى لمصر بعد سنوات التقينا وتعانقنا وتجددت الذكريات ، ولأنه اعتاد منذ سنواتنا بالجامعة أن يقدم لى قصائده الجديدة لأقول له رأيى وملاحظاتى ، فقد فوجئت به يعطينى مخطوطة روايته الأولى ( خافية قمر ) فإذا بى أمام روائى فذ .. ومع توالى رواياته صنع ناجى لنفسه عالما مسحورا متفردا فى لغته وشخوصه وأحداثه .
” وبعد محنة مرضه جاء ناجى ليتلقى علاجه فى باريس ، وبحكم إقامتى الطويلة فى العاصمة الفرنسية ومعرفتى بها أصبحت مرشده ومرافقة ، كنا لا نفترق طوال فترة إقامته ، وخلال تلك الفترة قفزات إلى ذهنى تسجيل قصة وتجربة ناجى الطويلة والثرية مع الحياة ، وجلس أمام الكاميرا يحكى ، وكأنه كان يشعر أنها شهادته الأخيرة فقد حكى كل شئ ، وأصبح عندى كنز مدته خمس ساعات متصلة ، اكتشفت عندما راجعتنا أنها ليست شهادة ناجى الشخصية .. بل شهادة على عصر .. شهادة على جيل متفرد فى إنجازاته ونكساته.. واستعنت بمن يزيد تلك الشهادة عمقا وأبعادا جديدة ، فسجلت مع ثلاثة يعرفون ناجى عن قرب : أحمد الخميسى .. نبيل عبدالفتاح .. ومحمود عبدالشكور ..وشاركنى الحماس للتجربة صديقى وشريك تجاربى السينمائية المصور والمونتير اللبنانى سامى لمع ، وتولى إنتاج الفيلم ، واستغرق مونتاجه فترة طويلة ، إذ كانت مهمتنا غاية فى الصعوبة أن نستبقى من كل ما صورناه 74 دقيقة فقط هى كل زمن الفيلم “.
ويتيح لى صلاح هاشم فرصة ذهبية لأشاهد ( حكايات الغياب ) معه ، ويطل محمد ناجى بصوته وصورته ، يحكى بطريقة روائى متمكن يعرف كيف يسرد حكاياته بصورة مشوقة تجعل حواسك كلها منتبهة له ..
يحكى كيف ولد غريبا بحكم عمل والده الذى اضطرته ظروفه لينقل محل إقامته إلى بلدة (أبو حماد) بمحافظة الشرقية ، وطوال عشر سنوات عاشها هناك كان يسمع حكايات أسرته عن موطنها الأصلى فى مدينة ( سمنود ) الواقعة على نيل الغربية ، وكان من مصادر فخار الأسرة أنها تنتمى بصلة قرابة ( من ناحية والدته ) لزعيم الأمة فى سنوات ما قبل ثورة يوليو مصطفى باشا النحاس ، ولما حانت اللحظة المرتقبة وعاد والده إلى سمنود إذا بالأسطورة التى رسخت فى عقل الطفل الصغير عن مسقط رأس أسرته تنهار فى لحظة ، فقد كان حال أسرته من الفقر وحال مدينته من البؤس ما جعله يبكى على ( أبو حماد ) ، ولم يصدق أنها هى التى كانت آخر عواصم مصر الفرعونية !
ويحكى عن النقلة الهائلة فى حياته عندما جاء ليلتحق بجامعة القاهرة ، وكيف طلب من سائق التاكسى أن يدور به دورتين حول أسوار الجامعة ليشاهد مبانيها الفارهة وقبتها المهيبة ويسمع دقات ساعتها التى طالما صافحت أذنيه من الراديو قبل نشرات الأخبار .
ويحكى عن فترة تجنيده فى القوات المسلحة المصرية فى تلك السنوات الفارقة من عمر الوطن بين النكسة والعبور ، وكيف داخله شعور بالملل من منظر الصحارى القابض لنفسه التى اعتادت على مناظر النيل والطبيعة الخلابة فى الدلتا ، وإذا به يكتشف أنه فى قلب كنز لا يدرك قيمته ، ففى تلك الخنادق التى يعيش فيها مع زملائه من الجنود هو على موعد مع مصر الحقيقة ، ونماذج مبهرة من البشر ، جاءوا من بيئات مختلفة ومستويات اجتماعية وتعليمية متباينة ، وكل واحد فيهم عالم متفرد من الدراما الإنسانية .. وبعيون الروائى راح يلقتط تلك النماذج ويخزنها فى وجدانه لتخرج بعد ذلك نماذج حية على صفحات رواياته وعوالمه المسحورة …
ويحكى عن محنة المرض وكيف تعايش معها رغم آلامها المبرحة : ” المحن دروس قاسية من الحياة والشاطر هو من يستوعبها ويستفيد بها ” .. هذا ما خرج به من محنته مع السرطان الذى نهش كبده .. ويتذكر أنه يوم دخوله غرفة العملات لإجراء جراحة شديدة الخطورة لم يجد ما يخفف عنه آلامه سوى أن يأتى بأوراقه وأقلامه ويندمج فى استكمال فصول روايته الأخيرة ( قيس ونيللى ) ، وعاش فيها منفصلا عن الدنيا وآلامها حتى جاءه ابنه ليصطحبه إلى مشارط الجراحين .. وبعدها لم يخفف عنه آلامه سوى أن يعود إلى أوراقه ويستأنف الكتابة ، ثم كانت رسالة الرحمة الإلهية التى ظهرت على جدران غرفته عندما شاهد هذا المخلوق الجميل الذى كانت أمه تستبشر به وتراه مبعوثا سماويا مهمته تخفيف آلام المرضى والحزانى .. رغم أنه لا يزيد على عقلة الأصبع والذى يسمونه فى الريف ( فرس النبى ) .. ويصيغ محمد ناجى تلك الجملة البليغة : ( ما بين الألم والألم عشت أجمل فترات حياتى ) .. وعن رحلته مع الألم كتب كتابه المدهش ( يوميات الغياب ) ، ومن عنوانه استوحى صلاح هاشم اسم فيلمه ( حكايات الغياب ) .
وربما يكون أخطر وأهم ما فى ( حكايات الغياب ) هو ذلك المشروع الذى يقترحه ناجى وكأنه وصيته الأخيرة لمصر .. إنه يحلم بمشروع جديد لوصف مصر يعيد ما فعله علماء الحملة الفرنسية .. وفكرته ببساطة هى استغلال طلبة الجامعات الإقليمية وأغلبهم ينتمون إلى القرى المصرية فى جمع وتوثيق التراث الشعبى المصرى .. كل واحد منهم يكتب ما يعرفه عن قريته : أساطيرها الشعبية ، أغانيها فى أفراحها ومناسباتها ، عائلاتها وحكاياتها .. والمحصلة النهائية بعد التنقيح والتدقيق والغربلة هى أننا أمام توثيق جديدة للذاكرة المصرية الشعبية يحفظها من الضياع ويصونها لأجيال قادمة ، ويمكن أن يكون مادة ثرية للمبديعن …
كان محمد ناجى يتحدث عن مشروعه بحماس ويراه المنقذ اللهوية المصرية التى تتعرض لضربات موجعة ومؤامرات لا تنتهى ….
أسرار خاصة
ومع نزول تترات الفيلم يقول لى صلاح هاشم بأسى وتأثر واضح : مصر ظلمت محمد ناجى ولم تعرف قدره كمبدع حتى الآن .. ولا أعرف سببا مقنعا لعزوف السينما عن تحويل رواياته إلى أفلام .. أذكر أنه جاءنى مرة ليخبرنى أن الفنانة الكبيرة ماجدة اتصلت به لتشترى حقوق إحدى رواياته ولا أعرف لماذا لم يتم الاتفاق .. وأعرف أن السيناريست الكبير وحيد حامد اشترى منذ سنوات حقوق رواية ( قيس ونيللى ) لتحويلها إلى فيلم ، ولا أعرف متى سيبدأ فى تنفيذه .. ما أعرفه أن روايات محمد ناجى أكثر قيمة ومتعة من تلك الأفلام البائسة التى أفسدت ذوق الناس فى الفترة الأخيرة .. “
وأسأل صلاح هاشم أخيرا عن الأسرار التى احتفظ بها لنفسه عن ناجى ولم تظهر فى (حكايات الغياب) .. وبعد أن يشعل سيجارته يرد : فى أيامه معى فى باريس كنا نقطع شوارعها سيرا على الأقدام ولا نتوقف عن الحكى .. فضفض ناجى بالكثير عن حياته الشخصية .. بينها حكايات أحتفظ بها لنفسى .. لكن ما أستطيع أن أذكره أن ناجى فى فترة خلافاته مع عائلة زوجته والتى وصلت إلى المحاكم رفض أن يستعين بمحام ووقف أمام القضاه يقوم بدور المحامى فى قضيته .. كان شخصية ذات حضور إنسانى ملفت .. وأتمنى أن يكون فيلمنا عنه بداية رد اعتبار لصاحب ( خافية قمر ) ..

أيمن الحكيم
عن مجلة الإذاعة والتليفزيون
admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0

سجل بداية شهر يناير عام ١٩٥٧ عرض فيلم عبد الحليم حافظ ( بتات اليوم) اخراج هنري بركات، وبطولة ماجدة وآمال فريد وأحمد رمزي، وكريمان التي تجسد الفتاة العصرية، في زمن تألق الطبقة الوسطى المصرية وإزدهارها، وثقتها بنفسها والعالم من حولها.
تتحدث كريمان ( بثينة) في الفيلم بصراحة، إنها من جيل مختلف عن زمن أمها التي ترتدي ما يشبه الحجاب ، الذي ساد في عصر الظلام العثماني، وتحررت منه النساء مع ثورة ١٩١٩ ،وقيام هدى شعراوي بإلقاء هذا الحجاب على الأرض ،اذ يمثل القيد والمهانة، وسيطرة استعمار على العقول.

شخصية ( بثينة) متحررة من حجاب العصر الوسيط ،وملابسها تعبر عن فتاة مصرية حديثة ، تعيش في ضاحية المعادي ،ورغم طلاقهامن زوجها ،فأن إرادتها وفهم الحياة طبقا لهذا الزمن، لم تتغير ،وإن كانت الأم تخشى عليها من تلك الحرية ،ويوافقها سراج منير ،والد ماجدة، التي تفهم الحرية بأنضباط دون تهور، بينما شقيقتها الأصغر منها ،مندفعة نحو حداثة أوروبية بسماع الموسيقى، والذهاب للنادي، والرقص مع شباب في مثل سنها.
هذا الفيلم المصري الجميل، يناقش موضوع حرية البنات، في مجتمع الطبقة الوسطى المصرية ،وهي في قمة نجاحها، وثقتها بنفسها ،قبل انكسارات أطاحت بتلك الثقة ،عندما تم تجريدها من طموحات السوق المفتوح ،والمناخ شبه الليبرالي، الذي سمح بتطور فئات اجتماعية، عززت قدراتها بعلم وعقل منفتح .
سراج منير، طبيب ناجح، يعيش حياة عصرية، ويشجع بناته على اتخاذ القرار، ويراقب من بعيد ،مثلما فعلت أسر ذلك الزمان ،حتى في حي السيدة زينب، كان هذا النمط حاضرا للأب المنفتح الحديث، و بجواره الآخر المحافظ.
محافظة تلك الأيام، لم تسقط في صرامة التشدد الديني، الذي فرض ثقافته وتقاليده ،اذ وجود تنور إجتماعي واجانب، يسمح بحرية واضحة في الفيلم، اذ تذهب ماجدة لمدرسة شقيقتها الأصغر ،وهي راكبة دراجة هوائية ،وقد التقيت مذيعة مصرية في لندن، وتحدثت مها عن بنات المعادي، وهن يتجولن بالدراجات الهوائية ، فلم تصدق كلامها ،لأن الإحوال تبدلت بطريقة مخيفة ومحزنة.
الطبقة الوسطى المصرية ،يسجل الفيلم ازدهارها ،فالطبيب يملك فبلا جميلة، وبناته يعزفن على البيانو، الذي يحتل مكانه مهمة في المنزل ،والأب يذهب مع بناته للنادي ، ويتناول النبيذ مثل ابناء طبقته ،اذ لم تكن ثقافة التحريم وصلت مصر بعد.
يتناول الفيلم قضية الحرية والحدود المسموح بها ،ويتفاخر الأب بتلك الحرية، اذ تمنع الوقوع في الخطأ ،لأن الأحرار يملكون قدرة الإختيار والتمييز، بين الصحيح والخطأ ،وهذ ما تعلمته آمال فريد ،التي اعتقدت بحرية مطلقة، لكن خطأ صديقتها ( بثينة) دفعها للتراجع.
يأتي للفيلم محمد عبد الوهاب ،مع مؤلف الملاكي حسين السيد، ليصنعا اجمل الأغاني لعبد الحليم حافظ ،الذي صنع نجوميته في هذا العمل الجميل .
السينما المصرية ،عنوان النهضة ،تتقدم في ظل ازدهار مصر ،وتتراجع عندما تحاصرها سحب الظلام والكساد، وانهيار التفكير العقلي.
تاريخ السينما المصرية هو كتاب التقدم والتراجع إلى الخلف ،وفيلم( بنات اليوم) عن زمن مختلف ،لم يبق منه سوى الذكريات ،فالطبيب متحضر ومدني يعلم بناته فضل الحرية، في تكوين الفرد وسلوكياته.
كلية الطب في عصر ( بنات اليوم) تفرز شخصيات مدنية ،لأن الطب نتيجة للتقدم العلمي، وانهيار ثقافة الخرافات.
في هذا الزمن، لم تسيطر جماعات الثقافة الدينية السلفية على كليات الطب ،أم الآن، فقد تغلغلت ،وفرضت رؤيتها على أجيال جديدة ، من أطباء يشكلون كتائب التخلف، والمحافظة الأجتماعية الشرسة ،اذ انتشر النقاب بين طبيبات ،يتخرجن من كلية طب القاهرة ،التي تخرج منها رموز لليسار المصري، وتيارات ليبرالية مدنية مثل طبيب ( بنات اليوم)).

( المعادي) في الفيلم يسكنها مصريون متحررون من قيود العصر الوسيط ،يعيشون ثقافة زمانهم ،وقد تغيرت ( المعادي)، وخرج منها طبيب آخر يقتل البشر باسم الدين اسمه ايمن الظواهري، و تم تغيير نمط الحياة ،مما ادى لإنكسار الطبقة الوسطى ،وبعد أن كان الطبيب يحض بناته على حرية واعية ،أصبح الإنكفاء على الذات ،ورفض حقائق العلم ، سمة لطبقة ،كانت في سنوات سابقة، تنتج فنا ونمط عمارة ،وحياة مدنية مفتوحة.
لفت نظري في قراءة مذكرات برلنتي عبد الحميد ،تأنيب المشير عبد الحكيم عامر لثقافة، اكتسبتها من ظروف زمانها، ومعرفتها بماركسي مصري ، فتح عقلها على ثقافة إوروبية ،لم تعجب المشير ،الذي تهكم عليها لإنها لم تقرأ عن عدل عمر بن الخطاب.

وقفت أمام تلك الاعترافات، التي تشير لطبيعة حركة يوليو ،التي قادها ضباط صغار فغيرو الثقافة ،ووجدوا في الثقافة الدينية المحافظة مهربا لهم ،يمنحهم التميز.
حكام العصر الملكي ،كانوا على ثقافة إوروبية، ويسافرون لإوروبا ،وتأثروا بالغرب نتيجة تعليم وثقافة، انعكست على الفنون ونمط العمارة المصرية ،ويكفي تأمل وسط المدينة، الذي كان ينير بنمط حياة ،يعتمد على فن وانفتاح ،الآن ثقافة دينية سائدة ،تغلق الباب أمام اجتهادات الإنسان ،لإنه تلزمه بتفسير محدد، لا يشجع على الإجتهادات .
( بنات اليوم) ينير الشاشة، بأفكار جريئة، وموسيقى جميلة، وصوت عبد الحليم المعبر عن مصر جميلة ،تحب وتغني.. وواثقة من نفسها.
يسري حسين

محلل سياسي وناقد فني مصري مقيم في لندن
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, نزهة الناقد 0

كنت أجلس مع مجموعة الأصدقاء – نقاد وكتاب وفنانين تشكيليين -من الأسكندرية في مقهى ” كافيه دو لابيه ” – مقهى السلام – الذي يقع على الكورنيش، على بعد خطوات من محطة الرمل،وموقف الترماي، ومكتب البريد.وكنت أستطيع من المقعد الذي جلست عليه ، أن أرى من نافذة المقهي، بحر الثغر الجميل، الذي يمتد دوما في مخيلتي، ليلامس على الطرف الآخر، بلاد االيونان ،ويتواصل أيضا مع بحرها.عندما سألني فجأة صديقي الشاب ،من الأسكندرية، الذي إنضم منذ قليل الى حلقتنا، حيث جلسنا في الدور الثاني او العلوي من المقهي، و كان قبلها ،أعتذر بالطبع ،عن حضوره متأخرا للمشاركة في “الجلسة”.

لقطة من فيلم ” زوربا اليوناني ”
سألني كعادته ببراءة طفل كبير، وعفوية محببة ،وبجدية وإحترام :
– أستاذ صلاح مين هو نيكوس كازانتزاكيس ؟
التفت الي الجميع ،بعد أن تركوا ما في أياديهم، وسكنت الحركة فجأة في المكان.
قلت.. وأنا أنظر الى عمرو:
– نيكوس كازانتزاكيس، هو أشهر كاتب يوناني في القرن العشرين، زي نجيب محفوظ عندنا، وهو مؤلف رواية ” زوربا اليوناني ” ، التي اقتبستها السينما العالمية ،وقدمتها في فيلم بنفس العنوان، اضطلع ببطولته الممثل الأمريكي الكبير والقدير أنطوني كوين، الذي لعب دور البطل “عمر المختار” في فيلم بنفس الإسم للمخرج السوري الكبير العقاد ، هل تتذكر فيلم ” مدافع نافارون ” ؟.حسنا.لقد شارك كوين أيضا في بطولته، كما شارك في فيلم ” باراباس “- بطولة مطلقة – وفيلم ” يحيا زاباتا ” بطولة مارلون براندو ، ومن اخراج المخرج الأمريكي الكبير إيليا كازان، لكني أعتبر ،أن أعظم أدوار أ،طوني كوين على الشاشة ،كان في دور ” زوربا ” اليوناني، المأخوذ عن رواية نيكوس كازانتزاكيس. تمام ؟

أجاب عمرو :
– تمام . طيب.. ليه حضرتك، بتذكر إسمه علطول، في مقالاتك في الفيس بوك ؟
قلت :
” ..لأني أعتبره معلمي وأستاذي، مثل أساتذتي في الجامعة ،الذين تعلمت على يديهم، فقد تعلمت من نيكوس كازانتزاكيس،ابن جزيرة كريت في اليونان، الكثير من دروس الحياة، من كتبه ورواياته، ولذلك تجدني عندما أكتب، أحكي له أيضا في كتاباتي عن حياتي، كما أحكي لصديق مثلك الآن، عن مواقف وتجارب وشخصيات خبرتها وعرفتها، وكان لها ربما أكبر الأثر في حياتي، وأجعل نيكوس كازانتزاكيس هكذا، يشارك في القصة، وكأنه موجود الآن معنا ،في جلستنا بالمقهى، ولذلك تجدني أذكره دائما في مقالاتي. تمام ؟
– تمام . سبب معرفة حضرتك به، الدراسة أيام كلية الآداب ؟
-نعم. تعرفت على نيكوس كازانتزاكيس في فترة الستينيات، وكنت طالبا في كلية الآداب قسم إنجليزي بجامعة القاهرة، وسأروي حكايتي معه في رواية بعنوان ( تقرير الى نيكوس كازانتزاكيس)..تمام ؟
فجأة وجدت عمرو ينهض من مقعده محييا ،وهو يقول وفي عينيه يمرح فرح منير غريب..
– يا الله !!!..إيه الجمال ده!!!
صلاح هاشم

admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0

في زمن الإنتاج السخي، وقت أن كانت قائمة الأفلام، التي تُعرض في الصالات التجارية، تضم ما يزيد عن مائة فيلم في العام الواحد، كان من الطبيعي، والمنطقي، ألا تتجاهل السينما، في موضوعاتها، أية قضية، حتى ولو كان محورها الموسم الصيفي، وما يجري فيه، من مرح، لهو، فرح ومتعة بريئة، وإن لم تتغافل، أحياناً، وبقدر طفيف، متعمد،عن الاقتراب من الهموم والمشاكل، التي تتزامن مع أوقات المرح والمتعة؛ فهي أفلام للترفيه، ولا ينبغي أن تكون سبباً في تكدير صفو الجمهور، الذي أقبل على هذه النوعية ليستمتع، وينفض عن نفسه الهموم، وربما يتخفف من أعباء واقعه، كما كان يفعل على الشواطيء، عندما يتخفف من ملابسه !

اللافت للنظر أن ما يُطلق عليها «أفلام الصيف»، لم يكن لها اعتبار، لدى منتجي السينما، في الحقبة الملكية، حتى أن الباحث لا يكاد يجد فيلماً من هذه النوعية، في قوائم إنتاج تلك الفترة، باستثناء فيلم «البحر بيضحك» (إنتاج 1928 / إخراج إستيفان روستي وأمين عطا الله)، الذي تكون من أربعة اسكتشات محورها البحر، وفيلم «شاطيء الغرام» (إنتاج 1950 / إخراج بركات)، الذي تحكي أحداثه قصة الشاب الثري (حسين صدقي)، الذي التقى مُعلمة متوسطة الحال (ليلى مراد) على شاطيء في مرسي مطروح، بينما أنهالت «الأفلام الصيفية»، كالمطر في فترة الستينيات والسبعينيات، وكأنها قطرات الماء البارد، التي تُنعش الجمهور، في مواجهة قيظ الصيف، وحرارة الشمس !
الأمر الثاني، الذي ينبغي التنويه إليه، أن ثمة فارقاً كبيراً بين الأفلام، التي تحمل اسم مدن ساحلية، لأنها تطرح موضوعا لا علاقة له بالمصايف التي تعج بها : («إسكندرية ليه» و«إسكندرية كمان وكمان» على سبيل المثال)، أو تلك التي يتم اختيارها، كموقع للتصوير فقط، بما يعني أن أحداثها كان يمكن تصويرها على أرض أية مدينة أخرى : («موعد على العشاء» (إنتاج 1981 / إخراج محمد خان)، وفيلم «الخبز المُر» (إنتاج 1982 / إخراج أشرف فهمي). بينما هناك أفلام تبدو وكأن عناوينها ذات صلة حميمة بموضوع دراستنا، لكنها ليست كذلك على الإطلاق : («آثار فيالرمال»، «بحر الغرام»، «ليلى بنت الشاطيء»، «شاطيء الأسرار»، «شاطيء الحب»، «شاطيء الذكريات»و«الأزواج والصيف»، لا علاقة لها، مُطلقاً، بمغامرات الصيف ولا بموضوع دراستنا، رغم ما توحي به أسماؤها !

ساذجة وسطحية باستثناءات نادرة !
المفارقة أن الغالبية العظمى من تلك النوعية من الأفلام، إن لم يكن جميعها، اتفقت، انطلاقاً من هدفها الطامح للترفيه فقط، على تقديم موضوعات تتسم بالسذاجة، والسطحية، وكأن الجدية تُفسدها، وتُخرجها من سياقها، ولا نستثني من هذا التجربة المنفردة، في فيلم «البنات والصيف» (إنتاج 1959)، التي شهدت تعاون ثلاثة مخرجين : عز الدين ذو الفقار، صلاح أبو سيف وفطين عبد الوهاب، في إخراج ثلاث قصص، من تأليف إحسان عبد القدوس؛ إذ يمكن القول إنها أفلام اجتماعية ترصد «جرائم شاطئية»، وهو ما ينطبق على فيلم «إجازة بالعافية» (إنتاج 1966 / إخراج نجدي حافظ)، الذي يتناول مغامرة صديقين فازا بجائزة عبارة عن قضاء أسبوعين في الإسكندرية، ويقعا في حب صحفيتين مكلفتين بتغطية الرحلة، لكن المخرج خليل شوقي يتمرد على ارتباط أفلام الصيف بالسذاجة، ويطرح قضية جادة في فيلم «معسكر البنات» (إنتاج 1967)؛ إذ يختار منطقة المعسكرات الشاطئية في منطقة أبي قير بالإسكندرية، ليطرح قضية المجتمع المتشدد، الذي يؤمن بالانغلاق، والتزمت، وضرورة الفصل بين الذكور والإناث، وينتصر المخرج، وفيلمه، لمبدأ أن المجتمع السليم قوامه الرجل والمرأة، وهي القضية التي يبدو أنها كانت تشغل الدولة في تلك الفترة؛ حيث يتناولها المخرج حسام الدين مصطفى، بشكل آخر، في فيلم «شاطيء المرح»(إنتاج 1967)، الذي يُندد بالمجتمع الذكوري، ورجعية الأباء، ويدعو لتحرر المرأة، ومنحها استقلاليتها، بينما يكتفي المخرج سعد عرفة، في فيلم «أجازة صيف» (إنتاج 1967)، بالعودة إلى أفلام المغامرات الصيفية، التي تجري أحداثها في رأس البر، وليس الإسكندرية كما جرت العادة، ومن خلال قصص وعلاقات المصيف، يؤكد على الدور الذي لعبه الصيف، والحب، في تغيير سلوكيات شخص شرير إلى الأفضل. أما فيلم «حكاية 3 بنات» (إنتاج 1968 / إخراج محمود ذو الفقار)، فتحكي أحداثه قصص ثلاثة بنات يستثمرن ، بعقليات متناقضة، أجازة المصيف بالإسكندرية للزواج فيقعن، باستثناء واحدة، في شر أعمالهن. ومع مجيءعام 1992 يحاول المخرج أحمد فؤاد أن ينفي صفة السذاجة والتفاهة عن الفيلم الصيفي، ويتبنى، من خلال فيلم «الحب في طابا»، رسالة يدق من خلالها ناقوس الخطر، للتحذير من مرض نقص المناعة (الإيدز)، ولا يكتفي بهذا، وإنما يوجه أصابع الإتهام للمافيا االصهيونية، ويُحملها مسئولية التخطيط لنشر المرض بين شباب مصر، لإضعاف قوة مصر .. ومستقبلها .
صيف رومانسي جداً
في المقابل لم تخل بعض أفلام الصيف، من قصص رومانسية اشتد لهيبها بفعل حرارة الصيف، والشمس الحارقة،على الشواطيء، مثلما حدث في فيلم «العش الهاديء» (إنتاج 1976 / إخراج عاطف سالم)، الذي اختار كاتبه مصطفى محرم، أن يتناول قصة كاتب (محمود ياسين) هجر القاهرة إلى الإسكندرية، ليعتزل الناس، ويجد الوقت، والظروف، المناسبة، ليبدع أعماله، وهناك يلتقي، على أحد شواطيءالاسكندرية، امرأة (برلنتي عبد الحميد) شديدة الاعتزاز بذاتها، ويتزوجها، لكن زواجهما يواجه بعض المشاكل. وفي فيلم «جنس ناعم» (إنتاج 1977 / إخراج محمد عبد العزيز)، يكتب علي الزرقاني، بجراة، عن ثلاثة أصدقاء (عادل إمام وسمير صبري وسمير غانم) يجدوا حلاً لأزمتهم المادية، عبر الاحتيال على المتصابيات من النساء إلى أن يحدث ما يُغير قناعاتهم . وعلى نفس النهج الجريء يكتب المخرج سعد عرفة فيلم «رحلة العمر» (إنتاج 1974)، الذي تدور أحداثه في فندق على شاطيء سيدي عبد الرحمن، ويتناول، بشكل صادم، وجرأة غير مسبوقة، علاقة حميمية بين مدير بأحد البنوك (أحمد مظهر) وفتاة أجنبية الأصل (شمس البارودي)، تقيم مع عمتها في القاهرة، وتورط الرجل المُحافظ في علاقة آثمة . ومرة أخرى تتحول الإسكندرية إلى مسرح لأحداث تجربة مهمة، ممثلة في فيلم «بيت من رمال» (إنتاج 1972 / إخراج سعد عرفة)، الذي يحكي قصة حب رومانسية تنتهي بشكل مأساوي؛ حيث الفتى “علي” (علي كمال)، الذي يبلغ من العمر 17 سنة، ويقع في غرام “أمينة” (بوسي)، التي تصغره بعام، لكن ترفض عائلتاهما ارتباطهما لصغر سنهما، ويهربان إلى الإسكندرية، لتغرق الفتاة في أحد الشواطيء، في حادث عبثي مؤلم.
أيقونات صيفية

لا يمكن الحديث عن أفلام الصيف، من دون التوقف عند فيلم «أبي فوق الشجرة» (إنتاج 1969 / إخراج حسين كمال)؛ الذي يمكن النظر إليه بوصفه «أيقونة أفلام الصيف»، ليس فقط لكونه صاحب أعلى الإيرادات، وإنما لأنه يقدم المثال والأنموذج، لفيلم الصيف، سواء في شكله أو مضمونه، فالأحداث تدور حول مجموعة من الشاب اختاروا قضاء أجازتهم، في الإسكندرية، في العبث واللهو البريء، لكن أحدهم يقع في غرام راقصة، يهجر أصدقائه بسببها، وعندما تنقطع علاقته بوالده، يأتي للإسكندرية بحثاً عنه، وبدلاً من أن يستعيده يقع في حبائل الراقصة، وفضلاً عن الموضوع، الذي يحدث كثيراً في المصايف، يحقق الفيلم، على مستوى الشكل، قفزة هائلة، بتوظيفه المبهر للصورة، والإضاءة، والأغاني، التي مثل إخراجها، في حينها، سبقاً وتفرداً، حتى قيل أنها كانت الإرهاصة لما أصطلح على وصفه، في ما بعد بـ «الكليبات الغنائية»، وعلى صعيد المضمون يسلك «أبي فوق الشجرة» نهجاً مغايراً مقارنة بأفلام الصيف، التي كانت تولي اهتماماً بالكوميديا والجرائم الاجتماعية، وهو ما ينطبق على فيلم «أيس كريم في جليم»(إنتاج 1992 / إخراج خيري بشارة)، الذي تحول، من زاوية أخرى، إلى واحد من أهم أيقونات أفلام الصيف، وهو ما يُنتظر أن يتكرر مع فيلم «قبل زحمة الصيف» (إنتاج 2015 / إخراج محمد خان)، الذي فاجأ الجميع بشكله السينمائي، وصورته الساحرة، التي كان للبحر، والشمس، والفضاء المترامي، والأفق البعيد، دخلاً كبيراً في جمالها، ونقائها، واختلافها عن الصورة التقليدية للشواطيء، على شاشة السينما، وربما يُصبح «قبل زحمة الصيف» هو الفيلم الأخير الذي يختار الشاطيء محوراً لأحداثه، ويرصد المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، التي استجدت، وانعكست آثارها على صورة الشواطيء التقليدية، التي اختفت، واختلفت تركيبة مرتاديها !
مفارقات كوميدية !

أثناء رصد ظاهرة أفلام الصيف، وضعنا أيدينا على مفارقات طريفة للغاية؛ فهناك عناوين أفلام ردت على بعضها البعض، كما في فيلم المخرج محمد عبد العزيز، الذي أنتجته ماجدة الخطيب عام 1974، وحمل عنوان «في الصيف لازم نحب»، واتسمت أحداثه بطرافة كبيرة، من خلال الطبيب (صلاح ذو الفقار)، الذي يرافق أربعة من نزلاء مستشفى الأمراض النفسية (نور الشريف، سمير صبري، سمير غانم ومحمد لطفي)، إلى الإسكندرية ليؤهلهم للعودة للحياة الطبيعية، من خلال الاختلاط بالمصطافين على شاطيء العجمي، الأمر الذي يتسبب في مشاكل عدة. ومع مجيء عام 1995 يُقدم المخرج عمر عبد العزيز، الشقيق الأصغر للمخرج محمد عبد العزيز، فيلماً بعنوان فيلم «في الصيف الحب جنون»، من إنتاج وبطولة سمير صبري، مع ليلى علوي، وضيفي الفيلم : أشرف عبد الباقي وعلاء ولي الدين. والمُدهش أن أحداث «في الصيف الحب جنون»، تبدو وكأنها تكشف الأسباب التي تقود إلى الجنون؛ من معاناة اقتصادية واجتماعية صعبة، وتوظيف خاطيء لقدرات البشر. أما المفارقة الأكثر إثارة فيفجرها فيلم «الحب على شاطيء ميامي»(إنتاج 1976 / إخراج حلمي رفلة)؛ فالعنوان يوحي عنوانه بأن أحداثه تدور على شاطيء ميامي بالإسكندرية، بينما الأحداث الحقيقية تدور في «ميامي بيتش»، الذي يقع في مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية !
ملاحظات ليست عابرة

مثلما كانت سعاد حسني و«الولد الشقي» حسن يوسف، ومعهم القدير عبد المنعم مدبولي، بمثابة القاسم المشترك لمعظم أفلام الصيف، لخفة ظله وشقاوته، وطبيعة أدائه المناسب لأفلام المغامرات الخفيفة، بشكل عام، فمن الملاحظ أن بعض أفلام الصيف اكتسبت أهميتها، أيضاً، من وجود ثلاثي أضواء المسرح مجتمعين؛ مثلما هو الحال في فيلم «فرقة المرح» (إنتاج 1970 / إخراج فطين عبد الوهاب)، أو في شخص سمير غانم وحده، كما في فيلم «24 ساعة حب» (إنتاج 1974 / إخراج أحمد فؤاد)، فيما لعبت الأغاني، والاستعراضات، دوراً كبيراً في اكتمال متعة مشاهدة أفلام الصيف، ونجاحها في الترفيه عن قطاع كبير من الجمهور، الباحث عن المتعة المجردة؛ خصوصاً أن الأغاني، والاستعراضات، شهدت احتشاد عدد كبير من الشعراء والملحنين والمطربين .
غير أن من المؤسف أنه منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ونتيجة لما اعترى بنية المجتمع المصري من متغيرات جوهرية اجتماعية واقتصادية ودينية، توارت أفلام الصيف باستثناء فيلم «البحر بيضحك ليه» (إنتاج 1995 / إخراج محمد كامل القليوبي)، ومن بعده فيلم «قبل زحمة الصيف» (1995)، إخراج محمد خان، وإن كان من أهمهم، في سياق قراءة الظاهرة أن نُشير إلى فيلم «إسماعيلية رايح جاي» (إنتاج 1997 / إخراج كريم ضياء الدين)، الذي جرت أحداثه في الإسماعيلية، بوصفه نقطة تحول، ليس في نوعية أفلام الصيف الخفيفة فحسب، وإنما في تاريخ السينما المصرية بأكملها؛ إذ يُعد حجر أساس ما أطلق عليه السينما الشبابية؛ التي أنتجت في ما بعد؛ مثل فيلم «شورت وفانلة وكاب» (إنتاج 2000 / إخراج سعيد حامد)، بعد ما لفت الفيلم أنظار المنتجين والمخرجين والمؤلفين إلى أماكن تصوير جديدة، مُغايرة لما اعتادت السينما استهلاكه كثيراً، وأضاف طبيعة جغرافية ، لم تتطرق إليها السينما المصرية من قبل، ما أسهم في تغيير صورة، وموضوعات، السينما المصرية، التي دارت في فلكها لدرجة الملل !
مجدي الطيب

تمهيد
” ..إن كل الخيوط التي تتشكل منها سينما المخرج الإيراني الكبير عباس كيارستمي – وهو مصور فوتوغرافي رائع أيضا- هي محصلة لذلك الجدل – “الديالكتيك ” – بين ” الاحترام ” الموروث الذي يكنه كيارستمي للاضافات الغنية التي حققتها سينما ” الواقعية الجديدة ” في إيطاليا ، وبين “التأمل” الفلسفي العميق في طبيعة ومعنى الصورة السينمائية..”
ميشيل سيمون
—
تنظم سينما” إم كا دو” في الحي السادس في باريس حاليا تظاهرة سينمائية إحتفالية تكريمية تستمر لمدة شهر تعرض فيها مجموعة كبيرة من أبرز أفلام المخرج الإيراني الكبيرعباس كيارستمي – من مواليد22 يونيو 1940 وتوفي يوم 4 يوليو2016 في باريس- الذي قال عنه المخرج والمفكر السينمائي الفرنسي الكبير جان لوك جودار.. ” إن قصة الفيلم تبدأ من عند الأمريكي دافيد جريفيث وتنتهي عند الإيراني عباس كيارستمي..” وتضم المجموعة فيلم” طعم الكرز”الذي حصل به على كيارستمي على جائزة ” السعفة الذهبية ” في مهرجان ” كان ” 1997..
شاعرية الخطاب الصوفي
![]()
وكنت فكرت أن أكتب عن لقاءاتي المتعددة مع كيارستمي في المهرجانات السينمائية الفرنسية وأحاديثي معه،فقد كنا تعارفناوتصادقنا، لكني فضلت بعد ان كتبت كثيراعنه وأفلامه، أن أكتب عن عباس كيارستمي في المشهد السينمائي الفرنسي..
وفي عيون النقاد الفرنسيين الذين كتبوا عنه سواء أثناء حياته أو بعد وفاته، واجروا معه بعض الحوارات العميقة القيمة التي تكشف عن ” لغز ” هذا المخرج السينمائي الإيراني الكبير، وأسرار تلك السينما التي كان يصنع، ليصبح بأفلامه – وهي أشبه ماتكون بتطريز ثوب من الدانتيلا والقطيفة بسحر الضوء كما في لوحات رامبرانت – ” أيقونة ” من ايقونات فن “الاخراج السينمائي” في عصرنا..
![]()
فلم يكن كيارستمي في اعتقادي مجرد مخرج، وإنما كان كما بدا لي من خلال تنلك اللقاءات التي جمعتني به ،وتعرفت فيها أيضا- بعد أن عشقت أفلامه – على إنسانيته الجمة..
كان شاعراصوفيا ” معاصرا..سواء في أفلامه، أو في دواوينه الشعرية، أو صوره الفوتوغرافية، أو ” المثل ” التي كان يطمح الى تحقيقها – مثل كل الزاهدين الواصلين من” أهل الطريق ” – في حياته الشخصية..
ولذا كتبت عن بعض أفلامه مثل فيلم ” عبر أشجار الزيتون ” في كتاب ” شاعرية الخطاب الصوفي في السينما المعاصرة ” وكتبت فيه عن أفلامه التي عشقتها، وفضلت أن أنقل هنا فقط بعض ما كتب عنه بعد وفاته..
وأن أترجم ذلك الحوارالعميق الطويل القيم الذي أجراه معه الناقد ميشيل سيمان- الذي يعتبر” شيخ النقاد السينمائيين الفرنسيين ” ورئيس تحرير مجلة ” بوزيتيف ” السينمائية الفرنسية الشهيرة حاليا – ويحكي فيه كيارستمي عن مسيرته السينمائية الكبيرة..
وآمل فقط أن تتحقق لقراء ” موقع سينما إيزيس” بعضا من تلك المتعة الصوفية الطيبة التي استشعرتها دوما في أفلام كيارستمي البديعة التي تتسامق ببساطتنا وإنسانيتنا مثل كل قصائد الشعر العظيمة للهندي طاغور و اللأمريكي والت ويتمان و الفرنسي جاك بريفير..
—
أفلام ضد الرقابة
بعد وفاة عباس كيارستمي، كتب الناقد السينمائي الفرنسي لوي جيشار في مجلة ” تليراما ” الفرنسية الاسبوعية،- وتعتبر أكثر الدوريات الاسبوعية توزيعا في فرنسا- مقالا بعنوان ” عباس كيارستمي ” في العدد 3470 الصادر بتاريخ 13 يوليو 2016 من المجلة يقول فيه :
” ..أتذكر لقائي بعباس كيارستمي في بيته – الذي شيده جزئيا بيده- ولمدة يومين في صيف عام 2002 في طهران. أتذكره بنظارته المغبشة الشهيرة التي يقول عنها المخرج الايراني الكبير – الذي توفي يوم 4 يوليو عن عمر يناهز 77 عاما – وبعدما صارت جزءا لا يتجزأ من شخصيته ،أنها ” .. تمنع من أن يتعرف عليه البعض “. ولايخلو كلامه كالعادة من سخرية محببة ..
كان كيارستمي يعرف كيف يخفي”نظراته” ، وكيف يتهرب من الاجابة على الأسئلة السياسية، فقد كان يحتفل به وبأفلامه في الخارج،بينما كان يشعر هو ذاته بأنه مراقب، وتحاصره العيون في وطنه إيران. ذلك البلد الذي كان يرفض ومهما كان الثمن أن يغادر، وحتى بعد أن سافر ابنه الأكبر وشقيقه ليعيشا في الخارج ..
قبلة كاترين دينوف
كانت السلطات الدينية في إيران عاتبة على كيارستمي وتستنكر مافعل : حين عرض فيلمه ” طعم الكرز ” في مهرجان ” كان ” السينمائي عام 1997 – شارك الفيلم في المسابقة الرسمية للمهرجان وفاز بسعفته الذهبية – من دون أن يحصل على ” تصريح ” منها، و كذلك حين عانق الممثلة الفرنسية كاترين دينوف وقبلها- او بالأحرى قبلته هي – وهو يتسلم منها الجائزة في المهرجان المذكور..
في هذا الفيلم المشهور ” طعم الكرز ” الذي يحكي فيه كيارستمي – من مواليد 1940 – عن الفترة التي قضاها في قسم السينما بمركز تعليم الشباب في إيران، ويظهر ابنه الأصغر في الفيلم وهو يقود سيارة كبيرة في مدينة ترزح تحت وطأة حر الصيف ولهيبه..
كان كيارستمي قد صار المخرج الايراني الوحيد الذي يمتلك – وحتى قبل قيام الثورة الاسلامية في إيران – الوصفة الناجحة لعمل افلام ” ضد الرقابة “. أفلام تستطيع أن تهرب من مقص الرقيب ولايضطلع ببطولتها سوى تلاميذ فقط من الأطفال الصغار في المدرسة الابتدائية، مثل فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ” من انتاج 1987 الذي يعتبر أول أفلامه الناجحة. .
لكن بعد أن كبر أولاده، كان كيارستمي يكره أن يطلق عليه لقب “مخرج الطفولة”،فشرع يخرج أفلاما للكبار يناقش فيها قضايا الواقع الايراني،كما في فيلمه ” كلوز آب ” الذي يناقش مشكلة الأحداث( ويعرض الفيلم لحادثة واقعية،انتحل فيها شخص محب للسينما شخصية المخرج الإيراني محسن مخملباف)، كما ناقش قضية ” الحب ” في فيلمه البديع ” عبر أشجار الزيتون ” وقضية ” الانتحار ” في فيلم ” طعم الكرز ” ، وقضية ” قدر المرأة ” في فيلم ” عشرة “، ويعرض هكذا لمشاكل وتناقضات المجتمع الإسلامي الإيراني، وهو يواجه خطر الرقابة والحظر والمنع..
غير ان كل تلك المشاكل والضغوطات التي تعرضت له وهو يصنع أفلامه، كانت بمثابة ” منشطات ” مثيرة لمخيلته و “عبقريته” السينمائية ولم تمنعه من صنع أفلاما ذكية ومفتوحة على كل مستويات القراءة والفهم، على اختلافها وتعددها ..
السيارة الاستوديو
ويعود الى كيارستمي فضل صنع حيلة أو إبتكار” السيارة الاستوديو ” VOITURE STUDIO التي تعتبر بمثابة إضافة أساسية للسينما الإيرانية. تلك السيارة التي يدعو فيها بطل الفيلم جمعا من الايرانيين الغرباء الى الصعود وهو يدور بسيارته، ويترك لهم الحديث داخلها عن حياتهم، وبحيث يمثل ويعكس كل شخص مجهول منهم ملمحا، أو “صورة ” مصغرة، من صورة إيران ..المجتمع الكبير..
كما يعود الى كيارستمي أيضا فضل تغيير شكل الاخراج بشكل جذري في فيلم ” عشرة “حيث يغيب المخرج تماما من موقع التصوير، ويترك لبطلة الفيلم إدارة الحوار بنفسها مع الغرباء الذين يصعدون الى سيارتها وهي تجلس فقط أمام كاميرا فيديو تشبه كاميرات المراقبة، مثبتة في السيارة،وتصور فقط مايحدث. بما يعني أن كيارستمي كان ينتزع من كيارستمي في الفيلم صفته كمخرج .في صيف عام 2002 الحار، كان كيارستمي قد لجأ وقتذاك الى الاعتكاف في الريف وانقطع عن الناس والبشر،وأنكب على صنع ” منشآت”وهياكل فنية تشكيلية تحكي عن تأثير القمرعلى غناء الضفادع، والتقاط الصور الفوتوغرافية لذات الأشجار ..
تلك الأشجار التي صارت ولسنوات طويلة لاتعبأ بنظراته ولاتهتم ، من أجل أن يقترب أكثر من هذا ” المثال” الذي كان يطمح في حياته الى تحقيقه
حوار مع عباس كيارستمي
أجرى الحوار : ميشيل سيمون
إعداد وترجمة : صلاح هاشم
” ..إن كل الخيوط التي تتشكل منها سينما المخرج الإيراني الكبير عباس كيارستمي – وهو مصور فوتوغرافي رائع أيضا- هي محصلة لذلك الجدل – “الديالكتيك ” – بين ” الاحترام ” الموروث الذي يكنه كيارستمي للاضافات الغنية التي حققتها سينما ” الواقعية الجديدة ” في إيطاليا، وبين “التأمل” الفلسفي العميق، في طبيعة ومعنى الصورة السينمائية..
تقديم :
كان عباس كيارستمي يخرج الأفلام منذ 15 عاما- ( كان أول فيلم روائي طويل من اخراجه بعنوان ” المسافر ” عام 1974 ) عندما اكتشفه الغرب حين عرض فيلمه ” أين بيت صديقي في مهرجان لوكارنو السينمائي، وكان الفيلم قبلها بسنة قد عرض في مهرجان القارات الثلاث ( افريقيا.آسيا.أمريكا اللاتينية ) وعندما كتبت أنذاك عن الافلام التي شاركت في مسابقة مهرجان نانت على صدر جريدة ” اللوموند ” الفرنسية،أعلنت عن ظهور مخرج سينمائي كبير جديد وقمت بتحية كيارستمي..
كان في تلك الفترة يبدو متحفظا جدا، خلف نظارته السوداء الخالدة التي لا تفارقه، وشحيحا في تصريحاته، ويعمل حسابا لأقواله، و لاينسى أنه في بلاد الغرب الذي يعتبر عدوا لبلاده إيران..
![]()
في العام التالي اي في عام 1990 التقيت من جديد بعباس كيارستامي في إطار مهرجان لوكارنوالسينمائي حيث كان يشارك معي كعضو في لجنة تحكيم في المهرجان كان يترأسها المخرج الايطالي الكبيرناني موريتي، وقد أحببت في كيارستمي حرصه على أن نناقش بجدية ودقة الأعمال التي نشاهدها في اللجنة ، والمطلوب منا أن نحكم عليها..
وبمرور الوقت، وبعد ان تكررت لقاءات اللجنة ومناقشاتها ،وافق كيارستمي أخيرا على مبدأ إجراء حوار طويل ومعمق معه،وبحيث يكون الحوار الاول في سلسلة من الحوارات عن السينما الايرانية ومنهاجه في صنع واخراج الأفلام ..
ولم تكن السينما الايرانية في ذلك الوقت معروفة في اوروبا إلا من خلال مخرج إيراني يدعى داريوش مهروج( مخرج فيلم ” البقرة ” و ” الدورة ” ) والمخرج الايراني سوهراب شهيد ساليس المنفي في ألمانيا.ثم سرعان ما ظهر جيل من المخرجين الايرانيين المتميزين- وعلى رأسهم كيارستمي- يضم محسن مخملباف وبهرام بيزاي وامير ناديري وجعفر باناهي ..
![]()
وصار فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ( الجزء الاول من ثلاثية فيلمية لكيارستمي تحكي عن وقوع زلزال أثناء تصوير الفيلم ثم عودة كيارستمي بعد فترة الى نفس المنطقة لمعرفة ماحدث بعد الزلزال لأبطاله وشخصياته، وتصويرهم في فيلم جديد ) الفيلم الثاني في “الثلاثية ” بعنوان ” وتمضي الحياة ” ..
ثم عاد كيارستمي وأخرج الجزء الثالث من ” الثلاثية “بعنوان ” عبر شجار الزيتون ” ليناقش فيه العلاقة بين الواقع وعملية الاخراج السينمائي عنده، وتمثله وهضمه لها ، من خلال الإشارة الى فيلمه السابق فيلم” وتمضي الحياة “..
والواقع أن عباس كيارستمي كان قد عالج من قبل في فيلمه ” كلوز آب ” من انتاج 1989 موضوع ” الحقيقة ” و ” الكذب ” والعلاقة بين السينما والواقع، وقد تواجدت كل تلك التساؤلات جميعها وحطت في فيلم ” طعم الكريز ” الذي حصل به على جائزة ” السعفة الذهبية ” في مهرجان ” كان ” السينمائي عام 1997..
إن كل الخيوط المتشابكة وبكل تعقيداتها التي تتشكل منها سينما المخرج الإيراني عباس كيارستمي- وهو مصور فوتوغرافي رائع أيضا- هي نتيجة لذلك الجدل – “الديالكتيك ” – بين ” الاحترام ” الموروث الذي يكنه كيرستامي للاضافات الغنية التي حققها مذهب سينما ” الواقعية الجديدة ” العظيمة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثاني في إيطالياة، وبين “التأمل” الفلسفي العميق، في طبيعة ومعنى الصورة السينمائية..
إن اهتمام كيرستامي أيضا بالتكنولوجيا الجديدة والكاميرات الصغيرة الدقيقة كما يظهر في فيلمه ( عشرة . 2002 ) تجعل منه أحد أهم الفنانين السينمائيين المبدعين المثيرين في عصرنا..
ميشيل سيمون
لوكارنو . اغسطس 1990
حوار مع عباس كيارستمي
بدأت أرسم أولا، ثم اخرجت عدة افلام قصيرة دعائية، ثم انجزت بالرسوم المتحركة عناوين بعض الأفلام الروائية الطويلة في فترة الستينيات،.وكان ابي يعمل دهانا- مبيض حيطان – ولم أجد أثرا لأية ثقافة أو اهتمام بالثقافة لدى أسرتي، كما اني لا أتذكر أي حياة ثقافية من أي نوع في الأسرة، كان يمكن أن تكون باعثا لي على دراسة الفنون الجميلة أو العمل في السينما ..
في صغري تعودت أنا وأصدقائي أنا نذهب معا الى المسرح، ولا أجد سببا محددا لكوني اصبحت مخرجا، لأن اصدقائي في تلك الفترةصاروا هم أيضا وبلا سبب مهندسين ومحامين وأطباء. كل ما أتذكره هو اني تأثرت جدا في شبابي بأفلام ” الواقعية الجديدة” الإيطالية ..
لابد أن يكون السبب هو عملي في بداية حياتي العملية بفن الجرافيك. اشتغلت رسام جرافيك وفي وكالات الدعاية الاعلان ومصورا لكتب الأطفال، ثم اقترح علي أحدهم أن أخرج فيلما للأطفال، لأني على صلة بعالمهم وعالم الصورأيضا، وكان أول فيلم اخرجته للأطفال يحكي عن طفل ذهب ليشتري الخبز ثم عاد الى بيته فوجد كلبا يقف ويسد عليه الباب. يخاف الطفل من الكلب وينتظر أن ينجده أحدهم ويخرجه من ورطة الكلب. لكن لايصل أحد. يمر الطفل الصغير هكذا وحده بتجربة مواجهة “الخطر” لأول مرة في حياته. يعبر الطفل من أمام الكلب ولايحدث شييء. عندما يكون الطفل في البيت يحاول الكلب الذي يسير خلفه الدخول أيضا، فتغلق أخت الطفل الصغير الباب في وجهه. يستلقي الكلب على عتبة البيت وينظر الى أول الحارة ويرى طفلا صغيرا جديدا قادما ويسير في إتجاه الكلب..
وأتذكر ان فيلمي الأول هذا شهد أول حديث لي مع مدير تصوير سينمائي فقد كنت أريد أن يصور الطفل والكلب في لقطة واحدة، ولما كان من الصعب تصوير اللقطة بهذا الشكل اقترح علي استخدام لقطة INSERTS داخل اللقطة ولم أكن أعرف ماذا يعني هذا المصطلح التقني ، فرفضت وفضلت الانتظار..
بعدها بأربعين يوما نجحنا في جمع الطفل والكلب في لقطة واحدة ، وفي أن ينظر الكلب الى الجهة التي أريد. والآن فقط أدرك بعد إشتغالي بالسينما أن مدير التصوير كان أيضا على حق، حيث يمكنك أيضا أثناء عملية المونتاج الحصول على ماتريد، لأن السينما أيضا هي فن المونتاج..لكني أثق دوما باللقطة الطويلة، وقد اعتمدت على اللقطات الطويلة في أفلامي طوال حياتي ..
دفعها “مكتب التنمية العقلية للاطفال وصغار المراهقين في إيران “..كنت أعمل في ذلك المكتب،وكانوا متفهمين جدا، ورضخوا لمطلبي. تصل مدة عرض الفيلم الى 12 دقيقة، واشترته القناة السابعة – قناة آرتيه- في فرنسا، وأخرجت الفيلم عام 1969..
نعم..واعتقد أن فن الجرافيك هو أصل كل الفنون، لأنك عندما تعمل على إنجاز عمل جرافي سواء كان أفيشا أو اعلانا، فانك تعمل في حدود معين، لايمكنك تجاوزها، ولاتخرج عن إطار تحدده بنفسك،وبحيث يشتمل الاعلان على كل المعلومات والمعطيات الخاصة بالسلعة لتوصيل ” رسالة “ما.وهنا عليك أن تبذل كل مافي وسعك لإنجاز ” الطلب “، وتحقيق رغبة الزبون، والحصول على أجرك. ولاشك أن طريقة التفكيرهذه، أعني التفكير في كافة الوسائل التي من شأنها مساعدتك في تحقيق وإنجاز إعلان ناجح، قد ساعدتني في شق طريقي في السينما، كما اني استفدت من كل الأخطاء والمعوقات التي صادفتني في عملي الجرافيكي، ووظفتها لكي يكتمل تحققي على مستوى الاخراج
نعم عملت بمهنة تصميم الاعلانات والأفيشات في الفترة من 1960 الى 1975 ..رسمت فيها وصممت عددا كبيرا جدامن الأفيشات لأفلام السينما الإيرانية، ومازلت أقوم ولحد الآن بتصميم أفيشات الأفلام، وبخاصة أفيشات أفلامي..
![]()
تأسس المعهد عام 1965، وبدأ بإنشاء مكتبات للأطفال في جميع أنحاء إيران، وامتدت نشاطاته لتشمل عمل ورش للرسم، وإنشاء مدارس مسرحية، ثم بدأ ينشر كتبا وينتج افلاما للاطفال، وبدأ بانتاج الافلام القصيرة وكنا حوالي 6 أو 7 مخرجين يعملون بالمكتب قبل الثورة، ثم سافر زملائي بعدها الى أوروبا الشرقية وأمريكا ،ولم يتبقى في المكتب سواي.ثم انضم الى المكتب بعض الموظفين الجدد لكن لم يتحقق ومنذ ذلك الوقت أي شييء جاد أو يستحق الذكر، وعن نفسي أخرجت 14 فيلما قصيرا للأطفال ..
أجل .أنا مدرك لمسألة أن أغلبية الأفلام التي أخرجتها للأطفال من نوع الكوميديا أو الرسوم المتحركة. في بلادي نحاول أن نصنع أفلاما عن الأطفال.. وليس للأطفال، لأنها تكون عندئذ أنفع وأهم وأجدى. إن مثل تلك أفلام تساعد على التفاهم بشكل عام بين الكبار البالغين،وبين الأطفال ووالديهم وذويهم بشكل خاص ولهذا السبب اخرجت فيلمي ” أين بيت صديقي ” لإزالة سوء الفهم بين العالمين،عالم الأطفال وعالم الكبار..
غير اني حين أفكر مليا في الفيلم أجد أنه لا يتحدث فقط عن كل أشكال سوء الفهم التي يحكي عنها بل يناقش أيضا سوء الفهم الذي يقع مع كبار السن العواجيز الشيوخ بل ويحكي أيضا عن سوء الفهم – في الداخل الباطن – داخل الشخصيات ذاتها ..
أجرينا عروضا اختبارية، لكنها لم تأت بنتائج طيبة، فعندما يحضر الأطفال لمشاهدة الفيلم معا يفضلون عادة مشاهدة أفلام المغامرات، والأفلام التي تحركهم و تثيرهم، وعندما حضروا مباشرة من المدرسة الى قاعة العرض لمشاهدة فيلم ” أين بيت صديقي “، لم يعجب أي طفل بالفيلم ، لكنهم اعجبوا به جدا، عندما حضروا لمشاهدته مع أفراد أسرتهم، حتى صار الفيلم ” ظاهرة ” يتحدث عنها الناس..
واتذكر أنه أثناء عرض الفيلم ذات مرة أن خرج رجل في الخمسين من عمره يبدو عليه أنه مثقف، وأخذ يصرخ في طوابير الناس أمام شباك التذاكر ويقول ان الفيلم سييء و رديء ولايستحق المشاهدة .كانت زوجته تحاول تهدئته ليكف عن صياحه من دون جدوى.في حين كانت طفلة في الرابعة من عمرها قد شاهدت الفيلم أكثر من ثلاث مرات وفهمته وأحبته ..
هذا يعني أن مسألة تقسيم الجمهور حسب السن، حتى ولو كان قانونيا يتجاهل مسألة أن الفيلم يتواصل مع كل إنسان،صغيرا كان أم كبيرا، بشكل مختلف. مسألة السن لادخل لها بفهم الاعمال السينمائية وتذوقها، ولا يمكن في رأيي أن يحدد المرء مسبقا نوع وسن المتفرج الذي سوف يعجب بفيلم ما، كما لايمكن صنع أفلام أو أعمال فنية تستطيع أن تتواصل مع كل الناس والبشر..
ان عملية فهم وتذوق الأعمال الفنية والسينمائية تخضع لصيغة مكونة من الفيلم ذاته ومن خيال المتفرج. وأحيانا تأتي ردود أفعال الجمهور عكس مايمكن أن تتوقعه أو تتخيله، حتى أني أجد صعوبة أحيانا في التعرف على الفيلم الذي صنعت، من خلال ردود أفعال الجمهور تجاهه، حتى لو كانت تلك الردود إيجابية، مع وفي صالح الفيلم ..
كلا ، تتراوح مدة العرض في أفلامي من 12 الى 45 دقيقة، وقد اخرجت أيضا أفلام متوسطة الطول يستغرق عرض الفيلم منها أكثر من ساعة ..
كلا، أنا أكتب وحتى هذه اللحظة كل سيناريوهات أفلامي بنفسي ..
كل أفلامي تحكي عن تجارب شخصية عشتها بنفسي ومن ضمن أفلامي القصيرة التي أحبها فيلما يحكي عن تنظيف الأسنان بفرشاة أسنان. طلب مني أبني ذات مرة أن أسمح له أن ينام من دون تنظيف أسنانه كالعادة، فسألت نفسي هل هي مشكلتي أن يتوجه الى فراشه مباشرة من دون أن ينظف أسنانه أم مشكلته، وقررت أن أصنع فيلما أشرح فيه أهمية وضرورة تنظيف الأسنان بفرشاة قبل النوم . ولما عرض الفيلم- مدة العرض45 دقيقة – في التلفزيون ،ارتفعت مبيعات معاجين الأسنان في إيران،وأصبح كل الأطفال يحرصون على غسيل أسنانهم قبل النوم..لكن اوقف التلفزيون بعدها عرض الفيلم ،بعد أن تلقى شكاوي من قبل الأباء بخصوص هذا الأمر الذي صار يزعجهم كثير وبخاصة بعد الحاح و رغبة كل طفل في أن تكون له فرشاته الخاصة .احب هذا الفيلم جدا على الرغم من أنه يناقش مشكلة بسيطة. وأنا عادة وفي ما يخص كل الأفلام التي صنعت، لا أحب كل الفيلم ، لا أحبه في ” كليته ” الفنية إن صح التعبير، بل أحب اجزاء منه فقط . أجزاء معينة فقط في الفيلم ترضيني..
كان الفيلم يناقش مشكلة واجهها أحد أبنائي في طريقه الى مدرسته، فقد اقترض أحد الأطفال في المدرسة كتابا من زميل له، وعندما رده له في اليوم التالي ،وجد صاحب الكتاب صفحة مقطوعة من الكتاب ، فأصر أن ينتزع بالمثل صفحة من كتاب زميله، فرد الزميل بكسر قلمه لينتقم منه،واشتبكا الاثنان في عراك ،وكاد أحدهم يهشم رأس الآخر. العراك هنا هو حل لمشكلة الصفحة المنتزعة لكن هناك حل ثان آخر لنفس المشكلة. أن يقوم التلميذ الذي اقترض الكتاب بشرح الموقف لزميله، ثم يقوم الاثنان معا بلصق الصفحة المنتزعة ولصقها في مكانها ، وأردت أن يكشف الفيلم للأطفال عن أن هناك أكثر من ” خيار ” لحل مشكلة ما..
لو سمحتم ، لا تصفوا أفلامنا بأنها بسيطة وساذجة، وتحكموا عليها هكذا بمعاييركم، ففي هذا الجزء من العالم، في هذا البلد الذي أعيش فيه، ومنه جئت ، مازالت هناك حاجة الى التربية والتعليم، وأمامنا ..سكة طويلة..
في فيلم آخر من ضمن أفلامي التي تعجبني، ناقشت مشكلة المرور. الفيلم بعنوان ” بالترتيب ومن دون ترتيب، بنظام أو بفوضى ” حاولت أن أشرح فيه لماذا يجب أن ينتبه المرء، ولايحاول عندما تكون إشارة المرور حمراء أن يتجاوزها بسيارته، وتكون لة الأولوية في المرور..فصورت لقطتين للسيارات التي تستعد للدخول الى نفق للسيارات، ووضعت كرونومترا لأحسبها.في اللقطة الأولى، عنما تصبح إشارة المرور خضراء يدير الجميع مفاتيح محركات سياراتهم في نفس الوقت ، وخلال دقيقة وبسبب الفوضى ورغبة كل سائق سيارة في أن تكون له الأولوية تدخل 16 سيارة فقط النفق.في اللقطة الثانية عندما يعمل كل سائق سيارة حسابا لجاره تستطيع 80 سيارة – بسبب المرور بنظام – أن تدخل النفق خلال دقيقة..في فيلم آخر بعنوان ” البذلة “- حلة جديدة – ناقشت مشكلة الحاح ورغبة بعض الأطفار الصغار في أن تكون لهم بذلة أو حلة جديدة لحضور احتفالات الزواج والأعياد ..
ليس لديهم أغلب الوقت أية خبرات سينمائية، ولا حتي خبرات في المشاهدة كمتفرجين . مثلا الأطفال الصغار في فيلم ” أين بيت صديقي ” ، لم يشاهدوا في حياتهم إلا فيلما واحدا لشارلي شابلن، و قد شاهدوه فقط عندما سافروا الى المدينة لأول مرة في حياتهم، وحيث انه لاتوجد تليفزيونات في قراهم فانهم لم يشاهدوا شيئا آخر، وقد مثلوا في الفيلم بشكل طبيعي جدا لأنهم لم يتأثروا بالأعمال التليفزيونية الرديئة التي تعرض على الشاشة الصغيرة ..
لا احكي لهم ابدا قصة الفيلم كلها . أحكي قصة جديدة للأطفال لكل لقطة . هناك لحظة في فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ” يتذكر فيها الطفل انه أخذ عن طريق الخطأ كتابا لزميله وليس كتابه هو . لم أقل للطفل بطل الفيلم الآن اقعد وفكر ما العمل . كلا . قلت له لقد بدا لي انك شاطر في الحساب . حسنا ساعطيك كم مسألة حساب لتجلس وتحلها، فجلس وراح يحاول حل المسائل ورحت أثناء ذلك أصوره. وعندما نراه في الفيلم طبعا نراه يفكر مستغرقا في أمرالكتاب الذي أخذه عن طريق الخطأ .جميع الأطفال الذين مثلوا في أفلامي لم يعرفوا على الإطلاق خلال فترة تصوير الفيلم، أية تفاصيل عن القصة التي يحكيها، والتي كانوا يمثلونها في الفيلم ..-
افضل لقطة عندي دائما من تمثيل الأطفال هي اول لقطة ، لأنها تمسك بالقدر الأكبر من تلك التلقائية وطبيعية التمثيل عندهم، ولا أجد بعدها ضرورة لإعادة تصوير اللقطة، واحيانا اعيد تصوير اللقطة كنوع من الأمان فقط ، خوفا من أن يفقد أو يفسد نيجاتيف اللقطة في المعامل . مثلا أم الطفل بطل فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ” وتدعى مدام أواري لم تكن تفهم ابدا لماذا يتحتم علينا أن نعيد تصوير لقطة ما حتى أن مساعدي في التصوير كان يطلق عليها مدام اليزابث أواري، لأن الممثلة الأمريكية النجمة اليزابيث تايلور كانت تطلب دوما تصوير اللقطة مرة ثانية أثناء تصوير أفلامها.عندما كانت مدام اليزابيث اواري تغسل قميصا ثم تعلقه على الحبل ونطلب منها إعادة تصوير اللقطة كانت تقول لنا أن القميص قد صار نظيفا الآن على الحبل ، فكنت أطلب من مساعدي إسقاطه على الأرض ليتسخ من جديد من دون علمها ثم نطلب منها من جديد أن تغسل القميص، فتقبل ذلك عن طواعية ،فنروح نصور معها اللقطة مرة ثانية من جديد. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعلنا ننجح في إقناعها بإعادة تصوير اللقطة..
اجل، هذه هي طريقتي في العمل. أنا اختار عدسات التصوير بمايتواءم مع قدرات الممثل . عندما يتحرك الممثل كثيرا استخدم عدسات من نوع LOMGUES FOCALES العدسة المغيرة للمقاسات، بعض المخرجين يطلب من الممثل أن يقترب أو يبتعد أو أن يتحرك الى اتجاه ما ثم يقف ويقول النص. وأنا لا أستطيع ذلك مع الممثلين في أفلامي لأنهم لن يفهموا ذلك. لماذا أطلب منهم أن يتحركوا هكذا . لكن بإستخدام هذا النوع من العدسات يستطيع الممثل أن يتحرك كيفما شاء براحته ونحن نتعقبه ونسجل الصوت في نفس الوقت. ان هذا يشبه لعبة الجولف حيث تضرب كرة الجولف أولا ثم تروح في مابعد تركض خلفها وأنت تأمل أن تسقط في الحفرة التي قصدتها.سألني أحدهم مرة : كيف تختار أهدافك في أفلامك ؟ فأجبته اختار أهداف أفلامي بإتجاه العدالة.. بما يحقق العدل..
مثلا تلك الفتاة التي حضرت وهى تحمل لنا بعض المشاريب في الشرفة منذ قليل، لو أردت أن اصورها لاستخدمت عدسة 35 مم، ولو أردت أن ادعوها على كأس قهوة معي لصورتها بعدسة 50، ولو اأردت أن اقترب منها أكثر وأكثر، لاستخدمت عدسات تصوير من عند عدسة 85 وحتى عدسة 90 .هذا هو العدل..
في البداية لم يخطر على بالي عمل أفلام روائية طويلة، وذات يوم شجعني البروفيسور التشيكي بروسيل، وكان تعود زيارة طهران،على عمل هذا النوع من الأفلام. فاعترفت له بأني أخاف. قال ان عمل أفلام روائية طويلة ليس مشكلة، وأن المسألة تتعلق فقط بتجميع عددا أكبر من المشاهد،واضافتها الى الفيلم. وهكذا وجدتني عام 1975 أعثر على موضوع مناسب لاخراج فيلم روائي طويل ،واخرجت فيلم ” المسافر ” ثم فيلم ” التقرير “..
فيلم ” التقرير ” يحكي عن تجربة شخصية عشتها. يحكي الفيلم عن نزاع بين رجل وزوجته وعن المشاكل التي يتعرض لها بسبب ذلك النزاع في عمله . جمعت في الفيلم – حسب متطلبات الفيلم الروائي- جمعت بين مشاكل عائلتين،كنت تعرفت على حياتهما من قبل، لكني حرصت على اختيار ممثلين غير محترفين للفيلم. .
ولذاحقق الفيلم نجاحا كبيرا. وكنت اخترت أن يكون إسم الفيلم ” التقرير ” لأنه يقدم تقريرا عن الحياة في طهران، خلال تلك السنوات التي سبقت قيام الثورة الاسلامية، ويحكي عن تلك الضغوطات الغريبة التي كان أهل طهران يعيشونها ومشاكلهم المالية والعمل الأسود- العمل السري غير المعلن – الذي كان يمارس أنذاك في الخفاء.
السبب هو أنه لم يخطر ابدا على بالي أن أستمر دوما في اخراج الأفلام، أو أن يكون لي فيلما جديدا كل سنة . كان اخراج الأفلام عندي يخضع لأمرين: لحال بلدي إيران وأحواله، ولظروفي الخاصة والأوضاع التي أعيشها. وخلال تلك السنوات التسع التي لم أنجز فيها أي فيلم، قامت الثورة الإسلامية في إيران، وعمليا لم يقم أحد وقتذاك بإخراج أي فيلم..
الفيلم الذي تحكي عنه هو فيلم تسجيلي يعرض لحياة أطفال المدارس الابتدائية الصغار – في سن السادسة –في إيران، ويشتمل على خيط درامي سردي، يظل ممتدا من أول الى آخر لقطة في الفيلم، ويضم الفيلم كذلك مجموعة من الحوارت والريبورتاجات من داخل المدرسة الابتدائية التي عرضنا لها ..
أثبتت تجاربي في العمل مع الأطفال، أنهم بعد التعود على رؤية الكاميرا،يتصرفون ويمثلون بشكل طبيعي، ولذا نحرص على أن نضع الكاميرا في الفصول ومنذ أول يوم في بداية العام الدراسي، وهكذا عندما يصل التلاميذ الى أول فصل ابتدائي دراسي في حياتهم، يجدون سبورة سوداء ومكتبا للمدرس وعدة مقاعد وكاميرا، فيعتبرون الكاميرا جزءا أساسيا من مكونات وأثاث الفصل، وقد تعودنا على أن لا نمنعهم من لمس الكاميرا أو التطلع من خلال منظارها حتى لاتصير شيئا مهما يجذبهم اليها، ولاشك اك لاحظت أن الأطفال في فيلم ” أين بيت صديقي ؟ ” مثلا ينظرون الكاميرا، لكنهم لايثبتون انظارهم عليها ، وسرعان ماينشغلوا بالنظر الى شييء آخر، بعدما تعودوا أن يكون المصور خلف الكاميرا ، كما هو المدرس أمام السبورة ، كما هم ذاتهم على مقاعد الدرس، وهذا هو- في تصورهم – الوضع الطبيعي في الفصل ..
ولو كانت اللحظة التي يعيشها الناس أمام الكاميرا من أهم اللحظات في حياتهم ، فان الأمر ينتهي بهم الى نسيانها تماما . تستطيع ان تضع عشرات الكاميرات أمام الاشخاص الذين يقفون في طابور أمام قنصلية ما للحصول على تأشيرة دخول – فيزا – وثق انهم لن يرونها بالمرة.. كما لايرى الكاميرا مصارعان في حلبة وقد اشتبكا في مباراة ..
بداية يجب أن تعرف اننا في إيران لانعمل 8 ساعات في اليوم. عندما نشتغل على مونتاج – تقطيع وتركيب – فيلم ما ، فاننا نشتغل أمام طاولة المونتاج 24 ساعة في اليوم، و7 أيام في الإسبوع ، ولانتوقف عن العمل إلا عند الإنتهاء من مونتاج الفيلم ، ولذا ننجز مونتاج الأفلام في وقت قصير نسبيا..
وكانت مشكلة فيلم ” تلاميذ المدرسة الابتدائية ” انني صورته من دون استخدام لوحة الأرقام- اللوحة التي يقرعها عامل الكلاكيت بعد ترديد رقم اللقطة ثم الخروج من مجال الصورة سريعا – حتى لايفقد الأطفال في الفصل قدرتهم على التركيز، فكانت النتيجة ان استغرقنا وقتا طويلا في عمل ” التزامن ” بين فلم الصوت وفلم الصورة، بسبب اللبس الاضطراب الذي وقع، نتيجة العمل مع هواة في التمثيل من الأطفال..لكن الشيء الايجابي- من ناحية ثانية – أنهم هواة صحيح، عندما يمثلون يمثلون بجد ..!.
أنا أشتغل دوما مع نفس الفريق من المساعدين والمتعاونين لأنهم تعودوا على وعرفوا طريقتي في العمل. لا أريد مدير تصوير يقترح علي دائما أبسط الحلول لتصوير لقطة ما ..
قصة الفيلم مستوحاة من مصدرين : من قصة كتبها مدرس ، وحادث تعرض له إبني وهو في سن بطل الفيلم . كان أحد اصدقائي استقبلناه للغداء عندي في البيت وأحتاج أن يدخن فأرسلت ابني لشراء سجائر له، فخرج ابني وغاب لفترة طويلة، واكتشفنا انه دار في مسافة 6 كيلومترات في ليل طهران، بحثا عن سجائر، وكان قد قرر أن لايعود إلا بعد أن يكون اشترى السجائر لضيفنا، وجعلنا ننتظرعودته، ونحن على أحر من الجمر. .
هذا الإحساس بالمسئوليةهو الذي جعلني أفكر في عمل هذا الفيلم وهو أيضا موضوع الفيلم،أما القصة التي كتبها المدرس فهي عن فتاة قامت بعمل واجب زميلها المدرسي..
صورته في قرية مازانداران التي تقع على بعد 400 كيلومترا من طهران بالقرب من بحر قزوين الذي كان مركزا لسلسلة من الزلازل التي وقعت في المنطقة. معظم أفلامي تدور أحداثها خارج العاصمة طهران ولايقتصر الأمر من بين المخرجين الايرانيين علي وحدي. نحن نصور افلامنا خارج طهران أغلب الوقت لأنه يمنحنا الفرصة للهروب من التلوث وزحام المواصلات واختناقات حركة المرور والعلاقات السيئة مع أهلها وكلها أشياء تتميز بها العاصمة طهران..كما أن التصوير خارج العاصمة يتيح لنا فرصة الجمع بين العمل والاجازة، وقد اخترت تلك القرية التي صورنا فيها الفيلم بالذات لأنها تقع في عمق أحد الأودية ولذا لا يصلها البث التلفزيوني، كما أن اللهجة التي يتحدث بها سكان القرية يسهل على معظم الايرانيين فهمها ..
كان يلزم أن تظهر شخصية الطفل في الفيلم مهمومة وقلقة طوال الوقت، وأن ينعكس ذلك القلق في نظراتها، واتذكر أنه أثناء الاستعاد لتصوير الفيلم اني شاهدت بعض الأشخاص في القرية يحملون نعشا في ما يشبه فاترينة، وكانوا في طريقهم لوضعها على مقبرة. كان النعش ثقيلا جدا ، وكانوا يحاولون وقد استجمعوا كل قواهم وضع ذلك العبء الثقيل على الأرض. وكان هناك حولهم جمع من الأطفال يلعبون ولا يهتمون أو يعبأون بما يحدث في ماعدا طفل واحد فقط ظهرت فجأة على وجهه مشاعر القلق، فوجدت أن هذا الطفل هو بالضبط الطفل الذي أبحث عنه واحتاجه ليضطلع ببطولة الفيلم ..
هذا الفيلم يعالج أيضا مشكلة شخصية، فقد كنت إنفصلت عن زوجتي وأعيش مع إبناي منذ عدة سنوات . وكان علي أن اقوم بخدمتهما في المنزل واساعدهما في دروسهما، لكن كان هذا الأمر تزداد صعوبته علي يوما بعد آخر بسبب المناهج الدراسية الجديدة التي تم اعتمادها حديثا في المدارس، وبخاصة في علم الرياضيات .. كنت أعود الى البيت تعبا منهكا، ولا استطيع أن استجيب لطلباتهما ، وكنت أحيانا أضربهما، وأريد أن أعرف كيف يتصرف الآباء حيال تلك المشكلة الصعبة وشرعت بالفعل في عمل تحقيق بالكاميرا عن الواجبات المنزلية ..
في البداية نرى الأطفال في طريقهم الى المدرسة ويقترب أحدهم مني ويسالني لماذا أصور هذا الفيلم . ثم اني أكشف بعد ذلك من خلال المشاهد التالية عن الاطفال وهم يذاكرون في بيوتهم وعلاقتهم بأهاليهم وكيف يحاول الأهالي مساعدتهم في واجباتهم، واعتقد ان هذا الفيلم يعد شهادة مأسوية مريرة على فشل البيت الايراني في مساعدة الابناء في دراستهم.. ولأن الآباء لم يتلقوا دروسا أو تعليما يساعدهم في تلك المهمة ، كما أن عدد التلاميذ في ارتفاع مستمر بينما ينخفض عدد المعلمين ولاتوجد أماكن بقدر كاف، كما أن المدرسين لايجدون وقتا للاهتمام بالتلاميذ كما ينبغي وهكذا يقع جزء من مهمة المعلمين على عاتق الآباء من غير المؤهلين لمساعدة ابنائهم في دراستهم. ولذا تجد آلاف المشاكل التي يعاني منها الكبار عبر ذلك الحاجز الذي يفصل بين معسكرين: معسكر المعلمين ومعسكر الآباء . والنتيجة أن الأطفال هم الذين يقعون ضحية لقسوة الكبار ، وهم الذين يعاقبون في المعسكرين معسكر المدرسة ومعسكر البيت، وكل كبير هنا يتنصل من مسئوليته ومشاكله ويضعها على ظهر الأطفال، وقد اتبعت في اخراج هذا الفيلم نفس المنهج والأسلوب الذي اتبعته في فيلم ” تلاميذ المدراس الابتدائية “، ولذلك تجد أن الأطفال يمثلون براحتهم أمام الكاميرا وهم يشعرون بعزة وكرامة ويتكلمون بصدق وصراحة ولايفشون ابدا أسرار عائلاتهم، والدليل على ذلك اني شجعت ابني على أن يعترف مثلا في الفيلم بأني ضربته، لكنه رفض ولم يرغب مطلقا في أن إفشاء سرعائلي كهذا ..
عندما انتهيت من فيلم ” واجب المساء ” كنت على وشك إخراج فيلم بعنوان ” مصروف الجيب ” عن موضوع يخص الأطفال أيضا،وتقع أحداث الفيلم في نفس المدرسة التي صورت فيها ” واجب المساء “. بعد قيام الثورة الإسلامية صارت المدراس تستقبل تلاميذ من كافة الطبقات الاجتماعية المختلفة، واصبحنا نجد ان مصروف جيب تلميذ ما في إسبوع يمكن ان يكون مصروف جيب تلميذ آخر في سنة كاملة وفكرت ان هذا الأمر يصلح لأن يكون موضوعا لفيلم مثير للاهتمام ..وكنت على وشك البدء في تصوي هذا الفيلم حين قرأت في باب الحوادث في جريدة عن تلك الحادثة التي أصبحت موضوعا لفيلم ” كلوز آب ” وقد كان الكاتب الكولومبي الكبير جابرييل جارثيا ماركيز على حق حين قال أن العمل هو الذي يختار الكاتب وليس الكانب هو الذي يختار العمل، فاتصلت بمنتج فيلم ” مصروف الجيب على الفور ” وحدثته عن رغبتي في تغيير موضوع الفيلم وعن تلك الحادثة التي استحوذت على كل كياني وكانت تقع في نفس اللحظة ومستمرة ولم تنتهي بعد، ولذا يجب أن نشرع فورا في التصوير اثناء وقوعها وليس بعد، ولانتأخر ..
ثم ذهبت واخذت طاقم العمل في الفيلم من المدرسة التي كنا نصور فيها فيلم ” واجب المساء ” وتوجهنا الى السجن وصورت هذا المشهد الأول الذي يصور اللقاء مع المتهم في السجن بكاميرا خفية، وكانت مشاهد المحاكمة أيضل تسجيلية، لكني غيرت فيها بعض الأشياء للاقتراب أكثر من شخصية المتهم،فقد كانت لديه أشياء لايمكن أن تقال ولم تذكر أثناء المحاكمة، لذلك كان علي استخراج هذه الأشياء من داخله لكي تقال وتصاغ في كلمات، وأن تسجل أيضا في مشاهد ،على شكل أقوال للمتهم ثم يتم ضمها لمشاهد المحاكمة في الفيلم ..
احيانا قد يدعو الوصول الى الحقيقة خيانة الواقع، وكنت تحدثت بشأن هذا الأمر مع المتهم والقاضي أثناء فترة الاستراحة من المحاكمة وشرحت لهما قصدي، ولذا استغرقت تلك المحاكمة ست ساعات بدلا من ساعة فقط كالمعتاد ..
لقد حدث وقتذاك شييء إيجابي للغاية في إيران الا وهو اكتشاف السينما. اكتشاف السينما بواسطة من كانوا يجهلون دورها ويتجاهلونها، ويهملونها ولا يحبونها أو يترددون على قاعاتها.كانت السينما في الماضي ممنوعة بإسم الدين، واليوم يبدو الأمر كما لو أن السينما تعود الى أصلها ونشأتها وجذورها الأولى. ولذا عندما قلنا وقتها اننا سنصور فيلما يحكي عن السينما، وجدنا لدى المسئولين بما في ذلك الجهات القضائية آذانا صاغية. وصرحوا لنا بأن نصور أينما شئنا .واتذكر انني كنت اتناقش مع القاضي الذي يظهر في الفيلم اثناء المحاكمة في تقنيات اللقطة القريبة واللقطة البعيدة واللقطة الكلوز آب المكبرة وكان يبدو واعيا ومتفهما لمصطلحات اللغة السينمائية أثناء مداخلاته ..
اتذكر انه قال بعد القبض عليه : ” أنا مثل قطعة من اللحم خذوني الى الجزار واطلبو منه أن يصنعه منها ماشئتم “..وقد خيل الي انه يتحدث الي ..ويخاطبني بكلامه كما لو كنت الجمهور ويجب أن أصنع شيئا ما. وقد اكتشفت انه لم يكن مجرما ، وأردت بالفعل أن أعرف من يكون ، وعرفت انه عاطل عن الأمل ومفلس ويائس، واردت الاقتراب منه والتعرف أكثر على شخصيته.و هكذا كنت مع كل يوم اثناء التصوير اقترب منه أكثر واتعرف على ملامح جديدة في شخصيته،وفهمت اثنار سير المحاكمة انه كذب بالفعل على أفراد الأسرة ، لكني أدركت أيضا انه كانت لدي تلك الإسرة الرغبة في أن يكذب عليها. وهي مسألة قد تدعونا الى استنباط النتيجة التالية: أن الحاكم الديكتاتور لايريد فقط أن يمارس سلطته على الناس، بل أن الناس أحيانا يريدون أن يستعبدهم الديكتاتور ويمارس عليهم سلطته. وقد توصلت ايضا الى ملاحظة مهمة في بحثي عن العلاقة بين الواقع والحقيقة في الفيلم التي تحثت عنها آنفا، فعندما توجهت الى بيت العائلة الثرية لاعادة تمثيل واقعة القبض على سابزيان ، قال لابن العائلة انه لم يكذب عليهم حين ذكر أنه سيعود الى البيت مع فريق تصوير وهذ ما حدث الفعل . وقد تأثرت بذلك الأمر جدا، فقد كان يكذب عليهم، لكنها كانت الحقيقة في نفس الوقت، حيث وصلت مع فريق تصوير سينمائي بالفعل بعد اربعين يوما من تعرفه على العائلة،وحضرت مع الكاميرات ومعدات الاضاءة وافراد طاقم العمل في الفيلم وكنا بالفعل في خدمته، وكان هذا أيضا، ليس فيلمنا، بل فيلمه ..
مع سابزيان عرفت بالفعل مدى سلطة الحب ، فعندما يحب المرء شيئا ما كما أحب سابزيان السينما – يمنحه الحب شجاعة خرافية وقدرات لاتصدق ، ويؤكد الفيلم أيضا على حقائق اخرى من ضمنها أن أكثر ما يحتاجه المرء بعد الاكسجين الذي نتنفسه هو الكرامة واحترام الناس له .. هذا الانسان الذي كان يعرف انه يمكن القبض علي بنسبة 80 في المائة، لم يلجأ الى الفرار، بل واجه أمر اعتقاله بشجاعة محافظا على كرامته، وسلم نفسه عند حضور الشرطة ..
كلا ، لقد التقيته للمرة الأولي بمناسبة تصوير الفيلم، وطلبت منه أن يلعب دوره الحقيقي في الفيلم فوافق ، وعندما خرج سابزيان من السجن صورنا المشهد بكاميرا خفية ، ولم يكن سابزيان يعلم انه سيجد عند الافراج عنه و خروجه من السجن سيجد مخملباف أمامه ..
أنا بطبعي أحب الوحدة والفردية وأميل الى حياة العزلة، لكن هذا لايعني اني لا أرغب في الاتصال بزملائي من السينمائيين الذين تربطني بهم صداقة، وتجدني أسعد بوجودهم عندما التقيهم في مناسبة ما أو سهرة، و اعتقد بأن الفنان هو انسان منفرد وحيد، كما تجدني لا احب المشاركة في الحياة الاجتماعية بسبب مشاكل عائلية خاصة جدا ..
شاهدت بعد وقوع زلزال ان الخريطة التي تظهر للمكان في التلفزيون هي خريطة للمكان الذي صورت فيه فيلمي ” أين بيت صديقي ” وكانت القرية التي صورت فيها الفيلم تقع على سطح مركز بؤرة الزلزال الذي راح ضحيته أكثر من 90 في المائة من أهالي القرية، فقررت أن أسافر الى هناك للاطمئنان على الأطفال الذين صورتهم في الفيلم ، وكانت كل الطرق مسدودة للوصول الى القرية التي وصلتها بصعوبة ، وكان لدي الاحساس في اليوم الذي وصلت فيه بأن القرية قد دمرت عن آخرها وصارت اطلالا ولم ينجو أحد من أهلها ،، وشعرت بالحزن العميق لكن حدثت أشياء غريبة في نفس الوقت فقد وجدت اناسا يغسلون ملاءات وسجاجيد ويضعونها على الأشجار كي تجف، وشعرت بغريزة حب البقاء تتسامق وبشكل رائع فوق الانقاض. كان هناك عجوز تحاول وحدها أن تسحب سجادة من تحت أربعة أمتار من تراب الأنقاض، وعندما قلت لها ان احدا لايستطيع أن يساعدها قالت أن زوجها وابنها دفنا تحت الانقاض ، ثم اني توجهت للبحث عن فريق انقاذ لمساعدتها ، ولما عدت وجدتها قد اشعلت نارا وشرعت تعد لي كوبا من الشاي، ، ولما أدرت النظر في أنحاء المكان كان هناك تفاصيل تدل على الرغبة في الحياة ومقاومة الفناء والموت ، واردت أن اصنع فيلما روائيا يحكي عن هذا: أن الرغبة في الحياة أقوى من الخوف والموت ، ووأن يكون الزلزال هو القاعدة التي يتأسس عليها أساس الفيلم ، وفي نهاية الفيلم نرى أشار الزيتون والنهر الذي تجري مياهه، والجبال وغروب الشمس والاهالي الذين رفضوا أن يستلسموا ..
اعتقد انه يجب ان نضع الرقابة في الاعتبار وأن نقبل بها . نحن ننتمي الى طبقة المثقفين ويجب أن يكون لدينا علما بنوع الحكومة التي تحكمنا ونوع الجمهور الذي نعمل له، ولا يمكن أن تقارن مايحدث في بلدنا بما يحدث في بلدك . نحن في الشرق الأوسط في العالم الثالث ، وربما صرنا الى نفس الظروف التي تعيشونها الآن بعد خمسمائة عام. نحن نريد أن نتقدم خطوة خطوة، ومن العبث أن يفكر المرء في أنه يستطيع أن يغير العالم بفيلم ، ومن العبث ايضا أن يصنع المرء فيلما وهو يعلم مسبقا بان الرقابة سوف ترفضه وتمنع عرضه. يجب ان يعمل الفنان في حدود المساحة التي يسمح بها له مجتمعه.ان الفيلم الذي يمنع من العرض هو فيلم لا وجود له وكأنه لم يصنع . ولذا يجب أن يعرف المرء مدي وحدود سلطة الحكومة، ولهذا تجدني اؤمن بالافلام البسيطة التي أصنع، لأني اعرف انها تعمل شيئا فشيئا على خلق مستقبل أفضل في هذا الوطن ..
![]()

أجرى الحوار : ميشال سيمان
ترجمه عن الفرنسية : صلاح هاشم

—
عن جريدة ” القاهرة ”
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0


يكاد النقد السينمائي ينحصر علي عدد قليل من الكتاب العرب، وصلاح هاشم أحد هؤلاء القلة الذين يمارسون النقد السينمائي علي نحو فاعل، ولم يكن هذا الناقد عابرا علي هذا اللون، انما جاء اليه من أوسع أبواب الأدب الحديث، اذ درس الأدب الأنجليزي، وكتب القصة القصيرة ، وله منها مجموعة قصصية ” الحصان الأبيض ” وله كتاب في أدب الرحلات والهجرة ” الوطن الآخر. سندباديات مع المهاجرين العرب في أوروبا وأمريكا ” صدر في 3 أجزاء عن دار الآفاق الجديدة في بنان،، كما انه رأس تحرير مجلة ” الفيديو العربي ” وأخرج فيلما وحيدا بعنوان ” كلام العيون ” وشارك مؤخرا في لجنة التحكيم الخاصة بمسابقة أفلام الامارات، وفي هذا الحوار يتناول هاشم معضلات النقد السينمائي الي جانب معضلات السينما العربية
![]()
كتبت القصة القصيرة، ودرست الأدب الأنجليزي ثم اتجهت الي كتابة النقد السينمائي حتي عرفت به علي حساب الكتابة الادبية، فلماذا انحزت الي النقد السينمائي ؟
الكتابة عن السينما والترجمة عنها كانتا من اهتماماتي منذ بدأت اكتب القصة القصيرة التي التي كانت جزءا من مناخ فترة الستينيات في مصر ، فالاهتمام بالسينما كان أساسا من طبيعة اهتمامات الجيل الستيني بسبب ظهور الحداثة السينمائية وسينما الموجة الجديدة في فرنسا والافلام التشيكية الجديدة التي خلقت نوعا من التوهج الثقافي الذي أخذ يتفاعل مع كتابات هذا الجيل. كما ان ” نادي السينما ” الذي تأسس في سينما قصر النيل قدم افلاما نوعية أثري بها الادباء، وكانت تلك التيارات السينمائية تؤثر علي كتابات ذلك الجيل، لأنها جاءت بأساليب جديدة في فن السرد، واستفدنا كثيرا من تلك التقنيات الحديثة التي وظفت في الكتابات القصصية، ومازلت اذكر الافلام العظيمة التي تركت تأثيراتها بشكل أو بآخر علي جيل أدبي كامل مثل فيلم ” روميو وجولييت ” لفرانكو زيفاريللي، و ” امريكا امريكا ” لايليا كازان و” 400 ضربة ” لفرانسوا تروفو و ” علي آخر نفس ” لجان لوك جودار و ” الصحراء الحمراء ” لانطونيوني. هذه الأفلام الشوامخ وغيرها، وجهت الانتباه الي أهميتها التقنية وأسلوبها الحديث، ولابد هنا من أن أذكر أن جيلنا كان ينشر في ” جريدة المساء ” عند عبد الفتاح الجمل، الذي كان يعشق السينما، وفتح باب الكتابة النقدية السينمائية لنا

ولكنك كنت في تلك الفترة تكتب القصة وتدرس الأدب ولم يعرف لك نشاط سينمائي ؟

كنت اكتب القصة القصيرة بروح الشعر وأدرس اصول الدراما كما درست الرواية علي يد د. فاطمة موسي، ودرست الادب الانجليزي حبا في شكسبير، فاللغة مفتاح للتعرف علي الحضارات الأخري وهي سلاحي في معرفة الآخر، وكانت مساهماتي ” السينمائية ” من خلال ترجمة بعض الدراسات التي تهتم بفن السينما خصوصا المونتاج، وكنت انشر ترجماتي في مجلة ” سينما ” التي كان يرأس تحريرها سعد الدين وهبة، وفي نفس تلك الفترة كنا نتابع ونقرأ كتابات رءوف توفيق الناقد السينمائي المصري الكبير في مجلة ” صباح الخير ” ومجلة ” الكاتب ” الشهيرة التي كان يرأس تحريرها احمد عباس صالح. كنا نريد ان نتعلم ونجرب فهي فترة توهج حقة، وبهذا الاحتكاك وعندما كنت أدرس في الجامعة نشرت لي أول دراسة أدبية بعنوان ” مقدمة في ادب وفلسفة نيكوس كازانتزاكيس ” في اغسطس عام 1968 في مجلة ” الكاتب ” مجلة المثقفين العرب آنذاك، حيث كنت معجبا بذلك الاديب اليوناني الكبير، وانا من القلائل الذين كتبوا عنه وقدموه الي القارييء العربي. اما عن موضوع السينما في تلك الفترة فلم تكن السينما الهوليوودية ذات حضور مهم، بعكس السينما الاوروبية التي كانت تقدم افلاما جادة وجديدة علي صعيد كل شييء، وهي الفترة التي شهدت ميلاد ” الرواية الجديدة ” في فرنسا التي قادها الآن روب جرييه وناتالي ساروت وصاموئيا بيكيت ويونسكو. اريد أن اخلص الي أن تلك الفترة كانت غنية جدا ثقافيا وسياسيا وكان وقتها يتأسس مشروع جديد شهد انهيار النظام الناصري لظروف معروفة وفي هذا الجو نشأت

هل كتاباتك النقدية محددة بمنهج معين ؟
لاتوجد كتابة نقدية غير منحازة. كتاباتي تنحاز الي ” الوجه ” الانساني، و” الكرامة ” الانسانية ، فالسينما ليست لهوا وتسلية، انما هي أداة تفكير وتأمل في واقع المجتمعات الأنسانية ومشاكلها

ما المهم في السينما الآن ؟

ثمة مقولة للمخرج الهولندي جوريس ايفانز ” ليس المهم أن يكون النهر طويلا او عميقا، ولكن المهم أن نسأل هل الأسماك فيه سعيدة ؟. المهم في السينما البشر الذين نصورهم وماهي الاسئلة التي يطرحونها وكيف يفلسفون حياتهم ؟ السينما هي أن نفكر ونسأل لا كما يطرحه التلفزيون من فقاعات. اعتبر التلفزيون سرطان العصر ووباء هذه المنطقة من العالم. السينما الهوليوودية تصنع الوهم، هذا الوهم اسمه وهم الفرجة ، وهم الاستعراض ، السينما كفن للابهار البصري / السينما الهوليوودية عبارة عن طبل وزفة
وما البديل لذلك ؟

تأسيس ثقافة سينمائية حقيقية وايجاد مناخ ثقافي حضاري نتساءل فيه من نحن ؟ ماذا أنجزنا ؟ ماذا حققنا ؟ ماذا أضفنا ؟. ماتزال السينما عندنا فنا مهانا. علينا ان نعرف تراثنا وتاريخنا وندرس العلامات المضيئة في ذواتنا ونطرح المزيد من الاسئلة. علينا ان نعرف تاريخنا حتي نتعلم.
السينما ليست صناعة وحرفة فحسب بل هي فن وعلينا ان نعرف ابجدية هذا الفن. السينما تؤلف الكلام وتخترعه من خلال صورة + صورة. السينما عندي تصنع في لحظات الصمت مابين صورة وصورة اخري. لقطةمع الشييء ولقطة ضد الشيء والاشييء

هل نتوقف عند السينما العربية الآن بضوء هذا الفهم النقدي ؟
احب السينما التي فيها قراءة واستكشاف الواقع. وظيفة السينما الاساسية أن تقف ضد الظلم في العالم. ليس من شأن السينما أن ترفع شعارات، لكنها يجب ان ترفع من مستوي حياة الروح والتأمل الفلسفي في الواقع الذي نعيشه
هل الفيلم السياسي معني بهذا الطرح ؟
أي فيلم هو سياسي بالنتيجة واي فيلم يحارب الظلم ويحترم كرامة الانسان هو فيلم سياسي والفيلم الذي يحكي عن رئيس او زعيم ليس بالضرورة ان يكون سياسيا
ما ابرز اشكاليات السينما العربية ؟

خذ السينما المصرية علي سبيل المثال ثمة مشروع لتخريبها من خلال هيمنة المؤسسة الرسمية عليها انتاجا وتوزيعا والسلطة عندما تتدخل لاتترك أي هامش لصناعة سينمائية حقيقية لانها لاتطرح التساؤلات الاساسية تساؤلات اللحظة الراهنة وتساؤلات الواقع كما انها تصادر المبادرات الفردية وتشتري الضمائر، لذلك اري ان الثقافة لايصنعها الا المبدعون ولاتصنعها الدولة ولا الجهاز السياسي، وهنا لابد وان اطرح نقطة مهمة تتعلق بأرشيفنا السينمائي. هل من المعقول ان يكون لدينا 6 الآف فيلم جميعها غير مؤرشفة؟ ماذا تتعلم الاجيال اللاحقة؟ السينما ليست فقط تعليم تقنيات والتقاط صور سينمائية. انها تأسيس معرفي وثقافي وتاريخي وحضاري، ووظيفة السينما ان تقربنا اكثر من انسانيتنا وتجعلنا من خلال سلوكياتنا اكثر تحضرا. احب ان اطلق علي السينما حضارة السلوك الكبري
يطرح الآن مفهوم ” السينما الشعرية ” فهل من وقفة نقدية عند هذا المفهوم ؟
في حياتي لم اسمع بهذا المفهوم لكني اعرف ان السينما تصنع الشعر حينما تؤلف بين عناصر العمل الفني وتتأمل في مكونات اللقطة السينمائية لأنها السينما جماع الفنون. لاتوجد سينما شعرية. توجد سينما واقعية ولكن هناكسينما سياسية وسينما تجريبيةوسينما سريالية. النظام الهوليوودي هو الذي خلق الانواع السينمائية. الشعر في السينما يكون داخل الصورة المتكونة من رؤية شاعرية قوية

عن مجلة ” المرأة اليوم ” العدد 219 السبت 19 مايو 2005
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0
الناقد و المبدع
☆☆☆☆☆☆
يظل رأى الجماهير هو ما ينتظره المبدع عند عرضه عملا فنيا ؛ إلا أن الكتابات النقدية تزاحم ذلك الرأى فى إهتمام المبدع بها ، خاصة عندما تصدر من أساتذة فى علوم النقد .
فإذا أضيف إلى ذلك خبرة و موهبة الناقد يصبح المقال النقدى بمثابة جائزة .
شكرا الناقد الكبير صلاح هاشم
محمد فاضل

كتب الي الأستاذ محمد فاضل هذا الرد المنشور هنا،بعد أن شارك على صفحات الفيس بوك رسالتي إليه، في عيد ميلاده، وأقول له فيها : ( أهلا أستاذنا الفاضل المخرج الكبير محمد فاضل. كل عام وأنت بخير، بمناسبة عيد ميلادك ،وإسمح لي وأنا استرجع ذكرياتنا الجميلة، منذ أكثر من عشرين عاما، في مدينة ” نانت ” الفرنسية، حين حضرت لعرض فيلمك “حب في الزنزانة ” بطولة عادل إمام وسعاد حسني ،في مهرجان القارات الثلاث “افريقيا.آسيا.أمريكا اللاتينية” وتشرفت اثناء حضوري المهرجان، بإدارة المؤتمر الصحفي معك..

إسمح لي بأن أقول لك ، بأن الاعلام الرسمي الهابط في بلادنا، لن ينجح ابدا، في أن يجعلنا نعتقد، بأن الناس في مصر، تافهة، وعبيطة وهبلة،وغير ذكية، وتصدق كل ماينشر، أو يبث على شاشاته الرسمية ،من برامج ومساسلات بائسة ومنحطة، وأوهام، تروج للعنف، وتزوير التاريخ، وتبعث على السخرية، والهزل والضحك، وانعدام الضمير..
حين تجعل السلطة إنصاف المثقفين التافهين، من حملة شهادات الدكتوراه المزورة ،والمسروقة، أو المنقولة من دون الإشارة الى أصحابها- سرقة عيني عينك في عصور الدجل والنشر الخاص والتعليم الخاص والدروس الخصوصية والفهلوة- وعديمي المواهب والخبرات.تجعلهم يتصدرون المشهد الاعلامي الرسمي وعوالم النشر وإتخاذ القرار وتشكيل الرأي العام في بلادنا في مناخات ” الغيبوبة ” الفكرية الكبرى، وهيمنة الاستبداد وإخراس الألسنة ،واعتقال حريات التعبير والرأي، وتعليق الجدل والحوار العقلاني.. وحتى تزول الغمة، ويظهر ذلك الاعلام، الذي يحترم عقول الناس، وتراثها الأدبي والفكري والفني العريق، الاعلام الذي لايهين كرامتها، حين يخاطبها، أويصنع لها ثقافتها من فوق، ويتعامل معها، مثل الصغار، الذين يحتاجون الى جليسة أطفال أو مرضعة وكل سنة وأنت طيب ياكبير)..
شكرا لمخرجنا المصري الكبير محد فاضل ،صاحب ” الضمير ” الصاحي
صلاح هاشم

admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0

أهلا أستاذنا الفاضل المخرج الكبير محمد فاضل. كل عام وأنت بخير بمناسبة عيد ميلادك ،وإسمح لي وأنا استرجع ذكرياتنا الجميلة في مدينة ” نانت ” الفرنسية حين حضرت لعرض فيلمك ( حب في الزنزانة ) بطولة عادل إمام وسعاد حسني ،في مهرجان القارات الثلاث ( افريقيا.آسيا.أمريكا اللاتينية) وتشرفت اثناء حضوري المهرجان بإدارة المؤتمر الصحفي معك.إسمح لي بأن أقول لك ، بأن الاعلام الرسمي الهابط في بلادنا، لن ينجح ابدا، في أن يجعلنا نعتقد، بأن الناس في مصر، تافهة، وعبيطة، وهبلة،وغير ذكية، وتصدق كل ماينشر أو يبث على شاشاته الرسمية ،من برامج ومساسلات ، بائسة ومنحطة، وأوهام، تروج للعنف، وتزوير التاريخ، وتبعث على السخرية، والهزل والضحك، وانعدام الضمير..

وحين تجعل السلطة إنصاف المثقفين التافهين، من حملة شهادات الدكتوراه المزورة ،والمسروقة، أو المنقولة من دون الإشارة الى أصحابها- سرقة عيني عينك في عصور الدجل والنشر الخاص والتعليم الخاص والدروس الخصوصية والفهلوة- وعديمي المواهب والخبرات، يتصدرون المشهد الاعلامي الرسمي وعوالم النشر وإتخاذ القرار وتشكيل الرأي العام في بلادنا في مناخات ” الغيبوبة ” الفكرية الكبرى، وهيمنة الاستبداد وإخراس الألسنة ،واعتقال حريات التعبير والرأي، وتعليق الجدل والحوار العقلاني.وحتى تزول الغمة، ويظهر ذلك الاعلام، الذي يحترم عقول الناس، وتراثها الأدبي والفكري والفني العريق، الاعلام الذي لايهين كرامتها، حين يخاطبها أويصنع لها ثقافتها من فوق، ويتعامل معها، مثل الصغار، الذين يحتاجون الى جليسة أطفال أو مرضعة.
وكل سنة وأنت طيب
ياكبير
صلاح هاشم
كاتب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس .فرنسا.مؤسس موقع ( سينما إيزيس) عام 2005 في باريس، ومهرجان ” جاز وأفلام ” في مصر عام 2015، ورئيس تحرير مجلة ” الفيديو العربي ” التي كانت تصدر في لندن السابق.و ” كنت محكما في مهرجان كان ” .عضو لجنة تحكيم مسابقة ” الكاميرا الذهبية ” في مهرجان ” كان ” السينمائي الدورة 42 لعام 1989
admin افلام, رئيسية, شاشة باريس, شخصيات ومذاهب 0





