أفلام عاشت : سينما مصر في فيلم ” غزل البنات ” لأنور وجدي دعوة الى الحب بقلم يسري حسين
بقلم
يسري حسين
أنتج إنور جدي فيلمه العبقري ( غزل البنات ) عام ١٩٤٩ ،وحشد أجمل الممثلين ،الذين تكونوا في عصور البهجة وحب الفن والتمثيل وعشق الغناء

نجح أنور وجدي، المسكون بحب السينما في جمع نجيب الريحاني مع ليلى مراد ،في حكاية حب من طرف واحد ،تخللته مشاهد غزل البنات ودلال الجمال ،في أغواء جميل ،طبع الفيلم بحوار جذاب ،كتبه الريحاني نفسه مع بديع خيري ،مع أغناني حسين السيد العبقري ،الذي هاجمه جلال أمين بإستعلاء المثقف ،غير المدرك لدور هذا الرجل ،الذي صنع أجمل الاغاني المصرية من رومانسية لأخرى ضاحكة ومسلية.
حسين السيد ،في الفيلم ،يبدأ بأغنية ( اتمخطري ياخيل) ،على إيقاعات عبد الوهاب التي تنسج خطوات الخيل مع أيقاع القلب واللهفة للقاء المحب ،بموسيقى تنبض بالغرام والعشق ،وجمال البنات ،في عصر البهجة المصرية ،قبل زحف الظلام والضباب وتحريم الغناء ومنع الحب ،وتلجيم النساء بأقنعة مخيفة لطرد الجمال ونبذه ،ووصفه بالخطيئة .

زمن ( غزل البنات) يتغزل بالحياة نفسها ،وهذا ما تغنيه ليلى مراد ،التي تعلن بصوت قادم من جنة العشق والمحبة، بأن الكون جميل والحياة تحتاج الفرح وفتح النوافذ كلها ،حتى يدخل نسيم الحب وينعش القلوب.
عبد الوهاب يدفع صوت ليلى مراد للقفز في الهواء وهي تغني أن الحياة نغمة مشبعة بالأمل والرجاء.
يعود الملحن مع المؤلف وصوت ليلى مراد ،للطيران في سماء اللحن البديع ( الحب جميل) حيث تنطق أوتار الجيتار بهذا السحر والعاطفة المتدفقة في رسم لوحة الحب ،بهذا التألق ،الذي يضع الأغنية والأداء في مقام الإعجاز الفني وعناق الكلمات مع اللحن.

مصر الجميلة في عام ١٩٤٩ ،تغني للحب والأنفعال يصل لقمة المشاعر ،وتلك أغنية تسجل في التاريخ ،عندما كان المصريون يحبون ويعشقون ،قبل أن تلتهمهم رياح الكراهية وتدفع قبحاء منهم لقتل مواطنين ،بلا سبب ،سوى جفاف القلوب وتصحرها وغرقها في مياه العدم والموت.
تواصل ليلى مراد الغناء في الفيلم البديع ،وتأتي أغنية( أبجد هوز) رشيقة سريعة راقصة على أيقاع قادم من موسيقى حديثة تعزف في صالت عماد الدين ،قبل غلقها وتحويلها لخرابات تنشر الكراهية والقبح.
فيلم ( غزل البنات) هو مصر الجميلة، التي تبرق بأضواء المسارح والملاهي والمقاهي الراقية ،
وقد جمع أنور وجدي يوسف وهبي بجانب الريحاني مع سعيد أبو بكر وزينات صدقي ،ونجوم أخرى برقت في أجواء مصرية ،ضمت كل هذا الثراء ،بينما الآن لا نشاهد سوى محجبات ومتنقبات ولحى كثيفة وملابس أفغانية، بينما الفيلم يستعرض أزياء دولة حديثة متمدنة عبر ثياب ليلى مراد وسليمان نجيب ،حتى الخدم ،يرتدون الملابس الراقية ،دلالة على مدنية تجاوزت مرحلة القرية بمراحل طويلة.
هذا الفيلم ،يؤكد اننا كنا أكثر تقدما ومدنية في عام١٩٤٩، فالفن اجمل والموسيقى خلابة والتمثيل في حالة إبهار ،ومزاج البشر في أعلى درجات الأسترخاء والدليل الحوار المتدفق سخرية ونقد اجتماعي ،وحديث عن حب الروح في أغنية عبد الوهاب.
تأخرنا ،بل عدنا للوراء ،فمن يهبط مصر الآن منذ وصوله لمطار القاهرة ، يظن أن عجلة الزمن عادت للعصر الوسيط ،وهذا ما تؤكده ملابس النساء المصريات وطبيعة الكلام الذي تحول لمفردات دينية تتحدث عن عذاب الآخرة وخبث طبيعة المرأة ،التي تدفع نحو الخطيئة والشر.

فيلم أنور وجدي يتحدث عن حب الروح وسمو مشاعر المحب ،فلا غيرة ولا أنانية ولا قتل بسب الدين ،بل محبة خالصة ، طبعت سمات المصريين في هذا الزمن ،وجاء أنور وجدي ليقدم فيلما رائعا ،نحتاج لرؤيته حتى نبكي على واقعنا الراهن ،من قمامة في الشوارع ،وأخرى على شاشات التلفزيون وألفاظ بذيئة تعكس حالة انحطاط ،بنما في الفيلم كوميديا راقية وغناء بديع وصوت ينتمي لعالم الملائكة لسيدة مصرية، ولدت في عصر البهجة والجمال ،أسمها ليلى مراد.
بقلم
يسري حسين

يسري حسين كاتب وصحافي وناقد مصري مقيم في لندن . المملكة المتحدة



