عزة النفس الثقافية بقلم حسناء رجب
كنت أقرأ أمس، للمرة الثانية أو الثالثة لا أعرف، مسرحية “ألم الوعي”، وهي مسرحية للكاتب ألكسندر جريبويدوف. وكلما قرأتها شعرتُ، على صغر حجمها (164 صفحة)، بأنها وجبة فكرية دسمة للغاية، وفي كل مرة يمكن أن يخرج منها القارئ بأفكار تأملية ملهمة؛ لأنها تعكس صفات وخصالاً بشرية مختلفة؛ مثل الطمع، والغيرة، والحقد، والحب، والأمانة، وتعمق أيضاً بالتوازي مع كل ذلك “مشيئة القدر”. لا أكتب هذا للحديث عن المسرحية وجمالها في حد ذاته، بل لما ألهمتني إياه فقط.
وتذكرتُ الأستاذ مصطفى بيومي—رحمة الله عليه—حينما كنا نتناقش في أمور الحياة العادية، بما تشتمل عليه من لفظة”العادية” كالأبناء والأحفاد، وصولاً إلى الظروف المناخية الشديدة القسوة، والسينما والأدب، وانتهاءً بدراما الحياة الثقافية. لكننا بالتأكيد كنا نعلي من شأن الحديث في الحياة بتفاصيلها البسيطة التي تسعد أي كاتب، بل ونتجنب الحديث عن أي صراعات ثقافية، فلا نلهث ولا ننبهر ! وحينما كان ينصت لي—كأي أحد ينصت جيداً لصديقة تريد أن تفكك مشهداً ما أو ظاهرة ما—كان يرى الأمور من منظور آخر، ويقول لي: “هذا المشهد الخطير يمكن تفكيكه في روايتكِ أو قصتكِ مثلاً.. ولكن؟”. أنتظر “ولكن” هذه التي تحبس الأنفاس، فيكمل بما معناه وليس حرفياً: إن الكلمة التي لا تبني وعياً جديداً أو تكشف حقيقة غائبة، يكون الاحتفاظ بها في القلب والصدر أكرم لصاحبها وللقارئ على حد سواء”.
هكذا أحفظ الدرس جيداً، وأعاود قراءة المسرحية وأنا أسرح قليلاً في حواراتها:
“إذا سمعهم أحد يتحدثون، ليس الأمر في كونهم يطرحون أفكاراً جديدة، لا! اللهم احفظنا! بل لمجرد أنهم يتطرقون إلى هذا وإلى ذاك، وفي أغلب الأحيان إلى لا شيء! يثيرون ضجة، ويتمادون في جدالاتهم كثيراً جداً، ويظنون أنفسهم مستشارين متقاعدين يتمتعون بالصراحة والذكاء”.
وهكذا استوقفتني الكلمات وتذكرت “عزة النفس الثقافية”؛ التي تعلي من قيمة الصمت الواعي، الذي لا يريد أحدهم أن يكتب نقداً لمجرد الضوضاء والتكرار. والصمت والترفع عن التكرار يعكس وعياً بأن الناقد لا يختار أبداً أن يلوث حبره بمعركة زائلة.
لكن الأمور لا تُدار هكذا؛ فمنا من ترفع عن تكرار الكلام، بينما بات الحديث عن تلك القضية جحيماً للبعض، وأنا منهم. ثم يعجب البعض بحالة التشفي الجمعي حينما ينكشف الخطأ وتصدر فيه أحكام نهائية؛ لكن التكرار ثم الاجترار والهجوم لا بد أن يُحدث سقوطاً مدوياً هائلاً! فأصبح الحديث بعد السقوط مجاراة للموضة السائدة. والمضحك والمثير للغثيان في نفس الوقت، أنه كلما كان الهجوم حاداً وعنيفاً، أصبح الشخص نزيهاً ومنحازاً للحق والفضيلة، وأصبح الواحد منهم مستعرضاً للوعظ الأخلاقي!
إن قليلين جداً، مقارنة بالمشهد الثقافي الحالي، هم من كانوا يمارسون النقد الموضوعى والمسؤول في قمة سلطته ونفوذه؛ أما الحديث بعد السقوط فهو يشبه المجزرة، ولا أريد استخدام المثل الدارج لجداتي لشعوري بالتأدب عند الحديث عن الشخصيات المنوطة بالكلام، وعدم المساهمة في إشعال الحرائق. لذلك، فإن صمت البعض في هذه اللحظة هو تفريق حاسم بين النقد الموضوعي والركوب على الموجة، وترفعٌ عن التكرار، ثم التكرار مئة مرة أو أكثر!
“لا تذكرونا بما حدث! لقد تذمر الناس وحنقوا بما فيه الكفاية، وتغيرت الكثير من الأشياء منذ حينها؛ فهناك من طأطأ رأسه من الخجل، وهناك من اغتنم الفرصة لملاحقة القبور، وقذف القبعات إلى السماء”
إن المبدع الحقيقي هو الذي يبذل جهداً حقيقياً في البحث والتوثيق، ويعرف أن مجهوده يحمل بصمته الجينية التي لا يمكن طمسها. والمبدعة لم تكن بحاجة لحفلة إعدام معنوي للطرف الآخر لتثبت حقها؛ فالقضاء أنصفها وهذا يكفيها تماماً، لأنها تدرك أن تحويل الأزمة إلى معركة شخصية لا يخدم قضيتها.

الروائي الفرنسي الكبير بلزاك
سألني صديقي منذ أيام في غمار حديثنا عن شيء ما، مستشهداً بمقولة لكاتب شهير، ولأنه لم تسعفه الذاكرة، فقد قال لي: “لا أعرف من قالها؛ أهو بلزاك أم دوستويفسكي؟!”، فقلت له على الفور: “هذه مقولة بلزاك بالتأكيد؛ لأنها بصمته وليست بصمة دوستويفسكي”، فتقبل يقيني وأكد هو الآخر ميله بأن العبارة تميل إلى أن تكون لبلزاك، ومنها أكملنا حوارنا. لكني مع انتهاء المكالمة آثرت أن أتأكد مرة أخرى حتى لا أغتر بهذا اليقين، فقد أكون على خطأ، ومتى تأكدت ارتحت.
لكني لامست ظاهرة أخرى عبر تلك الأحداث، وهي حالة الإرهاب الفكري والتهكم والتربص بمن يتعاطف إنسانياً مع المخطئ، ظناً من البعض أن العقاب لا يكتمل بعزل المخطئ من منصبه فحسب، بل بعزله تماماً عن ذويه، وأبنائه، وأصدقائه! فالتشفي جزء من الاستعراض، وبما أن السقوط سقوط ولا شيء غير السقوط، فإن أي تعاطف يُفسر فوراً بأنه محاولة “لتبييض صفحة المذنب” أو علوّ من شأنه على حساب الحق المهضوم!
أنا لا أزال أحاول تفكيك هذا التربص : وهل هذا التهكم والتشفي يعكس رغبة المجتمع في رؤية سقوط كامل ومدوٍ؟ هل هو مجتمع متعطش لرؤية الدماء ؟ ولا يكتفى بالجثمان الهامد ؟ أن يشنف مسامعه بموسيقى : “لقد سقط! مَن الذي سقط؟ مَن كان في مأزق أخلاقي؟ هل تأذى؟ فليتأذى ، ألم يكن على خطأ؟ وهل سقط على ظهره أم على جنبه أم على رأسه؟ انظر ، لا يمكنه رفع يده! “لا تكترثوا حتى لو كُسرت رقبته! فهو مذنب!”.
حين تصمت الأصوات الصاخبة وتتوقف سكاكين التشفي، سيبقى هذا الموقف المتزن الراقي لصاحب الحق (أو صاحبته) كنموذج يُحتذى به في كيفية إدارة الأزمة الأدبية بكبرياء وترفّع. وكفى إرهاباً فكرياً لمن يتعاطف إنسانياً مع المشهد ككل؛ لأن الأحكام المسبقة بأن من يتعاطف مع المذنب هو من يطغى على حق المبدع، يعتبر هلع بلا داعٍ ومجرد إنذار كاذب. فالتعاطف مع مشهد السقوط لا يعني اختلاق الأعذار للمخطئ، ولا يعني هضم حق المبدع، وهو أيضاً لا يعني الرقص على أنغام الفضيحة والجرسة التى نالت منا جميعاً. ورغم ذلك، ما زلت امرأة وناقدة حساسة لا تطيق تحمل رؤية مبدعة خاضت وبذلت من نفسها وأعصابها ومالها للحصول على حقوقها، وامرأة أخرى سقطت فجأة وارتطمت بالأرض.
ومن حوارات المسرحية الجميلة أيضاً:
“رجل صبّ عقله في العلم وأبدى تعطشاً للمعرفة، بالشغف والإبداع والفنون الرفيعة والجميلة.. وآخرون يصرخون فوراً: ‘سرقة! حريق!'”.
بقلم
حسناء رجب

حسناء رجب كاتبة وناقدةمصرية تعيش في مصر



