لماذا تقدموا ولماذا تخلفنا ؟ ملاحظات على العقل الأيديولوجي التبشيري بقلم نبيل عبد الفتاح
لماذا تقدموا؟، ولماذا تخلفنا؟ سؤال شكيب أرسلان التاريخى، لا يزال راهنًا، ومصاحبا لبعض من العقل العربى فى جميع توجهاته السياسية والفكرية، ودالا على أزماته البنيوية، وتشكلاته، أيا كان حداثيا أو شبه حداثى، وفقهيا نقليا، او لاهوتيا، وبعض من هذه العقول العربية، لا يزال بعضها يعيد إنتاج إجاباته العامة والنمطية والسائلة والغائمة؟ مع كل صدمات الهزائم الكبرى، لايزال السؤال الأساسى على بساطته قائما ومعه إجاباته، وبعض من السرود الانطباعية المرسلة، ومعها بعض من المواقف التى تنطوى على تحيزات مسبقة، على نحو ما حدث، ولايزال حول انهيار المرحلة شبه الليبرالية، وهزيمة الخامس من يونيو 1967، أو انهيار مشروع التنمية عقب حرب أكتوبر 1973، أو هشاشة بناء دولة ما بعد الاستقلال فى غالب دول العالم العربى، مع الاستثناء المصرى والمغربى!. صدمات التطورات العلمية والتكنولوجية مع الثورة الصناعية الثالثة والرابعة، كاشفة عن حالة من التكيف الدولتى، والسلطوى العربى مع التخلف التاريخى المتراكم، وكبح أى محاولات للعقل النقدى الحر، من أن يتناول بالبحث والتفكيك والتحليل لماذا نتكيف مع التخلف، وعوامله، وأسبابه منذ صدمة الحداثة مع مدافع نابليون، وحتى الآن؟
ثمة عديد من الأسباب يمكن طرح بعضها فيما يلى: هيمنة العقل الدينى النقلى الوضعى، الذى يتمركز حول السرديات الوضعية التاريخية حول النصوص المؤسسة للديانات والمذاهب المختلفة فى المنطقة العربية، وتحول العقل الدينى الوضعى الاتباعى، إلى استعادة هذه السرديات، ومدارسها ومذاهبها والشروح على الشروح، وإعادة إنتاجها، دونما درس وتحليل سوسيو – تاريخى لها، فى مراكز إنتاجها، وطبيعة تطوراتها، وانتقالاتها من منطقة، وجماعات لأخرى، ومشكلاتها، والتداخل ما بين السياسى، والدينى، والتشكيل المذهبى لها. الانفصال بين غالب الفكر الدينى، وتحولات الواقع الموضوعى، ومشكلاته، وتعقيداته، وبين الفكر الدينى والفقهى واللاهوتى، والفلسفى – والكلامى-، وتطورات الفلسفات الحداثية، وما بعد بعدها. الفصل بين التطورات التكنولوجية، وثوراتها المتعاقبة، وبينما وراءها علميا، وفلسفيا، وثقافيا، وقيميا، وبين الأسئلة حول الشرط الإنسانى، والوجودى والمعنى. هيمنة النظرة الآداتية إلى التكنولوجيا، شكلت وعى وإدراك النخب السياسية الاستبدادية العائلية، والسلطوية ما قبل وما بعد الاستقلال عربيا، وحتى الآن، ونظرتهم للحداثة والتقدم، نظرة تتمركز حول استيراد بعض التكنولوجيا، التى تختصر فى أنظمة تقنية، للاستهلاك، والاستيراد من الخارج وليس إنتاجها، وذلك بعد تجاوزها فى مهادها مع تطوراتها المتلاحقة فى بلادها، واعتبارها شكلا ورمزًا على التقدم، وليس ما وراءها من علوم، وفلسفات وأسئلة، ومراكز بحث، وحريات سياسية، وعلمية وأكاديمية. بعض العقل العربى شبه الحداثى، تبشيرى، ودعوى فى أطروحاته، وشروحه للفلسفات، والنظريات والمفاهيم المستعارة من المتون المرجعية الغربية.
الطابع التبشيرى، والدعوى، هو أحد عناصر الثقافة الدينية السائدة فى المجتمعات العربية، بل وفى دوائر الحكام، ورجال الدين التابعين لهم. الخطاب التبشيرى العربى شبه الحداثى، والأيديولوجى – قبل وبعد الحرب العالمية الثانية – قدم الأيديولوجيا الماركسية،
والليبرالية الغربية، كتبشير سياسى وأيديولوجى لإمكانات تطور المجتمعات العربية تحت الاحتلال الأوروبى، وأيضا بعد الاستقلال. الخطاب التبشيرى الليبرالى والماركسى فى اثناء الحرب الباردة، وفى إطار حركة عدم الانحياز، والطريق اللارأسمالى للتنمية، أو فى ظل رأسمالية الدولة الوطنية، اتسم بعضه بالنزعة الشعاراتية العامة، واللغة الخشبية الأقرب إلى لغة الإيمان العقيدى، والصراطات المستقيمة وثنائية الوطنية، وضدادها، ومن ثم لغة الحماسة التبشيرية، ولغة الوعود والأحلام فى التقدم. والمساواة والعدالة. النزعة التبشيرية الحماسية، هى لغة تعبئة سياسية واجتماعية تساوق اللغة الدينية، والعقيدية واللاهوتية لاسيما سردياتها، وهى منفصلة عن الواقع الموضوعى، ومحمولاته وتعقيداته وموروثاته المتعددة، ومن ثم ظل بعض العقل الأيديولوجى وبعض شبه الحداثى، والحداثى، يحاولون إسقاط مفاهيمهم على واقع غير مدروس فى بعض أو غالب مكوناته، وبنياته الاجتماعية والدينية والثقافية، والاقتصادية والسياسية. بعض من هذا الانفصال مرجعه موت السياسة، والقيود على حريات البحث التاريخى والاجتماعى والسياسى، وأيضا البحث الميدانى لمعرفة الواقع المعيشى، وقمع واعتقال العقل الحر والنقدى سلطويا وأمنيًا. العقل السياسى السلطوى ما بعد الاستقلال، كان بعضه أقرب إلى عقل الحاكم المتغلب – حتى فى فقه الجمهور السنى-، واستند إلى بعض ميراث سياسة القمع الاستعمارى، دون ثقافة الليبرالية الغربية، واتخذ من شعارات الاستقلال، والتحرر الوطنى، ومواجهة الامبريالية موضوعا لخطابه التبشيرى التعبوى آداة لتوجيه سياسات التعليم – التعليم العام، والدينى، وأيضا لبعض التعليم الجامعى عن الاشتراكية، والقومية العربية، ومن ثم فرض ولايزال قيودا رمزية على سياسات التعليم، وبعض مناهجه. من ناحية أخرى، تمت إعادة توجيه الدراسات التاريخية، لكتابة تاريخ كل بلد عربى، لاسيما الحديث والمعاصر من منظور كل سلطة سياسية حاكمة، وتتغير كتابة بعض مناهجه مع كل حاكم جديد، دعما وسندا لشرعيته المتغلبة، ودوره، وإنجازاته.
كتابة التاريخية السلطوية، ساهمت فى تشوش العقل شبه الجمعى، وفى إضعاف الجوامع القومية المشتركة، ومعها مفهوم القومية – الوطنية، وبروز الحروب الهوياتية، على الهوية القومية الجامعة نظرا للنزعة السلطوية الغاشمة، وغياب نظم تمثيلية ديمقراطية، تكرس الحريات العامة والفردية، وتؤسس للمشتركات العابرة للمكونات داخل كل مجتمع ودولة عربية، خاصة مع السياسات النيوليبرالية، وتفاقم واتساع الفجوات الاجتماعية، وهشاشة الفئات الوسطى – الوسطى، والصغيرة، واللاغلبيات المعسورة فى عالم يسوده بعض من الاضطراب، واللايقين، والتحول إلى ما بعد الإنسانية.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر مصري تنويري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة الأهرام بتاريخ
الخميس 11 يونيو 2026



