عالم تفرقه السياسة وتجمعه الكرة الساحرة بقلم نبيل عبد الفتاح
فى الطقس الكونى لنهائى كأس العالم 2026، الذى وضعه إنفانتينو رئيس الفيفا بالأهم فى تاريخ كرة القدم. كانت الاحتفالية منذ ما قبل البداية، وشائج من الغناء والموسيقى والرقص والإعلام، والرموز والتنظيم، والهتافات والأمن الأمريكى الصارم وصخب هتافات مشجعى الفريقين داخل الاستاد، وخارجه فى إسبانيا، والأرجنتين أمام التلفازات، والمقاهى، وفى المنازل والعيون الشاخصة كونيا فيما وراء الألواح الرقمية، والهواتف المحمولة.
كان الفريقان – «لاروخا -الماتادور» والتانجو – يختصران عالما بأكمله فى تعددياته، وتناقضاته، ومنافساته وصراعاته، فى عالم تشوبه بعض الصراعات الدولية حول المكانة والمصالح، والسيولة النسبية، واللا يقين -كان الفريقان يمثلان دولتين متوسطتين- إسبانيا والأرجنتين- فى المجال السياسى، لكنهما عبر المنافسات الكروية، وصلا إلى قمة النظام الكروى العالمى، الفريق الإسبانى انتصر من خلال اللعب كفريق منظم ومنضبط فى دفاعه ووسطه وهجومه وتمريراته، ومهارات لاعبيه، وملكات وتوجيهات مديره الفنى – دى لافوينتى-ومدربيه. الفريق الأرجنتينى، كان يعتمد على مهارة وموهبة لاعبه الكونى الشهير، وخبراته، ميسى، وقدرته على اقتناص الفرص، وتحويلها إلى أهداف فى أى دقيقة أو ثوان، أو يصنع الفرص لزملائه من اللاعبين الموهوبين، الذين يترسون اللعبة بالقوة البدنية والخبرة والمهارات وبعض التجاوزات طيلة تصفيات الكأس ! حتى المباراة النهائية.
شكلت المباراة النهائية، ذروة توظيف القوة البدنية فى اللعب، وما شاب ذلك من تجاوزات، تمثل بعضا من انتهاك لقواعد اللعبة، والتحكيم، ومن ثم نظام التحكيم، وقانون اللعبة، وبدا الأمر شائعًا فى غالبية مباريات الكأس، وأدوار التصفية، وصولا إلى دور الـ 16، والثمانية، وصولا إلى النهائى!. العنف البدنى الضارى، والقوة البدنية، باتت تعكس فى كرة القدم ، وتجاوزات بعض اللجان التحكيمية، سمت الدورة التى انتهت ورغم الفار VAR وتقنيات الذكاء الاصطناعى – وهو ما يماثلُ بعضا من حالة التنظيم الدولى، والنظام الدولى أثناء الحرب الباردة، وما بعدها، حيث تنتهك بعض الدول الكبرى قواعده، ومعه القانون الدولى الدولى العام، ولا تملك المنظمات الدولية المختصة، السلطة والقدرة على وقف الخروج على قواعد الشرعية الدولية إزاء الدول الكبرى أعضاء مجلس الامن الدولي.
ظهرت بعض الأطقم التحكيمية، مترددة، وتتجاوز قانون وقواعد اللعبة، بعضهم خشية الجمهور، وبعضهم ربما تحيزًا ضمنياً ومستترا لفرق دون أخرى مثل الأرجنتين، ووقفت وراءهم الفيفا، دفاعًا عنهم وعنها. هذا التداخل بين السياسة، وكرة القدم، فى عديد الأنسجة من بينها محاولة ترامب، أن يحقق بعضا من شعبيته على المسرح الكروى الكونى ، فى ظل تآكلها مع تدخلاته ، وانتهاكاته لبعض من قواعد النظام الليبرالى الرئاسى، وفصل السلطات، وسياساته الاقتصادية، وهجومه على حرية الصحافة، وأيضا فى دعمه لحرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطينى، ومواقفه إزاء حرب أوكرانيا، والحرب مع إسرائيل على إيران. محاولة توظيف كأس العالم، وتحيزه لميسى والفريق الأرجنتينى، وتدخله فى قرارات التحكيم لم تستطع أن تحقق غالب رغباته الغرائبية، وهو ما ظهر فى لحظة تسليم الكأس، والميداليات الذهبية، للميتادورز، حيث عامله اللاعبون الإسبان بفتور لافت فى مشهدية الانتصار، وبعض لاعبى الماتادور – رودريجو -تجاوز فى الطبطبة عليه، وكلهم تحت وهج النصر، سارعوا للاحتفال، فشلت محاولة ترامب فى السطو على لحظة الفرح الاحتفالية، بفوز الفريق الإسبانى.

طقس الاحتفال الكونى بالنصر فى نهائيات كأس العالم، كانت كاشفة عن مركزية الفرق، واللاعبين فى مشهديات الشهرة والحضور الكونى، بالمقارنة مع السياسيين فى الدول الأكثر تطورًا، وثقلا فى النظام الدولى – باستثناء عدم الاهتمام الصينى-، ومعهما الدول المتوسطة، والدول العنصرية فى أقاليم العالم الجنوبية. نجوم كرة القدم هم الأكثر شهرة وذيوعًا، وأجورًا من السياسيين الكبار، والمتوسطين، ومرجع ذلك تنافسية اللعبة، وكونية حضورها الشعبى، والجماهيرى من جميع الطبقات والفئات الاجتماعية فى عالمنا كله، لأنها لعبة جامعة للمكونات الاجتماعية، فى كل الأمم، والشعوب الأكثر تطورًا، والمتوسطة، والفقيرة، واتسعت نطاقات الاهتمامات بالساحرة الكونية الفاتنة، مع ثورة وسائل الإعلام المرئية والفضائيات، وثورة وسائل التواصل الاجتماعى، والثورة الرقمية، وباتت تمثل شغفا لهياكل الأعمار فى جميع انحاء عالمنا المتعدد من كبار السن والمتقاعدين، إلى الشباب، والصبيان، وهو مايتجلى فى شغف جيلى زد، وآلفا، بالكرة، يبدو بلا حدود، نظرًا لقدرتهم على متابعة مباريات الفرق المتنافسة فى بلادهم، وفى دوريات وكئوس الدول وفرقها المحلية الكبرى والمسابقات القارية والدولية لاسيما فى أوروبا وأمريكا اللاتينية، وقارات العالم الأخرى. تبدو السياسة حاضرة فى بعض تحيزات جماهير كرة القدم فى المنافسات الكونية. كان موقف بعض المكونات الدينية والمذهبية من تشجيع الأرجنتين، وراءه موقف إسبانيا من حرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني!.
كانت قطاعات مهمة من جماهير كرة القدم العربية مع إسبانيا ضد الأرجنتين ناتجا عن موقف ترامب ودعمه لميسى، وزيارة الأخير إلى إسرائيل، ودعم نيتانياهو والشعب الإسرائيلى للأرجنتين فى مواجهة إسبانيا، وموقفها من حرب الإبادة.
بعضهم وهم قلة كانوا مع الأرجنتين للشغف بميسى، وخبراته ومذاهبه، وفريقه، ولموقفهم السلبى من مقاومة الشعب الفلسطينى المشروعة ضد الاحتلال فى 7 أكتوبر. تبدو السياسة فى كرة القدم حاضرة، لكنها تأخذ مظاهر كروية، ومشهدية، ويحكمها جماهير كونية متعددة الثقافات واللغات، والأديان والمذاهب، ومتضاربة المصالح والتوجهات والسياسات، وتجمعها الساحرة المستديرة، فى عالم مضطرب وشعوب قلقة من تحولات كبرى تتم خارج إراداتها بالقوة والتكنولوجيا فى ثورتها الرابعة ولايجمعها سوى عشق الساحرة المستديرة.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة ” الأهرام ” الصادرة بتاريخ الخميس 23 يوليو 2026



