فيروز تغني للشتاء والمطر بقلم حسام حافظ
بقلم
حسام حافظ
تشغل فيروز مكانة فريدة في تاريخ الغناء العربي وهي الأيقونة التي كان من المفترض أن نحتفل بعيد ميلادها التسعين في 21 نوفمبر ، ولكن أحزانها على رحيل أبنها زياد الرحباني جعل من غير المناسب الاحتفال بعيد ميلاد أسطورة الغناء .

والحديث عن أبداع فيروز والأخوين الرحباني لا يتوقف لأنهم خلال سنوات طويلة من العطاء قاموا بالغناء لكل ماهو جميل في هذه الحياة .. غنوا للحب والوطن والقمر والمطر والفرحة والشجن .. فيروز كما كتب عنها د.محمد الشيخ في خاتمة دراسته الموسوعية القيمة : “هي عصفورة الشمس وزهرة الحرية ، هي العابرة فوق جسر التنهدات هي زهرة المدائن وصوت الوحدة والانتظار، هي كرمة العشاق وحرقة الاشواق ،هي نسمة الصيف وبرد الشتاء هي التراتيل والآذان ،هي المواسم والحصاد ،هي صوت الناي طول العام ،هي جارة القمر يغسلك صوتها بعطر ويجففك بنور ،هي زينة الشوارع والبيوت والشبابيك ، تدلت كعناقيد كثريات الذهب، انها تمنيك وتشجيك فتشعر انك مهووس بها”.
ومن الصعب أن نستقبل فصل الشتاء دون أن نتذكر أغاني فيروز التي كانت تشع الدفء في ليالي الشتاء الباردة ونحن صغارا … أن مناخ لبنان بشكل عام وبالتحديد في المناطق التي نشأ فيها “الأخوين رحباني” وفيروز نجد مناخا قرويا بمياه جارية رقراقة خلال الصيف ، وفي الشتاء حيث الامطار والرعود مما اضاف اليهم بالغريزة احاسيس مختلفة بين رحلة الشتاء والصيف ، وقد اصبح الصيف عندهم يبعث بالحلم والابداع والاستمتاع بالطبيعة .. اما الشتاء فهو ياتي بعواصفه وثلوجه التي تثير في النفس الشجن والتامل واكترار الذكريات .. وكانت فيروز تذهب الى جدتها لقضاء أجازة عيد الميلاد المجيد في ديسمبر حيث الصحبة والجيران والسهر في ليالي القمر والتحلي بالغناء والحكي .. ويقول د.محمد الشيخ في دراسته عن فيروز:”لفد احتل موسم الشتاء التصيب الاكبر في معالجات النصوص الغنائية والمسرحية في رصيد الرحبانية ، وجاءت هذه الصياغات على اشكال متباينة . فذكر الشتاء ضمن اغاني الحب والذكريات والسهر والحصاد والنماء وري الارض وغسيل الشجر وغيرها من الموضوعات المتفائلة ، كما ذكر الشتاء ايضا ضمن أغاني فيها صور الغيوم الزرقاء والامطار والبرد والتلج والاوراق الصفراء وغيرها من المعاني”.

ومع قدوم الشتاء كل عام تأتي أغنية “رجعت الشتوية” في صدارة ألبوم الذكريات ،وقدمتها فيروز لأول مرة ضمن أحداث مسرحية “المحطة” عام 1973 وتقول كلماتها: “رجعت الشتوية / ضل أفتكر فيا / ياحبيبي الهوى مشاوير وقصص الهوى مثل العصافير / لا تحزن ياحبيبي اذا طارت العصافير / ياحبيبي الهوى غلاب / عجل وتعالى السنة ورا الباب / شتوية وضجر وليل / وأنا عم بنطر على الباب”.
والأخوين الرحباني في هذه الأغنية يستخدمون قدوم الشتاء علامة على مرور الزمن ،وفيروز تذكر حبيبها بأن الشتاء عاد مرة ثانية وهو الموسم الذي تقابلا فيه ،وهي تحفظ الذكرى الجميلة عندما التقيا لأول مرة ،ومازالت تنتظر عودته مع كل شتاء يمر عليها وهي تنظر الى الباب المغلق . كما تشير الى أن الحب نما وكبر ومن الممكن أن يطير مثل العصافير ولا يعود مرة أخرى. ويعكس الجو العام للاغنية حالة الحزن على فراق الاحبة المصاحبة لاكترار ذكريات الشتاء البارد .
وعلى عكس تلك الاحاسيس تأتي أغنية “شتي يادنيا تايزيد موسمنا ويحلى” ذات الايقاع السريع المتدفق ،وهنا الشتاء يأتي كموسم للخصوبة والمطر يروي الأرض وتأتي الاعياد مع الزرع الجديد وتقول كلمات الرحبانية:”شتي يادنيا تايزيد موسمنا ويحلى / وتدفق ميه وزرع جديد بحلتنا يعلا / خليلي عينك ع الدار ع سياج اللي كله زرار / بكرة الشتوية بتروح ومنتلاقى بنوار / يحلى عيد ويضوي عيد ونزرع ونلم عناقيد / قول وزيد وغني وعيد ونزرع هالارض مواعيد”.
وفي أغنية “حبو بعضن” تعود أجواء الفراق الى موسم الشتاء حيث تقول كلمات الرحبانية:”بديت القصة تحت الشتا / بأول شتى حبو بعضن / وخلصت القصة بتاني شتا / تركو بعضن ” وهنا يصبح الشتاء هو وقت تنفيذ أحكام القدر في اللقاء والفراق.
ونأتي الى أشهر أغنية لفيروز ترتبط بفصول السنة وهي “حبيتك بالصيف .. حبيتك بالشتا” وفدمتها لأول مرة ضمن أحداث مسرحية “يعيش يعيش” عام 1970 ، وكانت أوروبا في تلك السنة تستمع لأغنية فرنسية شهيرة للمغني “جان فرانسوا ميشيل” أقتبس منها “الاخوين الرحباني” اللحن ،مما يؤكد على انفتاح الرحباني على الموسيقى الغربية ورغبتهما العميقة في تقديم أنواع جديدة من الغناء لم تعتاده الاذن العربية ،خاصة ان صوت فيروز المبدع قادر على أداء كافة انواع الغناء سواء القديم او الحديث .. التقليدي الكلاسيكي أوالسريع المتطور،ولصوت فيروز عشاق يستمعون اليها مهما ذهبت بهم الى آفاق بعيدة .. وتقول كلمات الأغنية:”بأيام البرد وأيام الشتا / والرصيف بحيرة والشارع غريق / تيجي هاك البنت من بيتا العتيق / ويقلها انطريني وتنطر ع الطريق / ويروح وينساها وتتبل بالشتا / حبيتك بالصيف حبيتك بالشتا / نطرتك بالصيف نطرتك بالشتا/ وعيونك بالصيف وعيوني الشتا / وملقانا ياحبيبي خلف الصيف وخلف الشتا / مرقت الغريبة عطيتني رسالة / كتبها حبيبي بالدمع الحزين / فتحت الرسالة حروفها ضايعين/ ومرقت أيام وغربتنا سنين / وحروف الرسالة محيها الشتا” .. هذه الأغنية تقدم تصويرا لموقف درامي عاطقي حزين لفتاة تنتظر حبيبها تحت المطر ولا يأتي ،ولكنه يرسل امرأة غريبة برسالة وعندما تفتح الفتاة الرسالة لا تستطيع قراءتها بسبب هطول الامطار عليها حتى ذابت الحروف واختفت ،بالتالي هي لم تعرف فحوى الرسالة وكأنها لم تصل اليها اساسا .
نعود الى أجواء التفاؤل بعيدا عن الفراق والاحزان وذلك في أغنية “أنا لحبيبي” التي تشبه قطعة الشوكولاتة وتقول كلماتها :”أنا لحبيبي وحبيبي الي / ياعصفورة بيضا لا بقى تسألي / لا يعتب حدا ولايزعل حدا / أنا لحبيبي وحبيبي الي / حبيبي ندهلي قلي الشتا راح / رجعت اليمامة زهر التفاح / وأنا على بابي الندى والصباح / وبعيونك ربيعي نور وحلي / وندهلي حبيبي جيت بلا سؤال / من نومي سرقني من راحة البال / أنا على دربه ودربه عالجمال / ياشمس المحبة حكايتنا أغزلي”. والاغنية تعكس علاقة حب رقيقة وتسرد بالتفصيل لحظات الوصال البريئة والجميلة بين العاشقين وامتزاج ذلك بالطقس وتعاقب فصول السنة ، ونجد الشتاء يبدأ في الرحيل وتعود الطيور المهاجرة الى أوكارها مرة أخرى ، وتستجيب الحبيبة لنداء الحبيب ونسير معه على دربه ،وتخاطب شمس المحبة التي جاءت بعد رحيل الشتاء وتقول لها احكي حكايتنا الجميلة للعشاق.
ولا تنسى فيروز والاخوين الرحباني الاحتفال بميلاد السيد المسيح في الشتاء وهم يقدمون مجموعة من الأغاني لعل أشهرها “تلج تلج عم بتشتي الدنيا تلج” التي تبدأ بأجراس الميلاد وتقول كلماتها :”تلج تلج عم بتشتي الدنيا تلج / والنجمات حيرانين وزهور الطرقات بردانين / والغيمات تعبانين وع التلة خيمات مضويين / ومغارة سهرانة فيها طفل صغير / بعيونه الحليانى حب كتير كبير/ وكل قلب وكل مرج زهر فيه الحب مثل التلج / وجاي رعيان من بعيد وين الطفل الموعود / هون يارعيان العيد هون الليل المنشود / تلج تلج شتي خير وحب وتلج / على كل قلب وعلى كل مرج / الفة وخير وحب مثل التلج”.
وتغني فيروز من كلمات جوزيف حرب والحان فيلمون وهبة واحدة من أغاني الطرب الشرقي الأصيل بعنوان “بليل وشتي” تقول كلماتها:”بليل وشتي صوته مسموع / ياهوي أغمريني ياهوي دموع / اتنين عاشقين قاعدين دايبين / عم يحكوا سوا على ضوء شموع / عينيهن ببعضن ايديهن بردانين / وشفافن عشاق مع بعض سهرانين / خللي أبواب الليل علينا مسكرين / ولا يعطش حدا منا ولا يجوع”. وتقدم هذه الاغنية صورة مثالية لعلاقة حب بين اثنين لا يطلبون من الحياة أكثر من استمرار الحب بينهما الى الأبد ،ورغم الليل وبرد الشتاء لا يحتاجون لا الماء ولا الطعام .
وفي أغنية “بعدك على بالى” يصبح الشتاء هو الغائب الحاضر حيث تقول كلماتها:”بعدك غلى بالي / ياقمر الحلوين / ياسهر التشرين / يادهب الغالي . وفي المقطع الأخير تقول:”مرء الصيف بمواعيده / والهوا لملم عناقيده / ولا عرفنا خبر عنك ياقمر / ولا حدا لوح لنا بأيده / بتطل الليالي وتروح الليالي/ وبعدك على بالي” .. وهي هنا تعترف بأن بنهاية الصيف تأتي عواصف الخريف والشتاء ، وينقطع كل الأمل في احتمال عودة الحبيب مرة أخرى هذا العام ، طالما جاء الشتاء فقد ذهبت فرص اللقاء ولكن مازلت ياحبيبي دائما على بالي واتذكرك كل لحظة ولكن فرص اللقاء ضاعت مع قدوم الشتاء”.
أما أغنية “فايق علي” فهي تقدم صورة جميلة لسنوات الطفولة والصبا ويقول الرحبانية:”فايق علي فايق علي / نحنا اللي كنا بهاك العلية / نبقى نقعد بالقناطر وقت الشتوية / من زمان وزمان نحنا كنا جيران / تبقو تيجو لعنا نقعد سوا ونتمنى / ونصور ع الحيطان ونقول لك ياشيطان وقعت المزهرية / بعديتنا الطريق عن الطريق العتيق / مادري كيف التقينا صدفة وضحكو عينينا / ضحكت ع الحيطان صورنا من زمان صبي ناطر صبية “. كما نلاحظ الولد والبنت يجلسان بالقناطر وقت سقوط الامطار وهي ذكريات بعيدة ولكنها مازالت ماثلة في الاذهان عصية على النسيان .
أنفرد زياد الرحباني بالتلحين لأمه طوال سنوات ،وهو يكتب كلمات لها طابع الوصف الذاتي في المدينة وفي البيت بين الاحباب والاصدقاء .. وعلاقته بفصول السنة – حيث تعاقب الصيف والشتاء – ليست مثل والده وعمه “الاخوين الرحباني” لأختلاف النشأة والبيئة التي عاش فيها “الاخوين” وسط الطبيعة .. لكن توجد أغنية بعنوان “بتذكرك بالخريف” من ألبوم “ولا كيف” كتب كلماتها زياد واقتبس اللحن من مقطوعة بديعة لموسيقى الجاز أداء جاك بريفيرت وجوزيف كوزما يقول فيها:”بتذكرك كل ماتيجي لتغيم / وجهك بيذكر بالخريف / بترجعلي كل ما الدنيا بدها تعتم / مثل الهوا اللي مبلش ع الخفيف / القصة مش طقس ياحبيبي / هاي قصة ماضي كان عنيف / بعدو اليف / بعدك ظريف/ بعدو بيعنيلك مثل الخريف / خبرني ان / بعدك بتحن / مابعرف ليش عم تحكي ولا كيف” .. والشاعر هنا يخاطب صديقته التي يتذكرها كلما جاء الخريف.
بقلم
حسام حافظ

حسام حافظ كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في القاهرة.مصر، ومشرف على صفحة السينما في جريدة “الجمهورية” المصرية
عن مجلة” “الهلال” الشهرية. العدد1954 الصادر بتاريخ شهر ديسمبر.القاهرة.مصر لباب ” مختارات سينما إيزيس “



