الفرد والسلطة والعبودية الرقمية بقلم نبيل عبد الفتاح
فى مراحل التحول العلمى والتقنى فائقة السرعة، ومؤشرات القطيعة المعرفية والسياسية بعالم الإنسان كمركز للكون، والوجود، تستعاد احيانا مقولات موت الإنسان لدى ميشيل فوكو وآخرين فلسفيا، إلا أن المسألة، تبدو أكثر حدة، وصادمة من مقولة فوكو وصحبه، ومن جاءوا قبله من الفلاسفة، فى ظل حركية عالم الإناسة الروبوتية، وثورة الذكاء الاصطناعى التوليدى، والثورة الرقمية، حيث التذرى، والتمثيل، والاستعراضية، والكذب والسطحية، والضحالة ساطعة فى منشورات وتغريدات والفيديوهات الطلقة، والصور الومضات، ومعها تنفجر مسألة رهاب الخوف المضمر من احتمالات التحول إلى ما بعد الإنسانية التى تبدو كنزعة نكوصية لاواعية غالبا، وجلية، وكامنة معًا فى مليارات الصور، والفيديوهات والمنشورات، والتغريدات الناطقة بالتمثيل والاستعراضات على فضاءات رقمية عديدة فى عالمنا! يمكنك استصحاب عينات من المنشورات والصور والفيديوهات وتحاول تحليل حالة الولع، والهوس بالجسد الإنسانى وحضوره، وتحوله إلى موضوع للاستعراضات الرقمية من خلال تدفقات الصور المتتالية على وسائل التواصل الاجتماعى، أو الأنا القلقة فى حضورها الرقمى الذى يعكس حالة من إحساسها العميق بأنها غائبة فى واقعها الفعلى، أيا كان مستواها الاجتماعى، وتعلمها، أيا كان مستواه ونوعيته، ومجال عملها، أو عطالتها. الأنا القلقة تبدو فى صور وفيديوهات، ومنشورات، وتغريدات شخصيات تبدو مشهورة فى الفنون والآداب والسياسة والإعلام المرئى والصحافة عالميا وعربيا على الفوارق والتمايز بينهم ، لكن السمت الأساس للأنا المشهورة هو القلق، والهوس بالظهور، والاستعراض، ولو عبر تعرية الذات وأحيانا من بعض الجسد ونظام الزى الذى تحول إلى أداة للحضور الإنسانى والتمثيل، لاسيما فى مجالات السياسة، والفنون، والأدب، وهو ما يعيد الأسئلة حول علاقة الجسد بالسلطة والوجود! من الذى يتحكم فى الجسد الإنسانى رمزيا، وفيزيقيا؟ هل هى السلطة السياسية، والمؤسسات ام الذات؟ أم الإعلام المرئى أم السلطة الخوارزمية! شكل الجسد الفيزيقى، وإدراك الإنسان له، كان أولى بدايات الوعى بالوجود، وحوله ومن خلاله، والعلاقة مع الأجساد الأخرى، والتفاعل فيما بينهم، ومن ثم تشكلت عبره الأسرة، والعائلة والقبيلة، ومعه تطور الفكر الإنسانى السياسى والدينى، وعاش بين ثنائيات القوة والإخضاع، والسيطرة والعبودية والمقاومة والتحرر. مع تطورات الثورة الصناعية، فى ظل الرأسمالية الأوروبية والأمريكية، وتشكل الطبقات البورجوازية – بعد الثورة الفرنسية والفكر الحامل والمحرك لها ونظريات العقد الاجتماعي- والعمالية والفلاحية، كان الجسد/ الأجساد الطبقية، حاملة بعضا من نمو وتبلور الوعى الطبقي. من هنا كان الجسد، والوعى الطبقى أحد محركات الرأسمالية الغربية، والهيمنة الطبقية والسلطوية . ومن الملاحظ أن الجسد، والوعى الاجتماعى، فى ظل الصراعات الاجتماعية، والثورة الصناعية الأولى، والثانية، أسهما فى إنتاج الفرد والفردانية، فى ظل الليبرالية التمثيلية. كانت الفردانية، والفرد تعبيرًا عن تطور تاريخ الجسد الإنسانى فى التحرر من القيود، من ناحية، والخضوع للهيمنة السياسية، والرمزية للسلطات الحاكمة، ومؤسساتها إلا أن الفرد حمل معه مقاوماته للسلطة عبر عديد الآليات السياسية، والاجتماعية.
خضع الجسد/الفرد/الوعى/ إلى أدوات فى ثورة الاستهلاك، وجزء من ذلك تحول كل ما هو طبيعى إلى تمثيل، وفق جى ديبور. مع الثورة الصناعية الثالثة، وثورة الرقمنة، والرأسمالية النيوليبرالية، وشركاتها الرقمية الكونية، وتحولاتها إلى الرابعة تحول الجسد والإنسان، والطبقات الاجتماعية، والجموع الرقمية الغفيرة إلى محضُ بيانات ضخمة (Big Data)، تتسم بالتعقيد، والسرعة، والتنوع، والدقة والقيمة.. إلخ، وتتوالى عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وعمليات التسوق الإلكترونى، ومن ثم تخضع لبرامج تحليلية معقدة ومتطورة، وذلك تحت سيطرة الشركات الرقمية، فى جميع مجالات الحياة الرقمية، وتعيد بيعها إلى الشركات الرأسمالية الكونية فى الإنتاج، والخدمات والى الحكومات فى البرامج الأمنية والاستخباراتية والرقابية.
تمثل البيانات الضخمة المسيطر عليها أداة لإعادة توجيه الأجساد، والانتباه، وتوليد الرغبات والدوافع، وإثارتها لدى الجموع الرقمية الغفيرة، ومن ثم تحول الفرد/ الجسد المستهلك إلى نمط جديد من المراقبات والتوجيهات، والإثارات الرقمية تحت هيمنة الشركات النيوليبرالية الرقمية، ومعها شركات الإنتاج والخدمات..إلخ. امتدّت بعض من هيمنة هذه الشركات إلى الدول، والمؤسسات السياسية، والحزبية، ومفاهيم السيادة، والحريات العامة، والشخصية. الجسد/ الفرد/ الطبقات/ المؤسسات/ الأحزاب السياسية، المجتمع المدنى، طالته هذه الأنماط من الرقابات الرقمية، والرقابات المضادة من الجموع والأفراد الرقميين، والجماعات على السلطات، وعلى بعضهم بعضا!
من هنا أدت الثورة الرقمية، والذكاء التوليدى، والسرعة الفائقة، والتطورات العلمية، إلى هشاشة لا نظير لها، للفرد/ الجسد/ الأنا، على نحو أثر على الشرط الإنسانى، ومحاولات إثبات الوجود للأنا عن طريق المنشورات والتغريدات والصور والفيديوهات الطلقة. من هنا بات الوعى بالحياة والوجود الجسدى، من خلال خطاب الأنا، وهى تعلق على الآخرين، وتهجوهم، أو تنتقدهم، أو تبدى آراءها السطحية، وانطباعاتها التافهة غالبا عربيا ومصريا، أو من خلال صور الذات المأزومة والغائبة فى الحياة الفعلية لاسيما فى الدول المتخلفة عربيًا، ومن ثم الولع بالوجود، والحضور فى الحياة الرقمية، على نحو لاهثُ، ومتلاحق، وفائق السرعة، وهو ما يشير إلى أزمة وجودية، حيث الجسد/ الوجود تحول إلى سلعة رقمية، يتم الترويج لها فى الأسواق الرقمية، والفعلية، ولا تقتصر على العاديين الرقميين، وإنما الفنانون والفنانات، ورجال السياسة والأحزاب، والكتاب، والإعلاميون. بات نجاح الجسد/ الفرد/ الذات القلقة رهينا بالحضور عبر الصور والمنشورات والفيديوهات الومضاتية، ولكن واسفاه! تحت السيطرة، فى عالم مختلف يتشكل، فى تحولاته إلى ما بعد الإنسانية، وتتفاقم مشكلة الوجود والشرط الإنسانى.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة الأهرام الصادرة بتاريخ 18 يونيو 2026



