الكرنفالية الكونية.. الذكورية الكروية وإستعراضات الفرجة بقلم نبيل عبد الفتاح
يبدو العالم فى توحده وتعدده حاضرا فى مواقيت مباريات كأس الساحرة، وطقوسها الفاتنة، وأيضا بعض من جروحها التى تنسال من بين هتافات المشجعين لفرقهم القومية، تجاه الفرق المنافسة أو من بعض السياسيين لعمل تريندات صاخبة.
كرة القدم لعبة ذكورية بامتياز، وأحد روافد الثقافة الذكوريةً، كلعبة أو مشاهدة، أو ذاكرة، أو كقواعد وخطط ومهارات ، أو تاريخ الفرق، واللاعبين الموهوبين الكبار فى تاريخها كله، أو المدربين، أو دورات الكأس الكونية من ثم هى حاملة لبعض من ذاكرات الأجيال. هذا الوّله الذكورى باللعبة الفاتنة، لأنها فيما يبدو لى، مسرح كونى للصراعات، والمنافسات، والحروب السلمية الكروية، بعضها يمثلُ جوهر الصراعات الإنسانية، والحروب من أجل تحقيق الانتصار، لكن فى سلمية، لا تخلو من بعض العنف الضارى، بين اللاعبين. تبدو وكأنها أمل ذكورى، فى التحول من الحروب الدامية، والنار والدم والصواريخ، والطائرات بما فيها المسيرة والتهديدات النووية، إلى حالة من الصراع السلمى، أدخل إلى حالة من حالات اللا وعى الطامحة، لإنهاء الحروب من عالمنا. من ثم تبدو الدائرة المستديرة الساحرة، وكأنها لعبة وجودية فى بعض أبعادها الحضور الذكورى الغلاب فى جميع مبارياتها الوطنية والإقليمية والقارية، والكونية، لم يمنع ذلك من افتتان بعض الفنيات من الدخول إلى دائرة سحر كرة القدم، وتكوين فرق، ومنافسات، ودورات إلا أنها لا تزال على هامش المسابقات الذكورية، وثقافة كرة القدم. جاءت الفرق النسائية، جزءًا من التحولات فى ثقافات العالم تحت تأثير ثقافة أجيال حركة حقوق الإنسان، والمواطنة، وتطورات الثقافة النسوية والجندرية، إلا أنها لم تؤثر فى ذكورية ثقافة كرة القدم.
إن نظرات على طقوس الساحرة المستديرة، لاسيما ثقافة الفرجة للمباريات للفرق الأوروبية واللاتينية، وأيضا فى دول الجنوب الأخرى، سنجد تغيرًا فى مكونات طقوس المشاهدة، تتمثل فى الحضور النسائى فى المباريات، منذ عقود طويلة فى القرن الماضى، والحالى، والأهم أن هذا الحضور النسائى بات جزءًا مهماً، وجاذبا، ومؤثراً للكاميرات التلفازية، والهواتف المحمولة، بحيث بات الحضور النسوى فى المباريات أحد مراكز جذب الكاميرات والهواتف المحمولة، والأهم… الأهم الخاطف لعيون عشرات ومئات الملايين الذين يشاهدون الطقس الكونى دراء الشاشات، والألواح الرقمية، والهواتف فى الدنيا كلها! وفيها أيضا هذا الولع والافتتان بالأنا الذى بات يميز الجموع الفعلية والرقمية فى حضور ذواتهم فى الصورة والفيديوهات الوجيزة ، وهم فى مشهدى الفرجة والهتافات المرقصة والمؤسفة! فى الطقس الكونى، يختطف الأطفال، والصبية الصور مع النساء، حيث براءة الأطفال الذكية وشقاوات الصبيان، مع آبائهم، وذويهم، من خلال التنافس القومى، والهتافات باسم بلادهم، ويتكرس لديهم مفهوم القومية، ورقصاتهم وهتافاتهم جاذبة لعشرات الملايين وراء الشاشات التلفازية، والرقمية.
مرآيا الكرنفال الكونى، كاشفة عن هيمنة النيوليبرالية فى جميع التفاصيل، من المراهنات، والإعلانات، والملابس والأحذية، ونظام الأكل السريع، والشراب، والسفر، والانتقالات وراء الفرق، والفنادق..الخ، وأيضا تأجيج النزعات باسم القوميات فى الصراعات الكروية خدمة للشركات الكبرى، لكن الأهم انها عكست بعض من الأصوات العنصرية فى طقوس هتافات بعض جماهير الفرق القومية، والأخطر بعض من السياسيين الذين ينتمون إلى اليمين المتطرف، أو المتشدد. النزعات العنصرية ليست مقصورة على كرة القدم من بعض المشجعين أو السياسيين – أيا كانت قيمتهم ومكانتهم السياسية -، لكنها جزء من ثقافة الخوف وكراهية الآخر المختلف، وذات طابع استعلائى بعضها جزءً من بقايا أيديولوجيات انهارت، وبعضها ناتج عن رهابُ الخوف من التعدد الدينى والعرقى والثقافى ما بعد الكولونيالية كما فى أوروبا لاسيما فرنسا، وبلجيكا وألمانيا، ودول شمال أوروبا فى دول الجنوب، انعكاس لرهابُ التخلف والنقص، ومن ثم ادعاء الاستعلاء التاريخى، وأساطيره الموهومة فى بعض البلدان ذات التاريخ الطويل فى عمر الإنسانية. فى المرايا المتعددة للطقس الكونى -وبعضها مرآيا متجاورة إذا شئنا استعارة جابر عصفور فى كتابه عن العميد طه حسين – انفجرت بعض من خطابات العنصرية من بعض السياسيين على وسائل التواصل الاجتماعى، حيث نشرت النائبة اليمينية لحاكم مقاطعة مندوسا – غرب الأرجنتين – هيبى كاسادو، على منصة أكس (X) بعد مباراة فرنسا، وباراجواى، «أحسن باراجواى» المنتخب الافريقى بلا أى أدب، لا يمكننى تحمل مبابى، ونددت السفارة والسفير الفرنسى فى بوينس آيرس – رومان نادال – بنائبة حاكم مادوسا، ووصفها بأنها «لا شك طابعها عنصرى، وتفقد أهليتها للعمل مع السفارة أو المشاركة فى اجتماعات تكون حاضرة فيها «حيث» لا مكان للعنصرية فى التعاون بين البلدين ونحن فخورون بتنوعنا ولن نتسامح مع أى صورة من صور الانتقاص أو التشكيك فى جنسية لاعبينا، كيف لمسئولة عامة فى بلد كالأرجنتين الذى يفخر باستقبال المهاجرين بأذرع مفتوحة أن تنتقد منتخبا آخر يشكل لاعبوه أيضا ثمرة الهجرة! «إندبندنت عربية».
كراهية الآخر، فى بعض مرايا الكرنفالية الكونية، هى بعض من تعبيرات المرحلة القلقة، والمضطربة السوسيو- نفسية التى تنتاب عالمنا، وتمس الشرط الإنسانى، فى ظل هيمنة النيوليبرالية الرقمية، وشركاتها الكبرى، وأزمات تمس أزمات عميقة وهيكلية فى أنسجة الليبرالية التمثيلية الغربية، ومفهوم العمل، والبطالة، والخوف، والإزاحات الجيلية، ورهُاب الخوف الكونى المحلق، لكن يبدو الطقس الكونى تعبيرا عن هذه الحالة رغما عن الموسيقى، والرقص، والهتافات، والبهجة، والدموع والشغف، وجماليات الحضور الأنثوى وبعض من شقاوات الأطفال والصبية وصخبهم .
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وناقد ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ الخميس 16 يوليو 2026
لباب ” مختارات سينما إيزيس “



