ثقافة الفتاوي الرقمية في عالم ما بعد الحقيقة بقلم نبيل عبد الفتاح
فى عالمنا المتغير نحو بعض المسارات غير المألوفة فى التاريخ الإنسانى، على عديد المجالات، تسود السيولة، والاضطراب، واللايقين، وتتفاقم المشكلات المتراكمة، وتنفجر مشكلات جديدة فى المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وشروخ فى بعض البنيات المعرفية، والفلسفة، والقانون، والسياسة، والعلوم الاجتماعية، فى حين تتطور العلوم الطبيعة، والذكاء الاصطناعى على نحو فائق السرعة، وتنعكس على الحياة الإنسانية على نحو غير مسبوق تاريخيا، وتظهر نتائجها، فى السلوك الاجتماعى، والسياسى، وفى أنساق القيم فى كل مجتمعات العالم الأكثر تطورًا، والدول المتوسطة، والفقيرة!
نحن أمام حالة استثنائية فى تاريخ عالمنا، وستشكل قطيعة مع بعض ما عهده الفكر الإنسانى، التى تتراجع بعض من نظرياته، وأفكاره، بل ودراساته المحورية فى السوسيولوجيا، والفلسفة، والقانون، ومفاهيم الدولة والسيادة، والعمل، بل والسياسة ومفاهيمها ، وفاعلية نظمها ومؤسساتها …إلخ!
بعض موروثنا التاريخى الإنسانى، سيكون موضعا للتساؤل، بل وإعادة النظر، وستحل انساق لغوية واصطلاحية ، نظريات ومفاهيم جديدة غير مألوفة مستمدة من عمليات التحول من الإناسة الروبوتية إلى ما بعد الإنسانية، خاصة فى ظل التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعى التوليدى، وأثر الرقمنة والحياة الرقمية على الجموع الرقمية والفعلية الغفيرة، وانفجار مشكلات جديدة مغايرة. فى عالمنا العربى، ومجتمعاته عسرًا، ويسرا، تتكالب المشكلات والأزمات ، والتخلف الحضارى التاريخى مع هذه التحولات الكبرى، فى ظل عسر عمليات التكيف السياسى والبحثى مع تطورات الذكاء الاصطناعى، والآثار السلبية للحياة الرقمية، وطوفان وزلازل الأخبار الكاذبة والمضللة، وتمدد عالم ما بعد الحقيقة فى تفاصيل الحياة الرقمية والفعلية .

الأخطر أن الفوضى الرقمية وإنتاجها من الجموع الرقمية/ الفعلية الغفيرة، أدت إلى حالة من التشوش، والتوهان، والاضطراب والسطحية من غالبيتها الساحقة فى طرح ما يمكن أن نطلق عليه «ثقافة الفتاوى الرقمية «– وهى تطور بالغ الخطورة للشخصية الفهلوية وفق استاذنا حامد عمار فى كتابه فى بناء البشر – بلا تخصص، أو معرفة، أو دراية حول مشكلات معقدة ومتراكمة، فى القيم، والسلوك الاجتماعى، وفى نظم الأحوال الشخصية وقوانينها، وفى الأديان وتاريخها وأصولها الفقهية واللاهوتية والمذهبية والأخطر فى إصدار الأحكام القيمية فى كل تفاصيل الحياة، والإفتاء حول الدساتير والقوانين غير الفاعلة، والتحقيقات القضائية، وفى الأحكام وفى تشخيصات بعضهم للأمراض النفسية!. الإفتاء بات سمت الحياة الرقمية المصرية والعربية، وعلامة على «الباثولوجيا الرقمية»، وتحول بعضهم الى علماء فى العلاقات والصراعات الدولية، دون معرفة بتاريخها ونظامها وحروبها العالمية، وتطوراتها، والفاعلين السياسيين فيها!.
تراجع الأصوات والكتابات العلمية والنقدية فى المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، فى عالمنا العربى، يعود الى هيمنة ثقافة المنشورات والتغريدات والصور الومضات ، والفيديوهات الطلقة ، وتراجع قراءة الكتب والصحف والمجلات ، وايضاً لعديد الأسباب، التى يمكن طرح بعضها فيما يلي:
-تراكم القيود القانونية والسياسية والإدارية البيروقراطية المفروضة قسراً على سياسات البحث العلمى، السياسية، والاجتماعية، والطبيعية، منذ نشأة دولة ما بعد الاستقلال، وانفصال البحث النظرى والتطبيقى والميدانى فى الجامعات عن مشكلات الواقع الموضوعي.
-مع نشأة مراكز البحث الحقوقية، تم التركيز فى غالبها على بعض الندوات العابرة، وعلى رصد الوقائع الماسة بحقوق الإنسان، والنسويات وحقوق الأطفال والأقليات، لكن من خلال تقارير سريعة، وغير معمقة علميا من غالبها فى درس علاقات الانتهاكات بالأسباب السوسيو-سياسية، والاقتصادية بأنماط الانتهاكات الحقوقية. من ناحية أخرى ارتباط التقارير، وبعض المقالات والدراسات المحدودة، باتجاهات سياسات التمويل لغالب هذه المنظمات الحقوقية، ومراكز البحث، والاستثناءات محدودة جدا من بعض القلة لهذه المراكز فى لبنان، وتونس، والمغرب.
وعقب نشأة الدولة الوطنية مابعد الكولونيالية، استعان بعض آباء الاستقلال بمراكز البحث الاجتماعى والاقتصادى، على نحو ما كان سائدا فى التجربة المصرية فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر، من معهد البحوث الاجتماعية، والجنائية، ومعهد التخطيط القومى، ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، الذى لعب أدوارًا مهمة، فى تقديم البحوث السياسية، وتقديرات المواقف فى عديد الأزمات، واستطاع تحويل الكتابة عن السياسة من الانطباعات والأحكام المرسلة الى لغة العلوم السياسية والسوسيولوجية والقانونية المنضبطة. فى ظل هيمنة ثقافة الفتاوى الرقمية والأخبار الكاذبة والمضللة، وعالم مابعد الحقيقة ساد التسطيح والتوهان الرقمى، ومعه تتفاقم مشكلات الوعى الاجتماعى والسياسى والعلمى بمشكلات العجز البيروقراطى العربى، وتفاقم المشكلات الاجتماعية، وتعثر التنمية النيوليبرالية.
من ثم يبدو ان دول العسر العربية، تحتاج سريعا إلى ما سبق أن أطلقنا عليه فى عقد التسعينيات فى الأهرام وما بعد إلى «سياسة الملفات»، وهو إسناد مشكلة كبرى إلى عالم متخصص ومعه فريق متجانس من الكفاءات يختاره لدراسة هذه المشكلة، وأسبابها، وتطوراتها، وما هى الحلول الواقعية للتعامل معها، وتقدم لرئيس الدولة، أو الحكومة . سياسة الملفات عرفتها مصر، فى عهد مبارك بقطع النظر عن كيفية التعامل معها من صانع القرار السياسى، وفى تونس فى عهد بن على فى مجال حقوق الإنسان!، وأيضا فى فرنسا، وفى الولايات المتحدة، واليابان.
يقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ الخميس 30 يوليو 2026



