سؤال الهوية في السينما المصرية بقلم ولاء عبد الفتاح












ما يزال الفنان السينمائي العراقي الشامل، قاسم عبد .. المخرج والمصور والمونتير .. يحاول باجتهاد وإصرار . . وينجح في صناعة سينما تسجيلية خاصة به .. سينما تسجيلية متميزة .. تقترب من السينما الروائية .. سينما تحكي عن نماذج انسانية في صراعاتها مع الزمن .. سينما تقع في منطقة ما بين الروائي والتسجيلي .. وفي هذا تقترب تجربته مع تجربة المخرجة اللبنانية نادين لبكي .. صاحبة الفلم المتميز كفر ناحوم .. لبكي التي تبدأ من الفلم الروائي، لتمزجه مع التسجيلي لاحقا .. والنتيجة هي هذا التهجين الجميل ما بين النوعين .. او الدوكيو دراما .. واحيانا الدوكيو تراجيدي التي تهزّ المشاهد. وفي فلم قاسم الأخير .. مرايا الشتات Mirrors of Diaspora .. فان شخصيات الفلم الحقيقية هم مثل أبطال فلم روائي .. فلم يتحدث عن الخيبة والألم والمنفى .. إضافة إلى النقطة الاهم .. وهي تطور الإبداع الفني في الغربة الطويلة .. الابداع الناتج من امتزاج معاناتهم الذاتية والموضوعية .. مع الحياة في روما مدينة الفنون وغيرها من المدن الايطالية ..

مرايا الشتات فيلم للمخرج العراقي الكبير قاسم عبد
ان هذا التفاعل يحقق ما نسميه بالإنكليزية Synergy .. اي ابداع أكبر من المتوقع .. ربما ليس مع جميعهم .. لكن على الاقل مع بعض الأسماء .. التي يتكلم عنها الفلم من الفنانين التشكيليين العراقيين من أبطال الفلم وهم .. ( عفيفة العيبي ، جبر علوان ، علي عساف ، رسمي كاظم ، بهاء الدين احمد ، فواد علي ، كاظم الداخل ، بالدين أحمد ). ان السينما التسجيلية .. مجال وعر احيانا، وممل للمشاهد .. وفي الغالب كانت تقع في خانة الدعاية او الپروپاغاندا .. للحكومات او الجهات التي تموّل وتسند الفلم .. وشهدنا هذا مع الفلمين الوثائقين السوريين .. عن مجاميع الدفاع المدني في الأجزاء الثائرة من مدينة حلب .. الخوذات البيضاء .. وآخر الرجال في حلب .. ورغم أن أولهما فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فلم وثائقي قصير .. والثاني فاز بجائزة مهرجان سن دانس لأفضل فلم وثائقي طويل .. فان المشاهد يشعر بسهولة .. انها فلمان دعائيان لصالح الثورة السورية .. فلمان ضد النظام السوري .. وبالتأكيد فان الجوائز الممنوحة لهما .. ربما سببها المجاملة والمحاباة لأصحاب هذه الأفلام .. على حساب الفن السينمائي .. لكن مع قاسم .. الأمر مختلف .. اذ نشعر أن السينما التسجيلية صادقة وحقيقية نزيهة وحيادية .. واقرب للذوق الجماهيري العام .. في الشكل والتصوير والسرد .. لأن عبد فنان يحترم القيم السينمائية التي تربى عليها .. في دراسته .. ومشاهداته .. وتراكم خبراته .. وثقافته الأدبية والفنية.
وهذا يظهر من عنوان الفلم الذي استوقفني كثيرا .. مرايا الشتات .. دليل عملية اختيار طويلة .. صيرورة اخذت وقتا وجهدا .. واذا كان الشتات مفهوما بالنسبة للمشاهد لأنه يعبر عن تجربة الشعب العراقي منذ نهاية السبعينات .. في الهجرة إلى بقاع مختلفة .. بسبب الظلم والدكتاتورية والحروب الطويلة .. هذه الهجرة التي استمرت حتى بعد سقوط النظام الدكتاتوري .. ودخول العراق في نفق الحرب الطائفية والإرهاب..
لكن ما هي المرايا .. او بالاحرى من هي المرايا؟ .. انهم فنانونا المهاجرون او المنفيون طوعا منذ نهاية السبعينات .. فنانونا التشكيليون اليساريون في أوروبا .. الذين جمعتهم روما المدينة العظيمة .. وعملت على صقل موهبتهم واطلاقهم نحو الابداع والشهرة .. رغم أن بعضهم ترك روما لاحقا إلى مدن أوروبية أخرى في السويد وهولندا .. هذه المرايا العراقية تشهد لتاريخ العراق الحديث ومآسيه ..
وكذلك تبرز القيم الجمالية والفنية التي يختزنها العراق .. العنوان يقترح ان اللوحة تصبح مرآة تعكس وجه العراق في الغربة .. من خلال هؤلاء الفنانين .. الذين تابعهم قاسم منذ بداية التسعينات في محاولة تسجيلية أولى.. ثم عاد اليهم في محاولة ناضجة .. تستنطقهم فنيا وانسانيا.. لنكتشف أن الخيبة لا تزال هناك قائمة .. حتى بعد سقوط الدكتاتورية .. وزوالها! اخيرا .. أعود بالذاكرة .. عندما التقينا الفنان قاسم عبد .. الذي كنا ننظر له نظرة احترام خاصة .. منذ أن كنا مراهقين وأصدقاء لأخيه .. كنا نتوقع منه إنجازات فنية مهمة ..
قاسم عبد والفنانين المذكورين أعلاه سافروا إلى أوروبا .. للتعلّم والاطّلأع ومواكبة العصر منذ منتصف السبعينات في القرن الماضي .. وفوجئوا وهم هناك .. ان بلدهم وقع لاحقا كليا في قبضة الدكتاتورية .. التي طاردت القوى اليسارية والتقدمية وزجت بهم في السجون .. مما أدى الى بقاء هؤلاء الفنانين منفيين في أوروبا .. خوفا من اعتقالهم عند عودتهم للعراق .. وقد التقى قاسم بهؤلاء التشكيليين في بداية التسعينات .. كما نرى في مشاهد عديدة من فلمنا .. مرايا الشتات .. وبعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 .. تهلّل المنفيون واستبشروا .. لكن سرعان ما انكشف السراب .. عن عنف وفوضى وفساد وارهاب .. فازدادت الخيبة والحسرة .. واستقر هؤلاء الفنانون في منافيهم الآمنة البعيدة.
يوحنا دانيال

يوحنا دانيال كاتب وناقد سينمائي عراقي مقيم في السويد
يعتبرالمخرج السينمائي العراقي باز شمعون من أوائل الذين اهتموا بقضية الإيزيديين في العراق. وهذا يتجلى في آخر وأطول أفلامه، الذي عمل عليه منذ عام 2007 إلى 2017 وجاء عنوانه “73 درجة مئوية”
بوستر الفيلم
في إشارة إلى عدد النكبات والمجازر التي تعرض لها الإيزيديون في تاريخهم الطويل. هذه الإثنية المسالمة التي تشترك مع الأكراد في اللغة وتختلف في الدين، لكن بعضهم يرفضون اعتبارهم من الأكراد، رغم أن الكثير من أفراد الطائفة أعضاء في الأحزاب الكردية وفي قوات البيشمركة.
يأخذ فيلم “73 درجة مئوية” ثلاثة مسارات درامية، أكبرها وأهمها هو المسار الإيزيدي، ثم مسار ضحايا الإرهاب في العراق من الأطفال الإيزيديين والشيعة والأكراد السنّة، وأخيرا هناك المسار الشخصي الآشوري المسيحي، الذي يتعلق بالمخرج باز وأبيه المناضل اليساري القديم دنخا شمعون، الذي نجت أمه الحبلى من موت محقق في مجزرة الآشوريين في الثلاثينات من القرن الماضي في قرية سمّيل، بالتجائها إلى عائلة إيزيدية كما يرد على لسان الأب.
المخرج العراقي باز شمعون
وفي الفيلم يتداخل المساران الأول والثاني سينمائيا بانسجام في معظم الأحيان، ثم يكملان بعضهما البعض في النهاية. وربما يصعب على المشاهد غير العراقي فهم المسار الآشوري الثالث، لأنه لا يبدو من صلب الأحداث المعاصرة الواردة في الفيلم، لأن القضية الآشورية تعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضي، مع المجازر التي ذكرناها سابقا. لكن المخرج باز يفسر الأمر، بأنه محاولة مشروعة منه لضمّ الهمّ المسيحي الآشوري إلى باقي الهموم في الفيلم،
لأن المسيحيين تمّ طردهم من مدنهم وقراهم التي احتلها “داعش” وهكذا يحاول تناول جرائم الإرهاب والدواعش تجاه جميع مكونات المجتمع العراقي. يبدو المسار الإيزيدي رائعا ومتكاملا في حد ذاته، وكأنه يستحق أن يكون فيلما منفصلا ومستقلا. وربما هذه كانت النية أصلا عند المخرج، ويشهد على ذلك عنوان الفيلم وأحداثه أيضا. اذ يصور لنا باز الطقوس الإيزيدية، والأماكن المقدسة عندهم، ببراعة وجمال واحترام وفهم عميق. وللحق،
هذه أول مرة أشاهد هذه الطقوس الجميلة العفوية. كما صور لنا غناؤهم الديني وأناشيدهم، وطقوس الحزن التي جرت في أعقاب عملية إرهابية كبيرة في عام 2007 ارتكبها متطرفون إسلاميون من أتباع الدولة الإسلامية في العراق، أدت إلى مقتل أكثر من 300 شخص وجرح ضعف عددهم من الإيزيديين الأبرياء.
وأخيرا يصور لنا طقوس الزواج لإحدى الضحايا موضوع الفيلم، وهي الفتاة آسيا كمال، التي صادفها باز وهي مصابة بالتفجير وقد فقدت العديد من أفراد عائلتها في 2007 ثم صادفها من جديد بعد تهجير الإيزيديين في 2014 وقد أصبحت شابة جميلة وتزوجت من ابن عمها.
عقليات متناحرة متوارثة وبالعودة الى أبطال الفيلم؛ الأطفال آسيا الإيزيدية وريّان الكردي وعلي الشيعي، وهم ضحايا أعمال العنف والإرهاب، نجد انهم يعكسون أنماطا تربوية وعقلية متوارثة ترفض الآخر وترفض بعضها البعض، وهذا ما نكتشفه عند تواجدهم مع بعضهم للعلاج في ألمانيا. لكن بعد اهتمام ورعاية كبيرة من شخص إيزيدي في منزله في ألمانيا، يبدأ الحاجز بينهم في الانهيار. وربما يعود سبب هذا السلوك الانعزالي، لأنهم أصلا لا يعرفون بوجود الآخر في المجتمع وفي الوطن. وإذا عرفوا بوجوده، فإن الآخر يتم تصويره كخصم أو مجرم أو عدو.
يحاول باز بصبر، ان يصور معاناتهم جراء إصاباتهم القاسية، إذ أن أحدهم فقد رجله بالكامل، والآخر فقد بصره ويده، لكن الإصابات تمتد إلى دواخلهم، في هيئة غضب وكراهية عمياء لكل شيء، خصوصا عند الولدين ريان وعلي، المتنافران دوما. وهذه إشارة رمزية واضحة، إلى دور الذكور في الصراعات والحروب الأهلية العنيفة في العراق، على عكس الإناث اللواتي يصبحن ضحايا وسبايا نتيجة هذه الحروب.
ورغم أن الفيلم في متنه ومعظمه تسجيلي، يحاول نقل وقائع وحقائق عن الإيزيديبن وحياتهم ومعاناتهم، وعن ضحايا الإرهاب و”داعش” في العراق، لكنه لا يتوقف عند ذلك. إذ يبرز فيه خيط روائي واضح وجميل، يشد المشاهد في حكاية البطلة آسيا، التي نراها في البداية تعاني من إصابات جسدية بسبب التفجير الإرهابي الكبير، وإصابات نفسية عميقة جراء فقدانها العديد من أفراد عائلتها. لكنها بعد سنوات النزوح نراها فتاة جميلة وقد تزوجت من ابن عمها الشاب، وشفيت من جراحها الجسدية والنفسية. الشيء نفسه يحصل في حكايتي ريان وعلي، إذ يصبح ريان عازفا وعاشقا للموسيقى، وعلي مقاتلا في الحشد الشعبي ضد “داعش”. ورغم قلة التفاصيل في حكايتيهما، فإن الفيلم يحاول أن يزرع الأمل بعد كل هذه المصائب. يقول باز أنه يصنع سينما حقيقية، تهتم بالإنسان أولا، وبما يدور حوله من أحداث تؤثر على حياته ومصيره،
لكن في النهاية على السينما أن تعرض بطولات الناس العاديين الحقيقيين. هذا المزج بين الوثائقي والروائي ممتع وصادق، وشاهدناه في أفلام وثائقية وروائية أخرى، ويحاول أن يشق طريقه سينمائيا. في النهاية، تمنيت لو ان مثل هذه الأفلام تعرض في دور السينما وعلى شاشات التلفزيون، ويشاهدها الجمهور العريض بدل اقتصار عرضها في المهرجانات لجمهور نخبوي.

admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, مهرجانات, نزهة الناقد 0




admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0
يواصل فلم ريش للمخرج عمر الزهيري تحقيق النجاحات والجوائز في المهرجانات السينمائية المختلفة مثل كان والجونة .. وكان آخرها في مهرجان قرطاج العريق في تونس، حيث فاز بأربع جوائز كبيرة من بينها جائزتي أفضل فلم وأفضل ممثلة للبطلة دميانة نصار. بالطبع هذا الفلم تسبقه سمعته من مهرجان الى آخر، ولذا يفوز بسهولة بالجوائز والاعجاب من النقّاد والمختصين ..

المخرج المصري عمر الزهيري
لكن بما انه فلم روائي، فإنه ينتظر اختبارا في دور العرض السينمائي، من خلال إقبال الناس على مشاهدته، والحكم على التجربة السينمائية المختلفة الجديدة. إذ أن الفوز بالجوائز لا يعني بالضرورة نجاحا جماهيريا أو قبولا بين المشاهدين، الذين تربّوا على تقاليد سينمائية تقليدية معروفة، لكي ترضي هذه الجماهير، وتكسب أموالهم في شباك التذاكر. لكن هذا الفلم ليس هكذا، بل أبعد ما يمكن عن تقاليد السينما المصرية المعتادة. إذ يبدو للمشاهد كفلم فقير، مصنوع بامكانيات متواضعة، بعيدا عن ستوديوهات الصوت، بحوار قليل، ببطلة صامتة، من الناس العاديين، وممثلين لا علاقة مسبقة لهم بعالم التمثيل، أما الحكاية فإنها فانتازية وغرائبية جدا، لكن في أجواء فقيرة وواقعية بامتياز. لذا يمكن اعتبار الفلم منذ التخطيط حتى التنفيذ، مغامرة سينمائية متماسكة الأركان، متناسقة في أركانها المختلفة. وهذا الذي جعل اعضاء لجان التحكيم منبهرين بهذه المغامرة السينمائية .. التي رغم الفنتازيا المحيرة التي تتضمنها، والتي يعرفها جميع من سمع بالفلم، فإن الفلم لن يخرج أبدا من شروط الواقع والواقعية السينمائية. وهذا يوصل الفلم الى نهايته المحتومة والمنطقية، ورغم أن النهاية لا تشبع المشاهد تماما، الا انها تؤدي إلى تغيير كبير في شخصية البطلة الصامتة الصابرة كل شيء، فتصبح انسانة جديدة تماما. وربما هذه هي الرسالة النهائية في الفلم التي على المشاهدين الانتباه لها، بدل التوقف كثيرا عند الجانب الفنتازي ..

الأم بطلة الفيلم
وبهذا المعنى فإن الفلم فيمنستي أو نسوي، يعزز دور المرأة وحضورها في المجتمع. وهذا يحصل في الواقع والحياة مع البطلة دميانة الصعيدية، التي تصبح فجأة نجمة المهرجانات، وضيفة متكررة على برامج التوك شو. ولا يمكن فصل البطلة دميانة (أم ماريو) والممثلين الآخرين عن البيئة التي تدور فيها احداث الفلم، ولا عن الإخراج والتصوير وباقي العناصر الفنية والتقنية، مما يجعل الفلم تجربة مختلفة ينغمس فيها المشاهد في عالم يبدو له كأنه غير موجود واقعيا، لأن الفلم لا يشير بوضوح الى موقع الأحداث أو زمنها، الا من خلال إشارات بسيطة ومن خلال الكلام بالطبع. وكان بالإمكان حتى الاستغناء عن الكلام وجعل الفلم صامتا كليا، لكن الكلام كان مهما كي نشاهد ان البطلة صامتة ومستكينة طوال معظم وقت الفلم. فلم ريش تمكن من إيصال رسالته الفنية والإنسانية بسهولة إلى المشاهدين في مهرجان كان وقرطاج، لكن في مهرجان الجونة ورغم فوزه بجائزة الفلم العربي، فقد واجه اعتراضات من بعض ممثلي وممثلات السينما المصرية، ونظروا اليه للأسف كأنه تشويه لسمعة مصر، ومتاجرة بآلام الفقراء. أمر لم يكن في الحسبان أبدا، وربما يساهم في أبعاد الجمهور عن مشاهدة الفلم عند عرضه في دور العرض السينمائي. كما تعرض للنقد السلبي بين بعض نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الفلم أصبح لاحقا موضع تنازع بين بعض التيارات السياسية، المعارضة والموالية للنظام. ومن وجهة نظر النقد “الثقافي” .. فان الطريقة التي عامل بها الإعلام المرئي بطلة الفلم دميانة او ام ماريو .. كشفت عن سطحية بعض هؤلاء الاعلاميات، واستصغارهم لهذه السيدة من خلال ملاحظات واسئلة غير لائقة. إحداهن في مهرجان الجونة تقول لها ان المخرج قد فتح لك “باب رزق” جديد .. عشان تحسّني عيشتك. وللأسف ان هذه الإعلامية المعروفة جدا، والتي كانت زوجة لواحد من أهم الممثلين في مصر .. لا تدرك معنى أو قيمة ان يكون الإنسان بطلا لفلم .. فلم نال جائزة مهمة في أهم مهرجان سينمائي عالمي .. البطولة السينمائية يا هانم، تعني مزيد من الكرامة والرفعة للإنسان .. تعني مزيد من المكانة والتأثير الاجتماعي .. السينما مش دكانة أو بوتيك يسترزق منها الانسان. وعلى القنوات التلفزيونية كانت الأسئلة الموجهة لها ساذجة ايضا، وتستصغر عقل هذه السيدة. ويبدو أن هناك بالفعل فجوة ثقافية بين القاهرة والصعيد. وبالمقابل هناك تطرفا لا مبرر له في الدفاع أو الهجوم على الفلم بين النقاد وناشطي وسائل التواصل الاجتماعي .. وكأن الأمر هو مجرد تصفية حسابات ايديولوجية غير مبنية على تحليل موضوعي للفلم نفسه. وشخصيا لا اعترض على خروج فنانين من العرض أو انتقاد بعضهم للفلم علنا .. بل اعتبره شجاعة أدبية خصوصا انهم جميعا كانوا يعلمون أن الفلم سيفوز بجائزة الجونة الكبرى للفلم العربي. وعلينا أن نقبل وتشجع ثقافة الاختلاف في القضايا الثقافية والفنية، بدل التهييج والتسييس التي يلجأ إليها بعض النقّاد والأكاديميين. لكن من الضروري أيضا الانتباه إلى إنجاز هذا المخرج الشاب عمر الزهيري .. الذي يعيد اسم مصر والسينما المصرية .. الى عالم الجوائز والمهرجانات بعد غياب طويل.
يوحنا دانيال

يوحنا دانيال ناقد سينمائي عراقي مقيم في السويد
admin افلام, رئيسية, مهرجانات, نزهة الناقد 0





ويقول صلاح هاشم( المقيم بباريس) خلال زيارته للقاهرة: إن فيلم “وكأنهم كانوا سينمائيين “يتناول سحر السينما المصرية الخفي

أفيش الفيلم
وتأثيراتها علي حياة ووجدان المصريين والمبررات التي جعلت السينما المصرية المحرك الاساسي للطاقات الانسانية المبدعة للشعب,
ويقدم الفيلم شهادات عن هذا السحر لمجموعة كبيرة من السينمائيين والكتاب والمفكرين المصريين ومنهم د. رمسيس مرزوق مدير التصوير و د. صبحي شفيق شيخ النقاد السينمائيين المصريين والروائي المصري بكر الشرقاوي الذي عمل خلال الخمسينيات في القطاع العام السينمائي للدولة,
كما يتناول الفيلم إضافات السينما المصرية لثقافة الشعب المصري كيف يحب وكيف يغني وكيف يرقص, كما اخترقت السينما المصرية العديد من المحرمات…
وكأنهم كانوا سينمائيين من دون كاميرا
ويضيف صلاح هاشم أن عنوان الفيلم يشير إلي علاقة السينما المصرية بالحضارة الفرعونية، التي حرصت علي تسجيل جميع مناحي الحياة اليومية علي جدران المعابد, فبدا المصريون القدماء ،وكأنهم سينمائيين يرصدون الواقع، برؤية فنية بكل ماتحمله من ايحاءات ورموز. وكأنهم كانوا سينمائيين من دون كاميرا
بقلم
محيي الدين فتحي
عن جريدة ” الأهرام ” المصرية
admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0


فيلم ” البحث عن رفاعة “
البطاقة الفنية
فيلم وثائقي طويل. سنة الانتاج 2008. مدة العرض 62 دقيقة.سيناريو وإخراج صلاح هاشم.تصوير ومونتاج: سامي لمع وصلاح هاشم. إنتاج : مجموعة نجاح كرم للخدمات الاعلامية.المنتج المنفذ: نجاح كرم.
ملخص الفيلم : يحكي الفيلم، من خلال رحلة بين باريس فرنسا، والقاهرة مصر، مرورا بأسيوط وطهطا في الصعيد، عن «ذاكرة» رائد نهضة مصر الحديثة رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873م) التربوية والتعليمية ، الذي يلخص مشواره الثقافي والعلمي، قصة مصر في قرنين، ويفتش الفيلم، عما تبقى من أفكاره وتعاليمه، التي جلبها الى مصر ،من رحلته إلى باريس عام 1826 إ، حين سافر مع أول بعثة تعليمية، أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا، لدراسة مصر الحديثة، وخروجها من جاهلية العصور الوسطى ، إلى نور الحداثة. كما يطرح الفيلم سؤالا: ترى إلى أي حد، استفادت مصر من تجربة الطهطاوي، التي كانت بمثابة ثورة فكرية تنويرية أصيلة.
كان العرض الأول للفيلم في جامعة لندن.قسم الدراسات الشرقية، بدعوة من الأستاذ د.صبري حافظ يوم 9 حزيران/يونيو 2008 .
وقبل أن ينطلق الفيلم في مابعد للعرض في عدد كبير المهرجانات السينمائية والمراكز الثقافية العربية والعالمية: مثل ” كرافان السينما العربية الأوروبية في الأردن، وسينما “الاتوال” في ضاحية لاكورنف باريس( بحضور السيدة ماجدة رفاعة، حفيدة الطهطاوي) ومتحف ” موسم ” – MUCEM- متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية في مارسيليا، في إطار إحتفالية بعنوان (” الطهطاوي.مونتسكيو العرب ” يوم 12 سبتمبر 2013، كما عرض في المعهد الفرنسي – المنيرة، وفي أوبرا الأسكندرية ، ومركز الثقافة السينمائية في القاهرة وفي كل المراكز الثقافية التابعة لصندوق التنمية الثقافية في مصر ومسرح الهناجر وغيرها
***

فيلم ” البحث عن رفاعة ” لماذا ؟
سألني البعض عن فيلمي الوثائقي الطويل -65 دقيقة- بعنوان“البحث عن رفاعة” الذي يعتبر كما كتب بعض النقاد في تقييمهم للفيلم أنه : ” ..أول فيلم وثائقي مصري، يتناول بإسلوب سينمائي متميز، وغير تقليدي، مسيرة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873)” رائد نهضة مصر الحديثة، وينبّه بشكل غير مباشر، ومنذ عام 2008، تاريخ صنعه،ينبه إلى خطورة التيارات الدينية المتطرفة الفاشية،وصعودها واستفحالها في عهد الرئيس مبارك، وهويعرض لـ”أفكار” الطهطاوي الكبرى في الحكم والإدارة، والحرية والثقافة، والمرأة والتربية، لجيل المستقبل في مصر، مؤكداً ..على أن رحلة الطهطاوي، مازالت ابنة الحاضر، ولم تنته بعد.” ..
حسنا. لم يكن هدفي كمخرج،عندما إنتهيت عام 2008 مع مدير التصوير اللبناني سامي لمع، والاعلامية الكويتية نجاح كرم،من صناعة فيلمي الوثائقي الطويل ” البحث عن رفاعة ” عن رائد نهضة مصر الحديثة رفاعة رافع الطهطاوي- ـأو كما أطلق عليه الفرنسيون ” مونتسكيو العرب” وذلك في تظاهرة بإسمه، عقدت في متحف” موسم “- MUCEM – متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية في مارسيليا وعرض فيها الفيلم.لم يكن هدفي أن أضيف شيئا جديدا،الى السيرة الذاتية لجدنا الأكبر الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، رائد نهضة مصر الحديثة، و جد كل المثقفين المصريين التنويرين، أو أن أحكي عن حياته.. فقد كان هناك، عشرات من الكتب والدراسات والمقالات، بالعربية والانجليزية والفرنسية، قد كتبت عنه..
مثل كتاب” رفاعة الطهطاوي. رائد فكر، وإمام نهضة ” تأليف دكتور حسين فوزي النجار، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2008 ، وكتاب ” رفاعة الطهطاوي. رائد التنوير في العصر الحديث ” للدكتور محمد عمارة الصادر عن دار الشروق 1988 في طبعة ثانية، وكتاب ” عودة رفاعة الطهطاوي” للدكتور أنور لوقا الصادر عن دار المعارف في سوسة .تونس، كما صدر كتاب بالفرنسية بعنوان ” أبناء رفاعة “- LES ENFANTS DE RIFAA – للمفكر والفيلسوف اليميني الفرنسي جي سورمان، عن دار نشر فايار في باريس وغيرها، وكنت التهمتها أو وأتيت على أغلبها، قبل الاعداد لتصوير الفيلم في مصر عام 2008 ، ومن دون ” خطة سيناريو محددة “أو الحصول على تصاريح تصوير من الجهات الحكومية المعتمدة..

عملية ” البحث “
بل كان الهدف من “صناعة رفاعة” –كما هو مكتوب في بوستر ” ملصق” الفيلم، هو تصوير عملية ” البحث ” ذاتها، التي تمثل جوهر وعصب الفيلم..ومايكتنف هذه العملية،من إستكشاف.. لماضينا.. وذاكرتنا.. تاريخنا وحاضرنا، وأهم من ذلك كله. أن عملية البحث هذه، كانت تعني بالنسبة الي، بعد ان سافرت للدراسة عام 1970 الى أوروبا. وكنت قرأت كتاب الطهطاوي ” تلخيص الإبريز في تلخيص باريز” أثناء فترة الدراسة في الجامعة- قسم انجليزي آداب القاهرة – في فترة الستينيات المتوهجة ثقافيا وفكريا، وكانت من أخصب الفترات الثقافية، التي عاشتها مصر- فترة ” التلقين الثقافي ” عن جدارة لجيلنا، جيل كتّاب الستينيات في مصر، كما يصفها الأديب الشاعر و الروائي محمد ناجي، في فيلمي الوثائقي الطويل الخامس ” حكايات الغياب “- ترى لماذا لانقيم احتفالية فنية وأدبية وثقافية في مص،ر للتعريف بتلك الفترة وابداعاتها المتوهجة في الأدب والسينما والمسرح والقصة القصيرة، هكذا فكرت وأنا أكتب عن ” البحث عن رفاعة ” لماذا – لكن هذه قصة أخرى..

الى كل زهرة لوتس مسافرة
وكانت عملية البحث، تمثل بالنسبة الي ” عودة ” الى المكان الذي إنطلقت منه،أي مصر، لإعادة إستكشافه من جديد، وكأني أتطلع اليه للمرة الأولى.أتطلع الى ترابه وأرضه، وأهله ونيله، وسمائه وأشجاره وناسه، وأنا أعب من جماله- أثناء رحلة البحث- هذه، وأختلط فيه،بعد طول تجوال وترحال ،بالحشد الإنساني،لأعانق فيه وبعد طول غياب ..كل الكائنات والموجودات..
( ..كنت كتبت الى صديقي مدير التصوير اللبناني الفنان الكبير سامي لمع الذي يعيش في كوبنهاجن . الدانمرك بهذا الشأن- الشروع في عمل فيلم عن رفاعة، وكنت حدثته كثيرا عن مصر لسنوات طويلة، منذ ان التقينا في مزارع العنب في فرنسا عام 1970، ولم يكن زارها من قبل، فتحمس سامي كثيرا لخوض مغامرة صنع الفيلم معي، وبخاصة عندما عرف، من رسالتي اليه، من من هو الطهطاوي هذا، الذي أريد أن أوثق لحياته وذاكرته في فيلم، ووجدها فرصة رائعة، لزيارة “أم الدنيا”، وقام بشراء كاميرا جديدة وحضر الى مصر. )..
كان الهدف بعد أن درست السينما والأدب الإنجليزي وموسيقى الجازفي ” جامعة فانسان” الشهيرة في باريس، طرح سؤال السينما أيضا ،وبخاصة السينما الوثائقية من خلال الفيلم، وكيف يمكن توظيف إمكانياتها الهائلة، لخدمة قضايا التقدم والتحرروالهوية والوعي بالتراث، وتوظيفها كأداة للتأمل والتفكير في واقع مجتمعاتنا الإنسانية، وأن أغطّس وأغرّق رؤؤس الناس في بحر توهج الحياة في مصر والنهل من بهجتها..
فلم يكن السؤال عن رفاعة – سؤال التطور والتقدم، والى أين تتجه مصر- رايحة على فين ؟ يخص رفاعة وحده، بل يخص أيضا كل من التقيتهم في رحلة البحث عن رفاعة، وكل زهرة لوتس مصرية مسافرة، أو مهاجرة، قبل أن تودع الوادي، وتلقي نظرة أخيرة على النيل..
كان الطهطاوي هوعنوان الفيلم في الخارج، لكن لم يكن الطهطاوي هو بطل الفيلم، بل كان البطل هو “رحلة البحث” عن شخصه، والتفتيش في عوالمه، وكوكبه الفريد. والنظر الى عملية ” التحول” هذه التي مربها ،للتأمل من جديد في أفكاره بخصوص التعليم والثقافة والتقدم والنهضة.وكانت “عملية البحث”هذه هي همي الرئيسي، الذي أردت من خلاله، أن أوثق للواقع المصري العياني المعاش، في تلك السنوات، الجد عصيبة،التي مرت بها مصر والعالم..
مثل حرب أمريكاعلى العراق،وتصاعد وتعاظم سطوة الاعلام الوهابي الارهابي السلفي الفاشي وسيطرته على الاعلام العربي في أغلبه، ومن دون أن يغيب عن بالي ابدا،الإمساك بتوهج الحياة في مصر،بألفة الناس المصريين الطيبين، رغم قسوة وبشاعة الألم وظلم الواقع، في السنوات الأخيرة لحكم نظام الرئيس مبارك العسكري الاستبدادي، وقبل أن تطيح به ثورة 25 يناير 2011..وتسقط حكمه..
ولم يكن يهمني مطلقا حين شرعت في تصوير الفيلم ،أن يخرج أويكون في نهاية المطاف، فيلما من أفلام “سينما المؤلف “. فيلم ” شخصي”، عن ابن بطوطة جديد، من حينا العريق ” قلعة الكبش ” في السيدة زينب، وليس عن رفاعة..
فقد كان لدي قناعة بأن رفاعة، لو كان في مكاني، في وقت تصوير الفيلم، لكان طرح على نفسه من فرط حبه لوطنه مصر، ذات التساؤلات التي طرحتها في فيلمي. كنت أشعر، بأن الحافز لصنع الفيلم، الإشارة الى ، والتنبيه بحقيقة، لايمكن أن تكون اخطأتها عين..
حقيقة أن الظروف التي عاشتها مجتمعاتنا العربية، وبخاصة في مصر، خلال العشر سنوات السابقة على صناعة الفيلم، كانت تشهد انحسارا مروعا على مستوى التعليم،والثقافة والصحة والأخلاق والضمير الإنساني الصاحي، وتدهور الحياة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا بشكل عام..
” ثلاثية ” البحث عن رفاعة
،وأن كل المكاسب التي كانت تحققت – المزيد من الحريات الشخصية – وعلى كافة المستويات – مثل ” مجانية التعليم ” بسبب نضالات سابقة، كانت قد تأممت، أو دخلت المتاحف.ولذا كان الهدف من صناعة فيلم ” البحث عن رفاعة ” أول تجربة سينمائية لي كناقد – بعد تجربة فيلم الوثائقي الطويل الأول ” كلام العيون ” الذي أخرجته عام 1976 ( بالتعاون مع سمير محمود ومحمد توفيق) أثناء دراستي للسينما في جامعة فانسان، هو “تحريك الساكن”، والخروج من تلك ” الغيبوبة ” الفكرية التي كنا نعيشها، وعزلتنا كأمة وشعب. وطرح سؤال رفاعة، سؤال التطور والتقدم.وقد كان اقصى وجل طموحاتي – وبخاصة في هذا الجزء الأول من الثلاثية،” ثلاثية البحث عن رفاعة” كما أردتها وتمثلتها وهضمتها، خلال أكثر من عشر سنوات..
بحيث يكون الجزء الأول، عن الأفكار التي جلبها معه الطهطاوي من فرنسا، ويكون الجزء الثاني، بعنوان ” ذهب باريس” ،عن الخمس سنوات، التي تعلم فيها في فرنسا وقضاها هناك ،ليكون أول ” عين ” مصرية تشاهد حضارة الغرب ،وتتأمل في علاقة الحاكم بالمحكومين، وتتعرف على معاني ” المواطنة ” ودلالاتها العميقة في الدولة العلمانية، وحقوق الأفراد..
ولم يكن غريبا وقتها من هذه الزاوية، أن يقوم الطهطاوي بترجمة الدستور الفرنسي، وعلى أساس أن يتكرس الجزء الثالث من ” الثلاثية” بعنوان ” المنفى “لحال الطهطهطاوي عند عودته الى مصر، والانجازات التي حققها، في عهد الوالي محمد علي، ثم ماجري من نفي الطهطاوي الى السودان، عندما صعد الخديو عباس الى عرش مصر..
كان أقصى وأجل طموحاتي: “إثارة الفضول” فقط ،في كل مايتعلق بشخصية رائد فكر وإمام نهضة، رفاعة رافع الطهطاوي. والتحفيز على قراءة أعماله، أو حتى تصفح فقط رائعته ” المرشد الأمين في تربية البنات والبنين ” وأرجو أن أكون وفقت.
صلاح هاشم*
باريس.فرنسا. في 22 نوفمبر 2020
صلاح هاشم مصطفى *
كاتب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس.فرنسا. من مواليد 12 نوفمبر. قلعة الكبش.السيدة زينب.القاهرة. من “جيل الستينيات” في مصر. مؤلف مجموعة كبيرة من الكتب في السينما، والقصة القصيرة، والهجرة، وأدب الرحلات، من ضمنها كتاب ” الحصان الأبيض ” قصص قصيرة، و” الوطن الآخر .سندباديات مع المهاجرين العرب في أوروبا وأمريكا ” و ” السينما العربية خارج الحدود” وغيرها. ومخرج عدة أفلام وثائقية طويلة وقصيرة، من ضمنها فيلم ” كلام العيون “، و ” البحث عن رفاعة”، و ” وكأنهم كانوا سينمائيين . شهادات على سينما وعصر ” ، و” أول خطوة “، وغيرها. شارك كناقد سينمائي مصري في العديد من لجان تحكيم المهرجانات السينمائية العالمية مثل مهرجان ” كان “السينمائي – لجنة تحكيم الكاميرا الذهبية ، ومهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية – لجنة تحكيم النقاد – ومهرجان الفيلم الفني في براتسلافا – لجنة التحكيم الرسمية – ومهرجان القاهرة السينمائي – لجنة تحكيم الفبريسي وغيرها، كما حاضر عن السينما المصرية تاريخها وذاكرتها وتراثها السينمائي العريق في باريس وميلانو وجربة.تونس وغيرها. مؤسس موقع ” سينما إيزيس – ” الذي يعني بـ ” فكر ” السينما المعاصرة وفنون الصورة – عام 2005 في باريس، ومهرجان ” جاز وأفلام ” في مصر عام 2015.
admin افلام, رئيسية, مهرجانات 0

مهرجانات السينما العالمية، ليست في اعتقادي أعيادا للسينمائيين فقط، ولكنها أيضًا إحتفالات للفنانين التشكيليين
ولايعود هذا فحسب، إلى أن فن السينما ينطوى على شكل من أشكال الفن التشكيلى ، متمثلًا فى الصورة السينمائية، والضوء والظل والديكور والإكسسوارات وغير ذلك من عوامل، تدخل فى باب الفنون المرئية، وإنما يعود أيضًا إلى أن بعض الأعمال السينمائية، تتخذ من الفنانين التشكيليين أبطالًا لها، ولم يكن مهرجان القاهرة السينمائى الدولى منذ نشأته استثناء من ذلك، بل كان للفن التشكيلى نصيب لا بأس به فى دوراته السابقة، وعلى سبيل المثال شهدت الدورات الأخيرة بداية من الدورة التاسعة والعشرين وحتى الدورة الثالثة والثلاثين مثلا، اهتمام بعض الدول والمنتجين والمخرجين أيضًا ،بصناعة أفلام تتخذ من الفنان التشكيلى محورًا رئيسيًا فى العمل الدرامى .
فمثلا في الدورة التاسعة والعشرين عرضت اليابان فيلم “أدان” إنتاج 2005 ويحكى قصة فنان تشكيلى يعيش مع أخته، ويصور مدى معاناته فى عرض أعماله وتحقيق حلمه ليصبح فنانا مشهورا ، وفى نفس الدورة تم عرض الفيلم الإيطالى “بونتورمو”وهو انتاج إيطالى 2004 والذى يتناول علاقة الفنان بالموديل الخرساء الذى قطع لسانها أثناء الحروب الهولندية وتصبح الفتاة مصدر إلهام له، وتتهم أنها ساحرة وتطالب محاكم التفتيش الكاثوليكية بحرقها ويستخدم هذا الفنان نفوذه من أجل إنقاذها

فيلم ” الجريكو “
وفى مهرجان القاهرة السينمائي الدولي32 لعام 2008 تم عرض ثلاثة أفلام تتناول سيرة حياة ثلاثة فنانين تشكيليين هم اليونانى “الجريكو” ، الإيطالى ” كارافاجيو “، الفرنسية “سرافين” ..ونبدأ بالجريكو أو “دومانيكوس ثوتوكولبولس ــــ Domenicos theotoko poulos “، قام بإخراج الفيلم المخرج اليونانى “ينيس سمازا جديس ـــ Yannis Samza Gdis” وهو من مواليد جزيرة كريت ، وقام بكتابة الفيلم سيناريست يونانى وكاتبة إنجليزية وهو إنتاج أوروبى (أسبانيا – اليونان – المجر)

لقطة من فيلم ” الجريكو “
وقد فاز الممثل اليونانى خوان ديجو بوتو بجائزة أفضل ممثل عن دوره فى هذا الفيلم ، وقد قاموا بتحضير هذا الفيلم فى عشرسنوات وتم عرضه فى 140 دار عرض سينمائية فى أنحاء العالم وشاهده فى اليونان فقط أكثر من مليون مشاهد ، وشاهدته ملكة أسبانيا فى عرض خاص باللغة الأسبانية وسألت المخرج لماذ إختياره للرسام ا” الجريكو” ؟ فرد قائلاً : ” إن منزله يبعد عن منزل الجريكو مسافة حوالى 300 متر فى نفس الجزيرة “كريت ” ، وأنه قد سبح فى نفس البحر الذى سبح فيه، وتنفس من نفس الهواء الذى تنفسه ،وسار تحت السحاب الذى يحجب الشمس عنه ،ونفس الشوارع والطرقات التى سار فيها أيضًا ، وكان حلم حياته أن يخرج له هذا الفيلم، الذى يسجل مرحلة تاريخية هامة فى الحضارة اليونانية ، وقد إعتمد هو وكاتب الفيلم، على مستندات حقيقية فى حياة الفنان ،ولم يلتزم بالسيناريو إلتزامًا حرفيًا ، لأن الفن من وجهة نظره يعتمد على الخيال .
وسألت المخرج أيضًا عن تلك اللوحات التى شاهدتها فى الفيلم ،هل كانت لوحات حقيقية، أم مطبوعة بطريقة الأوفست ؟
فكانت إجابته انها نسخ حقيقية مرسومة بيد ثلاثة فنانين يونانيين معروفين فى اليونان، ورسمت بنفس المقاسات الأصلية، وهى نموذج مطابق للأصل ، وسوف نقيم لها متحفًا خصيصًا لهذه الأعمال فى كريت، وقد تنهد المخرج فى سعادة قائلًا الآن أستطيع أموت وأنا مطمئن لأن حلمى قد تحقق .
وتدور أحداث الفيلم الناطق باللغة الإنجليزية في خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادىين، ويبدأ الفيلم بأسلوب السرد ،حيث يحكى البطل الجريكو قصة حياته، منذ شب فى مسقط راسه كريت التى كانت فى تلك الفترة واقعة تحت حكم البندقية، وهناك تعرف على الفن البيزنطى الذى آثاره كانت لاتزال قائمة ، وعندما رحل إلى البندقية بعد عام 1560 تعلم فن عصر النهضة الإيطالى من أساتذتها المصورين مثل “تيسيانو” ، “تتثورتو”

لوحة للجريكو
كما تعرف على فنون رافاييل ومايكل انجلو عندما ذهب إلى روما ،وشاهد بدء ظهور طراز النهضة فى وسط أوروبا ، وإذا كان الجريكو قد تشرب ملكة التعبير اللونى من فينسيا ،فإنه استمد من روما براعة التعبير بالشكل، وبعد أن استقر فى مدريد وأنجز بعض الأعمال، إتجه إلى طليطلة 1577، فعثر فيها على الجو الملائم لإبداعاته ، واتصلت الأسباب بين الجريكو وبين صفوة عصره من المفكرين والكتاب ورجال العلم ، إن أشخاص الجريكو فيها غرابة، وشئ من الضياع ،كأنها كائنات معلقة بين الحياة والموت ، وبين السماء والأرض، فلم يكن يعنيه تصوير السماء، وإنما كان معنيًا ، بأن يودع روحه وتأملاته فى ملامح الوجوه التى يرسمها، فكان لا يهتم بالتجسيد ، بقدر مايهتم بالتعبير عن العمق النفسى للشخصية، من خلال إستطالة الجسد الغريبة ، والنظرات الغارقة فى الحيرة ، واستخدام أقصى درجات اللون التعبيرية .
ومن المشاهد الرائعة فى الفيلم ،ذلك المشهد داخل أستوديو “تيسيانو” والذى كان يعج بالزائرين من إيطاليا ومن جميع أنحاء العالم .وتلك الأعداد الهائلة من الرسامين والموديلات، بأزيائهم المتنوعة وأوضاعهم المختلفة الشاقة، مابين الراقد والمستلقى والواقف والجالس والمعلق ، والعارى من نساء ورجال ، حتى الأطفال كانوا يجسدون بأجنحتهم أشكال الملائكة، وأحيانًا يعلقون ففى حبال تتدلى من السقف، فيجسدوا خيال الفنان ، كما يريد ، وهذه الإمكانيات الضخمة فى إستخدام الإضاءة الطبيعية والصناعية من زوايا متعددة ، وأيضًا من المشاهد الهامة فى الفيلم، التى تبرز روعة الحوار ،ذلك المشهد الذى دار داخل محاكم التفتيش بين الكاهن” جيفارا”، والرسام “الجريكو”
حيث دار ذلك الحوار الذى يعتبر محور الصراع الحقيقى فى الفيلم، بين النور والظلام ،وبين الخير والشر ، فقد سأله الكاهن، لماذا ترسم الناس كالقديسين ؟ فأجاب الجريكو، إن رسمها ساعدنى عن التعبير عن القوى الإلهية، فنحن نؤمن فى كريت، أن الحياة ترسلها الآلهة ..فأنا أحول الناس إلى قديسين، لتسير أرواحهم فى النور ..لأن النور قادر على هزيمة الموت .
فسأله الكاهن : هل رأيت الملائكة بتلك الأجنحة الكبيرة ؟
فقال : لا
الكاهن : ولكنك ترسمها، والناس سوف تعرف كيف تبدو الملائكة
فأجاب الجريكو : أليس الله هو الخالق الوحيد ..إننى أمنح العالم ألوانًا جديدة، وضوء جديد …فأمر الكاهن بحرقه، فقال الجريكو : ” إنك لا تستطيع أن تحرقنى، لأننى كنت أحترق طوال حياتى، فى النور ..إننى أرثى لك ياصديقى، فأنت لست مخطئًا عندما تخاف “.
أيمكن للظلمة أن تدين النور ..!!
ونفس الأشخاص الذين نادوا بإعدامه عند دخوله قاعة المحاكمة، هم أيضًا نفس الأشخاص الذين هتفوا أيضا بحياته ، يعيش الجريكو،عندما خرج للحرية والنور
د/أحلام فكرى

د. أحلام فكري فنانة تشكيلية مصرية