تنويعات على لحن نظرة في حضن لقطة بقلم فكري عيّاد

ليست لوحة لتيرنر.. بل لقطة بعدستي، لصباح جديد يشرق على الكون الساحر ..من حيث أقف ..وانا أتأمل من نافذة غرفتي في بيتنا ..في حضن الطبيعة.. وأعماق الريف الفرنسي.
صلاح هاشم


ليست لوحة لتيرنر.. بل لقطة بعدستي، لصباح جديد يشرق على الكون الساحر ..من حيث أقف ..وانا أتأمل من نافذة غرفتي في بيتنا ..في حضن الطبيعة.. وأعماق الريف الفرنسي.
صلاح هاشم

من أبرز ظواهر التعليم فى عالمنا العربى، الانقسام إلى نظامين مدنى، ودينى، التعليم المدنى يفترض أنه يشكل مع الثقافة الوطنية أحد أبرز سياسات الاندماج الوطنى، بين كافة التلاميذ والطلاب أيا كانت انتماءاتهم الاجتماعية، من الفئات العلمية مفرطة الثراء إلى الفئات الوسطى، وشرائحها المختلفة، إلى أبناء الفئات المعسورة. من العمال والفلاحين والبدو، والمناطق الهامشية والطرفية، وذلك لأن المدرسة الوطنية مؤسسة للتنشئة الاجتماعية مع الأسرة، وأيضا التنشئة السياسية في النظم الديمقراطية التمثيلية، والأنظمة الشمولية والتسلطية وفق الايديولوجيةالمسيطرة،
وذلك من خلال المناهج المقررة على جميع أبناء هذه الفئات، من خلال تعظيم القيم والمكونات الثقافية العابرة لهذه الفئات، والتى تمثل ثقافة الوطن كله وتعدديات مكوناتها أيا كانت مصادرها، فضلًا عن القيم السياسية، والأخلاقية. النظام التعليمى الدينى يؤدى إلى فرض الدين ومذهب الأغلبية الدينية الإسلامية. التعليم الدينى لدى بعض المكونات المسيحية الشرقية بحسب المذهب أرثوذكسي، وكاثوليكى وبروتساتنتى ـ مثل لبنان، ومصر، وسوريا، والعراق، والسودان ـ من ثم يشكل التعليم الدينى مؤسسة لإعادة إنتاج التعدد الدينى والمذهبى أيا كان، ومن ثم لا يشكل أداة توحيد وطنى حول الأديان والعقائد والمذاهب، وقيمها، ولا توجد غالبا مناهج حول القيم الدينية المشتركة العابرة للأديان والمذاهب، حول المساواة، والحرية والعدالة، والإخاء، والصداقة، والمحبة، ووحدة الانتماء الإنسانى. ومن ثم مواد حول المواطنة، وأجيال حركة حقوق الإنسان العالمية علي نحو ماتذهب إليه الاتجاهات المعاصرة في التحول الي الثورة الصناعية الرابعة ومابعدها في مجالات التقنية البرقية والذكاء الصناعي، والأناسة الروبوتية واثرها علي أسواق العمل والتعليم ونمط الوظائف المتاحة في الأسواق واكثر من ٥٠ مليون موظف وعامل سيكونون خارج سوق العمل بحلول 2030 ونهاية مكان العمل وفق ريفيكن، والأخطر أسئلة عالم الروبوتات ومابعد الإنسان علي الفكر الديني السائد كونيا ،
وهي أسئلة ستكون مختلفة وصادمة علي العقل الديني والمذهبي وأنماط تكوينه السائدة !. من ناحية أخري حوارات التعليم الدينى السائد تدور حول النظام العقائدى والطقوسى والقيمى داخل كل مذهب، وسردياته التاريخية الوضعية، وتمايزاته عن الأديان والمذاهب الأخرى! نحن إذن أمام نظام تعليمى دينى يعيد إنتاج الانقسامات والتمايز الدينى، بين التلاميذ، والطلاب فى التعليم العام ،وما بعده في التعليم الديني!. هذا النمط الانقسامى مع استمرارية ضعف أنماط الثقافة المشتركة، والقيم الإنسانية، على نحو ما يمثله الاتجاه العالمى لإصدار وثائق كونية حول القيم الدينية والثقافية العابرة للأديان والمذاهب والثقافات.
التعليم المدنى، والمؤسسات التعليمية، انقسامية وتعيد إنتاج التمايزات الطبقية فى المجتمعات العربية، وذلك نظرًا لتعدده على أساس الانتماء الطبقى للطلاب، ما بين التعليم العام، والتعليم الخاص. نظام التعليم العام، تدخل إلى فضاءاته الفئات الوسطى، وأبناء الأغلبيات الشعبية بالنظر إلى قلة مصروفاته الرسمية، على ضعف مستويات العملية التعليمية من جماعة المدرسين والمعلمين والمناهج المقررة والإدارة التعليمية، لهشاشة تكوين جماعة المعلمين والمعلمات، والحشو فى المناهج، واعتماد سياسة الحفظ والاستظهار فى العملية التعليمية، وتداخلها مع الشروح الدينية للمدرسين والمعلمين للطلاب للمناهج المقررة، لتفشى التفكير الدينى النقلى والسلفى للسلفيين، وجماعة الإخوان، داخل هذه الجماعات، منذ سياسة حسن الترابى فى السودان، وتم تبنيها من الاخوان فى مصر، وتابعهم السلفيون، ووصولها إلى كافة مراحل التعليم المدني، والديني، وفق سياسة الجهاد الأكبر للترابى! فى عهد جعفر محمد نميري، وما بعد الي حكم حزب المؤتمر الوطني السوداني وعمر احمد حسن البشير، وهو ما تظهر آثاره الآن في المجتمع وجهاز الدولة السوداني من تفشي التشدد الديني في مرحلة الأنتفاضة الجماهيرية الكبرى!. التعليم المدنى، وانقساماته، هو طبقى بامتياز من خلال توجه أبناء الأثرياء، والفئات الوسطى العليا، وبعض الوسطى ـ الوسطى، إلى التعليم الخاص ما قبل الجامعى، لتعليم اللغات الأجنبية لاسيما الانجليزية، ثم ازداد الانقسام مع انفجار الجامعات الخاصة! المؤسسة التعليمية هنا تؤدى إلى إعادة إنتاج العلاقات الطبقية، وتمايزها عن الفئات غير القادرة، والأخطر التمييز فى الفرص المتاحة بأسواق العمل لبعضهم دون البعض الآخر، والأخطر فى تراجع الموحدات الثقافية، بين الطلاب، والخريجين فى كافة مراحل التعليم، خاصة فى ظل ضعف الموحدات الثقافية العامة، بين أبناء الأمة المصرية الواحدة التي تشكلت علي نحو شبه حداثي منذ المرحلة شبه الليبرالية إلى الناصرية!.
ساهم فى ضعف البُعد الثقافى المشترك، ضعف تعليم اللغة العربية وآدابها التاريخية الي المرحلة المعاصرة، الأخطر ضعف التمكن من هذه اللغة الموحدة لدى جماعة المدرسين والمعلمين، وتعليمهم الدرس باللغة العامية! من أبرز مظاهر ضعف التعليم المدنى الانقسامى ظاهرة الدروس الخصوصية، ومراكز تعليم الدروس الخصوصية التى أدت إلى إضعاف العملية التعليمية، حتى فى كليات العلوم التطبيقية/ الطبيعية، الطب، والهندسة، وطب الأسنان، والعلوم! بما فيها الجامعات الخاصة. من هنا خطورة تحويل هذه الظاهرة من جانبها اللارسمى، الخطر على التعليم منذ عقد الستينيات، وحتى الآن! إلى ظاهرة مشروعة رسميا،! مما يؤثر سلبا على العملية التعليمية كلها، لصالح نظام التعليم الخصوص اللارسمى!. وهو ما سيؤدي الي رفع رسوم هذه المراكز الخصوصية، ودروس التقوية المقننة اصلا فى المدارس العامة على نحو اضعف، ولا يزال العملية التعليمية ومخرجاتها!.
السياسة التعليمية، ومناهجها تحتاج إلى نظرة كلية لنقلها من مجال إنتاج الانقسامات المجتمعية إلى توحيدها فى ظل المدرسة القومية الجمهورية، على النسق الفرنسى للمدرسة الجمهورية الموحدة، للقيم الوطنية الفرنسية.
لابد من نقل المناهج التعليمية من مجال العقل النقلى إلى العقل النقدى المتسائل، وإلى الربط بين السياسة التعليمية، والمهن المستقبلية الصاعدة، وسوق العمل الجديد المختلف. من هنا نبدأ!.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب ومفكر مصري مقيم في القاهرة.مصر
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ 27 أكتوبر 2022 لـ”مختارات سينما إيزيس”




أخطر ما يخايل العقل السياسى المسيطر فى بعض الدول والأنظمة فى العالم العربى هو إطلاق بعض المقولات التبجيلية، والتمجيدية حول هذه الدولة، أو تلك من بعض سياسييها، أو أجهزة إعلامها الرسمية، وذلك من أجل دعم الفكرة الوطنية، وتنمية الشعور السوسيو- نفسى بالانتماء الوطنى لمجموعاتها الانقسامية على أسس دينية، أو مذهبية، أو عرقية، أو قبلية، أو عشائرية، أو مناطقية.
هذا النمط الانقسامى بين المجتمعات والدول العربية يلجأ النظام السياسى إلى بعض هذه المقولات لبناء الاندماج الداخلى مع استراتيجية بوتقة الصهر العميقة! خطورة هذه المقولات التمجيدية، أنها مع مرور الزمن، وضغوط أجهزة الدولة الأيديولوجية- الإعلام والتعليم والخطابات السياسية- تشيع فى الإدراك العام للنخب المؤثرة بعض الأوهام التى تصدقها، وتعتبرها كحقائق.
![]()
هذا النمط من الأوهام السياسية أو الثقافية يشكل أحد العوائق البنائية والإدراكية التى تعيق إمكانات التطور السياسى والثقافى والاجتماعى فى هذا المجتمع، ونظامه السياسى، من بين هذه الأوهام تصور النخب الحاكمة منذ حرب أكتوبر ١٩٧٣، أن مصر هى مركز القوة الثقافية فى الإقليم العربى، وأن بقية البلدان العربية هى مواقع فرعية وربما هامشية للمركز مع أدوار فرعية لـبيروت، ودمشق، وبغداد.
شيوع هذا الإدراك السياسى لدى الطبقة السياسية وأجهزتها الإعلامية، والثقافية، والموالين لها من المثقفين ومعارضيها، مرجعه تصور خاطئ للأدوار الثقافية، خارج نطاق الدولة، وفى النظام الإقليمى لها!
هذا التصور ينظر إلى القوة الثقافية للدولة، والجماعة الثقافية على أنها تتسم بالثبات والاستمرارية، وهو إدراك خاطئ تمامًا، ولا توجد أدوار ثقافية إقليمية وعالمية تتسم بالاستمرارية والثبات فى الدور والثقل، لأن التطور الثقافى فى نموه وتراجعه يرجع إلى العديد من الأسباب على رأسها:
١- مدى تطور النظام التعليمى فى كل مراحله، وتحوله من التعليم التلقينى إلى تعليم يعتمد على سلطة العقل الناقل، والعقل المتسائل، ومعه الاندماج مع ثقافة الأسئلة، لا ثقافة الإجابات الجاهزة، والمقولات العامة التى تفسر كل شىء ولا تفسر شيئًا قط! والمناهج التى تعتمد على الحفظ والتكرار، والخلط بين العلم، والمرويات والسرديات الدينية!
٢- المجال العام المفتوح، الجدل الحر، وشيوع الحريات العامة، وضماناتها، ومعها الحريات الفردية، وعلى رأسها حريات الرأى والتعبير والبحث العلمى.
٣- القبول بالتعددية السياسية، وحماية العقل الحر من خطابات العنف اللفظى، والدينى والاجتماعى والطائفى، وتأثيم العنف المادى والرمزى واللفظى، وحماية أشكال الإبداع وثقافة الأسئلة.
٤- دمج الثقافة مع مناهج التعليم المختلفة، وأيضًا توحيد النظام التعليمى ومناهجه، والتفاعل بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية.
٥- بروز طلب سياسى واجتماعى فعال على قيمة التعليم وقيمة الثقافة والعلم.
لا شك أن ما سبق وغيره من الشروط، يؤدى إلى دينامية ثقافة الجماعات التكوينية، وأيضًا إلى بناء موحدات وطنية بين هذه المجموعات، وفى ذات الوقت إلى حركية الثقافة بالمعنى العام للاصطلاح. من هنا حركية الإبداع الثقافى لا تكون قصرًا على المبدعين ولا أساتذة الجامعات، ولا مراكز البحث، ولا الجماعات الثقافية، وإنما تمتد إلى قطاعات اجتماعية واسعة من أبناء الشعب.
دون الشروط السابقة، تتسم الثقافة، بالمعنى الضيق والواسع، بالجمود، والسكونية فى الدول والمجتمعات التى لا يوجد فيها إدراك لأهمية الثقافة فى تطور المجتمعات وفى دعم النظام السياسى، وقوة الدولة فى إقليمها أو عالمها، ويسهم الركود الثقافى فى إعاقة النظام الاجتماعى عن التطور والحركية الاجتماعية، ويضاف إلى ما سبق ضرورة تكثيف التصنيع- من الثورة الصناعية الثانية إلى الثالثة، ثم مؤخرًا إلى الرابعة، لأن عمليات التصنيع فى كل القطاعات وبينها القطاع الزراعى تؤدى إلى إحداث تغيرات فى نظام القيم، من التقليدية إلى التحديث والحداثة، خاصة فى العمالة الفلاحية التقليدية، من قيم التواكل والقدرية إلى قيم العمل، والمسئولية والزمن، والمعنى للحياة، خارج المعانى التقليدية، ومروياتها الوصفية.. إلخ.
الشروط السابقة، لم تتحقق فى الحالة المصرية الثقافية إلا فى ظل المرحلة شبه الليبرالية، ١٩٢٣- ١٩٥٢، حيث كانت أسئلة التحديث، والحداثة المبتورة، هى السائدة والمراجعات النقدية للموروث الدينى والعقلى، والجدل المفتوح تحت حماية القضاء المستقل، والطبقة السياسية الحاكمة، ومطالب الاستقلال الوطنى والدستور وانفتاح السوق الثقافية على المراكز الثقافية الأوروبية فى ظل مدن كوزموبوليتانية فى القاهرة والإسكندرية، لا شك أن وجود بعض الأجانب والمتمصرين، والشوام أدى إلى بعض الحركية فى الثقافة المصرية، وفق معناها العام، نمط الحياة الحديث، والمقاهى الأوروبية والشعبية، نظام الزى، تعلم اللغات الأجنبية، الفرنسية والإنجليزية، التعليم المدنى الجاد، قيم المدنية الحديثة نسبيًا، وترافق مع ذلك بروز دور المسرح والسينما وتطور الموسيقى الشرقية بروح وأداء مصرى، والغناء والملحنين والفنون التشكيلية والكاريكاتير، والصحافة السياسية، والأدبية، والثقافية.. إلخ.. لا شك أيضًا أن البعثات العلمية الدراسية إلى فرنسا وبريطانيا أسهمت فى تكوين النخبة الثقافية والعلمية بالجامعات المصرية، والترجمة أدت إلى تحريك الثقافة بالمعنى الخاص، وتحول مصر إلى حاضنة ثقافية للمنطقة العربية، لا يمكن أيضًا إغفال تطور الثقافة القانونية الحديثة، مع الثبات، وتمصير القانونين الفرنسى والبلجيكى، ونشأة الجماعة القانونية ودورها البارز فى تطور البلاد السياسى والفكرى. ساعد على ذلك النظام شبه الليبرالى وتعدد الأحزاب السياسية والجدل داخل البرلمان «مجلسى النواب والشيوخ» وحالة الجدل العام شبه المفتوح وضمانات حرية الرأى والتعبير والبحث، ودور القضاء المستقل. لا شك أن نظام يوليو ١٩٥٢ شكل انقطاعًا فى مجال الحريات العامة التى فرض قيودًا عليها، فى ظل نظام ناصر، إلا أنه تمكن من توظيف فوائض هذه المرحلة شبه الليبرالية، فى المجال الثقافى من خلال وزارة الإرشاد القومى بقيادة فتحى رضوان، ثم وزارة الثقافة مع ثروت عكاشة، من حيث توسع هيئات الوزارة، والأهم الاهتمام بالثقافة الشعبية، مع إنشاء قصور الثقافة فى بداياتها، ثم تحولها إلى كيان كبير وضخم من حيث العمالة غير المدربة وغير الكفؤة.. تطورت حركة الترجمة فى العديد من المجالات، خاصة ما يتوافق غالبها مع الأيديولوجية الناصرية لرأسمالية الدولة الوطنية، وحركة التحرر الوطنى، وفى ذات الوقت اتساع دور الحركة المسرحية والنقدية والأدبية وحركة نشر الكتب رخيصة الثمن، كانت الثقافة تمثل طلبًا اجتماعيًا وسياسيًا، وتشكل مع التعليم قيمة اجتماعية.
كان العطب الأساسى فى نظام يوليو الناصرى يتمثل فى إغلاق المجال العام، وتأميم المبادرات الفردية والجماعية وقمع الآراء المخالفة لأيديولوجيا الدولة الناصرية، لكن دوره فى المجال الثقافى كان متميزًا.
ما سبق كان يشكل تاريخًا، ما يمكن أن نطلق عليه التجربة الثقافية الملهمة فى العالم العربى فى تفاصيل المكونات الثقافية فى الآداب والنقد ومدارسه والفنون والموسيقى والغناء، ومدارس الفن التشكيلى وتأثرها بالمدارس العالمية، وأيضًا على مستوى الثقافة بالمعنى العام ودورها فى التغير الاجتماعى، وفى تشكيل وجه النظام وسياساته فى الإقليم العربى.
كانت الثقافة تمثل أحد مكونات القوة الإقليمية المصرية من خلال دورها وتأثيراتها فى المؤثر على اتجاهات الفكر العربى المعاصر، بالإضافة إلى دور بعض مفكرى المشرق العربى فى سوريا ولبنان والعراق، خاصة فى الفكر الفلسفى والقانونى والنقد الأدبى- المدرسة النفسية والمتأنية والنقد الاجتماعى- وفى مجال القصة القصيرة والرواية، والمشاركة الفعالة فى قصيدة التفعيلة مع صلاح عبدالصبور، وأحمد عبدالمعطى حجازى أساسًا، بينما الريادة كانت فى العراق، مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتى، وبلند الحيدرى وآخرين، ثم مدرسة شعر مع يوسف الخال، وأدونيس وحركية النشر، وحريته فى بيروت والاطلاع على التجارب والمدارس الأوروبية والأمريكية مباشرة.
كانت التجارب القصصية والروائية المصرية متميزة من عميد الرواية العربية نجيب محفوظ وجيلى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، وشكلت مرجعية إلى حد ما فى تجارب الرواية والقصة العربية.
كانت القوة الثقافية المصرية تمثل المركز الثقافى فى المنطقة العربية، وكانت القاهرة مركزًا للحضور والتفاعل العربى، وخاصة للمثقفين والمبدعين العرب إلى حد ما، من ناحية أخرى كان العالم العربى ثقافيًا يدور حول القاهرة والنشر فى بيروت والمتابعة والاستهلاك القرائى فى العراق والمشرق العربى، كان ثمة انقسام بين المنطقة المغاربية، والمشرق العربى، وكان العالم العربى فى المشرق لا يعرف إلا أسماء قليلة من المنطقة المغاربية مثل كتابات محمد عزيز لحبابى فى الفلسفة والشخصانية ومحمد المسعدى التونسى وبعض كتابات ملك حداد ومحمد ديب ومولود فرعون وكاتب ياسين لمن يعرفون الفرنسية، ولم يُعرف المفكر المغربى الكبير عبدالله العروى إلا بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧ لدى قلة قليلة بعد صدور كتابه المهم «الأيديولوجية العربية المعاصرة» الذى صدر بالفرنسية قبل الهزيمة وتُرجم بعدها.
نستطيع القول إن جزءًا من القوة الثقافية المصرية ارتبط ببعض المجلات الثقافية المهمة، مثل مجلة «المجلة» والفكر المعاصر، والطليعة، و”الكاتب “وقوة الصحافة المصرية وعلى رأسها الأهرام، وملحقها الثقافى، ودور لويس عوض البارز فى هذا المجال.
كانت القوة الثقافية المصرية جزءًا من القوة السياسية الإقليمية، وأبرز علاماتها فى الوعى العربى.
الملاحظات السابقة تشكل مدخلًا لطرح السؤال الرئيسى: لماذا تراجعت القوة الثقافية والدور الثقافى المصرى فى الإقليم العربى؟
منذ هزيمة يونيو ١٩٦٧ وعودة النظام الناصرى إلى الموئل الدينى عمومًا كان بهدف التماسك الاجتماعى والوطنى فى ظل هزيمة ساحقة تحطمت معها شعارات الأجهزة الأيديولوجية والرمزية للنظام وأدواره الإقليمية والتحررية وطروحه لحل الصراع العربى الإسرائيلى، والقضية الفلسطينية.
من ناحية أخرى، أدت عمليات توظيف الدين سياسيًا إلى بروز تنشيط النزعة المحافظة فى المجتمع فى محاولة للتماسك الجمعى، ومعها بدت التفسيرات الدينية للهزيمة، وأنها كانت تعبيرًا عن البُعد عن الإسلام والمسيحية، وكأن النظام لم يكن يوظف الدين فى سياساته الاجتماعية وأنشأ إذاعة القرآن الكريم، وطوّر جامعة الأزهر.. إلخ!
من قلب عمليات التوظيف الدينى بعد الهزيمة، برزت عملية توظيف خطاب الهوية الدينى المغلق، ومعها أزمة الانتماء الوطنى.
السؤال الأساسى: لماذا تراجعت القوة الثقافية المصرية، وأدوارها فى الإقليم العربى؟!
حركية وتطور الثقافات ترجع إلى قدراتها على التفاعل مع ثقافات عصرها الحداثية، وما بعدها، وما بعد بعدها، أى قدرتها على التفاعل الإيجابى فى إطار حركة نقدية لمدارس الفكر الفلسفى والأدبى، وأيضًا للقيم الوافدة ومعها أنماط الحياة المتقدمة، والأهم استيعاب التقنيات المتطورة ومدى قدرة الثقافة المستقبلة لهذه التقنيات على المساهمة فى تطويرها، ثم ابتكار غيرها لتلائم أوضاع الثقافة المستقبلة ومستويات تطورها العلمى والاجتماعى، وتبدو حركية الثقافات الوطنية، فى مدى قدرتها على إنتاج وتجديد الموحدات المشتركة فوق مكوناتها مع إيلاء أهمية للثقافات التكوينية التى تشكل روافد الثقافة الوطنية الجامعة.
من هنا نستطيع أن نحدد بعض أسباب تراجع القوة الثقافية المصرية فيما يلى:
١- صدمة الهزيمة فى يونيو ١٩٦٧ وآثارها على الثقافة المصرية من خلال انهيار بعض أقانيم الناصرية وبدء سياسة إزالة آثار العدوان، وشهدت هذه المرحلة بعض الجهود الكبرى عسكريًا وفى مناقشة بعض القضايا الداخلية مع بيان ٣٠ مارس ١٩٦٨، ثم مذبحة القضاة فى ٣١ أغسطس ١٩٦٩، حيث عُزل ٢٠٠ قاضٍ، خاصة بعد بيان نادى القضاة الشهير بقيادة المستشار ممتاز نصار فى ٢٨ مارس ١٩٦٨ المطالب بالحريات واستقلال القضاء. ترتب على الهزيمة بروز نزعة نكوصية وماضوية من الفكر الدينى النقلى، وأيضًا من التيارات الحداثية نحو ما قبل ١٩٥٢ وتقاليد الفكر شبه الليبرالى، ونزعة ماركسية أكثر راديكالية، ونزعة ناصرية وقومية تحاول الاقتراب من الإسلام! لا شك أن أجواء الهزيمة أثرت سلبًا على تطور الثقافة المصرية وصورة مصر فى الإقليم العربى.
٢- شكل وصول أنور السادات إلى سدة السلطة بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر نقطة تحول سياسى وثقافى، من خلال مواقفه الزجرية للمثقفين المصريين، وخلافهم مع سياساته، خاصة بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، واتسعت شُقة الخلاف معهم من اليساريين والناصريين والليبراليين، وسفر بعضهم إلى الكويت وغيرها من بلدان الخليج، وإلى لبنان وبريطانيا وفرنسا للعمل فى الجامعات والصحف والمجلات العربية.
تم إقصاء بعض الصحفيين والمثقفين من الصحف قبل الحرب إلى وظائف أخرى بعد بيان توفيق الحكيم. اتسم أداء النظام إزاء المثقفين والثقافة بالسلبية ودعم العناصر الموالية فى وزارة الثقافة وأجهزتها، وأيضًا فى الصحف والمجلات، لأن الرئيس السادات كان يرى أن المثقفين يشكلون قوة رفض وإثارة للجماهير ضد نظام حكمه! من ثمّ تحولت الأجهزة الثقافية إلى محض أداة فى أيدى الموالين للرئيس واستبعاد المخالفين فى الرأى والمستقلين.
أخطر ما تم من تحولات هو تراجع نسبى بقيمة الثقافة والتعليم وتراجع الطلب السياسى والاجتماعى عليهما، مع نظام الانفتاح الاقتصادى وكامب ديفيد، مع توظيفه الإخوان المسلمين، ثم السلفيين فى نهاية عهده فى مواجهة الماركسيين والناصريين والليبراليين، وصعود الحركة الإسلامية الراديكالية، الجهاد والجماعة الإسلامية ودعاة السبعينيات والهجوم على الأفكار الحداثية، وعلى بعض المثقفين وبدايات عمليات تديين المجال العام والهجوم على المثقفين والمبدعين.
٣- مع ثورة عوائد النفط، ظهرت صحف ومجلات عربية، فى دول الإقليم النفطى والعراق، وبيروت وباريس ولندن استوعبت كتابات المثقفين والصحفيين المصريين، وكتّاب المشرق وبعض مثقفى المنطقة المغاربية.
٤- سعت الكويت والعراق لاستيعاب أعداد من الأكاديميين والمثقفين، فى عهد السادات وقبل حرب الخليج الثانية وغزو العراق لها، إلى تحويل الكويت مركزًا للثقافة العربية، من خلال نقل التجربة، والمشروعات المصرية- كأفكار- إليها مثل سلسلة عالم المعرفة وبعض المجلات وسلسلة المسرح العالمى، وغيرها لتصدر من الكويت إلى العالم العربى، إلا أن غزو الكويت أدى إلى تغير فى سياساتها الخارجية، وفى بعض أوضاعها الداخلية.
٥- مع تطور الأوضاع الإقليمية المضطربة، والأزمات الاقتصادية فى مصر، برزت القوة المالية للإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، وقناة الجزيرة ومعها نشأت مراكز للبحث السياسى والاستراتيجى، والصحف والتلفازات والجوائز السخية، مثل البوكر وكتارا فيما بعد، وجوائز الشيخ زايد، أثرت هذه الجوائز السخية التى تشكل إحدى علامات توظيف الجوائز والمؤتمرات الثقافية كجزء من السياسة الخارجية لدول النفط العربية، ولصعود دورها فى ظل تراجع القوة الثقافية المصرية ودول المشرق العربى. كان من أثر هذه الجوائز السلبية خلق حالة من الكتابة السردية الموسمية من أعداد كبيرة من الروائيين- أيًا كانت مستوياتهم من الموهبة والخبرة والإنجاز- بهدف التقدم لهذه الجوائز، خاصة من دول العُسر المالى العربى ومنها مصر.
٦- الانفجار السردى السنوى، مصريًا وعربيًا، أثر سلبًا على مستويات الحالة السردية المصرية، خاصة الأجيال الجديدة، بعد ٢٥ يناير ٢٠١١ فى مصر والانتفاضة التونسية والفوضى والاضطراب فى الإقليم!
٧- حاولت الدول العربية من خلال الجوائز والندوات والمؤتمرات، ولا تزال، نقل مركز القوة الثقافية إلى الإمارات وقطر، ومؤخرًا المملكة العربية السعودية، فى ظل دور ولى العهد ومشروعه السياسى لتوسيع الطبقة الوسطى ورفع بعض القيود السابقة عليها، ودعم المرأة لتكون قاعدة حكمه المستقبلى وتبنى ثقافة الترفيه فى هذا الإطار، واستيعاب بعض المطربين والمطربات المصريين والعرب، ومعهم الممثلون والممثلات.. إلخ.
٨- استقطبت المراكز الجديدة فى البداية، المصريين ثم المشرق العربى لخلق تنافس بينهم، ثم لجأت إلى المنطقة المغاربية، لاستقدام الأساتذة الجامعيين والمثقفين والنقاد فى مواجهة المشرق العربى ومصر.
٩- برز دور المنطقة المغاربية فى المجال الثقافى نظرًا للصلات الواسعة مع فرنسا وبلجيكا، وبروز الترجمات فى النقد الأدبى والسرديات، والفلسفة، وعلم الاجتماع على نحو بارز خلال الفترة من عقد الثمانينيات إلى الآن، وبرز بعض المشاريع الفكرية لبعض كبار المفكرين، كـ«محمد عابد الجابرى»، وقبله عبدالله العروى ومحمد سبيلا ومحمد أركون، ومدرسة عبدالمجيد الشرفى فى تونس للدراسات حول الإسلام، وتلامذته البارزون.
لا شك أن تطور الدراسات الفلسفية، والسوسيولوجية والأنثربولوجية فى المنطقة المغاربية، محمد المعزوز مثالًا، حلت محل تدهور الفكر الفلسفى فى مصر، على الرغم من الأدوار التى لعبها المتفلسفة المصريون تاريخيًا، حتى عقد السبعينيات من القرن الماضى، وهو ما يرجع إلى سيطرة العقل الدينى النقلى وتدهور الدراسات فى كليات الآداب فى مصر والحقوق.. إلخ، مع انفجار الجامعات الإقليمية! وتدهور مستويات البحث لدى الأكاديميين- إلا استثناءات- والتعليم الجامعى والعام.
١٠- أدت مناورات الإدارات الثقافية فى دول اليسر النفطى العربى، إلى اللعب السياسى والثقافى، مع مصر، والمشرق العربى، من خلال توظيف مثقفى المنطقة المغاربية مع بروز إبداعات سردية فى المغرب وتونس والجزائر وليبيا.
١١- من أسباب تدهور القوة الثقافية المصرية، هو طابعها النقلى عمومًا وميلها إلى إعادة إنتاج وتمجيد ماضيها الثقافى، والأهم انكسار الجسور مع الفكر الكونى فى أوروبا، وأمريكا والصين وآسيا وإفريقيا، وثقافات العالم الأخرى، وبطء حركة الترجمة، وعدم وجود خطط للترجمات عن لغات العالم، والأخطر حالة شبه انعزالية عن الفكر العربى ومراكزه الجديدة، وسيطرة بيروقراطية منعزلة فى إدارة هيئات وزارة الثقافة.
١٢- تركز الأنشطة الثقافية الاستعراضية، فى المركز حول القاهرة والإسكندرية من السادات إلى مبارك، وانقطاع الصلة بين المبادرات الثقافية الأهلية وجهاز الدولة الثقافى وهيئاته المختلفة، ناهيك عن جمود فكر غالب التيارات وعدم متابعتها ما يحدث فى الإقليم والعالم لاعتماد الندب على مدرسى وأساتذة كليات الآداب، وأكاديمية الفنون بكل مشاكلها!
١٣- تعدد المراكز الثقافية العربية- بعيدًا عن الأبعاد السياسية وراءها، لا سيما فى إقليم النفط- هو أمر إيجابى للثقافات العربية، ومن ثم ينبغى التعامل معها وفق سياسات للتكامل والحوار بين هذه المراكز، حتى فى ظل التنافس المشروع، الذى يعتمد على ضرورة أن يكون قادة الهيئات الثقافية المصرية، ذوى كفاءة عالية، وخبرات وعقل خلاق، وليسوا محض بيروقراط يؤدون أعمالهم، وفق التوجهات، أو سياسة الخوف والحذر من المبادرات غير النمطية، وخارج المألوف.
١٤- لا تجديد ثقافيًا دونما حرية للفكر والعقل الحر وحمايته من العنف، أيًا كان لفظيًا أو ماديًا أو رمزيًا، لأن التجديد ابن الحرية، والمغامرات الفكرية والإبداعية، وهو ما يأتى من خارج السياجات الدينية والسلطوية والبيروقراطية.
السؤال الثانى: كيف يمكن للمركز الثقافى المصرى أن يستعيد حيويته فى علاقته بالمراكز الثقافية العربية الأخرى؟!
تنطلق إجابتنا من التنوع فى المراكز الثقافية العربية ومشروعية ذلك، بل ودعمه، والأهم التعاون والتكامل مع هذه المراكز فى إطار التنافس الحر المشروع، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال السياسة الثقافية فى هذا الجانب، على النحو التالى:
١- التعاون والتفاعل الثنائى مع الدول وأجهزتها الثقافية الرسمية، والمنظمات الأهلية العاملة فى المجال الثقافى، وذلك من خلال ما يلى:
أ- المؤتمرات الثنائية بين كبار المثقفين والمفكرين والأدباء والموسيقيين والنقاد، والفنانين التشكيليين، سواء فى شكل ورش عمل حول موضوعات محددة، أو قضايا عربية عامة فى كل تخصص، هذه المؤتمرات الثنائية لا بد أن تكون مرة أو أربع مرات سنويًا مع كل بلد على حدة، وذلك لبناء التفاهمات والمشاريع المشتركة.
ب- مهرجانات سينمائية مشتركة، وحفلات كل عام.
ج- سوف يساعد ذلك على الإثراء المتبادل ثنائيًا، بعيدًا عن المهرجانات والمؤتمرات الجامعة التى تسيطر عليها البيروقراطيات الحكومية، ومصالحها المتبادلة.
د- التنسيق فى مجال الترجمة عن اللغات الأجنبية، وعمل مشروعات مشتركة ثنائية.
هـ- تنشيط المبادرات الفردية والأهلية ودعمها فى هذا المجال الثنائى.
و- التفاعل الثنائى أكثر تأثيرًا من المؤتمرات العربية الجامعة، التى لا تؤدى إلى بناء مشاريع جادة، وهدفها استعراضى وسياسى بيروقراطى.
٢- مؤتمرات وأنشطة ومهرجانات مشتركة على أساس تقسيم العالم العربى إلى أقاليم ثقافية: إقليم النفظ، إقليم المشرق العربى، إقليم السودان وليبيا، وحوض النيل، الإقليم المغاربى، حول قضايا وأنشطة ثقافية، رسمية، وأهلية لمزيد من بناء الموحدات، والتفاعلات الجادة، دونما استعراضات تؤدى إلى مشروعات عابرة لدول الإقليم.
٣- تعتمد هذه الأنشطة الثنائية والإقليمية على الوجود فى مناطق خارج العواصم، لخلق جسور مع المناطق الريفية والصحراوية المهمشة عربيًا ومصريًا.
٤- أنشطة عابرة للأقاليم الثقافية العربية ومراكزها المتعددة سنويًا.
لا شك أن هذه السياسة، من وجهة نظرى، ستؤدى إلى تجديد الثقافة المصرية عبر التفاعلات الجادة، لا الاستعراضات والمهرجانات الرسمية والمؤتمرات التى لا ظل لها على الثقافة المصرية والثقافات العربية.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر مصري مقيم في القاهرة .مصر
عن موقع جريدة ” الدستور ” بتاريخ الأربعاء 21 سبتمبر 2022
admin كل جديد, مختارات سينما ازيس 0
أهدي هذه الخاطرة لأستاذ الأجيال
د.يوسف كامل مصطفى

الذي عشنا معه أجمل سنوات الدراسة. وكتب لي مقدمة الكتالوج، لأول معرض لي في آتليه الكتاب والفنانين في القاهرة، عد عودتي من دراستي العليا باكاديمية الفنون الجميلة بفينتسيا. إيطاليا.. تحية الى روحه الطاهرة
***
ياله من إِحْسَاس وَحُنُوّ وَعاطِفَة! مع برهة سُطُوع عبق الإلهام. تَسَلَّلَت من قلب الوجدان. وَعُذُوبَة نبضات الروح تَتَهادى على وجه “الچيوكاندة” الصغيرة. شِعُور رَقِيق القَلْب.. تسرب بين نظرة العينان .. لمحات الصمت.. كأنها تراتيل.. أو حلم يقظة منسلاً. من زورق الروح.. أو غفوة النشوة في الأحلام. يَتهادى ويتدفق.. على ضفاف الرموش. كأنه يأخذنا إلى الأعماق. ويُلقينا في شاطئ الجمال .. يَتَبصر آفاقاً وأغواراً. ونبرة فُرشَاته تتساءل وتقول.. ياصغيرتي الحسناء. بصفاء وعمق نظراتك..! ماذا تبصرين ؟

لوحة ” الجيوكندا الصغيرة” بريشة الفنان يوسف كامل مصطفى
نظرة عيونك افصحت الكلام. يالها من براعة وبلَاغَة فرشَاتُه. وبساطة الإلهام. فنان يعيش في باطن قدراته.. دون تَصَنُع يمسك المشاعر. يُجسمها في ملامح الرِقَّة. . مثل “الأديب” الذي يشكل الحروفِ والمعاني والتعبيرات، يحولها الي التأمل في أشكالها. كأنه يتحدث في مناجاة. مع تكوينات أعماله.. وإختيارات متنوعة. يشكلها نبضات حيوية. مع تسابيح لونية.. تروِيها شفاه قبلات فُرشَاتُه. مثل أغنية صاغت دقات موسيقاه. مع دقات نبضاته. تترنم في تَسَنُّم الألوان، يعيش رُؤاها في داخله. كم من المشاهدات، رسومات خالدة وباقية.. في مجلدات أعماله. يرتشف من روضتُة. ويُروِق ويَذُوب.. مع عَذُب الرؤية المتعمقة. ،في إسلوب وفلسفة، معالم فكرُه. في محراب الفن دؤوب. يُحيك الرسومِ ، والخطوطِ ، والظلالْ.. في تنوعات مُبهِرَة، يبحر في زورقِ رِسُومه. ويتركنا نقرأ.. فكر أعماله. بشفافية ونقاوة وصفاء الرؤية. نتلذذ مع سنابل واغصان أحلامه. تجسدت رؤيتِها.. زهورًا من روضة الجمال. مثل بذور الحُب الصافية . لا يعرف مذاقها .! إلَّا من إرتشفَ مذَاقُه. وذاب في شجوِ رِحابِه. فنان قدير .. قِطاف قَطَفاته.. من وجنات الورود، تُخَاطِب وتعَانق الخواطر. تُنشد بحسنِهَا، في أوتار المسامع. وَتُسقِي لهفة وشغف المشاعر. لَألَأ َالجمال.. شَمَخَ في عُلَاه وتَباهَى.. وغمس ألوانه. من زُهوَة نهرِ بهائه. زهراً وعطراً.. تُؤَازِرَهُ في صَوْمَعةِ مرسمه. فنان ذو شخصية متميزة. ومع همسات الروح. إِئتَلَقَ وَتَأَلَّقَ. من مزهرةِ أنَامِلُه.. تَجَسَم وَأَومَضَ، مع أَوْجِ وَذُرْوَةِ فُرشاتهُ .. يالها من جواهر..! الإبداع الثرى.. شَهِدٍ من حَذْقِ نظرات البصر.. تَلأْلُؤ يوقظ أجفان البصائر..
بقلم
فكري عياد. لندن

فكري عياد باحث وفنان تشكيلي مصري مقيم في لندن.المملكة المتحدة



![]()
اليد المرفوعة الى السماء.لقطة من فيلم ” كتاب الصور ” للمخرج والمفكر الفرنسي جان لوك جودار
الخطاب السياسى والثقافى حول الثقافة فى مصر، وعالمنا العربى ماضوى من منظور تاريخى، ولا يعنى ذلك أنه جزء من الاتجاهات التقليدية ذات السند والتوجه الدينى التى تربط بين الثقافة والتراث الدينى، وسردياته التاريخية.. إلخ، هذا اتجاه لا يزال مهيمنًا فى الحياة السياسية والعقلية، لكن ماضوية الخطاب السياسى والثقافى الذى نقصده، هو خطاب بعض «السياسيين»- من البيروقراطيين والتكنوقراط ووزراء الثقافة، وأجهزتها الرسمية- وخطاب غالبية «المثقفين»، وفق الوصف الشائع الذى يطلق على كثيرين من الروائيين والشعراء والقصاصين والفنانين التشكيليين رغم انحساره عن غالبهم، ومصدر وصف هذين الخطابين بالماضوية مرجعه أنهم ينظرون إلى الثقافة فى مراحل تاريخية من تطور مصر السياسى والاجتماعى والثقافى، خاصة فى المرحلة منذ الحركة الجماهيرية الكبرى فى عام ١٩١٩، وما بعدها إلى المرحلة شبه الليبرالية، وحالة الأسئلة التى كانت تطرح على العقل المصرى، والتى اتسمت بالشجاعة حينًا وبالصدمة للعقل التقليدى السائد، والسعى إلى حالة من التحرر العقلى والاجتماعى والسياسى والاستقلال الوطنى، خاصة فى المرحلة شبه الليبرالية ١٩٢٣-١٩٥٢.
قصر العمل الثقافى على بعض الفنون أدى لغياب الثقافة عن التأثير فى سلوك الناس على نطاق واسع
اللجوء لأساتذة الآداب ليصبحوا مسئولين ثقافيين أدى لانحسار معنى العمل الثقافى
فى التسعينيات ساد فهم استعراضى للثقافة وتم حصرها فى الفنون والآداب
هذه المرحلة تبدو ذهبية لدى غالب الليبراليين وأشباههم- مع التحفظ على الوصف «ليبراليين»، واستخدامه فى الحالة المصرية- ومعهم بعض الماركسيين، رغم الضغوط التى مورست عليهم لممارسة حقوقهم السياسية، بل وحجب الشرعية القانونية عنهم وتجريم تنظيماتهم فى قانون العقوبات!
بعض من الطبقة الجديدة من أثرياء الانفتاح والخصخصة والرأسمالية العقارية والعائلية الحديثة، وأتباع أيديولوجيا السوق الرأسمالية المتوحشة والاحتكارية، يميل بعضهم فى محاولة تجميل أصولهم الاجتماعية إلى «تمجيد» هذه المرحلة، ومحاولة إثبات نسبهم لها، أسريًا وعائليًا،
وقلة قليلة تميل إلى المرحلة شبه الليبرالية! غالبُ الأقباط، والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية وغيرها- الكاثوليكية والإنجيلية- يميلون إلى هذه المرحلة وتمجيدها لاعتبارات المواطنة السياسية الاجتماعية، وقلة قليلة من أبناء الطبقة شبه الرأسمالية، ومن كبار الملاك، يميل أسلافهم إلى خطاب التمجيد والمبالغات حول هذه المرحلة، وثقافاتها، وحياتها السياسية كجزء من إحياء ذاكرتهم الأسرية والعائلية والطائفية. بعض أبناء الطبقة الوسطى من المتعلمين وأبنائهم وأحفادهم ممن صعدوا مع نظام يوليو واستمروا، وأثبتوا بعضًا من الكفاءة، يميلون إلى تمجيد ما قبلها، لإثبات الاختلاف السياسى، ورفض قمع الأفكار المختلفة فى ظلها، ولهم فى هذا بعض الحق.
هذه المرحلة مع أهميتها القصوى فى تطور الثقافة المصرية، إلا أنها بوصفها أيقونة تاريخية فى نظر عديدين تبدو وكأنها مثالية، ونموذجية ودونما نظرة تاريخية نقدية لمجمل الأفكار الكبرى التى طرحت، وأصولها المرجعية الأوروبية والمرحلة التاريخية التى تمت فيها استعارة هذه الأفكار، أو ترجمة بعضها دونما إسناد للمراجع المنقول عنها، والأخرى المترجمة عنها! والأهم السياقات التى طرحت فيها، وعلاقاتها بالواقع الموضوعى المصرى، والانتقادات التى وجهت لها، فى المرجع الأكاديمى والفكرى الأوروبى.
ثمة تركيز أيضًا وعلى نحو تبجيلى وتمجيدى لبعض أفكار «كبار» المثقفين المصريين، دونما متابعة تطورات أفكارهم ومناوراتهم، ورجوع بعضهم إلى المنشورات التراثية المحافظة، وهو ما يرجع إلى سطوة العقل التقليدى فى الحياة العقلية والسياسية والدينية، والأهم التركيز على بعض كتب «الكبار» دونما درس للهامش الثقافى المعزول، من «الأفندية»، خاصة ممن لم يكن لهم علاقة بالطبقة السياسية الحاكمة، والصحف والمجلات الأساسية فى هذه المرحلة. هذا الخطاب- السياسى والثقافى- يبدو مبتورًا ومبتسرًا وغير نقدى للثقافة «الأيقونية» التى يشار إليها عند الحديث عن الثقافة المطلوبة والمرغوبة فى حياتنا الآن!
من هنا هذا التركيز على مرحلة ما، ومحاولة استعادتها مجددًا فى عالم مختلف تمامًا، بما فيه تحولات الثقافات فى عالمنا! من هنا يبدو تراثيا وماضويًا بامتياز، أيا كانت دعاويه وأطروحاته، لكنه يبدو مفارقًا لتحولات الواقع الموضوعى الكونى والإقليمى والوطنى.
أحد محفزات هذه النظرة «الماضوية»، تطورات الحالة المصرية شبه الحداثية منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين، وتحولها إلى مثال ملهم للدول العربية قبل الاستقلال وبعده، فضلًا عن كونها كانت مركزًا للإنتاج الفكرى والأدبى، والتطور الاجتماعى مقارنة بغيرها من البلدان العربية.
بعض الخطاب الماضوى حول الثقافة، يدور حول مرحلة مصر الناصرية، وبعض من التطور الثقافى فى الفنون والآداب، والترجمات، وجيل الستينيات من القرن الماضى، من الشعراء، والروائيين، والقصاصين، والنهضة المسرحية، وفى الفنون التشكيلية، ودور وزارة الثقافة وأجهزتها وهيئاتها المختلفة، فى عهدى فتحى رضوان، ثم ثروت عكاشة، فى ظل رأسمالية الدولة الوطنية، والدولة التسلطية، وقمع الحريات العامة، وغلق المجال العام السياسى، ومن ثم ظاهرة موت السياسة.
هذه النظرة السائدة، والتى يمكن وصفها بالماضوية والتراثية ترجع إلى التركيز على هذه المرحلة وتحويلها إلى أيقونة، فى النظرة الثقافية.
وراء هذا الخطاب التمجيدى الذى يمايز بينها وبين المرحلة شبه الليبرالية، الناصريون، والقوميون العرب، ومعهم بعض الماركسيين من المثقفين، وجيل الستينيات، من الأدباء، لا شك أن هذه المرحلة شهدت نقلة فى التطور الثقافى، لكنها اعتمدت أساسًا على فوائض المرحلة شبه الليبرالية فى الثقافة المصرية الحديثة، بعضهم يتناسى موت السياسة، وقمع الأفكار الحرة، وبعضهم الآخر يمجد هذه المرحلة ويركز على الدور الثقافى المصرى فى الإقليم العربى.
النظرة الماضوية لفكر المرحلتين شبه الليبرالية ومصر الناصرية، تركز على عدد من المحاور:
١- الأدب والفنون والمسرح أساسًا، أى على الثقافة، وفق المعنى الضيق نسبيًا، وليس الثقافة بالمعنى العام للمصطلح فى الأنثربولوجيا والسوسيولوجيا.
٢- التركيز على بعض الاهتمامات الجديدة فى المرحلة الناصرية كالفنون الشعبية والأجهزة الجديدة لوزارة الثقافة.
٣- إنها نظرة تركز على الجوانب الرسمية والأيديولوجية للأجهزة الثقافية، ومن ثم على الوجوه التى عملت فى ظلها، دون الاهتمام إلا قليلًا بمن هم خارجها، وعلى هوامشها، وتم إقصاوهم عن الحياة الثقافية الرسمية فى عهدى السادات ومبارك، تمت إقصاءات واستبعادات لأجيال من المبدعين، والمثقفين المصريين، فى ظل مواجهات السلطة الساداتية للاتجاهات اليسارية والقومية والناصرية، والليبرالية المستقلة. دعم نظام السادات ووزارة الثقافة بعض الموالين- وغالبهم من غير الموهوبين والأكفاء- فى أنشطتها مع إقصاءات للمعارضين فى مجال الثقافة.
فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، تركزت جهود الوزارة على بعض القطاعات دون الأخرى، وكان الهدف الرئيسى هو ثقافة استعراضات أمام السلطة والحاكم، والسعى إلى استيعاب الكتاب والمثقفين والمبدعين، وإدخالهم إلى «الحظيرة» وفق تعبير مسىء للوزير فاروق حسنى ينبو عن اللغة السياسية والثقافة. تمكن وزير الثقافة وبعض قادة أجهزتها من استيعاب عديد الوجوه من أجيال الستينيات وبعض السبعينيات والثمانينيات داخل «حظيرة» الوزير!
تمكن الوزير وقيادات أجهزته الثقافية من غواية هذه العناصر من خلال جوائز الدولة- التى أدت إلى فقدان بعض وهجها وألقها- وعضوية لجان الوزارة والمجلس الأعلى للثقافة والسفر إلى الخارج فى الوفود الرسمية والمشاركة فى المؤتمرات والندوات التى تعقدها الوزارة وأجهزتها، ونشر الكتب والمقالات فى المجلات وجريدة «القاهرة» التى تصدرها الوزارة، لا شك أن بعضًا من النشاط تم بفاعلية فى مجال الفنون التشكيلية، ودار الأوبرا، والمجلس الأعلى للثقافة ومكتبة الأسرة- على الرغم من بعض الخلل فى معايير النشر للموالين- واعتمد ذلك على دعم حرم رئيس الجمهورية واهتمامها بهذا النمط الاستعراضى للثقافة حول السلطة وتركيزها على المركز.
لا شك أن غياب النظرة إلى هيئة قصور الثقافة كان تعبيرًا عن عدم الاهتمام بالأنشطة الثقافية خارج العاصمة والمركز، وخاصة فى المدن المرئية للمحافظات، والقرى.
كانت سياسة الوزارة موضعًا للنقد من بعض المثقفين، وترتب على ذلك تنشيط بعض المبادرات خارج الأطر الثقافية الرسمية و«حظائرها» وفق وصف الوزير فاروق حسنى، الذى اعتمد على بعض أساتذة الأدب فى جامعة القاهرة، وآخرين، وهو أحد أخطاء السياسة الثقافية التى تصورت أن الثقافة قصرًا على كليات الآداب- بعضهم من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية من أعضاء لجنة السياسات فى مشروع توريث السلطة الذى شاعت بشائره وعلاماته.
إن العلامات السابقة تشير إلى تركيز بعضهم، كل بحسب توجهاته ومصالحه، وانحيازاته، إلى بعض هذه المراحل فى تطور الثقافة المصرية، ومن الشيق ملاحظة ما يلى على هذه التوجهات فى الخطاب حول ضرورات تجديد الثقافة المصرية:
١- النظرة الضيقة للثقافة، وتعريفها حول الآداب، والفنون التشكيلية والنشر والموسيقى والغناء فى الأطر الرسمية، دون النظرة الأوسع للثقافة- وفق تعريف تايلور الشهير والقديم، والمستمر، خاصة شمولها لمكونات عديدة أوسع، وأكبر من الآداب والفنون والموسيقى.. إلخ! من هنا عجزت السياسة الثقافية، إن وجدت، عن مواجهة ظواهر العنف الدينى، وثقافة الكراهية.. إلخ.
٢- يركز غالب الخطاب السياسى والثقافى المهيمن على الثقافة الرسمية ووزارة الثقافة وأجهزتها ولا يزال هذا الخطاب مستمرًا وشائعًا.
٣- تركز الخطاب السياسى والثقافى على الأوضاع الداخلية دونما اهتمام بوضع الثقافات العربية على تعددها، وتطور أوضاعها.
٤- ثمة شيوع لمصطلح القوة الناعمة، الذى تم تجاوزه فى العلاقات الدولية، ونسبته إلى الثقافة المصرية، ووصفها بالقوة الناعمة فى الإقليم العربى، على الرغم من تجاوز واقع الثقافات العربية هذا الدور والقوة المسماة بالناعمة مصريًا، مع تراجع الثقافة المصرية الرسمية واللا رسمية.
٥- الثقافة السائدة، هى ثقافة إجابات جاهزة تعيد إنتاج نفسها، وليست ثقافة أسئلة معاصرة ومستقبلية تفتح الأبواب أمام العقل النقدى للإبداع، وهدم الأبنية الثقافية المتآكلة، والتى لا تتوافق مع تحولات عالمنا.
٦- لا تزال الأفكار الحداثية معطوبة ومبتسرة، ومن ثم تعتمد على بعض الموروث البنائى التقليدى على مستوى نظام اللغة وبعض الأفكار كى تكتسب مشروعية فى حضورها فى الجدل العام.
٧- محدودية المراجعات النقدية الرصينة لإنجازات كبار المفكرين والمثقفين المصريين منذ القرن الماضى إلى الآن، بل وتحول بعضهم لأيقونات فكرية تحاط بالتمجيد، بينما المطلوب نقد الطبقية المعرفية والفكرية فى عديد المجالات، سعيًا وراء التجديد فى الأفكار والإبداعات.
٨- هيمنة رهاب الخوف من النقد الحر عن الأفكار والإبداعات التى تتناول المحرمات الكبرى، بالنظر إلى إغلاق المجال العام، والأخطر سيطرة الفكر الدينى النقلى المحافظ وفرائض التدين السلفى والمحافظ على الاتجاهات الدينية الشعبية، وشيوع الاتهامات بالكفر والإلحاد لمن يطرحون أفكارًا أو سرديات إبداعية تتسم بالجرأة أو التجديد.
لا شك أن هذه التغيرات على المشاهد الثقافية أدت إلى تمركز الخطاب حول الثقافة حول مراحل تاريخية محددة دونما متابعات، ونظرات إلى الثقافة، وفق التعريف الواسع، خاصة الشعبية والجماهيرية لكل مكونات المجتمع.
من الشيق ملاحظة أن الانقسامات حول الثقافة لا تزال مستمرة بين الاتجاهات الحديثة، وبين الاتجاهات التقليدية، وتحول العلاقة بينهما من المجال الحوارى إلى الانقسام الحاد، والمجال السجالى والعدائى والنفى المتبادل، نظرًا للقيود على الحريات الفكرية والعامة.
يميل التيار التراثى النقلى إلى التركيز على الثقافة الحديثة ونقدها من منظور دينى تراثى وسلفى ونقلى، واعتبارها المجال الهش الذى سهل الهجوم عليه من منظور دينى وتراثى، خاصة فى ظل الخشية من النقد السياسى الدينى للسلطة الحاكمة الذى يؤدى إلى اتخاذ إجراءات قانونية وأمنية ضدهم، ومن ثم يتم اللجوء إلى المجال الثقافى ليكون النقد السياسى مضمرًا وراء نقد الأعمال الثقافية.
من هنا التركيز على السرديات الروائية، والفكرية، كهدف للنقد السياسى الدينى، وإشاعة الخوف لدى المثقفين والمبدعين.
النظرة النقلية الدينية إلى الثقافة، دينية ومحافظة وتراثية، وتميل إلى خطاب الهوية المغلق تاريخيًا، واللا تاريخى، من هنا يبدو تديين خطاب الهوية هو أحد مداخل جماعات الإسلام السياسى والسلفيين، والأزهريين، لتديين المجال العام، والثقافة تحت خطاب الهوية. من هنا يبدو عنوان الثقافة والهوية غير موفق فى إحدى اللجان الفرعية للحوار الوطنى فى المحور الاجتماعى، لأنه يتبنى خطاب الهوية وأسئلته التى يطرحها الخطاب الإسلامى السياسى والسلفى، وحتى مع افتراض محاولة البعد عن التناول المباشر لمشكلات الثقافة المصرية، وأجهزتها الرسمية، إلا أن هذا العنوان يتسم بالعمومية والغموض ويفتح الباب أمام جدل أيديولوجى وهوياتى يعاد إنتاجه بين الحين والآخر.
معنى الثقافة الذى يستخدمه التيار الدينى وجماعاته، تراثى وقديم، لأنه يدور حول نظام الشريعة وسردياتها الفقهية التاريخية، والدفاع عن منظومة قيمية تأويلية ووضعية حول قيم العائلة والأسرة المحافظة والتقليدية، وعلى التراث الأدبى والشعرى والفقهى والكلامى الإسلامى القديم- والآخر فى حدود من بعضهم- ومن هنا مفهوم الثقافة تقليدى، ويدور بين حدود الحلال والحرام، والمشروع واللا مشروع من منظور فقهى وضعى، فى إطار من الثنائيات الضدية، ونسق من المحرمات والمحظورات التى تتناقض مع التغيرات الكبرى فى الثقافة والمجتمع المصرى، خاصة مع الدولة الشرقية الحديثة. تجميد مفهوم ومعنى الثقافة حول المراحل التأسيسية للدين الإسلامى، أو المذهب الأرثوذكسى، ورفض اتجاهات التجديد فى الفكر الدينى، تشير إلى أزمة العقل النقلى وعدم ثورته على مواجهة أسئلة العصر، ومتغيراته الكبرى.
انطلاقًا مما سبق نحن أمام مفهوم ومعنى للثقافة يتسم بالجمود التاريخى، سواء لدى الاتجاهات شبه الحداثية أو المدنية، ولدى التيارات الدينية السياسية وداخل المؤسسة الدينية، وكلا المفهومين قاصران على مواجهة مظلات الثقافة المصرية الرسمية واللا رسمية، ما يعنى تحويل الحوار الوطنى حول المسألة الثقافية إلى مجال الهوية وخطاباتها.
بداية الثقافة الوطنية، ومصادر ومكوناتها المختلفة هى أكبر وأوسع من مفهوم الثقافة الرسمية وأجهزة الدولة الثقافية، من ناحية ثانية الثقافة أحد أكبر المكونات فى تشكيل الهويات المتعددة، ومنها الهوية الوطنية فى إطار الدولة الحديثة المصرية. الهوية فى أحد أبرز تحدياتها مفهوم سلطوى وحديث جدًا- برز المصطلح فى أربعينيات القرن الماضى على مستوى الدرامات الأنثربولوجية والسوفيولوجية- ثم وظفته الجماعات الإسلامية وتحديدها للهوية الوطنية إلى مجال الهوية الدينية، وفق تأويلاتها اللا تاريخية واللا علمية.
الهوية المصرية- ومكوناتها من الهويات الصغرى- محددة المعالم ويتم الصراع بها، وعليها، باسم الخطاب الهوياتى الدينى الوضعى القديم.
من هنا ربط الثقافة بالهوية يحيل إلى هذا النمط من الصراعات.
إذا كان اختيار موضوع الثقافة والهوية بهدف توجيه المتحاورين إلى الربط بين كليهما فلا جديد، وإذا كان الهدف هو تحديد هذه الهوية وربطها بالموروث شبه الحداثى فى إطار الدولة القومية، فهى بداهة لا تحتاج إلى جدل جديد. نحن إذن إزاء محاولة للتحايل أو الهروب من مناقشة المسألة الثقافية المصرية فى عالم متحول، وفى ظل تراجع القوة الثقافية المصرية فى الإقليم، وفى حياة المصريين المعاصرين وأيضًا تآكل الموحدات القومية والتكامل الوطنى بين المكونات المتعددة اجتماعيًا وثقافيًا ومناطقيًا وعرقيًا وطبقيًا فى مصر.
المرجح أن هذا العنوان العام والسائد يحتاج إلى مراجعة، لأنه سيقود الحوار إلى مساحات صراعية وسياسية. إذا كان الهدف الغامض هو توظيف الثقافة فى الصراع بين دعاة الدولة الحديثة ودعاة الدولة الدينية من التيارات الإسلامية السياسية والسلفية، حيث لا يدرك بعضهم معنى الثقافة وتعدد مصادرها، مجتمع متخلف يوظف الدين وتأويلاته الوضعية فى العمليات السياسية من فاعلين متعددين فى المجالين السياسى والدينى.
والثقافة الحديثة تعتمد على العقلانية النقدية، وهو معنى ضيق للثقافة، ولا يمتد إلى الثقافة بالمعنى الواسع المراد تجديدها وتطويرها لمواجهة النزعة النقلية الاجتماعية الدينية، وإنما المقصود هو توظيف سياسى رسمى لهذا المعنى المضمر من وراء هذا الطرح فى مواجهة تغلغل وهيمنة النقل وثقافة المرويات والشروح الدينية التى يطرحها مشايخ الإسلام السياسى والسلفيين وغالب الأزهريين فى خطابهم الدعوى على الجماهير الغفيرة.
فى ظل هذه المفاهيم المبتسرة والجزئية حول الثقافة والهوية، هل يمكن إدارة حوار حول تجديد الثقافة المصرية. إن هذه الثنائية تؤدى إلى حصر النقاش فى إطارها، وهو ما يشير إلى عديد من الانفصالات المعرفية والتحليلية عن التحولات الفعلية، والرقمية للثقافة المصرية- وروافدها المختلفة- وبين الجدل حول الثنائية المطروحة، وأيضًا بينها وبين الثقافة الرسمية واللا رسمية. من ناحية أخرى الانفصال عن تحولات الثقافات العالمية وتوجهاتها الجديدة فى الغرب الأكثر تطورًا، وفى آسيا الناهضة حول الصين، وكوريا الجنوبية والهند وسنغافورة، وماليزيا وإندونيسيا وفيتنام، المجهولة فى العقل السياسى والثقافى المصرى والعربى.
السؤال ما هى مشكلاتنا الثقافية، كيف يمكن إيجاد حلول عملية لمواجهتها بعيدًا عن بيروقراطية الدولة الثقافية، وهذا هو المطلوب من الحوار!
بقلم
نبيل عبد الفتاح

كاتب وباحث ومفكر مصري مقيم في القاهرة .مصر
تطورات التكنولوجية تفرض تحديات كبيرة على الواقع المصرى وعلى المثقفين المصريين
ثقافة «الرقمنة» تؤدى إلى انفجار الذات الإنسانية وإلى تحولات حادة فى القيم علينا أن ندرسها
الذكاء الاصطناعى سيؤدى لتحولات أشبه بالزلازل فى الثقافة والتعليم ندخل بها إلى عصر ما بعد الإنسان
إستهلال
فى العدد الماضى من جريدة ” الدستور ” طرح الباحث الكبير نبيل عبدالفتاح، الجزء الأول من دراسته حول مفهوم الثقافة فى مصر الآن، واشتبك نقديًا مع الفهم السائد للثقافة سواء فى مرحلة ما قبل ثورة يوليو أو ما بعدها وحتى ما قبل يناير ٢٠١١، منتقدًا عددًا من الظواهر مثل حصر الثقافة فى الفنون والآداب والاعتماد على أساتذة كلية الآداب كمحركين ثقافيين ومسئولين عن الهيئات الثقافية.. فى هذا العدد يواصل نبيل عبدالفتاح طرح التحديات التى تواجه الثقافة المصرية والمتمثلة فى التطورات التكنولوجية الحادة وسيادة الذكاء الاصطناعى، وأثره على الثقافة والتعليم، وهو ما يقود إلى ما سمّاه عصر «ما بعد الإنسان».. طرح جديد وجاد يُطرح لأول مرة فى الصحافة المصرية من خلال جريدة «الدستور».. فإلى المقال.
***

جزء من النزعة السوسيو- نفسية للجماعات الثقافية فى وقت الأزمات، والعصبة المنغلقة حول ذاتها، الميل للإدانة المحمولة على النقد والرفض فى عديد الأحيان للآراء المختلفة، وهى جزء من ميراث قمع العقل الحر دينيًا وسياسيًا، وجماهيريًا لينقض المألوف والشائع من أفكار، وقيم متناقضة، وتفسخ فى الأنسجة الاجتماعية، خاصة الرؤى والأفكار النقيضة للسلطات الاجتماعية والسياسية، والدينية. ومن البديهى- تبًا للبداهة- أن تحدى المنظومات السائدة يأخذ طريقين ومتابعات خلالهما:
أولها: طريق راديكالى يهدم الأبنية الفكرية والقيمية والعقائدية السائدة، ويطرح عليها أسئلة العصر وتطوراته ويمهد للقطيعة معها، وهذا حصاد الفكر الحداثى وما بعده، وما بعد بعده إلى القطع المعرفى مع بشائر وتحولات الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الصناعى.
ثانيهما: الطريق الإصلاحى الذى يرمى إلى إصلاحات فكرية ومؤسسية وسياسية واجتماعية جزئية لا تسعى إلى تقويض النظام الاجتماعى، أو السلطات السائدة وإنما إلى إصلاح بعض مثالبها واختلالاتها الهيكلية.
غالبًا كلا المسعيين يواجه بضراوة حادة من القوى المستفيدة من الأوضاع القائمة المأزومة، والمختلة، ويوظفون كل فرائض التخلف فى الفكر السائد، ومواريثه، خاصة الدينية، والسياسية والثقافية، إزاء كلا الاتجاهين، دونما تمييز، وهذا يعود لأن تقويض السائد «راديكاليًا»- جذريًا- أو جزئيًا يشكل تهديدًا لمكانتهم السياسية والدينية والاجتماعية، وأيضًا، وهذا الأهم، لمصالح كليهما كافة! والإصلاح والراديكالية كلاهما حلول تفرض المساءلة، والأهم الإقصاء!
من هنا تواجه النزعة الإصلاحية- والراديكالية- ميراثًا صعبًا، وقوى متضامنة، ومتعاضدة حول مكانتها ومصالحها فى السياسة والأديان والمذاهب والثقافة الرسمية ومنظمات المجتمع الأهلى- لأن المصطلح غير دقيق ومستعار ويروج له!- العاملة فى النشاط الثقافى، وبتمويلات خارجية فى الغالب لغياب دعم الدولة لها، ورجال الأعمال والتمويل الداخلى للأنشطة.
فى لحظات تفاقم المشكلات الموروثة والحالية، وفى مفارق الطرق، لا بد من العزم والحزم فى التعامل مع هذه الفرائض، من مصالح ومواريث إنتاج التخلف المركب، سعيًا وراء الخروج من سياجات الأزمة، والانتقال من نقد السلطة، إلى النقد المزدوج لها، وللمجتمع وقواه التى تبدو وكأنها فاعلة، بينما لا سند اجتماعيًا لها، إلا توظيفات الجماعات الدينية والسلفية، وبعض أركان السلطات السائدة!
من هنا تبدو الأهمية القصوى للعقل النقدى، العقل الحر، ودوره، وحمايته قانونًا من جائحات الفكر المتخلف واستدعائه للسلطة، أو المزايدات الاجتماعية إزاءه، وأيضًا غل يد بعض عناصر السلطة التى تميل إلى ميراث القمع بديلًا عن الحوار الحر والعقلانى.
لماذا هذا المدخل الموجز الحامل لبداهات، تبًا لها، لأن خطاب البداهات يعيد إنتاج ذاته، لأنه من المفترض أن يكون جزءًا من المساءلة والنقد، والرفض!
١- ما هى المشكلات الثقافية، المتفاقمة، والمنفجرة فى جهاز الدولة الثقافى، وبيروقراطيته، بعيدًا عن المجاملات الفارغة، وهل هناك سياسة.
٢- ما هى التحولات التى أدت إلى تراجع القوة الثقافية المصرية فى الإقليم العربى؟
٣- ما هى التحولات فى الثقافات العالمية المتعددة فى ظل ما بعد العولمة والانتقال إلى الثورة الصناعية الرابعة؟
٤- كيف يمكن استعادة القوة الثقافية المصرية وأهميتها ودورها فى نظام السياسة الخارجية فى إقليم متغير ومضطرب؟
٥- ما هى الأهداف التمناه من التجديد الثقافى المصرى؟
٦- ما هى مداخل التجديد الرسمى، والطوعى، وفى الإطار الثقافى العام للجموع الغفيرة؟
الأسئلة السابقة هى التى يجب أن تطرح مع غيرها فى أى محاورات رصينة وجادة، وخلاقة، وليس «الهوية والثقافة».
يميل غالب الجمهور المتعلم، وغيره إلى البحث عن حلول عملية ويأنف غالبهم من التحليلات النظرية المؤسسة على البحث والمعلومات واللغة السوسيو- سياسية والسوسيو- فلسفية، لأنها تبدو غائبة فى الأنماط الكتابية، والقولية، الشفاهية السائدة. هذا الاتجاه البراجماتى البسيط وعدم تمثل وقبول اللغة الاصطلاحية، هو دلالة تخلف فى الوعى العلمى والمعرفة ونمط التعليم النقلى، الاستظهارى السائد، أكثر من كونها بحثًا عن حلول عملية تستشرف المستقبل، وواقع المشكلات الموضوعى:
ساد ولا يزال هذا الاتجاه نتيجة تراجع وانحدار مستويات التعليم العام، والجامعى، وعدم إصلاحه وتطويره ليواكب تطورات التعليم فى عالمنا، وتراجع البعثات العلمية إلى الجامعات والمعاهد الغربية الأكثر تقدمًا!
من ناحية ثانية: تراجع البحث فى الجامعات لأساتذة الجامعات، وأساليب الترقى داخلها مع ازدياد الجامعات الإقليمية!
من ناحية ثالثة: غياب الطلب السياسى والطلب الاجتماعى على الثقافة، واعتبارها أمرًا هامشيًا فى ظل عسر الحياة، والبطالة، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
من ناحية رابعة: هيمنة قيمة الثراء، وجمع المال والسلوك الاجتماعى الاستعراضى، على نظام القيم الاجتماعية، وتحولت قيمة التعليم إلى محض الحصول على الشهادة الرسمية، فى التعليم العام والجامعى، ومن ثم تراجعت قيمة الثقافة لصالح الثراء.
من ناحية خامسة: استئثار ثقافة الجموع الرقمية الغفيرة، ومنشوراتها، وتغريداتها وفيديوهاتها للتعبير عن الذوات الفعلية، والرقمية المأزومة، والباحثة عن تحقق ما بعيدًا عن مصادر المعرفة والثقافة الرفيعة!
فى ظل هذه الاعتبارات، نجد أن هناك إدراكًا سياسيًا سلطويًا، واجتماعيًا غالبًا على تهميش الثقافة على نحو أدى إلى تراجع، وصمت المثقفين النقديين إما يأسًا من الأوضاع السائدة، أو لأن بعضهم لا يواكب ما يحدث كونيًا، أو لمشاركة بعضهم فى وسائل التواصل الاجتماعى من أجل الصورة، واللقطة الومضة فى الإنستجرام، أو الفيسبوك، أو التيك توك، أو من أجل إشهار عمل روائى أو قصيدة، أو ديوان.. إلخ، بقطع النظر عن الأهمية السردية، أو الشعرية.. إلخ، لهذا العمل، أو ذاك، كلها عوارض أزمة متفاقمة عن الوعى الاجتماعى والسياسى بالثقافة، وأهميتها. فى ظل هذه «المتغيرات» نحاول التبسيط غير المخل، وسنبدأ بالتركيز على التحولات فى ثقافات العالم على نحو موجز، وربما مختزل، وأثرها على ثقافتنا، وذلك على النحو التالى:
أولًا: تحولات الثقافات الكونية المتعددة: أثرها على الإبداع، وعلى ثقافة ووعى الجماهير الرقمية والفعلية الغفيرة.
لا نزال نعيش فى عصر وأسئلة الحداثة المبتورة والمغدورة وثنائياتها الضدية- المعاصرة والأصالة، والتقدم والتخلف، والحداثة والتقليدية.. إلخ، بينما عالمنا حسم منذ الحداثة أمورها لصالح سلطة العقل النقدى، والتمايز بين الوضعى/ الاجتماعى والسياسى والثقافى وبين الميتاومضى- ما وراء السياسى والدينى والاجتماعى المستمد من المقدس وسردياته التاريخية الوضعية، هذه القطعية المعرفية أحدثها الفكر النقدى والحركات السياسية بعد الثورات كرومويل فى بريطانيا، والثورة الفرنسية، ونشأة الدولة القومية، وحركة القوميات، مع توحيد الأسواق والدول مع تطور الرأسمالية الغربية. هذا العالم تغير فلسفيًا وفكريًا وسوسيولوجيًا، مع التحول إلى ما بعد الحداثة، ثم العولمة، وما بعدها، وصولًا إلى المراحل الأساسية للثورة الصناعية الرابعة. من هنا ثنائياتنا القديمة التى لا يزال فكرنا يعيد إنتاجها دون حلول خلاقة، وفاقم منها سعى الحركات الدينية السياسية والسلفية، وغالب الأزهريين، تدين المجال الثقافى، وكبح العقل الحر، وحرية الضمير وملاحقة بعضهم للعقول الحرة والخلاقة بالتكفير حينًا، والتفسيق حينًا آخر، واتهام بعضهم بالإلحاد مرة ثالثة.. إلخ.
لا شك أن ذلك أثر سلبًا على الإبداع، والفكر الحر الخلاق، وإلى الجمود وسطوة العقل النقلى الوضعى والدينى الاتباعى، ناهيك عن المجال العام المغلق، الأمر الذى أدى إلى عدم تكيف الثقافة، بالمعنى الضيق، عن استيعاب ما يحدث من تطورات، والجديد سينشأ على هامشها تحت تأثير المتغيرات الخارجية كوسائل التواصل الاجتماعى. ثم محاولات الجموع الغفيرة ترويج أنماط تدينها الشعبية، ومروياتها واختلاطها بأساطير الثقافة الشعبية، وقيمها بالتدين- والتدين الشعبى غير الدين فى عليائه وقيمه العليا، وفرضها لأنها تعبر عن حضورها كذوات فعلية، ورقمية، فى مواجهة السلطة السياسية، والسلطة الدينية، والجماعة الثقافية، والروائيين والشعراء والمسرحيين والفنانين التشكيليين، والمعماريين.. إلخ. ضغوط هذه الجموع الغفيرة الرقمية والفعلية شديدة، وفعالة فى محاولة التعبير عن ذواتهم، وآرائهم وأذواقهم فرضًا، كنتاج لموت السياسة، وغياب طبقة سياسية لديها رأسمال خبراتى، وعقل سياسى خلاق وخيال سياسى مبدع وفعال!
هذه الضغوط الفعالة فى الفكر والفنون والقيم الاجتماعية والسياسية والموسيقى- الراب والمهرجانات.. إلخ، هى تعبير عن بعض الثقافة بالمعنى الواسع لأنها تنطوى على معايير دينية وأخلاقية وقيم اجتماعية وسياسية وأنماط من الأذواق فى تفاصيل الحياة اليومية، وفرضت طقوسها، ولغة رقمية محكية وموجزة ومختصرة، وسطحية وتافهة فى غالبها، وإزاحة عامية الشارع لصالح عامية رقمية، وإقصاء العربية الفصيحة المتدهورة.. إلخ.
إذن ثقافة رسمية وأجهزتها تعانى من وهم المركزية والهيمنة الرمزية، والفعلية على الواقع الثقافى وتعانى من عزلة على ثلاثة مستويات، عن ثقافة الجموع الفعلية والرقمية الغفيرة، وتحولاتها. وثانيها: عن تحولات مراكز القوة الثقافية وتحولاتها والجماعات الثقافية العربية «انظر فضائح ترشيحات جائزة النيل للعرب مثالًا» على تعددها الداخلى، والوطنى فى كل بلد! وثالثها: وأخطرها عن تحولات الثقافات والمعرفة كونيًا.
العقل الثقافى البيروقراطى ساكن فيما يعرف، ولا يتحرك سعيًا وراء ما لا يعرف كونيًا، ومصريًا وعربيًا! الأخطر أن بعضهم سعيد بما يعرف، ولا يريد أن يعرف. هذا العقل الساكن والساكت عقبة كأداء إزاء تطورنا الثقافى العام، ويعرقل أى محاولة جادة لتطوير وتجديد هياكل وهيئات وزارة الثقافة، ويساهم بجدية منقطعة النظير فى إهدار الموارد، بحيث تحولت ميزانية الوزارة فى غالبها إلى أجور ومكافآت وضغوط على الدولة. «تحولت من ٨٤٫٦٪ فى عهد جابر عصفور، و٩٠٪ فى عهد الأستاذ حلمى النمنم».
فى ظل أوضاعنا الثقافية الحالية، وتحولات الثقافات العالمية، ومعضلة عدم القدرة على استخلاص خلاق بين النقل والعقل وبين التراث والحداثة، هل هناك إمكانية للخروج من هذه الدائرة شبه المغلقة، والدفع بالعناصر الدينامية فى الإرث الحداثى إلى الأمام؟
أبرز تحولات الثقافات العالمية فى اللحظة المتحولة الراهنة، تبدو فيما يلى:
١- هيمنة ثقافة وقيم الاستهلاك المفرط الذى حول كل ما هو حقيقى إلى تمثيل، وفق جى ديبور وتحول الإنتاج الثقافى، مع تطور السلوك، والذائقة، والتقنيات الثقافية إلى سلع ثقافية تعتمد على الدعاية والترويج والموضات والاستهلاك السريع.
٢- بروز تحولات جلية أثرت على الإنتاج الثقافى فى الموسيقى والتجريب فى المسرح والفنون التشكيلية والغناء والفنون الشعبية.
٣- بروز سلطة التلفاز والصورة إلى عالم الفضائيات، ومنها إلى عالم الثورة الرقمية، وأثرها الثقافى اتسم بتحولات كثيفة عميقة وتشكل حالة من السيولة، وربما القطيعة مع الثقافات الكونية المتعددة التى سادت قبلها وتتمثل فيما يلى:
١- ثورة الجموع الرقمية الغفيرة من العاديين فى حالة من التراخى وفوضى الحياة العارية، حيث حريات بلا حدود أيًا كانت خبرات وتعليم، وجهل وسطحية الغالبية العظمى من العاديين، باتت الثقافة الرقمية غالبة، ومعها حالة من استعراضات الذات الرقمية وتعبيراتها عن ذاتها بالمنشورات والتغريدات، والصور والفيديوهات الطلقة من استعراض الآراء والمواقف وخطابات النبذ والاستعراضات الجسدية والمأكل والشراب والغناء.
لا شك أن الثقافة الرقمية شكلت حالة من الانكشاف المليارى للجموع الرقمية الغفيرة والاتصالات العابرة للدول والمجتمعات والثقافات.
انتهى عالم مكدلة العالم macdonlisition of the warld إلى عالم رقمنة العالم.
الاتجاه الرئيسى فى ثقافة رقمنة العالم هو انفجار الذوات الإنسانية وتحولاتها القيمية، والحواسية، والنفسية ومكبوتاته من الذاتى الفعلى إلى الافتراضى، وحالة من المزاحمات المليارية لتبدو الذات الرقمية حاضرة إنها أزمة وجود وإثبات للذات.
٢- ثقافة الاختزال والإيجاز والسرعة والتبسيط، حيث لا مجال للتأمل والتحليل والاستيعاب والتمثيل الخلاق، كلها تعبيرات مما نستطيع أن نطلق عليه ثقافة الومضات الخاطفة.
٣- لا شك أن ثقافة الومضات الخاطفة ستؤثر على السينما والمسرح، والفنون التشكيلية والغناء، فلا مجال، ولا وقت إلا للأجيال الأكبر سنًا لمتابعة مثل هذا الإنتاج الذى شكل الثقافات الحديثة وما بعدها.
٤- أرهصت التطورات الثقافية منذ نهاية القرن الماضى لهذا التغير، من التحول من الثقافة الرفيعة إلى ثقافة الأجيال الجديدة، فى الموسيقى والغناء والرقص أو ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة المتعة السريعة، فى الفنون والطعام والشراب السريع مع شيوع نزعة أمركة، ومكدلة العالم.
٥- التحول الجديد أن ثقافة الجموع المليارية الرقمية الغفيرة باتت موضوعًا لإعادة تشكيلها من خلال عصر البيانات الضخمة pig data من خلال الشركات الرقمية العملاقة التى تصنف الرغبات وأنماطها وأهواءها وتعيد تشكيلها عبر بيعها للشركات العملاقة.
٦- التغير والتحول والقطيعة برزت بشائرها مع الثورة الصناعية الذكية الرابعة، متمثلة فى إنتاج وتطور الروبوتات فائقة التطور، وبروز ما يطلق عليه الأناسة الروبوتية وإرهاصات التحول إلى ما بعد الإنسانية.
هذه التحولات يبدو أثرها الإيجابى والسلبى خارج نطاق السلطة الثقافية المصرية، الاستعراضية، وأداء أجهزتها وفى ذات الوقت باتت مؤثرة على الثقافة اللا رسمية وبالمعنى العام فى القيم، واللغة والأساطير اليومية الجديدة وفى نظام الموضة، وأساليب التعبير، وعلى الأجيال الجديدة من السينمائيين- السينما المستقلة والمسرح المستقل- وعلى لغة وأدوات وأساليب الفنون التشكيلية وأخيلتها وعلى موسيقى الراب، والمهرجانات وعلى قيم الاستعراض والتمثيل فى نظام الزى للأثرياء، واستعراضاتهم فى الساحل الشمالى أو القاهرة والمراكز السكنية الخاصة خارج العاصمة ومطاعمها ومشاربها وملاهيها… إلخ! فى نظام الزى والموضة وفق العلامات غالية الثمن، التى تقلد فى الصين وآسيا، ومع ديمقراطية الزى الكونية باتت جزءًا سائدًا فى مصر، وجنوب العالم، علامة على التأثر بالتحولات الثقافية العالمية.
أثرت التحولات الثقافية العابرة للثقافات المتعددة فى بروز أصوات المكونات الثقافية والعرقية والمناطقية، والدينية والمذهبية، وذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ومنها اللا دينيون، والمتحولون دينيا وجنسيًا وتنظيراتهم، ومعهم المعبرون عنهم سياسيًا فى الطبقات السياسية فى الدول الأكثر تطورًا فى عالمنا، وانعكاس ذلك ثقافيًا على المجال العام الكونى الافتراضى والفعلى، وعلى المنصات السينمائية مثل نتفليكس وغيرها، وهو ما يجد صدًا ورفضًا من السلطات السياسية والدينية ويشجع هذه الفئات على التعبير عن نفسها دون خوف!!.
أثرت هذه التحولات على أنماط التدين الرقمى للجموع الرقمية الغفيرة وبروز ظواهر المحتسبين الرقميين على إيمان الآخرين وأشكال التنمر والتكفير والتقريع، وشارك هذه الجموع المحتسبة بعض رجال الدين الرسميون والجماعات السلفية والإسلامية السياسية، وفاقم ذلك من التوترات والاحتقانات الاجتماعية كنتاج لانهيار التعليم العام والجامعى والصراع متعدد الفاعلين والأطراف على المجال الدينى، وسعى كل طرف لتسييد آرائه الوضعية حول الدين والمذهب أيًا كان! على نحو جعل المجال الدينى منفلتًا، وخارج السيطرة.
امتدت تحولات الثقافات الكونية حول كرة القدم والتنس وغيرهما من الألعاب إلى اختطاف عيون وعقول وخيال الملايين الغفيرة إلى المسابقات الأوروبية والعالمية ونجومها اللامعة، والاشتراك فى القنوات الخاصة أو الدخول سرًا إليها بطرق تقنية مختلفة أثر ذلك على وعى الجموع الرقمية الغفيرة من العاديين ، وغيرهم إلى المسابقات الأوروبية الوطنية والقارية وولعهم بكبار اللاعبين النجوم على المستوى القارى والكونى. أدى ذلك إلى الفتور بالمسابقات واللاعبين المحليين، وتحول الرياضات إلى صفقات ضخمة، وأجور غالية ومبالغ فيها، ساهم ذلك فى استخدام الرياضة كثقافة، خاصة كرة القدم فى تشتيت اهتمام الجموع الغفيرة، وبث الانقسام داخلها من بعض أو غالب قادة الأندية، لبناء المكانة والنفوذ، والذيوع وصناعة «التريندات»- الفيسبوك وتويتر وإنستجرام ويوتيوب- صناعة الاتجاه الرائد إلى الموضوعات الساخنة أو الجديدة، أو الواقعية التى يهتم بها الجمهور حديثًا أو مشاركة فى التعليق بالإيجاب ويتفاعلون مع بعضهم بعضًا، تعليقًا على واقعة أو حدث أو رأى أو خطاب سياسى لزعيم سياسى معارض أو فى السلطة، أو على شائعة أو وقائع قتل أو ضرب أو طعن، أو على تغير فى شكل ممثلة، أو مغنية، أو فضيحة جنسية أو طلاق أو خيانة أو زواج أو موت… إلخ، واقعة أو حدث أو صورة تشكل مركزًا للتفاعل الرقمى الواسع حولها تأييدًا أو رفضًا تحبيذًا أو قدحًا، كلها تغيرات ثقافية تحت الأثر الكونى الاتصالى والأدائى لثقافة وسائل الاتصال الرقمية وتطوراتها، توظف بعض السلطات العربية هذه الاتصالات أحيانًا فى كسر حدة التناقضات والاحتقانات الاجتماعية والسياسية، خاصة بعد ما سمى مجازًا بالربيع العربى.
لا شك أن أثر هذه التحولات كان كبيرًا فى ازدياد الفجوة الواسعة بين الثقافة بالمعنى الضيق وثقافة الجموع الغفيرة الفعلية والرقمية والانفصال بين الثقافة الرسمية وسلطاتها وأجهزتها الرسمية عربيًا، وبين الثقافة غير الرسمية من خلال المؤسسات والجمعيات الأهلية العاملة فى النشاط الثقافى الأهلى، واستطاع بعضها التكيف مع التحولات الثقافية الكونية وانتقل من المحلى إلى الإقليمى بدعم من المؤسسات الطوعية فى العالم الأكثر تطورًا وإلى الحياة الرقمية عربيًا وعالميًا، بينما تنكمش أجهزة الدولة الثقافية داخليًا وتتراجع إقليميًا!.
الأخطر أن أثر الذكاء الصناعى على الثقافة والتعليم سيكون زلزاليًا مع ظواهر التحول إلى الأناسة الروبوتية وما بعد الإنسان، وهو ما سيفرض نفسه على الحياة الكونية ولن يكون مؤثرًا فقط على ثقافة المجتمعات الأكثر تطورًا فى الشمال، وآسيا الناهضة، وإنما سيؤدى إلى تهميش مؤسساتنا وتعليمنا وثقافاتنا العربية، لأننا غير مؤهلين للدخول فى هذا العصر الزلزالى العاصف بالأسئلة الجديدة والمعارف المختلفة بسبب تعليم متخلف وحصار واعتقال العقل الحر والإبداع وبيروقراطية تنتهى إلى أوائل القرن الماضى.
الفكر الفلسفى والاجتماعى فى عالمنا المتحول بدأ بعضه فى طرح أسئلة جديدة على الشرط الوجودى الإنسانى والخلل فى العلاقة مع الطبيعة، ووجود كائنات فيروسية غير مكتشفة وبعضها متحور كفيروس كورونا وأثرها الاجتماعى والسياسى والاقتصادى على النظم السياسية والاجتماعية وعلى ثقافة مركزية الإنسان فى الوجود، والكون.
ثم أثر التغيرات المناخية على الحياة الإنسانية وعلى التخطيط العمرانى والكتل والأنسجة المعمارية، ونظام السكن ورقمنة العمل، وأثر ذلك على تطور أوضاع العمل ومكانه فى ظل خروج أكثر من خمسين مليونًا من العمالة-٢٠٢٠ لأن أعمالهم ستنتهى تمامًا من أسواق العمل فى العالم، وربما أكثر من هذا الرقم الأولى بعد دخول الروبوتات الحياة الإنتاجية والاجتماعية والعلمية على نحو ما سوف تحمله من أسئلة مختلفة فى حياة روبوتية وإنسانية مختلفة مثل هذه الأسئلة الجديدة غائبة عربيًا ومصريا، ولا يعرفها ويتابعها إلا قلة القلة من المثقفين والمفكرين البارزين من خارج الرسمية، بل المجموعات والعصب الثقافية فى المركز الثقافى للبلاد حول القاهرة، وبعضهم خارجها فى الأقاليم الريفية الذين يقرأون بعضهم بعضًا، ويهجون من هم خارجهم من المجموعات الأخرى الفعلية والرقمية. يبدو أيضًا الإعلام المرئى والصحفى المكتوب والرقمى بعيدًا عن تحولات العالم معرفة ووعيًا. الأخطر أن السلطة البيروقراطية الثقافية غارقة فى تكوينها ووعيها المحلى الفعلى والرقمى، خاصة فى ظل تراجع تكوين النخب فى كليات الآداب الذين يتم تجنيدهم فى السلطة الثقافية الرسمية، وغياب الفلسفة عن زمن العالم والإقليم إلا قليلًا، وأيضًا عن الحوار العام والاشتباك مع مشكلات الواقع المتغير مصريًا وعربيًا وعالميًا!.
فى ظل هذا الجمود والنزعة النقلية فى العقل الحداثى المبتور، وأيضًا العقل النقلى التقليدى التراثى والدينى المسيطر أزهريًا وسلفيًا وإخوانيًا… إلخ، تبدو النخب الرسمية تعيش وتفكر خارج زماننا المتحول ثقافيًا واجتماعيًا.
تبدو الصور والمشاهد والوقائع المتدفقة فى حياتنا اليومية صادمة، خاصة الصراع بين القيم القديمة الساكنة والمدافعين عن جمودها وضعفها، وبين القيم الجديدة والمتغيرة التى تصدم المثقفين والثقافة السائدة والوعى السلطوى والنخبوى السائد الذى يدافع عن قيم أصابها الضعف، والتآكل بفعل التغير الاجتماعى والسياسى وظواهر الضعف الدينى والاجتماعى والتغير فى القيم، والنظام الأخلاقى الذى كان سائدًا ويتغير فى سرعة وانفلات، وتبدو الفجوة واسعة بين ثقافة بيروقراطية أجهزة الدولة على اختلافها، وبين القيم الجديدة وانفلاتها وخطورة بعضها على الأنسجة الاجتماعية والتعليمية والأخلاقية، كنتاج أيضًا للتغير الناتج عن ثقافة وسائل التواصل والمواقع الإباحية وثورة الحواس غير المألوفة وأثرها على السلوك الجنسى، فى ظل غياب دمج وتفاعل بين الثقافة والتعليم والإعلام، وهو ما أدى إلى انفلات قيمى وسلوك جماهيرى وبين الثقافة السائدة وبين ثقافة مضادة تفرض نفسها فى الواقع الفعلى والحياة الرقمية!
السؤال الثانى: لماذا تراجعت القوة الثقافية المصرية؟ وما تحولات الثقافات العربية ومراكزها المؤثرة إلى إقليم النفط العربى، والمنطقة المغاربية؟ كيف يمكن استعادة هذا الدور فى إطار تعدد المراكز الثقافية العربية؟.
بقلم
نبيل عبد الفتاح
عن جريدة ” الدستور ” بتاريخ الثلاثاء 13 سبتمبر

د.نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر مصري مقيم في القاهرة.مصر
admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, مختارات سينما ازيس 0

إستهلال :
في هذا المقال يسجل الكاتب والباحث والفنان فكري عياد إنطباعاته، بعد مشاهدة فيلم وثائقي طويل بعنوان ” وكأنهم كانوا سينمائيين. شهادات على سينما وعصر ” لكاتب هذه السطور.
ويمثل الفيلم الجزء الأول، من ثلاثية فيلمية بعنوان ” سحر السينما المصرية الخفي” ..ثلاثية تسال، كما في عنوان الفيلم، أين ياترى يكمن ” سحر ” السينما المصرية الخفي ؟ ، ويكشف عن علاقة السينما ، بصنّاع الحضارة ،في مصر القديمة، أجدادنا الفراعنة ، قدماء المصريين، الذين كانوا أول من يسجل صورا للحياة المصرية، يرسمونها وينقشونها، على جدران المعابد، حتى يخيل للمرء، أنهم كانوا سينمائيين بالفعل، ومخرجين سينمائيين مبدعين، لكن ..بدون كاميرا.
كانت كاميرتهم وقتها، أي منذ أكثر من 7000 سنة خلت، هذه ” اليد الإنسانية” التي صنعت الحضارة، و التي تذكرني دوما ،بالمشهد الافتتاحي لفيلم ” أوديسة الفضاء2001 ” للأمريكي ستانلي كوبريك، حين هبطت هذه اليد للإنسان البدائي الصيّاد، على الصخر لتهشمه، فإذا ببعض قطع الحجارة تتطاير ، وتصعد الى السماء، وتصبح إحدى القطع المتطايرة، “سفينة فضاء “، تسبح في الكون..اللانهائي.
كانت اليد المصرية الفرعونية، هي الكاميرا ، التي صور أو أخرج بها الفنان المصري القديم، أول فيلم ،عن أول حضارة في العالم، ومن يومها ، صارت تلك الحضارة المصرية العظيمة، – بسبب الفيلم الجميل؟ – في تاريخ نشأة وتطور الحضارات في العالم، مثالا وقدوة تحنذى..
أراد الفنان فكري عياد أن يسجل إنطباعاته، فإذا به يكتب قصيدة، في عشق السينما المصرية أفلامها ونجومها وأفكارها، و الزمن الجميل، ولتكون كلماته بالفعل كما كتب هنا ” لقطات ” من همسات الروح، تتهادى على شراع القلوب.
شكرا للشاعر والفنان التشكيلي فكري عيّاد
صلاح هاشم
***

وكأنهم كانوا سينمائيون..” توقفت أمام هذه العبارة، التي جعلتني في دَهْشَة وَتَحَيُّر وحَيْرَة.. كأَنَّ الغموض ، ينام في قاعة سطُورِها. من هم هؤلاء الذين كانوا..! ؟ وكيف أركض بشفاه الذُهُول، إلى أرض الحَيْرَة من أمرهم..؟ وكيف أَستبدل زَمَنيْ بزمانِهم..! َ تنوعات من علامات الاستفهام..
وكيف أنبش بعينِ خيالي، وأَنطلق من الزَمَنُ المكسور ،على أحوال الفنون، في حَاضِرنَا..! وَعضَّة القُنوط، تستكين في القلوب، من تلوث سمعي وبصري وفكري. في ضوضاء وصخب وضجيج يملأ باحة العيون.

أفيش فيلم ” شباب إمرأة ” من أفلام تلزمن الجميل لصلاح أبو سيف
نُعيد أحلامنا. الي رحابة “الزمن الجميل’.. عبارة تجيش وتفركها بعض الأحيان السنة اللهفة، الي ماضي الأيام ،التي تَزَيَّنَت بها مسيرة حافلة من أسماء الفنانات والفنانين ، عشقوا الفن السينمائي ، منذ إِسْتِهْلال وبَاكُورَة أيامه..
منذ طَلِيعَة ورَيَعَان بذرة الصحوة، في هذا المجال، الذي أصبح له دور كبير في نشر الوعي والمعرفة والثقافة الفنية والاجتماعية. يُحِيك بِدايَة خطواته ويُسبق عصره..
عُنْفُوان التطلع إلى آفاق جديدة، من مزهرة ورحيق رواد الفن الجميل..
إنها مسيرة السينما في أرض الكنانة.. تطوف في عتمة الحالمين أفكار مثيرة، وكأنها تهدم معابد الجهل ،وتشيد صرح المفاهيم، في كل ربوع أرض الوطن..

د.صبحي شفيق يدلي في الفيلم بشهادته
من أنفاس الإبداع الفنى السينمائي الفَتِيْ الرائع.. من إلهام الإسكندرية، المدينة الأسطورية، الي رحابة السماء والأرض، في كل مكان من البلاد والعباد، في دول العالم كله.. وكيف تمَاثَلت مع عاصمة النور “باريس ” في صحوتِهَا المُبَكِرَة. مَلأَت العوالِم من حولِها.. بفكرِها وظلاوة لِسَانِها. إنها مسيرة السينما المصرية..!
نهضة تُسَابِق الظِّباءِ في مَرَحِها.. وحلاوة وَبَشَاشَة، وَبَهْجَة حكاياتِها.. أفكار جديدة، وقصصية، وأحلام زَهِوَة من مزهرةِ

فيلم المومياء لشادي عبد السلام
كمٍ من كَوَاكِب ونجوم إزدهرت، بتميزها ، في براعة آدائِها. تكاملت بعضِها مع خطواتِهَا . سائرَة في تطور وحبكة، مع مواكب السنين.
عُدت الي العنوان، الذي كتبهُ الناقد السينمائي والأديب المؤرخ صلاح هاشم.. في واحدة من الثلاثية، التي يؤرخ بها مسيرة الزمن الجميل.. “وكأَنهُم كانوا سينمائِيون” وكَأَنَّني شاهدت أمس ماضينا، في هذه الاحتفالية.
وكأنه يتكلم مندفعًا بسنَاه ، شامخ في عطائِه. يزيل القشور، عن جوهر الحقيقة، والحقائق، وما خُفيَ في تلك الحقبة التاريخية الثريّة والثورية،مع بدايتَها الفنية.
يبث في تسلسل وسلاسة، لغَتِهَا ، وَبهجتها ومتاعها وحُسْنها ، وتَمُدَّنَّ بدايتِها. منذ أُولي حداثَتِها. تكادُ تمد عَيْنَيْكَ بشوقٍ وتلهف، في كل فقراتِهَا..
في لَهْفَةِ حَنِين تُشاهد مَا مَتَّعْنَا بِهِ.. في تسجيل هذه الصورة المرئية، التي تَزَيَّنَت بها مسيرة حافلة، في صبيَّة وزَهاوَة ، “الزمن الجميل” إنهم حقًا وَفِعْلاً وَأَبدًا .. “كانوا سينمائيون..” لكي تسبح معي أكثر ، في إشراقة ومضات ونبضات، تتراقص مع أنغام الإبداع الفنى، في المفهوم ،والقدرة علي التواصل ،بكل إصرار وتَصْمِيم وعَزِيمَة..
تشاهد معي هذا الفيلم الوثائقي.. وَتطوف بعينيك الحائرة، في أيام كانت أحلام.. أو رؤية خيالية، في ذَرَأ وَإبداع ، غير مسبوق ..!
نعيد الشريط من جديد، مع لمسات فنية، من المخرج والمؤَرِخ المتميز، في أفلامِهِ التسجيلية.. المخرج” صلاح هاشم ” حيث جَسَّدَ تسلسل، أعمال لا تُخصَى. وأسماء من مُختلف أطياف الشعب، نَقَشت أسمائِها ، بحروف من النور. نجوم وقمرات.. وأقلام وأفكار..! و مآثرَ أيام ،نَقَشَت على الجدران ،نسمات متوقّدة، ومازلت مُتنفِسة، مهما تغيرت، مراوغة المفاهيم..! في مناخ عصرِنا..
إنها لقطات حَيّوية من همسات الروح، تَتَهادى على شراع القلوب.. من ثخينة نسيج الماضي.. وإشعاع “الزمن الجميل”.. مع لَهْفَة لقائهِ.. سيظل مع مسيرة الأيام.. نهجْ وَحِذْوَة، ومَسْلَكْ. مَحْسُوسٌ ومَلْمُوسٌ ومُتعايش. في التعبير عن الواقعية الواعية. لكل من إِقْتَفَى أَثَرَهُ.. إنه..! الفن والفنانين والثقافة الفنية المصرية. منذ اولى خطوات السينما، مَهَّدَت طريقها في إصرار ليس له مثيل
فكري عياد

فكري عياد باحث وناقد وفنان تشكيلي مصري مقيم في لندن. المملكة المتحدة.