الأوديسة بين زمنين بقلم د. قاسم المحبشي
لم أذهب إلى سينما النجوم في مدينة أنسخدة لمشاهدة فيلم «الأوديسة» للمخرج البريطاني الاميركي، كريستوفر نولان بوصفه فيلمًا جديدًا فحسب، بل بوصفه عودةً شخصية إلى زمن بعيد. وما إن انطفأت الأنوار، وبدأت شاشة IMAX العملاقة ترسم البحر الإغريقي، حتى شعرت أنني أغادر مقعدي في القرن الحادي والعشرين، وأعود أكثر من خمسة وأربعين عامًا إلى الوراء، إلى ذلك الشاب الذي قرأ للمرة الأولى ملحمتي هوميروس: الإلياذة والأوديسة.
أتذكر أنني أمضيت سبعة أيام مع الإلياذة، وسبعة أخرى مع الأوديسة. ولم تكن تلك القراءة يسيرة بالنسبة لشاب يعيش في بيئة بسيطة، ولم يكن قد عرف بعد شيئًا عن الفلسفة أو الحضارة اليونانية أو الميثولوجيا الإغريقية. كانت أسماء مثل زيوس، وأثينا، وأفروديت، وأوديسيوس، وأخيل، وهيلين وباريس وهكتور وطروادة وحصانها .الخ تبدو لي كأنها تنتمي إلى عالم آخر. ومع ذلك كنت أشعر بمتعة الاكتشاف، وكأنني أفتح نافذة تطل على حضارة لم أكن أعرف بوجودها قبل ذلك اليوم المشهود
إذ شكلت تلك القراءة، عبورًا وجدانيا من عالمي المحلي المحدود إلى عالم اكثر رحابة اشبه بقدح زناد الروح والشرارة الأولى التي أيقظت عندي فضول المعرفة، ورسخت في نفسي قناعة ما زلت أؤمن بها إلى اليوم: أن الإنسان حين يقرأ نصًا عظيمًا، فإنه لا يقرأ الماضي فحسب، بل يقرأ نفسه في مرايا العصور بوصفه ذاتا انسانيا يشترك مع أشباهه من بني الإنسان في كثير من الحاجات والصفات.
وهذا هو ما يفسر انجذاب الناس لمشاهدة فيلم «الأوديسة» الجديد فهو في تقديري، لا يعيد رواية مغامرات أوديسيوس البحرية فحسب، بل يعيد اكتشافها بوصفها رحلة وجودية في أعماق النفس الإنسانية. فما يبدو في ظاهره صراعًا مع البحر والوحوش وغضب الآلهة، يخفي في جوهره أسئلة الفلسفة الكبرى: من نحن؟ وماذا نرغب وما هي الدوافع التي تحركنا، وكيف نحافظ على إنسانيتنا وسط الخراب؟ وما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟
وهذا ما يراه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران إذ أكد أن السينما تشبه الحلم في بنيتها النفسية؛ ففي الحلم تمتزج الذكريات بالرغبات والمخاوف، والأساطير والخرافات لاسيما ففي المجتمعات التقليدية كانت الأساطير الدينية والبطولية القديمة ولازالت تقدم نماذج مثالية للإنسان أما في المجتمعات الحديثة فقد أصبحت السينما هي التي تنتج الأساطير والشخصيات الأسطورية الممثلة بالنجوم.
ولعل قوة السينما وسر جاذبيتها ينبع من قدرتها على الجمع بين هذين العالمين في تجربة واحدة. فنحن ندرك عقلانياً أن ما نشاهده على الشاشة ليس حقيقياً، لكننا نتفاعل معه وجدانياً كما لو كان جزءاً من حياتنا الخاصة. نبكي لمصير شخصية خيالية، ونفرح لانتصار لم نشارك فيه، ونشعر بالخوف من خطر لا يهددنا فعلياً. هذه المفارقة هي التي جعلت موران يعتبر السينما مختبراً لفهم البنية العميقة للخيال الإنساني.

البارحة شاهدت الاوديسة بعيون جديدة وقراتها ليس بوصفها انتقالًا جغرافيًا بين الجزر والبحار او صراع بين الإنسان والآلهة ، بل وجدتها رحلة في دهاليز النفس الإنسانية، وغوص عميق في طبقات الذات وصراعاتها الداخلية. فالرحلة الحقيقية ليست تلك التي يقطعها الجسد في المكان، وإنما تلك التي يقطعها الإنسان في أعماق وعيه وهو يصارع رغباته، ويختبر حدود قوته حريته، وممكناته ويحاول التوفيق بين ما يشتهيه وما يجب عليه أن يفعله.
ولعل المشهد الذي استوقفني في الفيلم، حين أمر أوديسيوس جنوده أن يربطوه بالحبال إلى صاري السفينة وهو يقترب من جزيرة السيرينات، يمثل واحدة من أعمق الصور الرمزية في تاريخ الأدب الإنساني. فقد أراد أن يسمع الغناء الساحر الذي يفقد البحارة عقولهم ويقودهم إلى الهلاك، لكنه في الوقت نفسه لم يشأ أن يستسلم له، فابتكر حيلة تجمع بين المعرفة والانضباط. هنا تتحول السفينة إلى رمز للحياة، ويتحول الصاري إلى رمز للعقل الذي يحمي الإنسان من نفسه قبل أن يحميه من العالم كما جاء في المدونة العربية فالعقل من العقال إي الربط والعاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها ،أخذ من قولهم اعتقل لسانه إذا حس ومنع الكلام.. وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه.
وهكذا يمكننا قراءة الاوديسة ضوء التحليل النفسي عند سيجموند فرويد بوصفه تجسيدًا للصراع الدائم بين (الأنا والهو والأنا الأعلى) إي العقل والهوى والضمير ومشهد ربط البطل إلى صارية السفينة ذكرني بعبارة الفيلسوف ابو يوسف الكندي ( أعص الهوى وأطع من شئت ) . فالسيرينات لا يمثلن مجرد مخلوقات أسطورية، وإنما يجسدن قوة “الهو” (Id)، ذلك المخزن العميق للغرائز والرغبات والاندفاعات المحكومة بمبدأ اللذة والليبيدو، التي لا تعبأ بالعواقب ولا تعترف إلا بالإشباع الفوري. ولهذا لم يكن غناؤهن مجرد موسيقى، بل نداءً صادرًا من أعماق اللاوعي، يدعو الإنسان إلى الانصياع الكامل لرغباته ولو كان الثمن الموت ذاته. ويظهر هذا “الهو” كذلك في غواية أكلة اللوتس الذين يفقدون ذاكرتهم وينسون أوطانهم، كما يتجلى في همجية السيكلوب الذي يعيش خارج القانون والعقل والنظام.
وفي الطرف المقابل يقف “الأنا الأعلى” (Super-Ego)، بوصفه الضمير الأخلاقي والوعي بالقيم والواجبات والإيمان الديني والمعايير الاجتماعية التي تشكلت عبر التربية والثقافة والخبرة التاريخية. إنه الصوت الداخلي الذي يذكّر أوديسيوس دائمًا بأن له وطنًا اسمه إيثاكا، وزوجة وفية تدعى بينيلوبي، وابنًا ينتظر عودته، وشعبًا ينبغي أن يعود إليه ليقيم العدل ويستعيد النظام. ولذلك رفض الخلود الذي عرضته عليه كاليبسو، لأن الخلود بلا معنى أخلاقي ولا مسؤولية إنسانية ليس إلا شكلًا آخر من أشكال الضياع.
أما “الأنا” (Ego)، فهو الذات الواعية المحكومة بمبدأ الواقع، التي تحاول باستمرار تحقيق توازن دقيق بين اندفاعات “الهو” وضغوط “الأنا الأعلى”. لم يغلق أوديسيوس أذنيه بالشمع كما فعل بحارته، لأنه أراد أن يعرف ويختبر ويستمع، لكنه في الوقت نفسه ربط نفسه بالصاري حتى لا يتحول الفضول إلى هلاك. وهنا تتجلى عبقرية هوميروس في تصوير العقل لا بوصفه قوة تلغي الغريزة، وإنما بوصفه القدرة على إدارتها وترويضها وتحويلها من قوة مدمرة إلى طاقة واعية. وهكذا يصبح الصاري الخشبي تجسيدًا رمزيًا لمبدأ الواقع الذي يمنح الإنسان القدرة على النجاة.
ولعل هذا هو السر الذي جعل الأساطير الكبرى تعيش آلاف السنين، وتهاجر من المعابد إلى الكتب، ومن الكتب إلى المسرح، ثم إلى السينما. فهي لا تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى البنية العميقة للخيال الإنساني. ولهذا لم يكن غريبًا أن تعود هوليوود، مرة بعد أخرى، إلى جلجامش وهوميروس، وسوفوكليس، وأوديب، وهرقل، وبروميثيوس، وكليوبترا وغيرها من الأساطير المؤسسة للوعي الإنساني؛ لأن السينما، مهما بلغت تقنياتها، ما تزال تبحث عن الحكايات الكبرى التي تختبر معنى الإنسان في مواجهة القدر والزمن والموت.
خرجت من الفيلم وأنا أشعر أن الأوديسة لم تكن يومًا قصة رجل عاد إلى وطنه بعد حرب طويلة، بل قصة الإنسان وهو يحاول، في كل عصر، أن يعود إلى ذاته بعد أن تشتته الحروب، وتغويه السلطة، وتخدعه الأوهام، وتستنزفه الحياة.
وربما لهذا السبب أيضًا لم تمت الأساطير، ولن تموت. فهي لا تحفظ ذاكرة الماضي فحسب، بل تحفظ الأسئلة التي تجعل الإنسان إنسانًا. وكل جيل يعيد قراءتها بلغته الخاصة، كما تعيد السينما اليوم اكتشافها بأحدث أدواتها التقنية، لتؤكد أن التكنولوجيا، مهما بلغت من الإبهار، تظل في حاجة إلى ذلك الخيال الأول الذي ولد مع الأسطورة، وإلى تلك الدهشة القديمة التي ما تزال، بعد آلاف السنين، توقظ فينا الرغبة في التفكير، وتذكرنا بأن رحلة أوديسيوس ليست سوى صورة مكبرة لرحلة كل واحد منا في هذا العالم إذ أن في الوجود الإنساني جانباً باطناً، لا مرئياً، مجهولاً، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية- العقلانية، وأن الانسان دونه دون محاولة الوصول إليه، كائن ناقص الوجود والمعرفة، وأن الطرق إليه خاصة وشخصية وفريدة وحميمة ولهذا سنجد أن هناك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. فالتجارب الكبرى في معرفة الجانب الخفي من الوجود تتلاقى بشكل أو بآخر فيما وراء اللغات وفيما وراء العصور، وفيما وراء الثقافات. وهذا هو مبعث ظهور الأساطير والايديولوجيات في كل العصور. فكيف يمكن أن يعيش الإنسان بدون وهم من الأوهام. ذلك هو السؤال الذي يوجه الحضارة البشرية الآن بعد أفول الحكايات الكبرى والذكاء الاصطناعي
بقلم
د.قاسم المحبشي

د. قاسم المحبشي كاتب وناقد سينمائي عربي



