السياسي الغربي من الرموز اللامعة إلى صعود العاديين بقلم نبيل عبد الفتاح
السياسى فى العالم الحديث والمعاصر، تشكل فى تكوينه ومعرفته وملكاته وخبراته وخياله السياسى من خلال التنشئة السياسية، والتعليم، والنزعة العقلانية والنقدية، ومن الرأسمال السياسى الخبراتى، من خلال المشاركة السياسية، والانخراط فى الأحزاب السياسية، ومنافساتها فى الجولات الانتخابية، وأيضا فى السجالات البرلمانية فى الحكم، أو المعارضة، وفى الانتخابات البلدية، والاتحادات الطلابية..إلخ.
لم ينشأ السياسى فى الأنظمة الليبرالية التمثيلية، من الفراغ غالبا، وإنما من خلال بيئة سياسية، وأنساق أيديولوجية كبرى، الليبرالية، والماركسية، خاصة بعد ثورة أكتوبر والاشتراكية الديمقراطية، وبعض الجماعات اليسارية الراديكالية، واليمين المحافظ، والمتطرف. السياسى الغربى – أيا كانت مستوياته وقدراته وخبراته – عبر تكوين الرأسمال السياسى الخبراتى،
تشكل تكوين غالب السياسيين فى أوروبا، والولايات المتحدة، وكندا. عقب الحرب العالمية الثانية، تداخلت بعض من الغوغائية لدى بعض السياسيين، فى ظل الصراع مع الإمبراطورية الماركسية السوفيتية، وامتدت إلى الحرب الباردة وخطاباتهم حول حقوق الإنسان والحريات، ومقرطة السلطات الحاكمة فى الدول الشيوعية، والأهم تركيزها على دول جنوب العالم ما بعد الاستقلال. فى ظل الحرب الباردة، ونهاية الأيديولوجيات، ويتوبياها، ومعها السرديات الكبرى، فى عصر ما بعد الحداثة، والثورة الصناعية الثالثة بدأ صعود التكنوقراط، والخبراء إلى بعض الاحزاب السياسية الليبرالية الكبرى وبعضهم كانت خبراتهم السياسية تختلف عن كبار السياسيين التاريخيين فى الأحزاب السياسية الكبرى فى فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبريطانيا..إلخ. لم تعد الأيديولوجيات الكبرى -التى انهارت- كافية لرفد الخطابات السياسية، وخطابات حقوق الإنسان الموجهة لأوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وحائط برلين، لم تعد سوى محض سياسة لدفع هذه الدول للانخراط فى بنية الرأسمالية وعالم الاستهلاك المكثف ، والتطورات التكنولوجية المتطورة وهو ماحدث فى الحرب الباردة ومابعدها. السياسى الغربى، جاء من قلب التغيرات السياسية ما بعد الحرب الباردة،
إلا أن بعضهم كانوا من التكنوقراط، ومع التحولات ما بعد الحداثية، والتغير الاجتماعى، والصناعى –فى ظل الثورة الثالثة وتسارع معدلات الرابعة- فى عالم حرية الاستهلاك المكثف، وعالم الاستعراض والتشيؤ الإنسانى، واندماج المعنى فى الحياة والوجود فى قلب عمليات الاستهلاك المفرط، والمتجدد الذى تقوده الشركات الكونية الكبرى فى مجال الإنتاج والخدمات، وهيمنة المصارف الكونية، فى مجال منح القروض للشركات والأفراد. الأخطر أن الشركات الكونية، والمصارف وكبار المليارديرات فى الولايات المتحدة، وأوروبا باتوا يلعبون أدوارًا سياسية مؤثرة على برامج الأحزاب من خلال تمويل الحملات الانتخابية البرلمانية، والرئاسية، ومن ثم على البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأحزاب والحكومات، وللشخصيات المرشحة للانتخابات الرئاسية فى الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا. الصراع الأيديولوجى فى عالم ما بعد الحداثة، وثورة الاستهلاك المفرط، بعد ثورة طلاب جامعتى كاليفورنيا بيركلى، وجامعة السوربون -أدى إلى تفكك السرديات الكبرى ثم انهيارها، وتراجع الوهج الأيديولوجى، وهو ما أثر على الأحزاب السياسية الأوروبية، خاصة الأحزاب الشيوعية الفرنسية، والإيطالية وغيرها، من خلال ميل بعض هذه الأحزاب إلى نمط من الأيديولوجيات الناعمة -Soft ideology- التى تميل إلى الاتجاهات الوسطية ثم التوجه إلى يمين الوسط فى عهد ميتران، فى محاولة للتوازن والتكيف مع تغيرات السوق، وتأثيرات المصارف والشركات الكونية الكبرى على الاقتصاد، والسياسة، وظهور مشكلة المحكومية السياسية، وتراجع اهتمامات بعض المواطنين فى فرنسا، وغيرها من البلدان الأوروبية بالشأن السياسى، أو المشاركة الفاعلة فى الأنشطة السياسية.

دخل التكنوقراط، والخبراء إلى المجال السياسى من خلال الأحزاب، وفى تشكيل الحكومات، وكمستشارين لرؤساء الدول والحكومات، وباتت السياسة رهينة البيروتكنوقراط، وهو ما بدا فى تراجع مستويات السياسى الغربى مع بعض الاستثناءات مثل بوريس يلتسين، وبوتين فى روسيا، وهيلموت كول وأنجيلا ميركل فى ألمانيا، وجاك شيرك إلى حد ما فى فرنسا، وتونى بلير فى بريطانيا وسياسة الطريق الثالث، ودينج شياو بينج، وجيانج زيمين وهوجينتاو وشى جين بينج فى الصين، وفى الولايات المتحدة بيل كلينتون وباراك أوباما.
الاستثناءات السابقة لأنماط السياسى الغربى، جاءت خارج السمت الغالب لصور شخصيات فى الأحزاب والحكومات والرئاسات تبدو سياسية، لكنها ذات خبرات محدودة، وأفق سياسى غير خلاق، وبعضهم بات أسيرًا لضغوط الشركات الرأسمالية النيوليبرالية والرقمية الكونية، وأيضا ضعف الأحزاب السياسية الكبرى، وتركز الحريات العامة فى حرية الاستهلاك، وتراجع اهتمامات الجماعات الناخبة فى المشاركة السياسية الفاعلة.أسهم فى تراجع مستويات السياسى الغربى تكوينا، وفكرا، وأداء الثورة الرقمية، وهيمنة الجموع الرقمية الغفيرة على وسائل التواصل الاجتماعى، وفيضانات من النقد الحاد، والساخر للقادة السياسيين، والأحزاب، وتحول الفاعلية السياسية للمواطنين من الحياة السياسية، والحزبية إلى الحياة الرقمية. ظهرت قيادات على الواقع الرقمى قاموا بتشكيل حركة السترات الصفراء فى فرنسا، والقيام بالتظاهرات فى باريس، ومدن فرنسا، تجاه بعض سياسات ماكرون، وارتفاع أسعار المواد البترولية. لم تعد صورة السياسى الحصيف الصنّاع، ذى الخيال السياسى الخلاق والرأسمالى الخبراتى، هى سمت غالب السياسيين الغربيين، وصعد اليمين المتطرف والعرقى، وبات الرئيس ترامب، موضعا للنقد والسخرية الحادة أمريكيا، وداخل بعض داعميه فى الحزب الجمهورى، بل وعلى المستوى العالمى، فى ظل سياساته وتقلباته، وحروبه، وإزاء حلف الناتو وحلفائه الأوروبيين، وتجاه الحرب فى أوكرانيا، وحربه مع إيران مع إسرائيل، ودعمه الكبير لها فى حرب الإبادة على غزة.+
بقلم
نبيل عبد الفتاح

تبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر إستراتيجي مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة ” الأهرام ” .مصر. بتاريخ الخميس6 أغسطس 2026



