بدر الرفاعي.سيرة جيل من الحلم إلى الشك. بقلم مي الخولي.. في ” مختارات سينما إيزيس “
حين يكتب المترجم سيرته، فهو لايستعيد مجرد وقائع منسية، بل يعيد مساءلة الزمن، وتفكيك ما بدا يومًا بديهيًا، ليفهم نفسه والعالم من جديد.
فى هذا الحوار، نحن أمام رجل لم يطلب من الحياة أكثر من المعنى، خاض دروبًا متعددة، من حقل الطفولة الزراعي، إلى براح اللغة الإنجليزية، ومنها إلى دهاليز الصحافة، ثم إلى فسحة الترجمة التى آوته أخيرًا، لم تكن خياراته كلها سهلة، لكنه اختارها عن وعي، وغالبًا عن ضيق، ضيق من القوالب الجاهزة، ومن الطمأنينة الزائفة التى تمنحها الأيديولوجيات المغلقة.
يتحدث هنا عن الحنين للدائرة المغلقة، لا كنوستالجيا (حنين إلى الماضى) عابرة، بل كحالة حياة كانت، فى نظره، أكثر صفاءً وبساطةً وصدقًا، لكنه لايلبث أن يواجه نفسه بسؤال: هل كانت هذه الدائرة خلاصًا أم سجنًا؟، وهل المراجعة المتأخرة خيانة للماضى أم شرط للفهم؟

الأستاذ المترجم المصري الكبير بدر الرفاعي
فى سيرته، يتقاطع الخاص والعام، من موكب محمد نجيب الذى رآه طفلًا بين سيقان الكبار، إلى نكسة 1967، ثم إلى اكتئاب متأخر أعاد خلط الأوراق كلها، ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية، قصة رجل قرر أن يراجع أفكاره كلها، حتى البديهيات، وأن يكتب بحثًا عن علاج، لا عن مجد شخصي.
وفى الترجمة، وجد نافذته الأصدق، لا يترجم إلا ما يوافق ضميره، ولا يسعى إلا لفتح نوافذ جديدة فى العقل، لايرى الترجمة مهنة بل موقفًا من العالم، وجسرًا مقاومًا للجهل، وكاشفًا لعمق الذات فى مواجهة الآخر.
ترجم بدر الرفاعى على مدى سنواته كتبًا لا تُعدّ مجرد نصوص منقولة، بل كانت أبوابًا مفتوحة على العوالم المتشابكة للفكر والتاريخ والسياسة والثقافة.
فى هذا الحوار، نحن لا نقرأ اعترافات، بل نص مراجعة عميقة لحياة عادية ظاهريًا، لكنها محمّلة بكل ما يُشبهنا: الحنين، الشك، المثالية، الانكسار، ومحاولة الفهم الأخيرة.ما الذى دفعك للحنين إلى الدائرة المغلقة.. وهل الحنين هنا نوستالجيا أم نقدٌ ضمنى للاستمرار داخل تلك الدوائر؟
عندما شرعت فى كتابة هذه السيرة، كان ما يلح عليّ هو اللحاق بتسجيل فترة بعينها قبل أن تمحى من الذاكرة أو تتوارى. فالذاكرة، وهذا ما اكتشفته فيما بعد، انتقائية، تحتفظ بأشياء وتخفى أشياء أخرى. الفترة التى أعنيها هى تلك التى قضيتها فى طفولتى فى بلدتنا بين جدى وجدتى وعمى وعماتي، فى خمسينيات القرن الماضي. دائرة الحياة المغلقة، البسيطة، والمنضبطة، التى لاتعرف الهدر أو النفايات. هدف تلك الدائرة هو سد الحاجة ولامجال للترف، ناهيك عن روح التضامن والتعاون التى تسود بين الناس، وبرغم الفقر والتقشف كانت النظافة هى العنوان، إلى جانب حالة من الرضا تسود الجميع، تعلمت منذ هذه السن المبكرة كل الوظائف المطلوبة لزراعة الأرض ورعايتها حتى تعطى محصولها.
لقد شكلت تلك الفترة نظرتى للعالم وكانت هى النموذج الأمثل بالنسبة لى لما ينبغى أن تكون عليه الحياة الحقة، التى ظللت أبحث عنها وأحاول استعادتها بقية حياتي، انتهيت من كتابة هذا الجزء وظننت أننى انتهيت من المهمة، وحفظت ما اعتبرته الجزء الأهم من النسيان، وأرسلتها إلى أصدقائى المقربين، معظمهم أعجبتهم، ورأى أحدهم أنها مجرد «مناظر ريفية»، لكن أصدقائى ممن أعجبتهم ظلوا يلحون على لاستكمالها.
وجلست مع نفسي، أستعيد شريط حياتى مرارا وتكرارا، أنا من مواليد النكبة العربية (1948) فى العصر الملكي، وبعدها بأربع سنوات قامت ثورة يوليو 1952، وشهدت بعين الطفل ومن بين سيقان الكبار موكب الرئيس محمد نجيب وهو يمر فى ميدان قريب من منزلنا، عشت، طفلا وصبيا، أمجاد عبد الناصر الأولية، من إصلاح زراعى ومجانية التعليم والصحة وتحسين أوضاع الفقراء وانتعاش الطبقة الوسطى وحقوق المرأة والنهوض بالصناعة، ثم سرعان ما جاء العدوان الثلاثى، وحقق فيها عبد الناصر نصرا سياسيا.
عشت مع «ناصر» حلم القومية العربية والعدالة الاجتماعية والكرامة، و»تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا»، لكن الحلم تحول بعد قليل إلى كابوس، فقد أفقت، ومعى جيلي، على نكسة 1967 المريرة، التى أطاحت بكل الآمال، ويوم إعلان ناصر تنحيه عن الحكم، وبرغم مسئوليته عن الهزيمة المرة، خرجنا إلى الشوارع نرفض قراره ونعلن تمسكنا به، لم نكن نعرف غيره، كان حاضرا حولنا فى كل حين، كانت صوره فى كل مكان، فى الشوارع والبيوت والمصالح الحكومية والصحف والتليفزيون، كان الأب والأمل لكل المصريين.
ومحل الحلم والتفاؤل بمستقبل مشرق، حل الشعور بالضياع والمذلة والمهانة، واحتشدنا للتصدى للعدوان، فأقمنا السواتر أمام البيوت وطلينا زجاج النوافذ باللون الأزرق وتدربنا على السلاح، استعدادا لحرب التحرير واستعادة الأرض. وسط كل هذا، مات عبد الناصر فجأة فى 1970. كانت صدمة شديدة، بعد أن تأكد غياب الأب هذه المرة، وخرج الشعب من أقصى البلاد إلى أقصاها لوداع الزعيم، موجات كاسحة من البشر تبكى وتنتحب، شعور عام باليتم، وأعقب ذلك معركة شرسة، داخلية هذه المرة، بين ورثة عبد الناصر.. أنور السادات من ناحية ومراكز القوى من ناحية أخرى، انتهت بانتصار السادات، الذى أعلن فى البداية أنه سيسير «على خط عبد الناصر»، لكنه فى التطبيق سار عكس ناصر تماما، فقد عاد بنا إلى اقتصاد السوق من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي، وأعاد الرأسمالية، وأطاح بالمكاسب الاجتماعية وما ترتب على ذلك من تدهور أوضاع الفقراء والطبقة الوسطى.
ومع السادات، خضنا حرب أكتوبر المجيدة، وشاركت فيها كضابط احتياط فى صفوف الجيش المصري، وانتصرنا على العدو، لكن هذا الانتصار برغم عظمته لم ينجح فى محو مرارة النكسة، واغتيل السادات وسط جنوده فى ذكرى انتصاره، وجاء حسنى مبارك، وبقية الأحداث معروفة.
وقفت أمام شريط حياتى أتأمله، وأقلب فى ثناياه وتفاصيله، رأيت فيه وقائع وأحداثا تستحق الحفظ قبل الاندثار ومن المهم أن تصل للأجيال القادمة، لكن العامل الأقوى الذى حفزنى على الكتابة كان إصابتى بالاكتئاب على أثر أزمة وجودية أطاحت بيقينى واستقراري، بدأت تساورنى الشكوك فى صحة الطريق الذى اخترته، وتوصلت إلى ضرورة مراجعة كل شيء وأى شيء، وعلى رأس كل ذلك الأفكار الأساسية، وحتى البديهيات، التى تصوغ مجمل حياتى وتصبغ هويتي.
أدركت، ضمن ما أدركت، أن الأيديولوجيات مقابر تحبس البشر داخلها وتصيبها بالعمى، وتضع الإنسان فى قالب لايخرج منه، وتحيله إلى كائن متعصب، صرت أنصح أولادى والمقربين مني: إياكم والتعصب لفكرة مهما كان نبلها، واقتنعت فى النهاية بضرورة تسجيل كل هذا، قلت لنفسي: لو وضعت حياتى أمام عينى لربما استطعت أن أضع يدى على سبب اكتئابى وربما وجدت سبيلا للعلاج، وهكذا شرعت فى كتابتها.
من خلال رصدك تحولات المثقف المصرى عبر العقود، كيف ترى علاقة المثقف بالسلطة وبالناس؟
عن نفسي، ابتعدت تماما عن أى شكل من أشكال السلطة، لدى حساسية خاصة تجاه كل ما هو سلطة، ولم أمارسها حتى على أبنائي.
لو أتيح لك أن تعود إلى لحظة حاسمة فى طفولتك أو شبابك لتعيد التفكير بها، هل كنت ستسلك ذات الطريق أم طريقًا آخر أقل حمولة وأكثر خفّة؟
كانت اللحظة الحاسمة عندما بدأت الشكوك تنتابنى فى صحة الطريق الذى اخترته ودخلت فى مرحلة مراجعة كل ما آمنت به وكل البديهيات التى صدقتها طوال عمري.
ما الذى دفعك لاختيار الترجمة كمجال للتعبير والمعرفة، كيف كانت البداية؟
منذ بدء دراستى للغة الإنجليزية فى الصف الأول الإعدادى أحببتها وتفوقت فيها والتحقت بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وبالفعل، التحقت بالقسم بعد حصولى على الثانوية العامة، لكنى بعد حين، بدأت أشعر بالفروق الاجتماعية بين زملاء الدفعة، يضاف إلى هذا ارتفاع أسعار الكتب الدراسية، والتى كانت فوق طاقة الأسرة، فقررت، ومعى زميل آخر، التحويل إلى قسم الصحافة.
فى أثناء الدراسة، عملت محررا بجريدة العمال، لكن العمل بالصحافة لم يستهوني، فالمحررون بمثابة مندوبين لدى شركات وهيئات الحكومة ولا مجال للإبداع أو السبق الصحفي، ناهيك عن الرقابة المباشرة، وكان أول صدام مباشر مع الرقيب السبب الذى جعلنى أتخذ قرارى بهجر العمل الصحفى بعد تخرجي، وحسب رغبتي، رشحتنى القوى العاملة للعمل بإحدى شركات القطاع العام، لأكون وسط الطبقة العاملة، لكنى ضقت ذرعا بالوظيفة بعد حين وعاودنى الحنين إلى الترجمة لإشباع ميولي.
هل تذكر ملابسات أول عمل ترجمته؟
البداية كانت متقطعة وغير منتظمة، وكانت «البروفة» الأولى كتابا صغيرا عن دار الثقافة الجديدة بعنوان «إفريقيا قارة ثائرة»، كانت المكافأة 120 جنيها، فقد كان القرار الجمهورى يحدد سعر ترجمة الكلمة بستة مليمات ويحسبها الناشر بخمسة، تلى ذلك أن وقعت بيدى وثيقة مهمة بعنوان «المخطط الصهيونى للشرق الأوسط فى الثمانينيات»، أرسلها لى صديق مصرى يعيش فى كندا، كانت مجلة الأهرام الاقتصادى فى قمة مجدها فى ذلك الحين، تحت رئاسة الدكتور لطفى عبد العظيم، تعامل الدكتور لطفى مع الوثيقة، حين عرضتها عليه، بسرية وحذر وحدد لى أسبوعا للانتهاء من ترجمتها، ونشرت الوثيقة وتناقلتها معظم الصحف العربية وأحدثت ضجة كبيرة، وبدأ اسمى يُعرف.
أما البداية الحقيقية، فكانت مع كتاب «ضباط الجيش»، حيث طلب منى صديق يمنى يحضر رسالة ماجستير ترجمة فصل من الكتاب للاستعانة به فى رسالته، وبعد أن انتهيت من ترجمة الفصل، استهوتنى ترجمة الكتاب وعرضته على دار للنشر رحبت بنشره، واتفقنا على أن تكون هناك سلسلة لنشر الكتابات الإسرائيلية بعنوان «إسرائيليون وعرب» أتولى تحريرها، وتهتم بالتعرف على منظور العدو للتاريخ والمجتمع المصرى والعربى. وبعد صدور الكتاب الثانى «الحروب العربية الإسرائيلية»، توقفت السلسلة على أثر خلاف مع الناشرة، وأدركت بعدها أن هذا المشروع يحتاج إلى دعم مؤسسى ولا يمكن لفرد أن يتحمله وحده، وبالبحث، عرفت أن هناك مركزا لدراسات الشرق الأوسط تابعا لجامعة عين شمس، لكنى أصبت بصدمة عندما أبلغت أن المركز أغلق أبوابه، وتوقف المشروع.
كيف تختار الكتب التى تقوم بترجمتها؟ هل تحكمك الميول الشخصية أم المشاريع المؤسسية؟
أنا أترجم أى كتب يوافق قناعاتى الفكرية والإنسانية، ويتفق مع أفكار التنوير ويفتح نوافذ جديدة فى العقل، وميلى الأساسى للتاريخ.
اخترت ترجمة كتب «أصوات من مصر القديمة» و«هوية مصر بين العرب والإسلام» و«مصر الخديوية نشأة البيروقراطية فى مصر الحديثة» … هل كان هذا الاختيار نابعًا من أزمة هوية شعرت بها؟
سؤال الهوية لم يغب عنى طوال الوقت. وهو يطرح نفسه بقوة، على الشعوب والجماعات، فى أوقات الأزمات الاجتماعية الحادة بالذات، مثلما حدث فى فترة حكم الإخوان. ولربما كان هذا وراء حماس هيئة الكتاب لإعادة نشر كتاب هوية مصر فى تلك الفترة.
هل ترى أن المترجم يجب أن ينفصل عن أيديولوجيته، أم أن ترجمته بالضرورة تمرّ عبر بوابة موقفه من العالم؟
المترجم الحق يلتزم بقناعاته أيا كانت، ولا يمكن أن يترجم ما يخالف هذه القناعات.
إذن لو قرأنا ترجماتك بترتيب زمني، هل سنعثر على ما يشبه تطوّر أفكارك الشخصية؟
هى بالأحرى رحلة معرفية حكمتها بعض المبادئ: أن تضيف معرفيا؛ أن تدعو إلى التنوير وقيم التقدم؛ أن تقاوم الظلم الاجتماعى والإنسانى وتدعو إلى العدل (مثال ذلك كتاب «نهب الفقراء» من المركز القومى للترجمة، و»منظور جديد للفقر والتفاوت» عن سلسلة عالم المعرفة).
ما العمل الذى تعتز بترجمته أكثر من غيره؟
اعتز بكل ترجماتي، وأعتقد أن كل كتاب ترجمته فتح نافذة معرفية فى عقل القارئ، لكنى أعتز بشكل خاص بكتابى الأخير، «إعلام الجماهير» للباحث الأمريكى أندرو سايمون، الكتاب يتناول فترة تاريخية حديثة، السبعينيات والثمانينيات، كنت معاصرا لها، بل وضالعا فى بعض وقائعها، وهو أمر نادر بين المؤرخين، حيث يفضلون تناول الفترات الأقدم بعد أن تتاح وثائق المرحلة.
بقلم
مي الخولي
مي الخولي كاتبة وصحافية مصرية
**
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ 24 أغسطس 2025 لباب ” مختارات سينما إيزيس “



