في مواجهة الآلة والذكاء الإصطناعي، سيبقى العقل مصدرا للفكر والإبداع، والإختراع والإبتكار. بقلم فكري عيّاد
هذه اللوحة التعبيرية المنشورة هنا في هذا المقال مع غيرها.. قمت أنا شخصيا بتصميمها يدويًا بواسطة الفن الفوتوغرافي المُركب.. منذ أكثر من ثلاثين عام.. بكاميرا نيكون F 2..قبل بدايات الفوتوشوب أو غيره من الأسماء أو البرامج الحديثة التي تُنتج عشرات من الصور الخداعية والصناعية.. ولكن.. سيبقى عقل الإنسان هو مصدر الإلهام والفكر والإبداع.. مهما دارت الدوائر الصناعية..أو الاندفاع خلف تكنولوجيا المعلومات أو صراعات العقول واللامعقول الخفية خلف الكواليس

التي سلبت فكر الإنسانية..!لصراع لم يكن بين آلة وريشة، بل بين وظيفتين للفن.التصوير الفوتوغرافي جاء ليسجل كيف يبدو العالم، فحرر الفن التشكيلي من عبء المحاكاة ليتفرغ أخيرا لسؤال أهم: كيف نرى العالم ونشعر به.لهذا لم يمت الرسم بعد الفوتوغرافيا، بل ولدت الانطباعية والتعبيرية و التجريد. وغيرها من الوسائل المتعدده الأساليب. الآلة أخذت مهمة توثيق الواقع وتركت للإنسان مهمة تأويله.
لو لم يظهر التصوير الفوتوغرافي) ،
لبقي الرسم سجينا لوظيفة واحدة: النقل الحرفي.
، وهذا هو الدرس الأعمق.
التهديد لم يكن نهاية، بل كان ولادة..
وهذه هي الحقيقة جَلِيّة واضحة في كل مسار التاريخ الإنساني.
عندما تخلت الآلة عن مهمة نسخ الواقع، تحرر الفنان من سجن الشبه، فسأل نفسه: إذا كانت الكاميرا ترى الشكل، فماذا أرى أنا؟

من هنا تفجرت المدارس كلها، وكأنها ثمار من شجرة واحدة. الانطباعية رأت الضوء، والتعبيرية رأت الشعور، والتكعيبية رأت الزوايا الخفية، والتجريدية رأت الروح نفسها، وهذا يثبت أن الإبداع الإنساني لا تحدده أداة ولا يقتله برنامج. الأدوات تتغير، والشكليات تتبدل، لكن الحاجة الإنسانية للابتكار والتأويل تبقى هي الأصل. الفن لا يموت بتغير الوسيلة، بل يتجدد بها. الفوتوغرافيا لم تقتل الرسم، بل أنقذته. حررته من مهمة التصوير، ليتفرغ لمهمة التعبير. لذلك انفجرت بعدها كل المدارس الفنية، لأنها لم تعد تسأل “كيف أنقل الواقع؟” بل “كيف أبتكر واقعي الخاص؟” وهذا هو جوهر الإبداع الإنساني، لا يهزمه لا برنامج ولا آلة وهذا هو قانون التاريخ مع كل اختراع.

الآلة لا تمحي الإنسان، بل تكشف الفرق بين الصنعة والإبداع. الذكاء الاصطناعي قادر أن يجمع كل الفنون والآداب والثقافات التي أنتجتها البشرية ويصيغ منها شيئاً جميلاً ومتقناً لكنه يبقى صدى لما كان.أما الإنسان فهو وحده القادر أن يبتكر ما لم يكن. لأنه لا يبدع من قاعدة بيانات، بل من “تجربة حية” ، من ألم وفرح وذاكرة ووجدان .الذكاء الاصطناعي يعرف كيف كتب نجيب محفوظ، لكنه لم يعش حارة نجيب محفوظ. يعرف كيف رسم فان جوخ، لكنه لم يشعر بقلق فان جوخ.لذلك ستبقى الآلة أداة رائعة للتميز، لكن التميز الحقيقي والابتكار الأصيل سيظل فعلاً إنسانياً خالصاً.
بقلم
فكري عياد.

فكري عيّاد كاتب وباحث وفنان تشكيلي مصري مقيم في لندن . المملكة المتحدة



