مأساة ومحنة الذكاء الإصطناعي بقلم فكري عيّاد
“عَنْ مَأْسَاةِ وَمِحْنَةِ
الذَّكَاءِ الصِّنَاعِيِّ”
سَوْفَ يَذْكُرُ التَّارِيخُ لِلْأَجْيَالِ القَادِمَةِ
أَنَّهُ كَانَتْ هُنَاكَ عُقُولٌ آدَمِيَّةٌ تُفَكِّرُ،
وَأَقْلَامٌ تَكْتُبُ بِالحِبْرِ،
وَفُرْشَاةٌ بِيَدِ فَنَّانٍ تَرْسُمُ المَنَاظِرَ الطَّبِيعِيَّةَ،
وَآلَاتٌ مُوسِيقِيَّةٌ تَعْزِفُ عَلَيْهَا أَنَامِلُ بَشَرِيَّةٌ،
كُلُّ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ،
قَبْلَ مَا أَصْبَحَ يُعْرَفُ “بِالذَّكَاءِ الصِّنَاعِيِّ”.

“مَعَ بَطْشٍ وَسَطْوَةٍ،
الذَّكَاءُ الصِّنَاعِيُّ لَا مَفَرَّ مِنْهُ،
وَلَا مَهْرَبَ مِنْ هَبَوَاتِهِ.
وَضَلَالَةُ طَيْشِهِ،
مُتَحَفِّزَةٌ فِي رُعُونَتِهِ،
وَغِرَارَةُ جُنُونِهِ”.
كَتَبْتُ هَذِهِ التَّدْوِينَةَ
حَوْلَ جَلَبَةٍ، هَرَجٍ وَمَرَجٍ،
بَلِيَّةِ “الأَخْطَبُوطِ”
الَّذِي يُوَاجِهُنَا الآنَ،
وَيَطْرُقُ أَبْوَابَ المُسْتَقْبَلِ.
فِكْرِي عَيَّاد
يَا لَكَ مِنْ عَقْلٍ أهوج !
تَمَرَّدَ وَخَلَعَ ثِيَابَ الطَّاعَةِ.
عَصِيٌّ مُتَكَبِّرٌ نَاطِحٌ،
مُعْجَبٌ بِتَجَلِّي فِكْرِهِ،
فِي أُبَّهَتِهِ مُتَغَطْرِسٌ.
عَبَثَ بِنُتْفَةِ جِينَاتِهِ،
وَتَخَبَّطَ فِي غَطْرَسَتِهِ.
كَبُرَ كِبْرِيَاؤُهُ وَشَطَحَ
فِي تَصَلُّفٍ وَتَطَاوُلٍ.
شَطَّ فِي غُرُورِهِ وَجَمَحَ،
زَهْوٌ فِي سِيَادَتِهِ مُتَسَلِّطًا.
أَنْفَاسُهُ مِنْ ذَرَّاتِ تُرَابِهِ!
لَكِنَّهُ لَمْ يَرْتَجِفْ وَلَمْ يَرْتَعِشْ،
أَخْرَقُ فِي ثَوْرَةِ طُغْيَانِهِ.
فَقَدَ رَزَانَةَ بَصِيرَتِهِ.
انْتَفَخَ ثُمَّ انْتَفَخَ مُهَيْمِنًا،
فِي خُيَلَاءِ وَطَيْشِ قُدُرَاتِهِ.
اسْتَعْظَمَ وَتَخَايَلَ وَتَشَامَخَ،
وَفِي عَجْرَفَتِهِ مُخْتَلٌّ.
أَرْبَى وَتَفَاقَمَتْ غِوَايَاتُهُ،
تَضَاعَفَتْ وَاسْتَفْحَلَتْ سَطْوَتُهُ.
زَحَفَ عَلَى كُلِّ مَا حَوْلَهُ،
“الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ”،
خَرَجَ مِنْ عَرِينِهِ مَارِدًا.
اسْتَحْكَمَ وَتَفَشَّتْ أَنْيَابُهُ،
بَثَّ الذُّعْرَ لِكُلِّ مَنْ حَوْلَهُ،
وَالإِنْسَانُ الحَائِرُ فِي أَقْدَارِهِ.
رَاقَهُ وَسَرَّهُ اخْتِلَاقُهُ،
وَسْوَسَةُ وَلَوْثَةُ عَقْلِهِ،
وَالعَقْلُ مُتَصَلِّبٌ مُتَعَاظِمٌ.
تَجَبَّرَ بِلَا مُنَافِسٍ،
لَا يَقْبَلُ المُنَاقَشَةَ،
هُوَ كُلُّ قَامُوسِ المَعْرِفَةِ.
يُدْهِشُنَا وَيَجْذِبُنَا وَيَدْهَسُنَا،
هَذَيَانًا فِي بَهْوِ أَحْلَامِنَا.
وَكَأَنَّ الكَائِنَاتِ الحَيَّةَ
فِي رَوْنَقِ زَيْفِ مَجْدِهَا
دُمْيَةٌ حَجَرِيَّةٌ يَابِسَةٌ،
مُغْمَضَةُ البَصَرِ مُجْبَرَةٌ،
مَأْسُورَةٌ سَبِيَّةٌ مَذْهُولَةٌ
مِنْ قَيْدِ تِقْنِيَّةٍ مُلَغَّمَةٍ،
فِي زَمَنٍ بِلَا فِطْنَةٍ وَأَمَانٍ.
وَ”تِكْنُولُوجِيَا” عَصْرِهَا،
الإِنْسَانِيَّةُ.. يَا وَيْلَهَا!
تَغَرَّبَتْ عَنْ عِبْءِ مَاضِيهَا،
وَفَقَدَتْ مَذَاقَ حَاضِرِهَا،
زَحَفَتْ إِلَى مَضَاجِعِهَا،
وَانْقَرَضَتْ حَقِيقَةُ سُلَالَاتِهَا،
وَأَضْحَتْ مَلَامِحُ وُجُوهٍ هَازِلَةٍ
مِنْ كَهْفِ الأَزْمِنَةِ الجِيُولُوجِيَّةِ،
أَوْ بَقَايَا أَجْسَادٍ مُتَحَجِّرَةٍ.
جُنُونِ وَأَتُونِ العَقْلِ مُتَرَدِّيَةً
فَقَدَتْ قُدُرَاتِهَا وسلوكِهَا.
تَغَيَّرَتْ بَرَاءَةُ مَلَامِحِهَا،
أَسِيرَةٌ مَأْسُورَةٌ مَعْصُوبَةٌ
عَلَى مِيزَانِ عُكَّازِهَا.
وَذَكَاءُ العُقُولِ “الخَاوِيَةِ”!
مُتَسَابِقَةٌ مُتَنَافِسَةٌ
فِي غَبَشِ زَوْرَقِهَا،
مُبْحِرَةٌ فِي رَمْلِ مَدَاهَا،
تَنْتَشِي سَابِحَةً هَائِمَةً.
عَلَى جَنَاحِ خَيَالِهَا،
فِي الأَوْهَامِ مُعَرْبِدَةً.
بقلم
فِكْرِي عَيَّاد

فكري عياد باحث وناقد وفنان تشكيلي مصري مقيم في لندن. المملكة المتحدة



