الموظف البيرو قراطي والتكنوقراطي اللاسياسي العربي بقلم نبيل عبد الفتاح
السياسى فى عالمنا العربي، تشكل تاريخيا فى ظل ميراث الاستعمار الغربى الفرنسي، والبريطانى والإيطالي، وتأثر بسياسات المستعمر الداخلية فى إدارة هذه البلدان، وطبيعة نظام الإدارة المباشرة، أو غير المباشرة، وأيضا بالنظام التعليمي، والأهم أبرزهم من خلال حركة المقاومة ،والسعى للتحرر الوطني.
فى نظام الإدارة المباشرة الفرنسية فى المنطقة المغاربية، تمت الاستعانة ببعض أبناء الشعوب الخاضعة للإدارة الفرنسية حيث تشكلت نواة هشة للإدارة والجهاز البيروقراطى وتقاليده الفرنسية ما بعد الاستقلال، ومعه التعليم ، واللغة الفرنسية، والناطقون بها من الأهالي، بعضهم كان يعرف العربية فى المغرب وتونس وقلة فى الجزائر خاصة من ذوى التعليم الإسلامى .
تشكل سياسى ما قبل الاستقلال أيضا من التعليم الفرنسي، ومعه التعليم الدينى، واللغة العربية. الأهم أن من شاركوا فى حركة المقاومة ضد المستعمر، ووصلوا إلى سدة السلطة بعد الاستقلال، تشكل عقلهم السياسي، من الاطلاع على الثقافة، والسياسة الفرنسية وتجاربها الحزبية!
الدول التى خضعت للاستعمار البريطانى خاصة مصر، والسودان، والعراق، خضعت لنظام الإدارة غير المباشرة وهى مشاركة أهالى هذه البلدان فى إدارة شئونها تحت الإشراف، والهيمنة الإدارية، والعسكرية البريطانية، وهو ما ساعد فى تكوين كوادر إدارية وبيروقراطية، ونظم تعليمية حددتها الإدارات البريطانية، وبعض من عملوا معها من العراقيين، وفى شرق الأردن من أبناء العشائر وقادتها وبعض ابنائها من المتعلمين فى بريطانيا والتعليم لبعض أبناء السودان فى كلية غوردون وفى مصر وبريطانيا ، ودور البيتين الطائفيين الختمية / الميرغانية والمهدية ، وقادتهم التاريخيين .
الحالة المصرية كانت استثنائية فى ظل سياسة الإدارة غير المباشرة، حيث كانت معالم الدولة الحديثة، قد تشكلت فى عصر محمد على، وإسماعيل باشا، وحركة البعثات الأجنبية، والتعليم، والهندسة القانونية الحديثة، وبعض المبادئ الدستورية، من هنا كان السياسى المصرى فى بداياته، ابناً لجهاز الدولة، والتعليم المدني، إلى جانب التعليم الأزهري/ الديني. تشكل السياسى المصرى فى ظل التعليم والثقافة المدنية، ومعه الدور السياسى الوطنى للأزهر والكنيسة القبطية وبعض علمائه ومعهم بعض رجالات الإكليروس فى الحركة القومية الدستورية المطالبة بالاستقلال والدستور.
مع تشكل الأحزاب السياسية المصرية، والسجالات السياسية فيما بين بعضهم بعضًا، وقضايا الحريات والدستور، والأهم الاستقلال الوطني، تطورا مع بدايات تكوين الطبقة الوسطى، من خلال دور التعليم العام المدني، ومدرسة الحقوق الفرنسية أساسا، والانفتاح الثقافى والتعليمى على التجارب السياسية، والفكر السياسى الغربى . غلب على السياسى المصرى سمت التكوين والثقافة القانونية الحداثية ،والثقافة واللغة الدستورية والقانونية السياسية، فى الجدل العام داخل البرلمان، والأحزاب السياسية لاسيما حزبى الوفد والأحرار الدستوريين ، وفى الصحافة والمجال العام السياسي، لاسيما بعد دستور 1923، وفى مقاومة الانقلاب الدستورى لإسماعيل صدقى باشا 1930، حتى مابعد قيام حركة الضباط الأحرار، وتغيير طبيعة النظام السياسي، والتحول من شبه الليبرالية إلى التسلطية السياسية، وسياسات العدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، وحركة عدم الانحياز، ودور مصر الرائد مع الهند، ويوغوسلافيا فى ظل نظام يوليو، استفاد نظام الرئيس جمال عبدالناصر فى إدارة البلاد، وسياساتها الجديدة، على فوائض القومية المصرية والمرحلة شبه الليبرالية وبعض كوادرها، وتكوينهم وارث الحداثة القانونية والسياسية والثقافية المبتسرة، فى كل المجالات.
استمرت تقاليد اللاسياسة، فى تشكيل بعض حكومات أنور السادات مع بعض بقايا شبه الليبرالية، والناصرية ممن عملوا معه كوزراء ورؤساء حكومات، وقيادات الصحف والإعلام، وأجهزة الدولة. بدأت تبلور ثقافة وأدوار البيروتكنوقراطى اللاسياسية هى السائدة، أى وزراء لا سياسيين، فى ظل توظيف مفرط للإسلام سياسيا، واجتماعيا، ضد الاتجاهات الناصرية والقومية العروبية والليبرالية والماركسية فى ظل تعددية سياسية شكلية، ومقيدة، وتوظيف سياسى مفرط للإسلام، بين السادات وبين الإخوان المسلمين والسلفيين ومتمدد فى المجتمع وأجهزة الدولة والتعليم، واختراق الإخوان للقواعد الاجتماعية الشعبية، وقواعدها فى الريف والمدن، ثم للطبقة الوسطى والنقابات المهنية كالاطباء والمهندسين والمحامين وغيرهم، ونشأة الجماعات الإسلامية الراديكالية، ثم الصراع معهم، ونهاية هذه المرحلة باغتيال الرئيس السادات. تمددت تقاليد نظام السادات، مع حسنى مبارك طيلة ثلاثين عاما. تشكيلات الحكومات والوزراء جاءوا من بيئة اللا سياسة، ومن البيروتكنوقراطية، وبعض الموظفين الدوليين السابقين، فى منظمات الأمم المتحدة، وغيرها. فى ظل هذه التطورات للتسلطية السياسية نادرًا ما تشكل السياسي، ابن التعددية السياسية الحرة، ودولة القانون، والحق، والمجال العام المفتوح، وهيمنة الدستور واستقلال القضاء. كان القضاء المصري، مساندًا للحريات العامة فى ظل مبارك، وفى ذات الوقت بدا صمود الجماعة القضائيةجلياً، وصونها لاستقلالها، كجزء من إرثها التاريخى البارز. حدث تغير مهم ما بعد نهاية الحرب الباردة، ودعم بعض الجهات الغربية لحركات حقوق الإنسان الناشئة فى مصر والعالم العربي، حدث تحول عديدين من جيل الحركة الطلابية، وبعض بقايا عناصر من الجماعات الماركسية ــ المحجوبة عن الشرعية–نحو تأسيس بعض هذه المنظمات الحقوقية وتحولوا من الأيديولوجيا الماركسية والليبرالية، إلى إنشاء هذه المنظمات الحقوقية، ومن ثم برز دور الناشط الحقوقى بديلا عن السياسي، والمثقف النقدي، وذلك بجوار التمدد الكثيف للناشط الديني، ودعاة الطرق، ودعاة السلفية بمختلف جماعاتهم، وأصبحت لهم سطوة دينية فى الحياة اليومية، وتداخلوا فى جميع تفاصيل الحياة ، بينما ذهبت المنظمات الحقوقية إلى مخاطبة غالبهم للنخب المثقفة التى انحسر دورها.
بقلم

تبيل عبد الفتاح
نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ الخميس 13 أغسطس 2022 اـباب ” مختارات سينما إيزيس “



