رواية ” استوديو آدم ” 2 بقلم صلاح هاشم
رواية ( استوديو آدم )
(2)
كانت سينما إيزيس تقع في شارع مراسينا، بجوار حديقة حوض المرصود، وعلى مقربة من مستشفى الرمد، في حي السيدة زينب.
كانت مطارنا، وقاعدتنا الجوية، التي ننطلق منها في مغامرات سينمائية عظيمة، إلى عواصم العالم ومدنه، وإلى حكاياته وأساطيره أيضًا، كما في «ألف ليلة وليلة» وفيلم «لص بغداد».

فيلم أمريكا أمريكا للمخرج الأمريكي الكبير إليا كازان
وخلال الخمسينيات والستينيات، ومنذ تأسيسها، لم تكن سينما إيزيس تعرض سوى الأفلام الأجنبية. أما السينمات الأخرى المحيطة بميدان السيدة زينب — سينما الهلال الصيفي، وسينما الأهلي، وسينما الشرق — فلم تكن تعرض إلا الأفلام المصرية والعربية، بفيلمين في كل حفلة.

وكانت سينما إيزيس تقع على بعد خطوات من حينا العريق، قلعة الكبش، حيث تقوم أروقة مسجد أحمد بن طولون، الذي يُعد واحدًا من أهم الآثار الإسلامية في مصر.
كانت الأفلام تنتزعنا، نحن أطفال الحي المشاغبين، من قلب الحارات والممرات الضيقة في قلعة الكبش. وبصورها، وحكاياتها المتخيلة، وديكوراتها، وأجوائها الموسيقية، كانت تنقلنا إلى قلب الميادين الواسعة للمدن الكبرى.
تضعنا على أرصفة محطات القطارات، وتجعلنا نعبر أمام واجهات المتاجر الضخمة، وتحملنا على متن بواخر المسافرين العظيمة، وتدخل بنا إلى ميناء نيويورك، بعد أن تكون قد عرضت لنا، في لقطة قريبة — لا بد أنها صُورت من طائرة عمودية — تمثال الحرية عند مدخل الميناء.

فيلم لص بغداد
وصارت سينما إيزيس بالنسبة إلينا «صندوق الدنيا» الجديد.
لكنها لم تكن صندوق الدنيا القديم، ذلك الذي كنا نتطلع من خلاله إلى صور عنترة وأبو زيد الهلالي والسفيرة عزيزة، وهي تمر أمام الثقب الصغير الذي كنا ننظر من خلاله، والمثبت عليه عدسة مكبرة.
كان صندوقًا من نوع آخر تمامًا.
صندوقًا له أجنحة، يحملنا فوق البساط السحري في فيلم «لص بغداد»، ويحلق بنا إلى باريس ولندن ونيويورك وفيينا وروما، وإلى عواصم ومدن أخرى كثيرة في العالم.
كان يفتح أمامنا، للمرة الأولى، طريق السفر، ويمهد لنا الطريق إلى غزو هذه المدن.
فتحت لنا السينما أبواب الترحال والصعلكة. جعلت العالم في متناول أيدينا، ورتبت لنا، في نسق بديع، وعلى حافة حيّنا الصغير، جميع المدن الكبرى في العالم.
وكنا نحن، العفاريت الصغار المشاغبين، نتوق بشدة إلى الخروج من حينا.
لكننا لم نكن نجرؤ بعد على تخطي عتبته وحدوده، خوفًا من العصي والهراوات التي كانت تنتظرنا، ومن أطفال الأحياء المجاورة — مثل حي طولون — الذين كانوا يقفون لنا بالمرصاد ليمنعونا من المرور.
كانت الأفلام التي نشاهدها في سينما إيزيس — «العصور الحديثة» لتشارلي شابلن، و«المواطن كين» لأورسون ويلز، و«المذنب الخطأ» لألفرد هيتشكوك، و«قصة الحي الغربي» لروبرت وايز، و«إيرما اللعوب» لبيلي وايلدر، وغيرها كثير — تدور أحداثها كلها في المدن الكبرى.
وقد جعلتنا تلك الأفلام نكتشف ملامح مدينتنا نحن، القاهرة، وأحياءها الكبرى: العباسية، وشبرا، وبولاق الدكرور.
وقبل أن نعرف حتى أين يقع ميدان العتبة، أو سور الأزبكية، أو شارع سليمان باشا، أو قصر النيل، كنا قد صعدنا بالفعل إلى أسطح باريس في فيلم لرينوار، وتجولنا في أسواق طوكيو في فيلم لصامويل فولر، ورقصنا مع جورج شاكيريز وناتالي وود في حي هارلم الأسود، في قلب نيويورك، في فيلم «قصة الحي الغربي» لروبرت وايز.
ومكنتْنا السينما، عندما كبرنا، من عبور المحيطات في اتجاه مدن الغرب، قبل أن نكون قد تجرأنا على المخاطرة بتجاوز حدود حينا قلعة الكبش نفسه — إلا بصحبة أهلنا، أو برفقة أبناء الجزارين مفتولي العضلات، الذين كانوا يحتفظون دائمًا في جيوبهم بمديات صغيرة.
وكنا قد اكتشفنا أن هذه «المطاوي»، كما كنا نسميها، أشد فتكًا من العصي والهراوات، بل وحتى من قنابل التراب الصغيرة التي كنا نصنعها في قراطيس من الورق.
شاهدنا «قصة الحي الغربي» في سينما إيزيس، وخرجنا جميعًا من القاعة نطرقع بأصابعنا على طريقة جورج شاكيريز.
وحين كان الليل يهبط على حينا، كنا نجتمع بالقرب من مسجد أحمد بن طولون، في الساحة، أمام دكان عم حسن الحلاق.
وتحت عمود النور، كنا نبدأ في تقمص شخصيات أفلام الجريمة.
— أنت يا فتى تلعب دور ريتشارد ويدمارك.
— وأنت… لا، ليس هكذا ينتزع همفري بوغارت مسدسه. انظر… هكذا يفعل. حسنًا… هذا أفضل بكثير. حياك الله!
كنا نصنع مسدساتنا من الورق المقوى، وكانت طلقات الرصاص تنطلق من أفواهنا:
— طاخ! طاخ! طاخ!
وحين كان أحد المارة يوبخنا لأننا نسد عليه الطريق، كنا نرد عليه بإنجليزية لم نكن قد تعلمناها في المدرسة بعد، إنجليزية اخترعناها بأنفسنا.
كنا نصرخ في وجهه ببضع كلمات لا يفهمها أحد، ثم نركض هاربين لنختفي في لمح البصر.
لقد كلفتنا هذه التمثيليات الصغيرة، التي كنا نؤدي فيها أدوار الأشرار والأخيار في الأفلام على السواء، غاليًا.
وما زلنا نذكر ذلك العازف الأسمر الذي كان يعزف الناي في فرقة أم كلثوم، وكان يسكن في حينا.
كان يصعد إلى بيته في ساعة متأخرة جدًا من الليل، وغالبًا ما يكون سكرانا.
وفي إحدى الليالي، اصطدم بنا أثناء إحدى تمثيلياتنا.
شتمناه وهربنا كعادتنا.
لكن الصبي رمضان، الذي كان أضعفنا عدواً، أمسك به العازف، وراح يضربه ويركله كالممسوس.
استيقظ أهل الحي على صرخات الصبي المسكين، وخرجوا يوبخون هذا العملاق الذي انهال بالضرب على طفل ضعيف بريء — طفل صغير كالقزم أمام فيل، كان يستطيع أن يسحقه بسهولة، مثل وابور الزلط.
وبالطبع، فإن كل ذلك التوبيخ وتلك الشهامة التي أظهرها أهل الحي، ومن بينهم أهلنا، لم تنقذنا من أحزمة الجلد التي كانت تنتظرنا في البيوت، والتي كانت ستهوي على أجسادنا.
لكن هذه الضربات لم تمنعنا من العودة إلى سينما إيزيس، ولا من نقل تمثيلياتنا إلى ساحة أخرى في الحي.

وفي صباح اليوم التالي، حين التقينا نحن الأطفال، ونحن نهبط الدحديرة في طريقنا المعتاد إلى مدرسة حسن باشا طاهر الابتدائية في حي الحلمية — على بعد خطوات من حينا العريق قلعة الكبش — كان أول ما فعلناه أن أخذنا نطرقع بأصابعنا مثل جورج شاكيريز في «قصة الحي الغربي».
وظلت «سينما إيزيس» في أذن كل واحد منا مثل جرس لا يتوقف رنينه، ينادينا إلى مدن العالم.
كنا نتسلل إلى القاعة كأننا ندخل كهفًا صناعيًا مظلمًا.
ثم فجأة، كانت ذرات من الغبار المضيء الراقص تسقط على الشاشة، فتشربها عيوننا.
وكان شعاع الضوء المسلط على الشاشة يتحول إلى جسد وحياة.
وكان يقودنا إلى مغامرة جوالة، فنظل هناك حتى تأتي الموسيقى الختامية فتذيب الظلال على الشاشة.
ثم نخرج ونجلس نتحدث عن أحد الأفلام.
كانت الأفلام التي نشاهدها في سينما إيزيس تجعلنا، نحن الصغار المشاغبين في حينا العريق، نرى العملية التي يخترق بها الإنسان العالم، والعملية التي يخترق بها العالم الإنسان.
في البداية، تكون هذه العملية استكشافًا لما هو خارجنا.
وفي النهاية، تصبح اكتشافًا لما هو في داخلنا.
ويا له من أمر عجيب حقًاـ أن تسكننا هذه المدن الأخرى، مدن السينما، التي ولدت من الخيال والوهم وخداع البصر، في أعماقنا ، أكثر مما تسكننا المدن التي كنا نعيش فيها بالفعل.

فيلم زوربا اليوناني الذي علمنا أن نهزأ بالموت رقصا
المجد إذن لروح الخيال الإنساني، كما يقول الشاعر الفرنسي الكبير أبولينير.
والمجد لروح المخاطرة والمغامرة في هذه المدن الأخرى المصنوعة من الخيال والأساطير والأحلام والأوهام والأفكار المكبوتة.
هذه المدن التي تتيح لنا، نحن البشر، أن نتحرر من قيودنا، وأن نتجاوز الزمان والمكان، وأن نخترق الحدود والأبعاد.
وحين كان الفيلم ينتهي في سينما إيزيس، وحين كنا نعود إلى أرض الواقع، لم نكن نحن، أطفال حينا العريق قلعة الكبش، نعرف بعد ذلك إن كنا إنسانًا يحلم بأنه فراشة، أم فراشة تحلم بأنها إنسان.
صلاح هاشم مصطفى

صلاح هاشم أديب وقاص من جيل الستينيات في مصر وناقد سينمائي مقيم في بلريس. فرنسا
رواية ” استوديو آدم ” للأديب والناقد والمخرج السينمائي المعروف تنشر على حلقات في موقع ” سينما إيزيس ” حصريا



