مسألة الأقليات وأزمات الدولة مابعد الإستقلال بقلم نبيل عبد الفتاح
من المشكلات الكبرى فى المجتمعات العربية ما قبل وبعد الاستعمار الغربى وضعية الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية من حيث تهميشهم، والتمييز إزاءهم، والميل الى ازدرائهم، وبات هذا الميراث التمييزى جزءًا من بعض مكونات الدين الشعبى ومحمولاته من ثقافة المناطق الريفية والحضرية الشعبية، وأساطير العامة، وحكاياتهم الموروثة،

وساعد فى ذلك بعض رجال الدين، وبعض من تفسيراتهم وتأويلاتهم الوضعية والشعبية، وإسنادها إلى بعض الآراء الفقهية للتابعين وتابعى التابعين، او من بعض آراء كبار الفقهاء الوضعية حول الدين دون آخرين على خلافهم فى الرأى وعدم ربط هذه الآراء التمييزية إزاء المختلفين دينيا، ومذهبيا، ــ داخل الديانة الإسلامية الكريمة ــ او المسيحيين واليهود والأديان الوضعية بأوضاع عصورهم، وأسباب إصدار هذه الآراء التميزية ضد المسيحيين، أو الشيعة والإباضية والخوارج.. إلخ.

ومن ثم عدم التراجع عن هذه الآراء والارتكاز على النصوص المقدسة والارتكاز على القيم والمبادئ الكلية للشريعة، وفقه المصالح. من هنا ظل الإرث الدينى التمييزى الشعبى إزاء الأقليات أحد أبرز العوامل فى هيمنة ثقافة كراهية الآخر المختلف، والأحرى التمييز إزاءه، على الرغم من أن المسيحيين العرب وعشائرهم، كانوا ولا يزالون جزءا من المنطقة قبل الإسلام، فى الأردن والشام والعراق ومصر.
فى ظل الاستعمار البريطانى لمصر، والسودان، قام بتوظيف الدين، وجماعاته، وبيوتاته وجماعاته الصوفية ــ فى السودان ــ فى مواجهة الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال والدستور على نحو ما مثلها حزب الوفد، والأحرار الدستوريين. سياسة تسييس الدين فى سياسة الدولة استعارتها الولايات المتحدة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من التقاليد البريطانية، وبعض رجال مخابراتها الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة، وعملوا ضمن أجهزتها الاستخباراتية السى اى ايه.. إلخ. وفق الوثائق البريطانية، وهو ما تجسد فى سياسة الأحلاف العسكرية، مثل الحلف الاسلامى فى مواجهة المد الناصرى على الرغم من فشل هذه السياسة. فإنها أسهمت سلبيا فى تفاقم مشكلة الأقليات الدينية ــ المسيحية الشرقية ــ سياسيا واجتماعيا، وثقافيا، وتعليميا، وذلك للأسباب التالية:
ــ أدى إرث التمييز الدينى والمذهبى إلى تراكم مظلوميات تاريخية إزاء الدين والمذهب المسيطر، محمولًا على تكوين تاريخها الدينى والمذهبى، وهوياتها فى مواجهة هوية النظام الحاكم عائلى، ومذهبى، وطائفهى وأيديولوجى مع حزب البعث فى سوريا والعراق. أدى ذلك، مع النزاعات والتوترات الداخلية إلى صراعات هوياتية، وعدم تشكل قيم ومشتركات جامعة فوق الانقسامات والتعدديات الدينية والمذهبية والطائفى واللغوية، نظرًا لسيطرة استراتيجيات بوتقة الصهر بقوة أجهزة الدولة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، والأيديولوجية، وفى سياسات التعليم ومناهجه وفرض النظم الحاكمة لهويات سلطوية، ومعها تهميش حضور الأقليات فى تاريخها الرسمى، وفى أجهزة الإعلام والتعليم، وتهميش بعض لغات الأقليات ولهجاتها.
ــ ذهبت أيديولوجيا البعث، فى العراق وسوريا إلى أقنعة القومية العربية فى التغطية على القمع الداخلى والاقصاءات، وفى مواجهة الناصرية، والأنظمة المحافظة والتقليدية فى إقليم النفط. اعتمد كلا النظامين على تحالف أقلياتى ضد الإسلام السنى السورى فى عهدى حافظ الأسد، وولده بشار الأسد. فى العراق على التكريتيين وبعض من الموالين من المناطق والمذاهب الأخرى، والأكراد، وبعض المنظرين القوميين، وهو ما فعله مفكرو البعث السورى، وأدى إلى تهميش الإسلام السنى.
ــ تؤدى التوظيفات المضادة للدين فى السياسة إلى هيمنة الدين ومذهبه المسيطر على المجتمع فى جميع المجالات، وفى تفاصيل الحياة اليومية، وعلى إنتاج بيئات ملائمة للتطرف، والغلو وكراهية الآخر المذهبى والأقلوى المسيحى، أوالقومى. ــ غياب المؤسسات التمثيلية السياسية التعددية، أدى إلى غياب بيئة ملائمة لإنتاج الاجتهادات الدينية المواكبة لأسئلة كل مرحلة تاريخية فى مجالات الحياة المختلفة، خاصة حرية التدين والاعتقاد، وممارسة الشعائر الدينية للأقليات، وفرض قيود عليها فى بعض المجتمعات العربية، على نحو أدى إلى وعى جمعى، وشعور جمعى بالإقصاء والتميز لدى المسيحيين العرب، والمذاهب الدينية الإسلامية الأخرى.
ــ حالة الاستعلاء الدينى والمذهبى، لدى الجماعات الاسلامية السياسية السنية والسلفيات الجهادية ــ والشيعية، ولدى بعض رجال الدين، والأشخاص والمجموعات، وأدى إلى تكريس الانقسامات المجتمعية والدينية والمذهبية، وتمددت فى الإدراك والسلوك الشخصى، والجماعى، وهو ما يغذى ثقافة كراهية الآخر المختلف فى التعليم، والعمل، والجوار… إلخ. ــ أدى المد السياسى الاسلامى والمذهبى إلى ظاهرة تديين المناهج التعليمية، وأسلمة شروح المواد التعليمية المقررة، وهو ما أسهم فى تشكيل وعى الأطفال والصبية. – فى لبنان الطائفى، والدول البالغة الهشاشة، أو اللادولة دولة، ثمة مدارس طائفية ودينية، تدرس تاريخ لبنان من منظوراتها الطائفية، وتعزز الوعى الدينى والطائفى لطلابها. ــ تهميش الخطاب الدينى التجديدى حول المواطنة والدولة المدنية ــ والأحرى الثقافية المدنية السياسية ــ وإسناد ذلك إلى المقدس الاسلامى تعالى وتنزه والسنّوى الأكرم فى الإخوة، والمساواة وحرية العقيدة بين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من الديانات السماوية. ــ ميل بعض القيادات البيروقراطية إلى احتواء المشاكل حتى لا تمس مواقعهم فى الحكم المحلى، أو غيرها حال تفاقمها، ويميلون إلى الحلول العرفية، ومن ثم يفقدون القانون فاعليته فى التطبيق دفاعا عن مواقفهم.
كل هذه الأسباب، وغيرها أدت إلى تفاقم مسألة الأقليات فى بعض البلدان العربية، خاصة مع الحروب الأهلية، والنزاعات الداخلية، وعدم الاستقرار الاقليمى ومآلاته فى المستقبل المنظور.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإسترلتيجية
عن جريدة الأهرام بتاريخ الخميس 29 اكتوبر 2026


