الذكاء التوليدي الذاتي والعقل الجيلي المتغير بقلم
يبدو أن عالمنا خرج من عالم المابعديات، وما بعد الحداثة وما بعدها الى عالم الثورة الرقمية، والأناسة الروبوتية، إلى مشارف مرحلة نهايات مركزية الإنسان فى الوجود، والحياة، وهو ما يبدو فى خطابات كبار علماء الذكاء التوليدى، والنخبة الكونية المحدودة من الرأسماليين الرقميين النيوليبراليين، حول مسألة إمكانية السيطرة على الذكاء التوليدى الذاتى أم لا؟ وعلى مستوى قادة القمة فى النظام الدولى المتغير، ورفض ترامب وضع قيود وضوابط على تطويرات الذكاء الاصطناعى، ويرى أن الولايات المتحدة الأمريكية متقدمة على الصين سنة، ولا يوجد بعدهما منافس!

بقطع النظر عن الانضباط الصينى الحذر فى عدم إطلاق التصريحات حول تطورات التقنيات الذكية، إلا أن الموضوع بات يشكل جزءًا من بعض الجدل الكونى حول مآلات التطورات الذكية للذكاء الاصطناعى التوليدى، منظورا إليه من زاوية مسألة السيطرة عليه، وإدارته. مفهوم السيطرة والتوظيف، يشير فى الخطاب السائد إلى الدول، ومن ثم قادتها وحكوماتها والشركات الرقمية الكونية؟ تحت شعار السيطرة لمصلحة الإنسان، والإنسانية، فى منظور الدول الأكثر تطورًا فى عالمنا، بينما المضمر هو السيطرة من أجل مصالح هذه الدول.

خطاب الخبراء فى مجال الذكاء الاصطناعى التوليدى الذاتى محمول على مخاطر تطوره الذاتى، وخروجه على من يديرون، ويطورون انظمته ونماذجه، وبرامجه، بكل انعكاسات ذلك على الحياة الإنسانية فى وجودها ومختلف مجالاتها. حالة التحفيز على الخوف من التطورات التقنية الذكية الذاتية يشير إلى حالة استثنائية ربما لم تشهدها المجتمعات الإنسانية فى مراحل تطورها فى ظل الرأسمالية، وثوراتها الصناعية المتعاقبة، وتستعيد بعضا من تصورات بعض الكتاب فى أوائل منتصف القرن الماضى عن خروج الآلة عن السيطرة الإنسانية، وتحكمها فى الفعل الإنسانى، بل وجوده؟ وايضا فى بعض الأفلام السينمائية والتى تنتهى بسيطرة الإنسان على الروبوت!.
مسألة السيطرة تبدو ممكنة فى الإدراك السياسى للنخب السياسية المسيطرة فى شمال العالم، ما بعد الحرب الباردة! إلا أن تكوين هذه النخب به هشاشة تكوينية وخبراتية يختلف عن غيرها من سياسى ما بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية، والحرب الباردة، -والصراع بين الكتلة الشيوعية، والمعسكر الرأسمالى-، من حيث الرأسمال الخبراتى، ورؤى العالم، والحساسية والخيال السياسى، والاعتماد على مراكز الخبرة والبحث فى إدارة ملفات السياسات الخارجية، والداخلية، ورسوخ المدارس السياسية، ومعها الأحزاب السياسية الكبرى، ومنافساتها ومنظروها السياسيون، ومثقفوها، والصحف والمجلات الكبرى، مع التلفاز والإذاعة!. من الشيق ملاحظة أن نخب ما بعد الحرب الباردة، والثورة الصناعية الثالثة، والرابعة، وتفكيرها السياسى، وأداءها يبدو مسوياته أدنى من زعماء بلدانهم ما بعد الحرب الأولى والثانية والحرب الباردة، على الرغم من أن الثورة المعلوماتية والرقمية والذكاء الاصطناعى وغيرهما فى تحولات كبرى، وناعمة، وخطرة، وتطرح أسئلة معقدة على كل الأصعدة، إلا إنها لم تؤثر إلا على نحو جزئى فى بعض الفكر السياسى الليبرالى، والأنظمة السياسية الديمقراطية التمثيلية، ومن ثم رفد العقل السياسى الغربى بقدرات مؤثرة على اشتغاله وعملياته، وإنتاج الرؤى والأفكار وحساسيته السياسية.
يبدو أن الثورة الرقمية والذكاء التوليدى لم يؤثرا إلا قليلا والأحرى نسبيا على بعض العقل السياسى الغربى، ولا نزال مع رؤساء الحكومات البريطانية، والفرنسية ما بعد جاك شيراك إلى ماكرون، والولايات المتحدة لاسيما من جورج بوش الأبن، إلى ترامب وغرائبيته الوظيفية المثيرة، والخطرة! لم تعد الأجيال الجديدة تلهمها، وتستقطبها السرديات الكبرى، أو الشعارات السياسية العامة، ولا تتأثر كثيرًا ببرامج التلفازات السياسية أو الحوارية كما كان سابقا، ولا حضور المؤتمرات الحزبية كما كان يحدث أثناء الحرب الباردة، أجيال Y,Z وألفا، وبيتا هى أجيال رقمية، وعوالمها، ولغتها، واهتماماتها مغايرة ولم تعد الأفكار الكبرى وإنما اهتمامات مغايرة. الأهم أن الصور النمطية عن الزعماء والقادة السياسيين الكبار أو غيرهم عالميا أو فى بلدانهم لم تعد تحظى ببعض من الهيبة التى كانت، وأضحت مجالا للنقد الحاد، واللغة الساخرة حول صورهم، وتفاصيل سلوكهم، ونظراتهم، ونظام الزى… إلخ. الأخطر هو حالة من بعض الفجوات بين قادة الغرب ما بعد الحرب الباردة وإلى الآن، من هنا يكمن تركيز اهتمامات ترامب، وبعض من قادة شمال العالم، ومعهم نخبة الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية، بالسيطرة على الذكاء الاصطناعي! أو عدم السيطرة لدى ترامب على تطوره لتغدو أمريكا متقدمة على الصين بسنة فى هذا المجال.
السؤال هل السيطرة ممكنة وحاسمة؟ بعد ترامب أو غيره من زعماء شمال العالم، أو النخبة التى لاتتعدى أصابع اليدين من أصحاب الشركات الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية؟ الإجابة السهلة الشائعة نعم السيطرة ممكنة، وتوجيه الذكاء الاصطناعى وفق مصالح الولايات المتحدة، والشركات الرقمية الكونية، ممكن! إلا أن نظرة إلى تاريخ علاقة الإنسان، والدول، والرأسماليات الغربية، بالتطورات العلمية والتكنولوجية، تشير إلى أن مفهوم وإمكانية السيطرة والمنع والحجب لم تكن دائما حاسمة وفاعلًة، فى تطور الاكتشافات العلمية، بل وحتى فى ظل فرض قيود قانونية ودينية على بعض الأبحاث العلمية!. الأخطر أن تسارع التطور الذاتى للذكاء التوليدى سيصبح فى المقبل من السنوات ربما إلى مرحلة ومضائية، وهذا ليس مبالغة فى ظل التطور التقنى فائق التطور، وأثره على إيقاعات الحياة اليومية، الى سياسة السرعة، ومن ثم على التطورات السياسية والقرارات من كل مؤسسات الدولة، التى ستغدو جزءًا من عالم التغير الومضاتى المذهل.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصر ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ الخميس 1 اكتوبر 2026
