خروج الطبعة الثالثة من مجموعة ” الحصان الأبيض ” للقاص والأديب صلاح هاشم مصطفى.فارس الكلمة في صناعة السينما ؟



admin اصدارات كتب, رئيسية, كل جديد 0



admin رئيسية, روح الصورة, مختارات سينما ازيس 0

العالم والوعى بالذات، والآخر تغير منذ التقاط جوزيف نيسيفور نيبس أول صورة فوتوغرافيا ـ 1826 وتصميم المخترع الإسكتلندى أول كاميرا كنيتوسكوب عام 1891، والتقاط روبرت كورنيليوس أول صورة ذاتية عام 1839. أدى هذا الاختراع إلى تغير فى علاقة الإنسان بذاته، والفضاءات التى يحيا فيها، وتكرس ذلك وتطور مع أوجست ولويس لوميير، وجهاز السينماتوغراف عام 1895، ومع السينما الصامتة والناطقة، وتطور فن السينما ومدارسه الإخراجية وظهور التلفاز، كل هذه التطورات التقنية فى مجال التصوير ساهمت -ضمن محركات ودوافع أخري- فى التأثير على الوعى بالشرط الإنسانى، والوجودى، وقامت بإثراء المخيال الفردى والجماعى فى كل ثقافات العالم، ونظمه الاجتماعية والسياسية حتى ظهور الهاتف النقال، وثورة الرقمنة، والذكاء الاصطناعى التوليدى، ووسائل التواصل الاجتماعى.
مرت 184 سنة منذ التقط جوزيف نيسيفور أول صورة شخصية حتى تحميل أول صورة مع تطبيق انستجرام فى 17 يوليو 2010. كل هذه التطورات التقنية من الفوتوغرافيا، إلى السينما، إلى التلفزة إلى الرقمنة كانت انعكاسا للثورات الصناعية، والتخصصات، والتداخل بين الرؤى البصرية، والجماعية، والتشكيلية، وبات عالم الصورة مؤثرا فى الوعى الفردى، والجماهيرى، وأيضا على الوعى والسلوك السياسى، للسياسيين، والزعماء فى السلطة والمعارضة، فى الصحف والمجلات فى الماضى، وفى السينما، والتلفازات، حتى وسائل التواصل الاجتماعي. ارتبطت الصورة الفوتوغرافية، والشرائط السينمائية، والتلفازات بمفهوم الشهرة، والذيوع، والتأثير، والعلاقات العامة، ثم مع أجهزة الدولة الأيديولوجية، على نحو ما كان سائدا فى ظل الإمبراطورية الماركسية اللينية، والتى كانت تعكس أيديولوجيا النظام السوفيتى، وكتلته الاشتراكية، فى التعبئة السياسية، والضبط الاجتماعى والسياسى، وهو ما انتشر أيضا فى دول ما بعد الاستعمار، وحركات التحرر الوطنى العالم ثالثية آنذاك.
فى كل النظم السياسية كانت الصور الفوتوغرافية والسينمائية والتلفازية، هى عماد الأجهزة الأيديولوجية للنظام أيا كانت طبيعته، بما فيها النظم الديمقراطية التمثيلية الغربية، وفى مقدمتها الولايات المتحدة. ظهرت قوة تأثير، ما يمكن أن نطلق عليه سلطة الصورة فى المنطقة العربية مع قوات التحالف الدولى، بقيادة الإمبريالية العولمية الأمريكية، وضرب مناطق متعددة فى العراق، وزحفها لاحتلاله، وإسقاط النظام البعثى بقيادة صدام حسين، والقبض عليه، ومحاكمته وإعدامه فى مشهد بالغ الاستثنائية، والتأثير. أدى تطور الهاتف المحمول إلى تغييرات فى الوعى الجمعى، والعلاقات الإنسانية، ومفاهيم الصداقة، والزمالة، والأسرة، بل والمجتمع،،والعلاقات الطبقية داخله بين السراة عند قمته، والوسط، والأغلبية من المعسورين، وفى اتساع الفجوات بين هذه الطبقات، والأهم الوعى الاجتماعى، والطبقى بالاختلالات فى النظام الاجتماعى. لم يقتصر الأمر على السياسة، والثقافة، بل امتد ذلك إلى تغييرات فى أنماط التدين، خاصة فى العالم العربى، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعى، فى توزيع الخطابات الدينية لرجال الدين الرسميين التابعين للسلطة السياسية والدينية الرسمية، أو دعاة الشوارع، أو الجماعات الإسلامية السياسية والراديكالية والسلفيات الجهادية. باتت المنشورات، والتغريدات، والفيديوهات الطلقة، والوجيزة جداً، التى يتم طرحها وتدويرها على الفضاءات الافتراضية، دعماً للمكانة، ونشر الأفكار النقلية، أو الصادمة، والمثيرة أيضا.
لعبت الفيديوهات الطلقة، دورها فى الكشف عن عمليات الإبادة الجماعية، والنزوح القسرى، من المناطق المختلفة فى قطاع غزة من قبل الجيش الإسرائيلى، بل وفى كشف التصريحات العنصرية من بعض السياسيين الإسرائيليين فى نظرتهم للإنسان والشعب الفلسطينى، بوصفهم حيوانات بشرية!. أدت الفيديوهات الطلقة من قبل المقاومة الفلسطينية، فى ترسيخ قيمتى المقاومة المشروعة، والشجاعة فى عملياتهم تجاه القوات الإسرائيلية، وأسلحتها المدرعة المتطورة، من المركبات والمدرعات، والدبابات الميركافا.
هذا الانعكاس التقنى فى عالم الصور الرقمية، والفيديوهات الوجيزة، لعب دورًا مؤثرًا على عيون، وعقول ووعى مليارات الملايين من الجموع الرقمية والفعلية الغفيرة فى المجتمعات العربية، وأيضا فى الولايات المتحدة، وكندا، وأوروبا، وغيرهم فى عالمنا، وهو ما حرك التظاهرات المطالبة بوقف إطلاق النار، والإبادة الجماعية. ازداد تأثير وسائل التواصل، والفيديوهات الطلقة، فى الكشف عن الانتهاكات الواسعة النطاق للمدنيين، والاعتداءات على النساء، وتدمير الأحياء والمدن، وذلك فى أثناء الحروب الأهلية، والكشف عن مصادر الشراء الفاحش لأمراء الحرب.من مثيل قادة قوات الدعم السريع حميدتى وأخيه..الخ.
دور الصور الفوتوغرافية والرقمية، والفيديوهات باتت تمثل أدوات ضغط، وتأثيرا نسبيا على السياسة، والسياسيين، وأصبحت مؤثرة على الصحافة والإعلام الرقمى، وأيضا على الصحافة الورقية ومواقعها الرقمية لبعض الصحف الكبرى عالميا، كمصادر للوقائع والأحداث السياسية، والعسكرية، والاجتماعية المؤثرة. لا يقتصر دور الصورة الرقمية، والفيديوهات على الحروب، والعنف الدموى، أو غيره من العمليات الإرهابية، والإجرامية، وإنما امتد إلى الزلازل، والبراكين، والوقائع الطبيعية الدالة على اختلال النظام البيئى الكونى على نحو يحفز الوعى بضرورات إعادة التوازن البيئى إلى عالمنا. باتت الصور والفيديوهات الرقمية أكثر تأثيرا، وتوظيفا فى طرائق تفكير، ومحفزات سلوك جيل Z، وسيتزايد تأثيرها مع أجيال الذكاء الاصطناعى التوليدى، والروبوتات، وأيضا على وعيهم الاجتماعى، والسياسى.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر مصري تنويري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

بقلم
رمضان سليم

رمضان سليم ناقد سينمائي ليبي مقيم في طرابلس. ليبيا
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0

في حي السيدة زينب العريق بوسط القاهرة يقع بيت السناري أحد البيوت الأثرية القديمة، بناه صاحبه إبراهيم كتخدا السناري في عام 1216 هجرية ـ 1798 ميلادية، وقد استولت علية الحملة الفرنسية حين جاءت إلى القاهرة سنة 1798 وخصصته لإقامة أعضاء لجنة العلوم والفنون الذين جاءوا مع نابيلون بونابرت.
هذا البيت أقام فيه الرسام العالمي الشهير ريجو مع بقية أعضاء البعثة العلمية الفرنسية وفيه تم إعداد الأبحاث والرسومات القيمة التي تضمنها كتاب «وصف مصر» وفي الفترة ما بين 1917 و1926 أسس فيه شارل جلياردو متحفاً باسم بونابرت، ولكن تم إغلاقه بعد وفاة مؤسسه بمده قصيرة، ثم أخلي عام 1933.
وللأهمية الأثرية لهذا البيت يتم استغلاله بين الحين والآخر في إحياء الليالي الثقافية وعروض الأفلام التسجيلية ذات الصلة بدعم من مكتبة الإسكندرية، وذلك من باب الترويج السياحي وإتاحة الفرصة للزوار المصريين والعرب للاطلاع والتأمل.

وعملاً بهذه القاعدة تم عرض الفيلم التسجيلي « البحث عن رفاعة » للكاتب والمخرج المصري المُقيم في باريس صلاح هاشم، والذي قدم بانوراما كاملة عن الرائد التنويري الكبير، وألمح من خلال رؤيته الفنية، إلى غياب الأجواء الثقافية التي كانت سائدة في عصر النهضة الثقافية، بتأثير رموزها الكبار من العلماء والمُفكرين، حيث حلت الفوضى والثقافة الاستهلاكية، محل القراءة والكتابة والترجمة، والبعثات الدراسية.
وقد دار نقاش طويل حول تفاصيل حياة الرائد التنويري الكبير رفاعة رافع الطهطاوي، المولود في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج في 15 تشرين الأول/أكتوبر عام 1801 والذي ينتهي نسبه إلى محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحُسين ابن فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
ويعد رفاعة أحد رموز النهضة العلمية في عصر محمد علي باشا، وله من المؤلفات الكثير، لعل أهمها كتابه الأشهر «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الذي أنجزه خلال فترة بعثته في باريس التي استغرقت خمس سنوات من 1242 إلى 1247.
وبالعودة إلى بيت السناري والاحتفالية التي أقيمت فيه لعرض الفيلم التسجيلي المذكور « البحث عن رفاعة » لفت النظر حضور أصغر حفيدات الشيخ رفاعة، هدى الطهطاوي، والتي جاءت إلى مقر الاحتفال بالمصادفة وبشكل مُفاجئ من دون علم مُسبق وأدلت بشهادة قيمة

في ما يخُص حياة جدها الأكبر رفاعة بك، حيث أكدت أنه لم يعش ولو يوم واحد في البيت المُشيد حديثاً والكائن في مدينة طهطا، فالبيت بناه ابن رفاعة الأكبر الذي كان يعمل سفيراً في السلك الدبلوماسي، وأوضحت أن بيت رفاعة الأصلي كان كائناً في منطقة «مهمشة» وتم بيعه منذ زمن بعيد ولم يعد أحد يذكر شيئاً عن هذا البيت العتيق العريق الذي أقام فيه فعلياً العلامة التنويري الكبير.نشأ رفاعة رافع الطهطاوي بين عائلة أغلبها من القُضاة ورجال الدين، إذ تلقى وهو صبي صغير عناية فائقة من أبيه الذي اهتم بتحفيظه القرآن الكريم وتعليمه أصول الفقه والنحو، وبعد وفاة الوالد انتقل للعيش مع أخواله ووجد منهم رعاية واهتماماً كبيرين، وألحقوه بالأزهر الشريف وهو في سن السادسة عشرة من عمره عام 1817 ليُضيف إلى معارفه العلمية علم الصرف والحديث والتفسير وغيرها. تأهل الشاب النابغة بعد أن أتم تعليمة الأزهري إلى الالتحاق بالجيش النظامي الجديد الذي كونه محمد علي باشا فعمل إماماً بوصفه من علماء الدين الأجلاء، وبحكم وظيفته تولى تعليم وتثقيف الجنود والضُباط.
وفي منعطف جديد ومحوري حدث تحول جذري في مسيرة رفاعة الطهطاوي إبان سفره لأول مره خارج مصر متوجهاً إلى باريس ضمن بعثه علمية ضمت أربعين دارساً للعلوم المُختلفة وكان عمره حينئذ 24 عاماً، إذ سافر هو وزملاؤه على متن السفينة الحربية الفرنسية «لاترويت» في 13 نيسان/أبريل 1826.
كان الشيخ حسن العطار هو من رشح رفاعة للسفر إلى فرنسا ليكون إماماً وواعظاً للطُلاب الذين كان أغلبهم تركياً باستثناء 18 طالباً فقط يتحدثون اللغة العربية، لذا كان وجود طالب متفوق بينهم أمراً ضرورياً لتعليمهم والتأثير فيهم تأثيراً علمياً إيجابياً.وبالفعل كان اختيار الشيخ العطار لرفاعة الطهطاوي اختياراً موفقاً للغاية ففي خلال خمس سنوات أتقن الشاب الفقيه اللغة الفرنسية اتقاناً كاملاً وقام بترجمة كتابة «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» كأحد أهم إنجازاته العلمية والفكرية.
وبعد عودته إلى مصر عام 1247 عمل رفاعة في مجال الترجمة فاشتغل كمُترجم في مدرسة الطب، ثم عمل على تطوير مناهج الدراسة في العلوم الطبيعية، وافتتح في عام 1251 مدرسة الترجمة التي صارت بعد ذلك مدرسة الألسُن، وعُين بطبيعة الحال مديراً لها بجانب قيامه بالتدريس فيها.
وبتمادي العطاء واستمرار المسيرة تنامى المشروع النهضوي التنويري لرائده رفاعة رافع الطهطاوي فشمل دراسة الفلسفة والتاريخ الغربي ونصوص العلم الأوروبي الحديث، وكان له الفضل في إنشاء مدارس العلوم الإنسانية والعلوم الإدارية والمحاسبة والاقتصاد والرياضيات والصحافة.وقد عمل على إصدار جريدة «الوقائع» المصرية باللغة العربية بدلاً من اللغة التركية، لكن سرعان ما خبت شُعلة التنوير هذه بعد تولي الخديوي عباس حُكم مصر، حيث أغلق مدرسة الألسُن وأوقف حركة الترجمة وقصر توزيع جريدة «الوقائع» على كبار رجال الدولة فقط وقام بنفي رفاعة إلى السودان لمدة أربع سنوات ولكنه عاد إلى موطنه الأصلي مصر بعد رحيل عباس وتولي الخديوي سعيد حُكم البلاد، لتُستأنف مسيرة رفاعة التنويرية مرة أخرى ويُصبح له كل هذا التأثير.


نحن والغرب، أحد أبرز القضايا المركزية التى طرحها بعض الفكر العربى النهضوى، والمعاصر على سجالاته، وانشغالاته، وهمومه منذ مطالع النهضة العربية المغدورة، وحتى تراكمات التخلف التاريخى المركب وتفاقمها فى الحياة داخل المجتمعات العربية، وحول الدولة والسلطة، ونحن أمام تحولات استثنائية، ومشارف قطيعة مع تاريخنا وعالمنا كله، مع الثورة الصناعية الرابعة، وتطورها فائق السرعة.نحن وهم، هل لا تزال الرؤى المتبادلة ساكنة أم اعترتها تغيرات كبرى؟ هذا السؤال وغيره من الأسئلة التى تتناسل من أصلابه، وما وراءه وحوله، قد يبدو محملا بإرث من الإجابات المتعددة، ومعها بعض الثنائيات المتضادة، منذ صدمة الحداثة مع حملة نابليون بونابرت، ومع دولة محمد على وما بعده، ودولة المخزن فى المغرب، ونسبيا مع أول دستور تونسى فى العالم العربى 1861، فى عهد محمد الصادق باى.
إشكالية نحن وهم، والرؤى المتبادلة طرحت نسبيا مع التقدم الغربى، ومدافع نابليون، والتنظيم العسكرى، والمجمع العلمى، ونظام المحاكمة الجنائية –محاكمة سليمان الحلبى- وإلغاء السخرة، وسجلات المواليد والوفيات . ومع تداعيات الصدمة انفجر سؤال لماذا تقدموا ولماذا تخلفنا؟ الذى أطلقه فيما يعد شكيب أرسلان -، وتناسلت الثنائيات الضدية، الدين والتقدم والتخلف، والنص والعصر، والأصالة والمعاصرة، والتقليدية والحداثة. فى ظل هذه الثنائيات الضدية، تشكلت مدارس الفكر والعمل السياسى، من المدرسة شبه الليبرالية، والإسلامية السياسية، والسلفية، والماركسية وتأويلاتها ومنظماتها السرية، وحركة القومية العربية. الثنائيات الضدية، وأسئلتها العامة والسائلة، كانت تدور حول الأسئلة التى تبدو بسيطة، ومعها بعض الإجابات العامة التى تجاوب عن كل شىء، ولا تجاوب عن شىء ما!
لم تكن ثمة رؤى متبادلة، سوى تشكل صور نمطية من كل طرف تجاه الآخر، حيث تسيطر الرؤى الكولونيالية والاستشراقية، التى تحولت بعد الاستقلال عن الاستعمار الغربى، إلى رؤى امبريالية، ونمط من خبراء المنطقة. من المنظور العربى، كان الاستشراق المرتبط بالكولونيالية ينمط العالم العربى، والإسلام، وقلة هى من حاولت فى دأب دراسة المنطقة، وتاريخها، وأديانها ومذاهبها على نحو ما فعلت المدرستان الألمانية والنمساوية.
كان الغرب ولا يزال يبدو واحدًا فى العقل العربى المسيطر مثل الغرب والإسلام فى بعض العقل الغربى الاستشراقى والسياسى، كان الغرب الواحد فى الإدراك العربى النخبوى، سائدا ولا يزال على الرغم من تعدده، وتعقد مجتمعاته وخصوصياتها وهوياتها، ونظمه الاجتماعية والسياسية، وأنماط إنتاجه وعلاقاته فى إطار الرأسمالية الغربية فائقة التطور، وتم اختصارنا فى الدين ومذاهبه على أهميته، أو فى الحفريات الأثرية . ثمة قلة من أميز العقول العربية هم من تابعوا فى أناة، وتعمق، مجريات التغير والتحول فى الغرب المتعدد من منظورات نقدية، وحاولت تفكيك أساطيره، وبعض أوهامه، ونزعت عنه سحره، ورهاب الخوف منه لدى النخب السياسية والفكرية العربية المفتونة به والملتاعة والخائفة من عقابه.
السياقات السياسية، والثقافية، والاجتماعية المتغيرة فرضت أسئلة جديدة مع انهيار حائط برلين ومعه انهيار الإمبراطورية السوفيتية، ثم صدمة الحادى عشر من سبتمبر ومابعد، والقاعدة، وداعش والسلفات الجهادية، وتحولات فى مواقع القوة الدولية، مع الإمبراطورية الأمريكية الإمبريالية، وسطوتها على دول حلف الأطلنطى «الناتو»، ثم صعود آسيا حول الصين، والهند وكوريا الجنوبية، وسنغافورة وماليزيا، وتحول الصراع الدولى من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا قبل طوفان الأقصى. كل هذه التغييرات أدت إلى طرح أسئلة مغايرة لأسئلة محاولات النهضة العربية المجهضة. تغير السياقات، وصعود اليمين المتطرف والإسلاموفوبيا والمواقف الداعمة لسياسة الإبادة الإسرائيلية على الفلسطينيين فى قطاع غزة، وتراجع أدوار فعالية وفاعلية الأحزاب والمؤسسات السياسية والحزبية نسبيا، والتمرد عليها من بعض الطبقات الوسطى فى فرنسا، وبلجيكا على سبيل المثال، كشفت عن تآكل الجاذبية التاريخية للغرب فى بعض نخب جنوب المتوسط.
الغرب متعدد، ومركب، ومعقد، وذو تواريخ متعددة وثقافات متغيرة، مع تحولات عالم المابعديات، والسرعة الفائقة، وثورة الاتصالات، التى أدت إلى تكريس مفهوم نهاية المثقف وأدواره، مع التخصصات الدقيقة، والأهم أثر ذلك على الفلسفات الغربية، وتطوراتها والفجوة بين مفاهيمها المعاصرة، وجذورها فى الفلسفات والفلاسفة السابقين، خاصة مع السرعة الفائقة، وأيضا مع دولة الاستهلاك المفرط، وحرية الاستهلاك الكثيفة التى احتوت معها بعضا من الحريات الأخرى، وكسرت دلالاتها فى أنظمة سياسية ليبرالية تمثيلية، وباتت تؤثر فى مسارات المصارف، والشركات الكونية النشاطات والإنتاج السلعى والخدمات.
تراجع الغرب الأوروبى، مع هيمنة الرأسمالية النيوليبرالية المتوحشة فى سياسات الإنتاج وعلاقاته، ونهاية مفهوم العمل التقليدى، وأثرها على فعالية الحريات العامة، والشخصية وتحولها إلى استهلاك مكثف وتمثيل واستعراضات، وهو ماأدى إلى تغير فى مفاهيم الأنسنة والإنسانية، لصالح حرية الاستهلاك واللذات السريعة، ومن ثم إلى تراجع نسبى فى الاهتمامات الغربية بالديمقراطية والحريات فى مجتمعات العالم الأخرى.
الغرب، أو المجتمعات الغربية المتغيرة، بدأت مع اليمين والشعبوية وعالم ما بعد الحقيقة، تحاول المفاصلة مع جنوب المتوسط واستبعاد بعض من حضوره الأقلوى على أراضيها، ومراقبة الحدود، وطرد موجات الهجرة غير الشرعية، ودعم الأنظمة التسلطية التى تواجه هذه الهجرة بقطع النظر عن مدى احترامها لحقوق الإنسان. لم تعد الوظائف التبشيرية لحقوق الإنسان والقيم الليبرالية، تمثل ذات الأهمية والثقل فى أثناء الحرب الباردة، وبعدها بقليل عقب تفكك الإمبراطورية السوفيتية. قلة من المفكرين العرب البارزين هم من تعاملوا مع الغرب المتعدد من خلال المتابعة العميقة لمجريات مجتمعاته وأنظمته وسياساته، ومعارفه، والأهم الانتقال من المركزية الأوروبية والغربية، والمفهوم الشائع عن الغرب الواحد الجامع لتعددياته إلى نقد المركزية الأوروبية، والغربية، ونظامها الرأسمالى الإمبريالي.
نحن أمام مشارف مرحلة فى التاريخ الإنسانى جد مختلفة عما سبقها تماما. من هنا تنفجر أسئلة مختلفة، ومعها مقاربات تحليلية مغايرة تماماً، من الاصطلاحات، والمفاهيم والنظريات، ومقارباتنا لهذا التحول الكبير. لم تعد هذه الإشكاليات المختلفة مقصورة على الغرب، وإنما تمتد لتواجه الوجود الإنسانى كله، وثقافاته المتعددة فى شمال العالم وجنوبه ومن ثم لن يكون عالم الإناسة الروبوتية مقصورا على أمريكا والشمال، وإنما هناك عالم آسيا الناهضة، وإبداعاتها التقنية الهائلة حول الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية والهند. ثمة ثقافات أخرى، وأديان ومذاهب وضعية وتاريخية عميقة الجذور علينا الانفتاح على هذه الأنظمة الدينية والمذهبية وثقافاتها، لنفهم من منظورات نقدية ما الذى يدور فى عالمنا المتحول.
الأهم هو الانفتاح على تيار التجديد فى الفكر الدينى الإسلامى، واللاهوتى الأرثوذكسى فى منابعه الصافية، حتى نستطيع أن نشارك فى إنتاج أسئلة جديدة، مع الغرب/ الفردى، ومع آسيا الناهضة. من هنا تبدو أهمية مقاربة البروفيسيور عبدالإله بلقريز والبروفيسيور محمد المعزوز، فى معرض الكتاب حول الرؤى المتبادلة بين نحن وهم، وهما من أبرز المفكرين العرب النقديين المعاصرين، ومن سلالة قلة القلة ممن أبدعوا معرفيا – كل فى تخصصه – وأثروا الثقافة العالمة، أو العليا ووسموها بالسمت النقدى فى مواجهة العقل النقلى الساكن فى لغته واصطلاحاته منذ مطالع النهضة العربية وإلى الآن، العقل النقلى فى تعدد منابعه الدينية وشبه الحداثية الذين انتجوا اللغة الخشبية، أو الكلام الساكت.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر مصري تنويري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
***
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ 30 يناير 2025 لباب ” مختارات سينما إيزيس “
admin اصدارات كتب, افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب 0
الكتابة لتحريك الساكن. لاقيمة للقطة لاتظهر فيها السماء والسحب الراحلة . وأنت ، كيف تمضي أنت ؟

admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, لف الدنيا 0
لم أكن التقيته قبل أن يزورني مودعًا (! ) ليبدأ رحلة الهجرة إلى فرنسا. قدم نفسه كاتبًا للقصة القصيرة، وأهداني مجموعته “الحصان الأبيض”، وتحدث عن الرحلة الوشيكة، يشاهد، ويقرأ، ويثري تجربته القصصية من خلال التعرف إلى العالم المصغر الذي تمثله عاصمة النور الثقافي. تناثرت في حوارنا أسماء الرواد رفاعة الطهطاوي وحسين هيكل وطه حسين وتوفيق الحكيم، وإبداعات الرواية الجديدة في كتابات جان ريكاردو ومارترو وكلود سيمون وروبير بانجيه وناتالي ساروت وألان روب جرييه وغيرهم. عرفت – من رسائله الباريسية – أن السينما هي الفن الذي اجتذب اهتمامه، وتابعت مشاركاته في مهرجانات الأفلام، ومقالاته المواكبة للإبداعات السينمائية الحديثة. وحين جاوزت كتبه في السينما وأدب الرحلات مجموعته القصصية الوحيدة، أدركت أنه قد جعل الفن السابع موضعًا لاهتماماته.
بعد ما يقرب من الأربعين عامًا على زيارة صلاح هاشم الوداعية، التقينا في حوار مطول، سداه فن السينما الذي صار هوايته وحرفته.
يجد البداية – التي ربما لم يفطن إليها – في سينما إيزيس، بحي السيدة زينب: كانت مطارنا للانطلاق في رحلات سينمائية عظيمة إلى عواصم العالم ومدنه على جناح الصور. لم تكن تعرض في فترة الخمسينيات والستينيات إلًا الأفلام الأجنبية فقط، تنتزعنا بصورها وأحداثها المتخيلة وأجوائها الموسيقية من قلب الحارات والأزقة الضيقة في حي قلعة الكبش، لتزرعنا في قلب الميادين الواسعة داخل المدن الكبيرة، تضعنا على محطات القطارات، تتحرك بنا أمام واجهات المحال الضخمة، تحملنا إلى بواخر الركاب عبر المحيطات والبحار، صندوق بأجنحة يطير إلى باريس، يجعل العالم في متناول أيدينا.
كنا قد صعدنا – قبل أن نعرف أين ميدان العتبة وسور الأزبكية وشارع طلعت حرب وقصر النيل – إلى سقف باريس في فيلم لرينوار، وتجولنا في حي هارلم في فيلم روبرت وايز” قصة الحي الغربي”، وتجولنا في أسواق طوكيو في فيلم لصامويل فولر. جعلتنا السينما نعبر المحيطات في اتجاه مدن الغرب، قبل أن نقدم على المخاطرة بتجاوز حدود الحي إلًا في صحبة الأهل.
بقيت سينما إيزيس – في أذن كل واحد منا – جرسًا متصل الرنين، يدعونا إلى مدن العالم وقراه وصحاريه وموانيه، نتسلل إلى القاعة كأننا ندلف إلى كهف صناعي مظلم، ويسقط غبار مضيئ على الستارة. وترتوي أعيننا. تصبح حزمة الضوء الساقطة المتراقصة على الشاشة جسدًا وحياة، تقودنا إل مغامرة متجولة، ونظل هكذا حتى ينتهي العرض، ونخرج لنتحدث عن الفيلم الذي شاهدناه.
ثمة أفلام – حسب تعبير صلاح هاشم – أكبر من الأفلام، وأغنى من الكتب، وأعذب من مياه الجداول، أفلام من كوكب آخر، وفضاء آخر، بعظمتها وإنسانيتها وبساطتها. وثمة أفلام تتوهج بالكائنات التي تجعلك تحب الحياة أكثر، وتغسلك بعذاباتها من أدران حياتك وهمومها وتناقضاتها، ثم تجذبك إلى بساط سندسي من الصفاء لتكشف لك عن معاني الصداقة والحب والتضامن والرحمة والخير. وإلى هذه الأفلام تنتسب أعمال المخرجين صلاح أبو سيف وهنري بركات ويوسف شاعين ومجدي أحمد على وداود عبد السيد وعاطف الطيب ومحمد خان.
يجد في هنري بركات رائدًا بكل المقاييس. تواصلت ريادته عبر أفلام تركت تأثيرها في الوجدان المصري: لحن الخلود، الحرام، دعاء الكروان، ليلة القبض على فاطمة، وغيرها من الأفلام التي تزرعنا في ريف مصر الحقيقي، بعيدًا عن أجواء القصور والكباريهات، حتى الأفلام التي تستثير حماسنا، وتشعلنا بالعواطف الوطنية في أفلام مثل في بيتنا رجل والباب المفتوح.
صلاح أبو سيف أستاذ لجيل كامل من المخرجين، تعلموا حرفيات هذا الفن وأسراره على يديه في معهد السينما ومعهد السيناريو ( أدين شخصيًا لأستاذية أبو سيف في معهد السناريو ).
وإذا كانت السينما قد تربت – كما يرى صلاح هاشم – في أحضان التفاهات والميلودارميات الفاقعة، فإن شادي عبد السلام رفع بفيلمه اليتيم” المومياء” شأن السينما المصرية، وقربها أكثر من كلاسيكيات السينما العالمية. حقق سينما مغايرة، تعيد إلينا تراثنا، وتؤكد قيمة الخلود – وهي قيمة مهمة جدًا في الوجدان الديني المصري – بأسلوب سينمائي ملحمي، عذب، قفز بالسينما المصرية إلى قلب تيار الحداثة في السينما المعاصرة، وأعاد إليها ذاكرتها المفقودة.
وثمة أفلام عاطف الطيب التي تتوهج بقدرته الهائلة على تقديم الأفكار الإنسانية والعميقة، بأسلوب جماهيري يصل إلى أبسط متفرج، وبأكثر الأدوات السينمائية تقدمًا، بلا تعقيد ولا افتعال.
أما مجدي أحمد على فهو يضيف إلى تيار سينما الواقعية الجديدة في مصر، التي تلتصق بحياة الناس، لتكشف عن أعماق الروح الشعبية المصرية، ومقاومة هذه الروح لكل أشكال الإلغاء والقهر والعنف.
وبالنسبة لداود عبد السيد، فقد استطاع أن ينطلق من واقعية أستاذه صلاح أبو سيف، ليطورها، ويعمل فيها عمله مثل السحر، ليطل بنا على الروح المصرية التي تضحك في قلب المأساة، وتفلسف وجودها بإنسانية عميقة، تعانق فيها كل الكائنات، فتصل مباشرة، وببساطة، إلى القلب.
ولعلي أختلف مع صلاح هاشم في تقييمه لأفلام يوسف شاهين. إنها – في رأيه – بوابة ثقافية عملاقة إلى التاريخ المصري، وهي – في مجملها – تعطي المعنى لحب هذا الوطن. بل إنه يعتبر شاهين الأب الروحي للسينما العربية الحديثة، بأسلوبه السينمائي الذي استحدثه، فهو المؤسس لهذه السينما الحديثة، منذ بداية الستينيات.
هنا تفرض الموازنة – أو المقارنة – نفسها. أشير إلى اتفاقي – في هذه اللوحات القلمية – مع الصديق المخرج أحمد فؤاد درويش في أن توفيق صالح [ 26/6/1926 ] امتلك مشروعًا سينمائياً، أجاد التعبير عنه فى مجموع أفلامه، بعكس ابن مدينته، وابن جيله وزميله في كلية فيكتوريا يوسف شاهين.
كان مشروع يوسف شاهين أقرب إلى طريقة إلقائه ونطقه التى حرص أن يتكلم بها فى أفلامه حتى كبار الفنانين. يختلف توفيق صالح عن يوسف شاهين فى نظرة توفيق إلى دور السينما المجتمعى، وتعبيرها عن حياة الملايين من البسطاء، ذلك ما تبدى فى كل أفلامه التى تناولت الواقع المصرى منذ “درب المهابيل”. أما يوسف شاهين فقد حاول التجريب بأسلوب السينما الفرنسية، وأسلوب سينما الغرب بعامة. حرص على الحرفية فى الكادرات والأضواء والظلال والمونتاج والتقنيات السينمائية من مزج وتقطيع وفلاش باك وغيرها. اتجه بأفلامه إلى الصفوة، لم يفلت من محاولاته التجريبية سوى أول أفلامه” بابا عريس”، وأجمل أفلامه “الأرض”.
عاش كل من توفيق صالح ويوسف شاهين فترة من حياته فى العاصمة الفرنسية، أفاد توفيق من زخمها الإبداعى والثقافى، لكن نظراته ظلت متجهة إلى الحارة المصرية. كان مهمومًا – كما قال – بالبحث عن لغة سينمائية مصرية خاصة، وتكريس كل ما اكتسبه من معرفة لإفادة صناعة السينما المصرية، ولا يخلو من دلالة تردد توفيق صالح – عقب عودته إلى القاهرة فى 1953 – على دور سينما الدرجة الثانية، يتعرف إلى ردود أفعال المشاهدة فى الجمهور المتلقى. أما شاهين فقد ثبتت نظراته على تجارب السينما الفرنسية، ساعده فى محاولاته ما كان يحصل عليه من دعم حكومى فرنسى.
ولعله يجدر بنا أن نـتأمل نقد صلاح هاشم لفيلم يوسف شاهين “المهاجر”. الفيلم يحتشد بأفكار شاهينية خاصة عن التعصب والتسامح والسلطة، ويتناول المجتمع المصري القديم في صور مسطحة وتبسيطية، وكاريكاتورية أحيانًا. إعلاء قيمة الدرس والتحصيل والتمرد على الأسرة والانتصار بسلاح الإرادة، وأفكار أخرى كثيرة ناقشها الفيلم بالكلام والخطاب في السيناريو، وعلى ألسنة الممثلين،
لكن ذلك كله غاب عن بنيان الفيلم ونسيجه الفني. وإذا كانت وظيفة الفن هي التلميح وليس التصريح كما في الخطاب السياسي، فإن الأفكار أقحمت على الفيلم، وفرضت على المشاهد، ولم تنبع من داخلها. لذلك – والقول لصلاح هاشم – بدا الفيلم في الكثير من أجزائه – بعد بدايته الموفقة – بطيئًا، ولا يحتمل!
يعيب صلاح هاشم على معظم الأفلام المصرية ميلها إلى الإفصاح عن موعظة. ربما لوت ذراع الأحداث، وبدلت مسارها، ليفيق الجاني من فعلته، أو لينال جزاءه، وينتصر الخير – دائمًا في النهاية.
السينما الحقيقية أداة طيعة في يد مخرج فنان، متمكن، يجسد بها صور الواقع والأوهام والأحلام، والأفلام الحقيقية هي التي تقدم لنا صورة العالم، بكل تناقضاته وأزماته وحروبه ومآسيه، تدعو المتلقي إلى المشاركة حتى لا يقنع بالفرجة فحسب، وإنما يسعى إلى أخذ موقع من هذا العالم، وقضايا العصر المصيرية.
ولصلاح هاشم رأي في الأفلام العربية التي تعالج قضايا المرأة. إنها مجرد محاولات للخروج من الحبس والانعتاق، بالتحايل على الرقيب والمنتج والسلطة السياسية، والخروج إلى الناس، تخاطبهم بمشكلاتهم وما يعانون. يضيف أن العقليات القديمة لا تزال مهيمنة على السلطة السياسية في بلدان العالم الثالث، لا تستطيع أن تحل للناس مشكلاتهم، ولا تقدر على محاربة التيارات التي تريد – بسطوة السلاح – جذب مجتمعاتنا إلى عصور الانحطاط والتخلف.
في المقابل، فإن المهرجانات الدولية التي تعرض لسينما المرأة – أو أفلام النساء – تعني بتقديم قضايا المرأة ومشكلات عصرها ومجتمعاتها، وتحاول اجتذاب الجمهور العريض – من الجنسين – على أوسع نطاق، للتعرف إلى وجهة نظر المرأة، وتفهمها، ومناقشتها أيضًا، مع المخرجات المبدعات.
اللافت أن هذه الأفلام تجاوز المتوقع، فلا تعلو بالصراخ والعويل، وإنما تكشف – بأسلوب يقترب من روح الشعر – عن مشكلات المجتمع، ويستبدل بالكلام الزاعق الهمس الرومانسي، لكي يصالح بين المتناقضات، بين المأساة والملهاة، والمرأة – عمومًا – أقدر في أفلامها على التأثير في المتلقي، بعيدًا عن الحساسية البيولوجية.
سينما الواقع- السينما التسجيلية – التي يقام لها في العاصمة الفرنسية مهرجان سنوي، هي التعبير الصادق عن دور الفن السينمائي، بعيدًا عن أحلام وأوهام السينما التجارية. إنها تضم الأفلام القصيرة والطويلة التي تضع الكاميرا في قلب الواقع، وتصور حياة الناس دون تزويق أوتزييف، بعيدًا عن السينما الروائية التي تعتمد على سيناريوهات مكتوبة من إبداع الخيال، وتصور أحداثها داخل استديوهات السينما. القيمة الأهم لهذه السينما أنها تفتح أعيننا على الحقيقة، من خلال مدرسة جيل كامل من المخرجين العمالقة، دخلوا هذا المجال منذ البداية، وأبدعوا فيه، وظلوا مرتبطين به حتى بعد أن تخرجوا في ” معهد الكامير المحمولة على الكتف” التي تخوض زحام الناس في الشوارع، وتلتحم بهم، وتسألهم عن واقعهم، وترسم – من خلال رصد الظواهر – مسيرة النوع الإنساني وقدر البشر. إنها – والكلام لهاشم – النوع الأصلي الذي يعيد إلى السينما ذاكرتها الأولى، ويجعلها “وثيقة” تاريخية للأجيال القادمة، ويجعل السينما أداة للتفكير في تناقضات المجتمع.
انطلاقًا من هذا المعنى فإن الأفلام الوثائقية هي السينما الحقيقية التي تشتري حريتها، ولا تدخل في مساومات ومفاوضات، ولا تقدم تنازلات في ساحة الفيلم التجاري الذي تتحكم فيه عوامل انتاجية ضخمة، تفرض أثقالها وقيودها على العمل، وتكبله. الفيلم القصير ساحة للحرية والتجريب الفني المعملي، تحاول أن تجسد – في لحظات – طموحات الفنان الحقيقي وأحلامه وآماله في مخاطبة الذات الإنسانية. ولعل أهم ما في الفيلم القصير الروائي والتسجيلي ثلاثة عناصر أساسية تشكل وجوده الديناميكي، وهي الصفة الشخصية للفيلم في ما يمكن أن نطلق عليه الذاتية عندما يصبج الفيلم القصير أشبه برسالة حب شخصية للتواصل مع كل الناس، كما لو أن الفيلم سيرة ذاتية لصاحبه.
سألته: لهذا جاء انحيازك للفيلم الوثائقي؟
قال: الفيلم الوثائقي رحلات استكشاف ومغامرات في التاريخ والجغرافيا والقيم والمعتقدات والتقاليد. قيمته الأهم في نقله الواقع كما هو، دون حذف ولا أضافة ولا تعديلات. كلما صدق في التعبير عن الواقع صار أقرب إلى وجدان المتلقي. الفيلم الذي يلجأ مخرجه إلى المخيلة، أقرب إلى كاتب السيرة الذاتية التى يداخلها الخيال والحكايات غير الحقيقة وادعاءات البطولة. إذا لم يحترم مخرج الفيلم القصير ذكاء المتلقي، وقدرته على التفرقة بين ماهو حقيقي وكاذب، فإن المتلقي سينصرف عن الفيلم باعتباره بضاعة زائفة!

ينفي صلاح هاشم مقولة إن السينما العربية لم تعد تطعم خبزًا. إنها تطعم تجار الفن في بلادنا، بعد أن تحولت على أيديهم إلى تجارة.. المنتج هو الذي يتحكم الآن في كل شيء، لا هم لغالبية المنتجين إلًا الكسب السريع، بعد أن فهموا قواعد اللعبة في إطار النظام العالمي الجديد، وفي ظروف اجتماعية ترفع شعار اخطف واركض. من هنا تأتي الأسئلة: هل الناس في بلادنا في حاجة إلى السينما؟ هل الأفلام ضرورة في حياتنا؟ لمن نصنع هذه الأفلام؟ أين تعرض؟ من يشاهدها؟
جزء من أزمة السينما العربية، أن العمل فيها يسير بالنية الحسنة. يتوقع غالبية صناعها أن يفتح الله عليهم أبواب الرزق مع بداية كل فيلم يحط من الذوق الفني، ويخدر العقول. ومن الصعب أن تجد ممثلًا يعلل نجاحه أو فشله لأداء دور معين، هو يرجع أسباب هذا الفشل إلى سبب آخر غير التمثيل. ربما تفاهة القصة، أو ضعف السيناريو، أو قلة حيلة المخرج والفنيين.
حتى تتخطى السينما العربية ما تواجهه من مشكلات وعقبات، فإن المطلوب أن نتعرف -بداية – إلى مشكلات السينما المصرية، فعلى عاتقها الآن صناعة السينما العربية، هي التي كان تقود، ولم يعد ذلك كذلك، وعندما تنهض من كبوتها سيصير لهذا الفن شأن، فمصر – باعتراف الجميع – هي وطن السينما العربية. عندما يصبح الفيلم المصري، والعربي بالتالي، كائنًا حيًا نابضًا، يتنفس، وتصبح الأفلام ضرورة مثل الهواء الذي نتنفسه، ومنهاجًا للدراسة، ووثيقة الصلة بحياة الناس، وثقافتهم، وحضارتهم، فإن فن السينما سيقوى، ويكتسب المزيد من العافية، ويصبح لدينا سينما بحق وحقيق.
صلاح هاشم مصطفى من مواليد القاهرة في 12 نوفمبر 1946. حصل على ليسانس في الأدب الإنجليزي من جامعة القاهرة سنة 1969، وعلى ماجستير في الحضارة الأمريكية ( أدب الزنوج في أمريكا )، ودبلوم في الدراسات السمعية والبصرية من جامعة فانسان الفرنسية.
أخرج الفيلم التسجيلي” كلام العيون” في باريس سنة 1976. ثم أخرج أفلام: ” البحث عن رفاعة” ، “وكأنهم كانوا سينمائيين” ، “القاهرة 24 ساعة”، “حكايات الغياب” . من كتبه:” الوطن الآخر، سندباديات مع المهاجرين العرب في أوروبا وأمريكا” ، ” السينما العربية المستقلة – أفلام عكس التيار” ، السينما العربية خارج الحدود” ، “تخليص الإبريز في سينما باريز” ، ” الواقعية التسجيلية في السينما العربية الروائية” ، ” مغامرة السينما الوثائقية – تجارب ودروس” ، “كرسي العرش – حكايات من قلعة الكبش” و “موسيقى الجاز” ، “سينما السود في أمريكا”، “سينما الواقع – إطلالة على حداثة السينما الوثائقية المعاصرة” ..
ترجم أعمالًا لطاغور وكازنتزاكس وهرمن هسه وهوشي منه وهمنجواي. رأس تحرير مجلة” الفيديو العربي” الفنية الشهرية التي كانت تصدر في لندن أوائل الثمانينيات. شارك في عضوية لجان التحكيم الدولية في المهرجانات السينمائية الدولية. يعمل مستشارًا إعلاميًا للعديد من المؤسسات والمهرجانات السينمائية الفرنسية.
سألته: ما الصورة التى تعلق بذاكرتك منذ سفرك إلى باريس؟
قال: صورة تخيلتها في ميدان الكونكورد. رفاعة الطهطاوي وهو يتابع الفنيين الفرنسيين يضعون المسلة المصرية، مسلة آبائه، في موضعها الحالي بالميدان، تعبيرًا عن الحضارة القديمة، العظيمة، وهي تعلو، وتشمخ في قلب عاصمة النور.. الحديثة.

***-
وبعد أن قرأ الأستاذ الفنان والباحث التشكيلي الكبير فكري عياد مقال ” ناس من مصر ” المرفق..” صلاح هاشم غواية السينما ” وأعجب به كثيرا،إرسل إلي التعليق التالي، الذي نشرناه في موقع ” سينما إيزيس” ويقول فيه :
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0

ناس من مصر في وداع الأمير
عمنا وكاتبنا المصري الكبير المرحوم محمد جبريل كتب في باب ” ناس من مصر ” بجريدة ” القاهرة ” – العدد 1106- بتاريخ 28 سبتمبر 2021 ، مقالا رائعا بعنوان ” ناس من مصر . صلاح هاشم غواية السينما “

ليرسم صورة بورتريه للحصان الشارد، كاتب هذه السطور – الذي خطفته جنية السينما وأفلام سينما إيزيس في السيدة زينب منذ صغره ،
فيروح محمد جبريل يحاوره، ويكتب بحب عن مغامرة الحياة المثيرة التي عاشها ذلك الصغير، ليلحق بركب المشاءين الكبار، ويدلف الى داخل شرنقة الحب الصوفي، على درب التنوير.
حتوحشنا جدا جدا يا أستاذ، ولن ننساك ابدا ، فقدشرفتنا، وغمرتنا بإعجابك وحبك، و كنت صورة لمدينتك الأسكندرية ،التي جعلتها تسكن قلوبنا وروحنا، بكتاباتك وحكاياتك ورواياتك، ونشم فيها دوما عطر بحر الأحباب ،من عند أدهم وسيف وانلي، وسيد درويش ، و قسطنطين كفافي، مرورا بتوفيق صالح، وبنات بحري ، ومفروزة، والميناء، و سيدي مرسي أبو العباس.
وداعا يا حبيبي الأمير
صلاح هاشم مصطفى
مؤسس ورئيس تحرير موقع ” سينما إيزيس “
People of Egypt Bidding Farewell to the Prince
Our great Egyptian writer, the late Mohamed Gibriel, wrote a wonderful article titled “People of Egypt: Salah Hashem, the Seduction of Cinema” in the “People of Egypt” section of Al Kahera newspaper (Issue No. 1106, dated September 28, 2021).
In this piece, he painted a portrait of the wandering horse—this writer of these lines—who was captivated by the genie of cinema and the films of Cinema Isis fin Saida Zeinab from a young age.
Mohamed Gibriel engaged in a heartfelt dialogue, writing with love about the thrilling adventure of life that this child experienced as he joined the ranks of great wanderers and stepped into the cocoon of mystical love, on the path of enlightenment.
We will miss you dearly, dear scholar , and we will never forget you. You honored us, overwhelmed us with your admiration and love, and you were a true reflection of your city, Alexandria. Through your writings, stories, and novels, you made it dwell in our hearts and souls, where we always breathe in the fragrance of the beloved sea—from Adham, Seif Wanly, and Sayed Darwish, to Constantine Cavafy, passing by Tawfiq Saleh, the daughters of Bahari, Mafrouza, the port, and Sidi Morsi Abu Abbas.
Farewell, my beloved prince.
— Salah Hashem
Founder and Editor in Chief of CINEMAISIS SITE
Les gens d’Égypte font leurs adieux au prince
Notre grand écrivain égyptien, Mohamed Gibriel, a écrit un magnifique article intitulé “Gens d’Égypte : Salah Hashem, la Séduction du Cinéma” dans la rubrique “Gens d’Égypte” du journal Al-Qahera (numéro 1106, en date du 28 septembre 2021).
Dans ce texte, il a dressé le portrait du cheval errant—l’auteur de ces lignes—qui fut envoûté dès son enfance par la génie du cinéma et les films de Cinéma Isis.
Mohamed Gibriel dialogue avec lui et écrit avec amour sur cette aventure palpitante qu’a vécue cet enfant, qui rejoignit les rangs des grands marcheurs et entra dans le cocon de l’amour mystique, sur le chemin de la lumière.
Tu nous manqueras énormément, cher professeur, et nous ne t’oublierons jamais. Tu nous as honorés, comblés de ton admiration et de ton amour, et tu étais le reflet fidèle de ta ville, Alexandrie. Par tes écrits, tes récits et tes romans, tu nous l’as fait aimer, nous permettant d’y sentir toujours le parfum de la mer bien-aimée—depuis Adham, Seif Wanly et Sayed Darwish, jusqu’à Constantin Cavafy, en passant par Tawfiq Saleh, les filles de Bahari, Mafrouza, le port et Sidi Morsi Abu Abbas.
Adieu, mon prince bien-aimé.
— Salah Hashem

admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0
















