فلنجعل من رمضان شهرا للسينما الوثائقية في مصر بقلم صلاح هاشم



admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0



admin رئيسية, شاشة باريس, شخصيات ومذاهب 0
سابين أزيما في لقطة من فيلم ” يوم أحد في الريف” لبرتراند تافرنييه
أحببت الفنان والمخرج والمؤرخ والمنتج والموزع والمفكر السينمائي الفرنسي الكبير برتراند تافرنييه ، من مواليد مدينة ” ليون” وسط فرنسا في 24 ابريل عام 1941، وتوفي في قرية سان بول اقليم الفار في 25 مارس2021 عن عمر يناهز 79 سنة،
أحببته من أول لحظة التقينا فيها، وكان ذلك منذ أكثر من عشرين عاما، في قلب سفارة أندونيسيا في باريس. ومن هنا تبدأ الحكاية..
![]()
فقد كانت السفارة أقامت حفلا لتكريم الممثلة الاندونيسية الكبيرة كريستين حكيم، بسبب حضورها الى فرنسا، ومشاركتها بفيلم من بطولتها ،في مهرجان( القارات الثلاث ) في مدينة نانت الفرنسية،وكانت كريستين، التي حضرت عرض فيلمها في نانت، وأجريت معها حوارا طويلا لمجلة ” كل العرب” الاسبوعية التي كانت تصدر من باريس آنذاك في فترة التسعينيات،
دعت فقط لحضور حفلها،من بين كل النقاد والصحافيين، الذين التقتهم في المهرجان،دعت- لدهشتي – برتراند تافرنييه،وكاتب هذه السطور،وكان لقاء تافرنييه، الفنان الحكاء، والمخرج اللطيف المهذب، أجمل ماوقع لي في ذك الحفل التاريخي البهيج ..
فقد بهرني تافرنييه، ليس بجسده العملاق، وقامته،بل بأدبه الجم، وتواضعه النبيل،وأخلاقه العالية،وخجله الكبير،وإنسانيته الجمة،ومعارفه السينمائية الواسعة،وبهرني أكثر،عندمااقتربت منه،وصرناأصدقاء،بسبب ثقافته السينمائية الموسوعية المذهلة..
ليس فقط،في مايخص السينما الفرنسية،ونجومها ومخرجيها، وتاريخها وذاكرتها وأسرارها، وتفاصيلها، بل في مايخص أيضا السينما الأمريكية الكبيرة،والأدب الأمريكي، وموسيقى الجاز وأعلامها،
وربما كان فيلم ” حول منتصف الليل “AROUND MIDNIGHT الذي أخرجه تافرنييه، من أهم الأفلام التي صنعت،عن موسيقى الجاز والسينما، وعلاقة موسيقى الجاز،وارتباطها ومنذ نشأتها، بتاريخ العبودية ،في أمريكا، ونشأة السينما كفن، في الربع الأول من القرن العشرين..
الأب الروحي للسينما الفرنسية

برتراند تافرنييه
ولم يكن تافرنييه الذي أخرج أكثر من 30 فيلما، وعرفته وأحببته، وأحببت أفلامه التي تحكي جميعها عن “الأسرة “، أو المجموعة الإنسانية ، و قيمة الحب في حياتنا،والكيفية التي يمكن من خلالها، أن نتجاوز مشاكل وأزمات وتناقضات مجتمعاتنا ونناضل، وبكل تلك القيم التي يفاخر بها الإنسان، لكي نسمو بإنسانيتنا،خارج مجتمعات الاستهلاك المادية الكبرى ونرجسيتها المقيتة، وفقط عندما نستشعر، بأن الإهانة التي تلحق بإي إنسان في العالم ،هي إهانة للإنسانية جمعاء..
لم يكن برتراند مخرجا- أفلام ” يوم أحد في الريف “UN DIMANCHE A LA CAMPAGNE و ” ساعاتي حي سان بول ” و ” فليبدأ الحفل ” وغيرها فحسب، بل كان أيضا مؤرخا – فيلم ” رحلة في السينما الفرنسية ” فيلم وثائقي طويل ورائع،يستغرق عرضه أكثر من 4 ساعات، ويعد في مجمله، “تحية حب وتقديس وتكريم :للسينما الفرنسية وتنوعها الهائل، كما في تنوع DIVERSITY أفلام تافرنييه ذاته، الذي جرب كل أنواع الأفلام – في ما عدا أفلام نوع الوسترن ،ونوع الكوميديا الموسيقية –والذي أطلق من خلال أفلامه شهرة مجموعة كبيرة من الممثلين والممثلات الفرنسيين في الع
فن إدارة الممثل
لقطة من فيلم ” إزالة ” COUP DE TORCHON تظهر فيها ايزابيل أوبير وفيليب نواريه
والقائمة هنا طويلة جدا ،وتضم أسماء كثيرة مثل فيليب نواريه، وسابين ازيما، وايزابيل أوبير وناتالي باي وغيرهم، وقد كان تافرنييه أيضا مؤلفا – كتاب ” السينما الأمريكية في خمسين سنة ” ومنتجا – من خلال شركة ” الدب الصغير ” التي أنشأها – وكاتب سيناريو، لغيره من المخرجين،، ومدافعا عن التراث السينمائي الفرنسي، وضرورة الحفاظ عليه من الضياع والاندثار- شغل تافرنييه منصب رئيس “معهد لوميير” السينمائي في مدينة ليون،
للحفاظ على تراث الشقيقين لومير اللذين اخترعا السينماتوغراف- كما كان مناضلا ضد الحروب، والكلونيالية- الاستعمار، كما في فيلمه البديع،أو بالأحرى من وجهة نظرنا، رائعته ” (COUP DE TORCHON ) وتنعي حرفيا ضربة خرقة بمعنى تنظيف أو إزالة – إزالة كل وسخ المستعمرين الفرنسيين الأجانب في الفيلم الذكي – و كذلك العنصرية البغيضة في فرنسا، والفاشية المنظمة، وضياع الشباب الفرنسي، الذي يريد أن يصل بسرعة، من دون ثقافة أوخبرة وتمرس، وأن يحصل على المال بأي وسيلة، كما في فيلمه الأثير ” الطعم ” LAPPAT – حتى صار تافرنييه “الأب الروحي” LE PARRAIN للسينما الفرنسية بالفعل – كما وصفته جريدة الفيجارو- وعن إستحقاق وجدارة.
وحيث تقف معظم أفلامه ” الكلاسيكية ” التقليدية، من نوع ” سينما الجودةQUALITY ” في فترة الخمسينيات، وقبل ظهور حركة ” الموجة الجديدة ” في السينما الفرنسية.تقف في خندق الدفاع عن المرأة، وحقها في الحرية ،والمساواة ،وقد تمثلته وأحببت أفلامه ” الإنسانية الواقعية ” من خلال أبطالها،وأعجبت بفن تافرنييه الكبير- الذي تجري فيه السينما مجرى الدم في العروق- في ” إدارة الممثل ” – على طريقة المخرج الأمريكي العظيم إليا كازان، كما في فيلم ” رصيف الميناء” ،الذي يدير كازان فيه الممثلين الشامخين العملاقين مارلون براندو ورود ستايجر،وعشقه الكبير تافرنييه للمسرح، والممثلين المسرحيين..
ويظهر ذلك الفن- فن إدارة الممثل عند تافرنييه – في أبلغ صوره، في رأيي، في فيلم ” القاضي والقاتل ” الذي يلعب بطولته الممثل الفرنسي فيليب جالابرو، فعلى الرغم من أن جالابرو، كان يصنف كممثل كوميدي، ويشارك في أفلام ليو دو فينيس الكوميدية، مثل فيلم ” جندرمة سان تروبيزا” ، استطاع تافرنييه أن يحدث انقلابا رهيبا ،في مسيرة جالابرو السينمائية ومنحاه في التمثيل، حين جعله يضطلع ببطولة فيلم درامي تاريخي، يثير الكثير من الجدل( القاضي والقاتل ) وينجح ويبرز فيه بتمثيله، ويحصل على عدة جوائز ، ويفتح تافرنييه هكذا لجالابرو، الممثل المسرحي الكبير،سكة جديدة..
” السعادة ” بعد مشوار السينما الطويل

في كتاب بعنوان” برترند تافرنييه . السينما في الدم. محاورات مع برتراند تافرنييه ” للكاتب والناقد السينمائي الفرنسي نويل سومسولو، ويحكي فيه عرّاب أو الأب الروحي للسينما الفرنسية، عن مسيرته السينمائية الكبيرة، وعن هذه السينما الفن الرائع، الذي يفتح لنا سكة للفهم والوعي، على درب التنوير، وهو يعلي، ويذكي فينا، من قيمة الفضول، يسأل نويل تافرنيه..
“.. ماهو تعريفك يا تافرنييه.. لـ ” السعادة ” ..وماذا تعني لك ؟” ..
فيرد تافرنييه- الدرويش، المخرج الفرنسي، من الحكائين والمشائين الكبار، وأعظم الحكواتية في عصرنا ، يرد قائلا :
” ..السعادة الحق يانويل، أن تستيقظ صباح كل يوم، وتجد نفسك مازلت على قيد الحياة، ياللمتعة، فتأمل أن يكون يومك، أجمل من الأمس ، وأنت تدلف الى بحر الحياة، من دون خوف، أو وجل. لاشييء.. سوي السينما “..
وداعا تافرنييه..
صلاح هاشم

برتراند تافرنييه يتسلم جائزة الأسد الذهبي لمجمل أعماله من مهرجان فينيسيا
صلاح هاشم
ناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا ومؤسس موقع سينما إيزيس عام 2005 في فرنسا
admin رئيسية, شاشة باريس, شخصيات ومذاهب 0

admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0
![]()
فيلم ” أمل ”
الى أي حد إستطاعت الأفلام الوثائقية الجديدة، القادمة من أنحاء العالم، من لبنان وفلسطين والسودان وفرنسا واليونان ومصروغيرها،والتي شاهدتها حديثا في بعض مهرجانات السينما الوثائقية الحديثة ،ومن ضمنها مهرجان ” الشاشات الوثائقية ” 22 في باريس، وبعض عروض الفيلم الوثائقي التي حضرتها في مصر
الى أي حد إستطاعت أن تعكس، إتجاهات الفكرالمعاصرللسينما الوثائقية، وتعرض لأبرز تياراته ” الحداثية ” ،ومدارسه الجديدة، وهي تجدد في ” النوع ” الوثائقي، وتطوره، وتتقدم به خطوة الى الأمام. أو ليس وظيقة السينما الأسمي أن تطور، وهي تربطنا بمشاكل عصرنا، وتناقضات مجتمعاتنا الإنسانية، تطورمن فن السينما ذاته..؟
عرض ” مهرجان الشاشات الوثائقية “في باريس من تنظيم جمعية سينمائية صغيرة، في ضاحية أركوى كاشان، في دورته الأخيرة 22 أكثر من 60 فيلما وثائقيا، توزعت على عدة محاور في المهرجان. محور المسابقة، بمشاركة 8 أفلام، ومحور” السينما هي وطني “، لتكريم بعض السينمائيين الكبار من أمثال الفرنسي ” كريس ماركر ” أحد أبرز المخرجين التسجيليين في العالم، ومحور” العرض الأول ” الذي تعرض فيه بعض الأفلام الوثائقية الجديدة، التي لم تخرج بعد للعرض التجاري.وكان من بين تلك الأفلام التي عرضت في المحور الثالث،وأثارت إنتباهنا بشكل خاص، فيلم AMAL وثائقي طويل 83 دقيقة لمخرج مصري شاب إسمه محمد صيام ،ظل يصور فيلمه لفترة تزيد على 7 سنوات..
ويتميز الفيلم بـ ” حميميته ” الفائقة، التي تشكل في رأيي، أحد إتجاهات ” حداثة ” MODERNITY السينما الوثائقية المعاصرة، والتي تتوزع كما فهمتها وهضمتها، من خلال مشاهداتي في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية، وبما في ذلك الأفلام التي عرضها المهرجان، وتتوزع على 3 محاور أو تيارات..
الأفلام صورة مصغرة للكون الكبير
محور أو تيار” الحميمية”، كما أحب أن أطلق عليه،الذي يهتم في السينما الوثائقية الجديدة بالانسان، ويغوص أكث،ر في سيكولوجيا ” الداخل “،فيعرض لما هو أشبه بـ ” السيرة الذاتية “، لشخص أو مواطن ما، لكن على خلفية سياسية واجتماعية، تجعل من الفيلم، في كليته الشمولية، وتكامل عناصره الفنية، أكثر من تأمل في ألم شخص، أو أنثي،أو ” نوع ” سينمائي ما..
بل تأمل في أكثر من ذلك، تأمل في ألم شعب بأكمله، شعب سرقت منه ثورته، وأطاحت بحلمه في التغيير..
ويبرز في هذا المحورالحميمي، عدة أفلام ” رائدة ” – من ضمنها فيلم” أمل” لمحمد صيام – عن جدارة، الذي يصبح مثيرا للشجن والجدل، وأكثر منه فيلم. يصبح ” أداة تفكير ” وتأمل ،تتحقق معهما وظيفة السينما الأساسية، إذ يقدم من خلال الحميمية والألفة، التي تجعلنا نتماهى مع بطلته، كشف حساب لما حدث في مصر، منذ قيام ثورة 25 يناير 2011 ولحد الآن، و الأحداث الكبرى التي عصفت بالبلاد آنذاك، ويشرح ومن دون أن يقصد ،كيف أكلت الثورة أولادها، وهويطرح سؤال ” الهوية ” الضروري في الفيلم،.بدقة وأناة وصبر..
كما ينضم الى هذا المحور ” الحميمي “- عصير إنسانية ؟- فيلمان رائعان هما : فيلم ( القليوبي صديق الحياة ) لسامي محمد على وسيناريو د.ثناء هاشم، وفيلم ” رمسيس راح فين “ لعمرو بيومي..
بوروكو غامض من اليونان
أما المحور الثاني ” الفيلم كتجربة شعورية وحسية”، ويهتم أصحاب هذا التيار، أن يتحول الفيلم كله ، الى” دفقة شعورية وجمالية كبيرة” تهزنا،وتذهب الى ما هو أبعد وأقوي، من قصة الفيلم، وموضوعه، وحبكته..
ويبرز في هذا الإطار، ويمثل هذا التيار الحسي هنا، ضمن الأفلام التي عرضها المهرجان في دورته 22، فيلم ” بوروكو غامض “الرائع للمخرجة اليونانية إيفنجيليا كرانيوتي التي سحرتنا بفيلمها OBSCURO BARROCO الذي يبحث في ” هوية ” الثقافة البرازيلية، المتعددة الاثنيات والأعراق والثقافات، وهوية مدينة ريو دي جانيرو،وكرنفالها الساحر، والغابة الاستوائية الامازونية، ويترك الكلام لفنانة برازيلية مثلية – إمراة في جسد رجل- تحكي ن علاقتها بجسدها،والمدينة البرازيلية العملاقة، ويلتقط الفيلم امتدادات فن الباروك، الذي نشأ في البرتغال،وهو يزرعنا في قلب كرنفال ريو دي جانيرو الصاخب، ليكون الفيلم في شموليته الفنية، أشبه مايكون، بطقس روحاني ، بشريط صوت رائع، يجعلنا نغوص في داخل تلك الثقافة البرازيلية ،التي تلطشنا في ماوراء القناع الخارجي ،بعنفوانها وسحرها..
وحسنا فعل المهرجان، عندما دعا مخرجة الفيلم إيفانجيليا كراليوتي للقاء خاص مع الجمهور، حكت فيه عن تجربتها، وتعدد مواهبهاالابداعية، حيث تشتغل على عدة فنون، مثل السينما والفيديو والفوتوغرافيا، في أن. والشيء المؤكد بعد أن شاهدنا في اللقاء معها، بعض مشاهد بعض الأفلام التي تشتغل عليها،أن هذه الفنانة اليونانية الشابة، التي تعيش كمهاجرة، وتعمل في باريس، سوف يصير لها شأن كبير، في تاريخ وذاكرة، السينما اليونانية المعاصرة..
دعوة لتحرير الخيال من الجاذبية الأرضية
ثم يأتي المحور الثالث وأحب أن أطلق عليه محور “دعنا ننسي الواقع،ونحلم بـعالم افتراضي “.أجل دعونا نصور واقعا افتراضيا ،ونجعله ممكنا ،كما في فيلم “فلسطين بلد من الكلمات” للفرنسي ماتياس بوب، حين يسأل شباب فلسطيني بعضهم البعض: كيف تتخيل فلسطين هذه، التي لم ترها قط من قبل في حياتك ؟ وكيف نصور هذه ” الجنة الموعودة” التي نحلم بها، وماذا لو تحررت فلسطين مثلا، وسمح لنا نحن سكان معسكر شاتيلا في لبنان، من اللاجئين ،بالعودة الى وطننا فلسطين ؟.كيف ستكون فلسطين هذه إذن، التي لم نرها قط في حياتنا؟.هذا ما يأتي على لسان الشباب الفلسطيني ،الذي ولد في الغربة،وداخل المعسكر، في فيلم “وطننا بلد من كلام “
OURS IS A COUNTRY OF WORDS“
للمخرج الفرنسي ماتياس بوب،وهذا التيار، هو دعوة لتحرير الخيال في السينما الوثائقية ، والتخلص إن صح التعبير، من قيود الجاذبية الأرضية، كما في معظم أفلام المخرج الفلسطيني الكبير إليا سليمان ، حين تصبح نواة مشمش – تخيل ؟ – قادرة مثل قنبلة ،على تدمير دبابات العدو الاسرائيلي الصهيوني، في بلد محتل..
حكاية ” أمل ” والثورة التي أكلت عيالها
وعودة هنا الى تيار الحميمية، لنكتشف كيف يبرز فيلم AMAM” أمل ” ببساطته ومصداقيته، وتميزه الفني، حين يروح يحكي لنا ببراءة، حكاية بنت مصرية غريبة، وعفريتة وذكية ،ومتمردة وثورية، ولايتعدى عمرها الـ 13 ربيعا ، ومع ذلك فهي تتصرف بحريتها، فتدخن مثل الكبار البالغين، وتشارك في الاعتصامات و المظاهرات الشعبية ضد نظام مبارك، وتلعب الكرة مع الصبيان في الشارع، وتتعرض للضرب ،وشد شعرها، وجرجرتها من قبل الشرطة في قلب المظاهرات الى أقسام البوليس، ولايعلم أحد لماذا تتصرف هكذا بحريتها، كما لوكانت غلاما ذكرا.أجل هكذا يراها “الفكر السلطوي” الرجعي المحافظ الرجولي المتخلف، الذي يريد إخراس الألسنة..
حيث لايليق بفتاة في مثل عمرها، وجنس النساء عموما في مصر، من منظور الفكر المهيمن السائد، أن يتصرفن بحرية، في مجتمعات ،خلقت أصلا للرجال والهيمنة الذكورية..
لكن أمل تأسرنا بشقاوتها، وخفة دمها،وتوحشها الفطري، وثورتهاعلى أوضاع الخضوع والخنوع، وبمرور الوقت، ونحن نتابع أحدث الفيلم،نرى أمل تكبر حتى تصير شابة عمرها 21 سنة، و تدخل أمل ،ونحن نتابعها سنة وراء سنة،تدخل في عملية تحول، ميتامورفوز – وتصبح بكيمياء الفن المدهشة، وبراعة المخرج محمد صيام، رمزا للحرية، والرغبة.. في التغيير..
تنحاز أمل في الفيلم، الى ” وصية ” الأب، الذي يمثل في الفيلم تيار الحرية، حيث يعي الأب أيضا في الفيلم، أن أمل سوف تستفيد مستقبلا من الأفلام التي يصنعها لها الأب في عيد ميلادها، وتبرز هنا ” قيمة ” السينما، في حياتنا، حين تحافظ تلك الأفلام لأمل على تاريخها وذاكرتها،وتحميهما من الضياع والاندثار، وهل يمكن أن يستشرف المرء المستقبل، إلا من خلال بعث وإستحضارالماضي، في كل لحظة، والتعلم والنهل من دروسه ؟..
في حين تمثل أم أمل ” في الفيلم ” التيار البرجوازي، المحافظ الرجعي،الذي يخاف من مشاركة ابنائه في المظاهرات،بل ولايريد،فليس من مصلحته طبقيا تغيير الأوضاع،واعلان التمرد والحرب ،على الظلم والفساد وجبروت السلطة، وتشجيع الشباب في ثورتهم الشعبية ،على أوضاع البلد المتردية، بعد أكثر من ثلاثين سنة من حكم الرئيس مبارك ، البوليسي العسكري الاستبدادي..
فيلم ” أمل ” ،يقدم نموذجا وثائقيا متقدما للسينما الوثائقية، في علاقتها بالتاريخ والذاكرة، حين يجعل من التحديق في مصيربنت مصرية شابة، فرصة ثمينة، حتى لو لم تكن تخطر على صاحب الفيلم، المخرج ذاته، وبوعي منه أو بدون وعي منه، لتقديم كشف حساب، ربما يجده البعض صادما ومريرا، لثورة 25 يناير المصرية..
لكن يقينا، هو كشف حساب متأمل وذكي، ولاتنقصه ” المصداقية “والتميز والإجادة. كشف حساب يحافظ على ذاكرتنا ،وكل تلك الفضائل العظيمة التي يفاخر بها الإنسان، من الاندثار والضياع، وآفة حارتنا، كما يقول نجيب محفوظ ” النسيان “، ويقربنا أكثر.. من إنسانيتنا..
فيلم ” أمل ” شارك في مهرجان ” الشاشات ” الوثائقية 22 في الفترة من 7 الى 13 نوفمبر 2019، وحضر مخرج الفيلم محمد صيام المهرجان، قادما من تونس،ليبلغنا بالنبأ السعيد ،الا وهو فوز فيلمه بجائزة ” التانيت الذهبي “لأحسن فيلم وثائقي في مسابقة مهرجان قرطاج الأخير في دورة 2019،والتي استحقها فيلمه، وربما ولكل تلك الأسباب التي ذكرناهاأنفا،وجعلته في رأيي،من أفضل انتاجات السينما الوثائقية المصرية في الخمس سنوات الأخيرة..
” القليوبي صديق الحياة”.تحية الى فارس وجيل بأكمله
كتب الشاعر المصري الكبير زين العابدين فؤاد ،يذكّر بمآثر صديقنا المشترك المخرج الكبير محمد كامل قليوبي، كتب زين يقول :
” ..محمد كامل القليوبي مثقف موسوعي نادر مترجم، وناقد وباحث ومخرج، اعاد اكتشاف تاريخ السنما المصرية باكمله، في فيلمه التسجيلي العظيم : محمد بيومي
وفتح ملفات قضية اعدام العاملين : البقري ومصطفي خميس، في فيلمه التسجيلي الاخير، وهو القليوبي أيضا، المناضل الطلابي الذي اعتقل في فبراير 1968 وهو طالب في هندسة عين شمس، ثم اعتقل في يناير 1975 وهو مهندس.
درس القليوبي الهندسة، لكنه عشق السنما،فحصل علي درجة الدكتوراة، واصبح استاذ السيناريو، والمخرج المتميز، وقد سكنا في نفس الشارع في شبرا في الستينات، وعشنا في نفس الزنزانة في سجن طرة عام ،1975 وكان معنا : احمد فؤاد نحم، وابراهيم منصور، ومحمد صالح وعبد الرحمن ابو عوف وصابر زرد ومحمد روميش، وقد غيروا سكنهم ، ورحنا معنا في رحلة نقل جسد عبد الفتاح الجمل ،من القاهرة الي دمياط، في صحبة ابراهيم اصلان ومحمد البساطي، و خرجنا معا في رحلة جسد محمد البساطي الاخيرة، وفي رحلة نبيهة لطفي الاخيرة.. “
وهنا ينتهي كلام زين العابدين فؤاد وأحب أن أضيف هنا من عندي، أن القليوبي كان كل هذه الأشياء لي وأكثر، وبخاصة عند جيل الستينيات، الجيل الذي ننتمي اليه، والذي فتح له عمنا عبد الفتاح الجمل، صفحات جريدة “المساء ” ،لينشر على العالم أشعاره ،وتطلعاته،دراساته وقصصه ،وأحلامه وأفكاره التنويرية ورغبته في التغيير ..
كان القليوبي يجسد لي ، حرص جيل باكمله ،على النهل من المعارف الجديدة،في الثورة والفكر والسينما ،على درب التنوير، والتغييرأيضا، وربما كان ذلك “الفضول المعرفي “، هو الذي جعل حياة الفارس، الذي سقط، و حياتنا ، بمثابة “رحلة ” مستمرة، للتقدم والتطور مع العصر والزمن ،ونقل المعارف الجديدة الى الاجيال الصاعدة، للوعي بزمننا ، وعصرنا،على درب التغيير،. لكن في وداع فارس سقط ، يظل اليقين الواحد : ستظل الرحلة مستمرة ..
في يوم الخميس 26 ديسمبر 2019، أثناء زيارتي لمصر، حرصت على حضورندوة بعنوان ( القليوبي صديق الحياة ) في قصر السينما بجاردن سيتي، وكانت عقدت،بعد عرض فيلم ( القليوبي صديق الحياة ) انتاج المركز القومي للسينما في مصر، ومن اخراج الأستاذ سامي محمد علي،وسيناريو د. ثناء هاشم،أستاذة السينما الوثائقية في المعهد العالي للسينما، وبحضور عدد كبير من أسرة القليوبي، وأساتذة وطلاب المعهد، من ضمنهم د. شوقي محمد علي عميد معهد السينما السابق، وشاعر مصر الكبير زين العابدين فؤاد،الذي يشارك بشهادة في الفيلم.. وكان الفيلم والندوة التي اعقبته، في رأيي، بمثابة تحية وحب وتقدير، ليس فقط لمحمد كامل القليوبي – ” فارس الحرية” كما أحب أن أطلق عليه – والمخرج والمثقف والمفكر السينمائي الموسوعي، بل لجيل الستينات الذي أنتمي اليه بأكمله، وراعي هذا الجيل، الأستاذ عبد الفتاح الجمل العظيم، الذي كان ينشر كما ذكرت، أعمالنا من قصص قصيرة( لابراهيم أصلان ومحد البساطي وجمال الغيطاني وغيرهم ) وشعر بالعامية ( للأبنودي وزين العابدين فؤاد، ونجيب شهاب الدين وغيرهم) ،ودراسات وترجمات فنية وأدبية وفكرية وفلسفية( للقليوبي وسامي خشبة وسيد سعيد وغيرهم) في صفحة المساء أيام الزمن الجميل، وفترة الستينيات العظيمة.زمن محمد كامل القليوبي، وتلك الفترة الثقافية المتوهجة، بالابدعات المصرية الأصيلة ،التي يحكي عنها الفيلم،ليكون- كما رأيته وتمثلته – ،في ” شموليته الفنية ” بمثابة ” رحلة ” في زمن آخر، أكثر جمالا ورقيا من زمننا الحالي، وبلد آخر،كان، ثم اختفي فجأة، والى الأبد من حياتنا، بعد أن إغتالته ريح الخراب والسموم ، وحرّاس الثقافة الرسمية ، وممنوع ” التفكير “وقمع ” الحريات ” ..
وكان أحدهم- روائي وضابط في الجيش – قدم بلاغا للمخابرات المصرية، ضد مجموعة كبيرة من المثقفين المصريين ” التنويريين ” الأحرار، من أمثال محمد كامل القليوبي، وزين العابدين فؤاد، فتم اعتقالهم جميعا..
لكنهم، ابدا لم يستسلموا، بل حولوا عنابر السجن، الى قاعة محاضرات في جامعة، للدرس والتحصيل، ومن تلك القاعة، رغم ذل السجن، والقهر والألم، خرجت أو إنبثقت – كما نوه الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد في مداخلته في الندوة. فكرة البحث عن المخرج محمد بيومي – رائد السينما المصرية- في الاسكندرية، فقد كانت زوجته ا لألمانية، مازالت على قيد الحياة، وكتابة قصة وتاريخ السينما المصرية من جديد. على يد القليوبي..
فيلم سامي محمد علي ( القليوبي صديق الحياة) هو فيلم وثائقي نموذجي شامل جامع، بشهاداته الانسانية الأصيلة، أكثر من 20 شهادة في الفيلم ( مثل شهادة شقيقة القليوبي المؤثرة، وشقيقه، وزوجته الروسية، ورامي إبنه )..
فيلم لبلد كان، ولم يعد، وزمن آخر، كان أكثررقيا وتحضرا، أكثر ثقافة وذكاء وفطنة، من زمننا الحال…
تحية الى سامي محمد على وثناء هاشم، على فيلمهما الانساني البديع، لأحد أصدقاء العمر، والسينما المصرية الجميلة ، تاريخها وذاكرتها، وتراثها السينمائي الرائع، وضميرها الحي..
” رمسيس راح فين” ؟. بوابة الى ” الأبدية “
في مركز الثقافة السينمائية في وسط البلد،القاهرة، شاهدت ايضا خلال زيارتي تلك لمصر، فيلما وثائقيا بديعا بكل المقاييس، فيلم ” رمسيس راح فين” لعمرو بيومي، الذي أعتبره بمثابة ” كنز” سينمائي حقيقي، وبشريط صوت وموسيقى مذهل، و “إضافة” الى إنجازات السينما الوثائقية، وتاريخها في مصر، وليس فيلما..
اعتبره درسا في السينما العظيمة ، وهدية من عمرو بيومي لكل المصريين ، تاريخهم وسينماهم، وتراثهم الروحاني العميق ،وعلاقتهم بكل السلطات. سلطة الأب، وسلطة الحاكم ، وعلاقتهم أيضا بخوفهم من السلطة ،ورغبتهم في الخلاص، والانعتاق ( حطمت قيودي) وبروميثيوس طليقا..
ولذا فهو إذن فيلم عن الحرية، والرغبة في التحرر من كل خوف ، والمصالحة مع الذات عند المخرج عمرو بيومي. حيث يقدم الفيلم الحميمي جدا ، في مايشبه السيرة الذاتية، يقدم حكاية الطفل عمرو بيومي، من مواليد 1960 من حي السكاكيني، بالقرب من ميدان رمسيس وحكايته في نطاق الأسرة البرجوازية التي نشأ فيها ،مع هيمنة و سلطة الأب ،وتحكمه في مصائر افرادها..وجبروته.. ويروح عمرو، عبر شريط الصوت في الفيلم ، يحكي عن علاقته بتمثال رمسيس ،الذي كان يمكن أن يراه من بعيد، من شرفة شقة الأسرة في ذلك الحي المصري العريق..
ويظهر عمروفي اول لقطة من الفيلم، وهو يحمل كاميرا و يصور لقطات للحي، وعلاقة الحي بكل السلطات والحكام، الذين حكموا بلدنا ،من عند سعد زغلول ومرورا بمحمد نجيب، وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، ولكل سلطة من هذه السلطات، حكايتها مع تمثال رمسيس،و علاقتها مع حضارة وادي النيل، واجدادنا ،وكيف وظفوها واستغلوها لمصلحة النظام..
وفي المقابل، يكشف كيف كانت علاقة الشعب المصري مع التمثال ،الذي يمثل امتدادات لتراثنا الروحاني الحي في المكان.انها علاقتهم مع أجدادهم ،مخترعو الأبدية، والضمير الانساني، وليس ابدا مع تمثال من الحجر..
ذاك التمثال الذي مازال يتذكر عمرو، انه كان وهو طفل يشاهد اعلانا عبارة عن فيلم تحريك، يظهر فيه كل الناس في مصر، وهي تسأل أين ذهب رمسيس، ولم اختفى ياتري ؟ عجيب !..
وتتعدد الاجابات في فيلم الكرتون، لتصل في النهاية، الى انه قد ذهب لكي يبحث عن آيس كريم ، من منتجات ألبان خير مصر،، ها ها ها..
ومن خلال حكايته عن تمثال رمسيس، يوثق عمر في فيلمه البديع، وهو يمر بجميع مراحل انتقال- أو بالأحري إقصاء- التمثال ،من ممفيس القديمة في الجيزة ثم الى ميدان رمسيس ( ميدان نهضة مصر سابقا بحضور تمثال المثال المصري العبقري مختار في وسط الميدان آنذاك) والى مكانه أو منفاه الحالي..
يوثق عمرولعدة أشياء، في مغامرة الحياة التي عاشها ، وكل الحروب مادية ونفسانية – عمرو خدم في الجيش- التي خاضها: يوثق أولا علاقته بسلطة الأب، وخوفه من الأب، مع استسلام ورضوخ الأم، ومحاولته عمروالدفاع عنها، وعلاقة رمسيس كحاكم ،وقائد عسكري، بالسلطات التي حكمت البلاد، ولم يكن لرمسيس للأسف، أي محل من الاعراب مع كل سلطة..
ويوثق الفيلم أيضا ، للعلاقة التي تربط بين مصائر البشر، وأقدار تمثال من الحجر، لكن رمسيس ليس اي حجر..
أنه رمز لحضارة مصر القديمة ، في شخص فرعون، الرب والحاكم والاله ، وكل القيم الروحانية العظيمة، التي جسدتها حضارة مصر القديمة ،أم الدنيا ، وتراثها الانساني الرفيع..
فالمصري يعتبر، على عكس كل السلطات، يعتبر أن قدماء المصريين هم أجداده.. وقد ماتوا فقط بأجسادهم، لكن أرواحهم التي تسكن كل مولود مصري جديد، تولد معه من جديد، وتبعث حية..
ويوثق لعلاقة الشعب المصري بسلطة الأب – الحاكم، ونري مثلا في الفيلم الملايين التي خرجت في الشوارع، لوداع الزعيم الأب جمال عبد الناصر،عندما مات..
ويتوهج الفيلم، بكل حكاياته الانسانية الحميمية الآسرة، التي يجدلها عمرو بيومي ببراعة فنان صوفي، وبدفء انساني عميق، ونفس شاعر، أو كاهن مصري قديم من عصر الأسرات، ويجعلنا نشارك المصريين وداعهم لجدهم الأكبر، وحبيبهم رمسيس، في رحلته الى منفاه الجديد، بمصاحبة أهازيج ومواويل، وقصائد غنائية من التراث الشعبي المصري العريق، وهو ينسج من فيلمه الشخصي، قصيدة حب تطهرية، بعد أن يقهر في الفيلم خوفه ، ويتحرر أخيرا من سلطة الأب، وينطلق مثل بروميثيوس حرا
كلا ..كلا.. يصرخ عمرو، حين يشاهد مظاهرات انتفاضة الخبز، في فترة السبعينيات في مصر- على عكس الأب – ويردد: ابدا.. كلا انها ليست ” فوضى ” أنها ” ثورة “، وهو يمنح الأشياء والأحداث أسمائها الحقيقية، ويجعلنا في صحبته وحكاياته، وفيلمه، نتتطهر معه.. من كل ذنوبنا..
فيلم ” رمسيس راح فين ” لعمرو بيومي، الذي حصد جائزة أحسن فيلم في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في مهرجان الاسماعيلية الدورة ،21 يوثق لذاكرتنا وتاريخنا، بمشاهد وثائقية رائعة، ونادرة، وبعضها بعدسة الفنان المرحوم مجدي يوسف.. فيفتح لنا ايضا ، بوابة الى الأبدية،ويجعلنا نتصالح مع أنفسنا والعالم، وهو يتسامق بانسانيتنا ، وروحانيتنا.. وروحانية.. مصرالعميقة..
صلاح هاشم مصطفى

صلاح هاشم كاتب وناقد ومخرج سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا، ومؤسس ورئيس تحرير موقع ( سينما إيزيس ) عام 2005 في باريس.فرنسا
عن موقع مجلة ( س ) على الرابط المرفق
—
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, مختارات سينما ازيس 0

admin Uncategorized, شخصيات ومذاهب, فوتوجرافيا, مختارات سينما ازيس 0

قتيبة الجنابي مُخرج عراقي. درس التصوير الفوتوغرافي والسينمائي في أكاديمية الفنون الهنغارية وحصل على دكتوراه في موضوع رحلة السينما العربيّة. عمل في التليفزيون الهنغاري لسنواتٍ عدّة ويعيش متنقِّلاً بين بغداد ولندن وبودابست. كما صوَّر مجموعة من الأفلام التسجيلية لدار الأوبرا البريطانية. عمل مدير تصوير لسبعة أفلام روائية طويلة بين لندن وباريس. كما أنتج وأخرج مجموعة من الأفلام التسجيلية القصيرة والمستقلّة نال بعضها جوائز في مهرجانات وتليفزيونات حول العالم. في الغضون أقام معارض فوتوغرافية، وله كتابان فوتوغرافيان – بعيداً عن بغداد وأضواء أجنبية. حصل عمله الروائي الأوّل «الرحيل من بغداد» على الجائزة الأولى في مهرجان الخليج السينمائي وجائزة مهرجان مونتي كارلو، ورُشِّح لجائزة السلام في برلين، كذلك اُختير كأفضل فيلمٍ بريطاني مستقلّ لعام 2011. أنجز فيلمه الروائي التسجيلي الثاني (قصص العابرين)، والذي صوَّره طوال 30 عاماً.
– المتابع لأفلامك السينمائية يرى أن الغربة والرحيل القسري عن الوطن، وكذا الحنين إليه، تُعَدُّ ثيمات مهيمنة على معظم أفلامك القصيرة والطويلة، الوثائقية أو الروائية؟
الغربة والابتعاد عن المكان الأوَّل ليسا خياراً شخصياً، لم أكنْ أهوى المنافي والأماكن البعيدة الغريبة، ولكن سنوات القمع والديكتاتورية بما حملت من أوجاع ومحن دفعتني قسراً إلى مغادرة مدينتي التي أحبّ (بغداد) في عمرٍ مبكِّر من حياتي، وجعلتني على موعد دائم مع المجهول. رغم ذلك كنت أتوقَّع أن سنوات اغترابي ستكون قليلة أو محدودة، لكن الواقع الذي عشته كان غير ذلك، فما كان أمامي للخلاص من تلك المحنة إلّا التفكير جديّاً بتدوين وتوثيق تجربة المنافي والرحلات التي مررت بها أسوةً بجيلٍ من العراقيين المُعارضين سياسياً، على أمل انتهاء المحنة والرجوع إلى بغداد يوماً ما. لكن بمرور الوقت أيقنت أن المنفى سيكون رحلة طويلة محفوفة بالأسى والصعاب، فاخترت أن تكون صوري وأفلامي شهادات حيّة عن تجربة جيلي في بلدان المنافي حول العالم. في سنواتٍ لاحقة أخذت الأمور منحى آخر بالنسبة إليّ، حلم العودة بات قصيّاً جدّاً، وتجربة المنفى أصبحت خياراً أوحد لمواصلة الحياة.
حينذاك تناسلت الحروب وطال المنفى. لذا بدأت أتعمَّق أكثر فأكثر في تجارب الغربة، وأصبح هذا الموضوع هاجسي الأكبر. وطوال سنوات دراستي وعملي أدركت أنني أقترب شيئاً فشيئاً من مفهوم الاغتراب بمعناه الفكري. هكذا أتت أفلامي القصيرة والتسجيلية التي تناولت بها شخصيات إبداعية عراقية تعاني من وطأة حياة المنفى، كشهادةٍ حيّة وصادقة عن معنى الرحيل عن الوطن، أذكر منها فيلم «أرض الخراب» بين بغداد ولندن، والذي تناولت فيه تجربة الفَنَّانة المسرحية الراحلة ناهدة الرماح، وكذلك الفيلم الوثائقي «الرجل الذي لا يعرف السكون» عن تجربة الفَنَّان المسرحي الرائد «خليل شوقي» ثمّ استمرّت رحلتي على خطٍ موازٍ لتسجيل غربة الفَنَّان التشكيلي الراحل «محمود صبري»، الذي يحيا بين لوحاته في شقّة صغيرة بلندن وهو الفَنَّان الاستثنائي الذي شكَّل علامة فارقة بين فنَّاني جيله.
هكذا تداخلت الأحاسيس، وتوالت صور الأوجاع، وبدأت بوصلتي الإبداعية تقترب أكثر من حكايات المنافي والرحيل والعابرين، ربَّما لأنها الحياة الوحيدة التي أعرفها.
– هل نستطيع القول إن أفلامك لاسيّما فيلمي (الرحيل من بغداد، وقصص العابرين) تحمل نوعاً من الناستولوجيا المشفوعة التي ترتكز غالباً على وقائع سنواتٍ مضت، جعلتك كمُخرج تستعين بمحمولات الذاكرة في رسم الشخصيات والأحداث الدرامية (معظمها سياسيّ)، لتغدو الصورة السينمائية عندك نزوعاً ذاتيّاً للتطهر من أعباء ماضٍ مسكون بالخوف والرعب والحروب؟
في فيلمي الروائي الطويل (الرحيل من بغداد) تناولت ما يمكن أن أسميه الكابوس العراقي وهو حالة عامّة تلبَّست أهلنا في العراق في ظلّ حكم نظام البعث. إحساس المرء بالخوف والمراقبة والذنب (أسوة بأبطال كافكا) ظلّ الهاجس الأشد مرارة في تجربتي الشخصية التي انعكست على صور أفلامي. ربَّما في سياق أوسع يعلِّمنا التاريخ أن الشعوب التي اكتوت بنار الديكتاتورية تعرف -على نحوٍ لا ينافسها فيه أحد- معنى الشعور بالرقابة الدائمة وتكميم الأفواه وانعدام الثِّقة، ولكن ما لا يعقل في عراق البعث هو أن تصل الأمور إلى حَدِّ وشاية الأب بابنه لكسب ود السُّلطة، أليس هذا ضرباً من اللامعقول؟
هذه المعضلة الواقعية ستتحوَّل إلى أزمة أخلاقية حقيقية في فيلم (الرحيل من بغداد)، والذي دونت فيه الكثير من صفحات حياتي الشخصية طوال أكثر من ثلاثين عاماً مثّلت بمجملها سنوات ابتعادي عن بغداد. لا يعني ذلك أن أفلامي صُنعت لكي تكون هروباً من وطأة الماضي والتخلُّص من أعبائه، لأنها تعريةٌ لذلك الماضي وكشفٌ لخباياه. يمكنني القول إن أفلامي (حتى القصيرة منها) هي بوجهٍ من الوجوه محاكاة صميمية لحيوات المنفيين، عراقيين كانوا أو غير عراقيين ممّن مرّوا بتجارب مريرة مماثلة. من هنا فهذه الأفلام هي ذاكرة مشتركة لكلّ من هوت حياتهم على نحوٍ مخيف في الربع الأخير من القرن الماضي، واستذكار إنساني لكلّ أولئك المُؤبَّدين في محطَّات القطارات ومخيمات الاحتجاز والفنادق الرخيصة، لأصدقاء كثر بقيت عيونهم مفتوحة في أثناء النوم، وآذانهم مصوَّبة على ما يحمله المذياع من أخبار الوطن البعيد.
– معظم أفلامك القصيرة جاءت مكتفية بالصورة دون الحوار وتراجعت أهمِّية الحكاية لصالح الاشتغال الملحوظ على بنية الفيلم السينمائي، شكله ولغته الفَنّيّة التي تخفي تأثيرات أدبيّة من نوعٍ ما؟
فيما يتعلَّق بكون معظم أفلامي القصيرة من دون حوار أو لنقل بحوارٍ مقتصد، أقول وبشكلٍ مختصر بأنني كنت ولا أزال أعتقد أن السينما في نهاية الأمر هي مشروع بصري جمالي، والحكاية هي أمر ثانوي، ولذا على المُخرج الذي يعي هذه الحقيقة العناية بشكل أساسي بالصورة التي تتكلَّم أكثر من غيرها، والاهتمام بشكلها وتأثيراتها المرجوة خلال صناعة فيلمه السينمائي. لك أن تتخيَّل أن فيلمي الروائي الجديد الموسوم «رجل الخشب»، والذي يناهز زمنه الساعة ونصف الساعة لا يتجاوز الشريط الصوتي فيه نحو عشر دقائق. أنا من هواة الصورة القادرة على نقل الحكاية والأحاسيس بلغة معبِّرة، بليغة وغير ثرثارة.
وفي البحث عن أسباب تلك الخيارات أظن أن الواقع الذي واجهته هو الذي حتَّم عليَّ العمل بحس الفيلم المستقل، الاكتفاء ببراهين الصورة وليس بإبهارها الإنتاجي الفخم، فيلم فقير كما يصفه البعض لكنه غني بعمقه الإبداعي والإنساني… هكذا كان عليَّ أن أسلك هذا الطريق للوصول إلى فيلم عراقي على مستوى الهويّة، عالمي على مستوى اللُّغة. إنها سينما جادة شديدة الخصوصية، وضعتني حالياً أمام مُهمَّة إتمام «ثلاثية أفلامي المستقلّة»، والتي كان أوّلها فيلم «الرحيل من بغداد»، ومن ثَمَّ فيلمي الروائي- التسجيلي (قصص العابرين)، وخاتمة الثلاثية (رجل الخشب)، الذي أُصور مشاهده حالياً. وتعقيباً على إشارتك الواردة في نهاية السؤال، أعترف بتأثيرات الأدب على مخيلتي وأفكاري، فبوصلتي كانت وما تزال كامنة في حكايات الكاتب العراقي محمد خضير بسحر عوالمه القصصيّة وشخصيّاته ولغته الثَّرة التي اعتبرها الملهم الروحي لي في ساعات الاختناق ومشقّة البحث عن جديد.
– ثمّة شاعرية بيِّنة في مشاهدك السينمائية تثري المعنى وتعزِّز دلالات الصورة، تذكّرنا إلى حَدٍّ ما بأجواء تاركوفسكي وترنس مالك، لقطات تحكي بالصوت واللون والصورة أكثر من أي شيءٍ آخر، (نوافذ مشرعة في منازل مهجورة، قطارات متروكة وسكك حديد موحشة، أرجوحة فارغة وصفير ريح، كومة مفاتيح صدئة، صور أشخاص مغيبين ورجال مسنين بوجوه يائسة…)، كيف تتراءى لك هذه الصور وما الذي يمثِّله أسلوب وصل اللقطات /اللوحات خارج خطّ السرد الدرامي أو عبر تدميره؟
لا أعرف إجابة نموذجية عن سؤالك. لكن أستطيع القول إنني لا أفتعل هذه الأشياء، ولا أصطنع الصور، كلّ اللقطات والمشاهد تأتي في لحظات نفسية معيَّنة لا أعرف بالضبط من أين، لكنها تداهمني وتدفعني لحمل كاميرتي وتجسيد ما أراه، أسوة بالشاعر الذي يطارد القصيدة. أحياناً تتدفَّق الأحاسيس من لوعة الانتظار ومن البحث عن طريق آمن للعودة إلى المكان الأوّل. ويمكن لها أن تأتي من مخزوننا التراجيدي العراقي من حقب الأحزان والأوجاع التي مررنا بها. إن تراجيديا الحسين، ومأساة كلكامش، وخيبات الآباء والأبناء في متاهة السنوات العجاف والسواد الدائم الذي تتدثَّر به أمهاتنا كلّها صور حيَّة تسكن مخيلتي بشكلٍ أبدي. وليس بدرجة أَقلّ تركت سنوات الحروب والاستبداد بصماتها الغائرة في وجدان جيلنا وذاكرته. هروبنا من العراق لم يكن اختيارياً. كان حلاً قاسياً علينا جميعاً. الثلج والمحطَّات المُوحشة والقطارات وغرف الفنادق الوضيعة وشرطة الحدود ووثائق التنقُّل غير الرسمية بين البلدان وشحة أخبار الوطن، حفَّزتني للبحث عن عزاءٍ روحي، عن ضرورة مشاركة همومنا مع الآخر. في هذه المناخات وُلِدَتْ مفردات أفلامي السينمائية التي أفادت كثيراً من خبرتي في مجال التصوير الفوتوغرافي. أحد النقَّاد الأوروبيين واسمه «بيتر بال» وهو رئيس تحرير مجلّة «فوتوغراف الهنغارية» كتب يوماً ما في دليل معرضي الفوتوغرافي الأوّل «أنت مثل شاعر فوتوغرافي يبحث عن زوايا مدينته بغداد في بلدنا» .
أمّا بخصوص تأثري بإنجازات العظيم تلركوفسكي والشاعر السينمائي ترنس مالك فليس لي أن أقول سوى إنني تعلَّمت الكثير منهم وتفاعلت مع تجاربهم الإبداعية، وأظن أن قيمة الفَنّ الحقّة هي في أنه عابر للحدود ومنفتح على تجارب الآخرين أينما كانوا.
– كيف تصف علاقتك بالسينما العراقية منذ انطلاقها وحتى العام 2003، هل تركت أثرها على أفلامك؟ وما هي أبرز التجارب التي أثّرت بك؟
في السنوات الأولى التي شهدت نضج وعينا وشغفنا بالسينما كان هنالك نوعٌ من التداخل بين المحلِّيّ والعربيّ والعالميّ، فنحن منحازون للجودة وخاضعين لتأثير الأفلام المُميَّزة بغض النظر عن هويّتها. فلا أحد ينكر حجم تأثير السينما المصريّة علينا كشبابٍ سينمائي طموح، وذلك لقربها من نمط حياتنا وهمومنا وأحلامنا، رغم ذلك كان للفيلم العراقي نكهته الخاصّة التي جعلته أقرب لذائقتنا ووجداننا، وإن كان شحيحاً في الإنتاج مقارنةً بسينمات أخرى. أتذكَّر جيّداً الدعايات الأولى في التليفزيون والسينما لفيلم «الظامئون» بهاء الصورة وجمالية اللون الأبيض والأسود لا تزال قابعة في ذاكرتي، فضلاً عن تميّز أداء ممثِّليه والموقع الجغرافي الساحر للتصوير. لقد كانت تجربة فريدة بالنسبة لي، لاسيّما حينما شاهدته في إحدى سينمات بغداد. في ذاك الزمن كانت هناك أفلامٌ واقعية حقَّاً وأخرى طليعية سبّاقة في معالجاتها لقضايا حسّاسة، منها فيلم (سعيد أفندي، الحارس، من المسؤول، وفيلم المنعطف عن رواية خمسة أصوات للروائي غائب طعمة فرمان).. أستطيع القول إنني تأثَّرت مع العديد من أبناء جيلي بهذه الأفلام وبمُخرجيها بقدر تأثُّري بأفلام الواقعية الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى نحوٍ أكثر تحديداً بخواصها وآلية عملها، حيث الاكتفاء بميزانيات بسيطة والتصوير في مواقع الحدث، والاعتماد على ممثِّلين غير محترفين، وكوادر محلّيّة تمتلك نوعاً من العشق الشديد للإنجاز والمغامرة الإبداعية. بالتأكيد هنالك أفلام عراقية أخرى تمتلك خصوصيتها وتميُّزها كان لها دورٌ حاسم في توجيه اهتمامنا وصقل ذائقتنا السينمائية.
– بعد سنوات من الدراسة الأكاديمية داخل العراق وخارجه، أيّ التجارب السينمائية العربيّة والعالميّة التي تجدها أقرب إلى رؤيتك وأسلوبك السينمائي؟
طوال 40 سنة من الدراسة والعمل والمحاولة في عالم الصورة والفيلم أستطيع القول إنني تأثَّرت في مراحل مختلفة بأساليب وتجارب عديدة من العالم العربي، فقد كانت أفلام المُخرج الراحل يوسف شاهين ملهمةً لي بدرجةٍ كبيرة، ولا يمكن تخطّي تأثيرها (باب الحديد، الأرض، العصفور، وعودة الابن الضّال)، لأنها تمثِّل سينما الوعي المُحفِّزة للتفكير بجماليات السينما وقضاياها. على صعيد مقارب أعجبت بأفلام المُخرج توفيق صالح (يوميات نائب في الأرياف، والمخدوعون)، ولاحقاً هيمنت على ذائقتنا تجارب جماعة السينما الجديدة التي خرجت عن التقاليد السائدة للفيلم العربي، أتذكَّر هنا فيلم («أغنية على الممر» لعلي عبد الخالق، و«زائر الفجر» لممدوح شكري وكذلك فيلم «الظلال» في الجانب الآخر للمُخرج غالب شعث) كما تأثَّرت بخصوصية تجربة السينمائي العراقي الموسوعي «قيس الزبيدي» صاحب الفيلم الروائي المُتجدِّد «اليازرلي»، الذي أُنتج في دمشق. ثمّ تابعت تطوُّرات السينما الجزائرية في نتاجاتها المتنوِّعة التي نالت التقدير والجوائز كفيلم (وقائع سنوات الجمر) للمُخرج محمد الأخضر حامينا، وأفلام مرزوق علوش والقائمة تطول. كما لا يمكن إغفال تأثير فيلم «بس يا بحر» للمُخرج الكويتي خالد الصديق، فقد كان على المستوى الشخصي فيلماً صادماً ومبهراً في حينها.
وفي سنواتٍ لاحقة أخذتنا التقلُّبات السياسيّة وسنوات الحروب والديكتاتورية بعيداً عن واقعنا العربيّ، حيث ذهبت لدراسة فنّ الفوتوغراف والسينما في بودابست-هنغاريا وجرفتني الحياة والتأثيرات الجديدة إلى مساحة سينمائية ومعرفية أخرى أغنت معرفتي ووسَّعت تطلّعاتي. حينها عشقت الفيلم الهنغاري طوال سنوات إقامتي هناك، وشيئاً فشيئاً، أصبحت مساهماً ومتدرِّباً مع مُخرجين هنغاريين معروفين، ومن خلالهم اقتربت أكثر من تجارب السينما السوفياتية آنذاك، إلّا أن التأثير الأعمق كان على يد المُخرج الألماني «فيم فيندرز» الصانع الأمهر لأفلام الطريق، لاسيّما تحفته السينمائية «باريس تكساس». ولكي نكون منصفين مَنْ منّا لم يتأثَّر بأفلام الواقعية الإيطالية، والموجة الجديدة في فرنسا، وإبداعات السينما الإيرانية، والفيلم الأميركي المستقل؟. في الغضون دفعني عشقي لأدب ماركيز إلى الاستغراق بمتابعة إنجازات سينما أميركا اللاتينية، التي عالجت قضايا سياسية واجتماعية شديدة القرب من قضايانا العربيّة. كما أحببت بذات الشغف أفلام المُخرج الهندي «ساتياجيت راي» لخصوصيتها الشديدة وصدقها وقوة شاعريتها. وفي أوروبا ثمّة أفلام رائعة لسينمائيين مهاجرين أو متحدِّرين من أعراقٍ مختلطة لها خصوصيتها وجمالها الآخاذ. إجمالاً مسلسل التأثيرات والتفاعل مع الآخر لا يمكن أن يتوقَّف.
شيءٌ آخر يمكن أن أكون قد عملت به في أفلامي هو أني خاطبت الوجدان الأوروبي بلغة أريد لها أن تكون متفرِّدة وعالمية في نقل أحاسيسنا وقصصنا. كلّ هذا قادني لأن أبحث عن التميُّز بصوري وأفلامي. كنت أفكر أحياناً بكيفية الوصول بالمتلقي الذي يشاهد صوري وأفلامي إلى معرفة هويّة صاحب هذا العمل الفَنّيّ. إنه برهان الروح العراقية في تخليق الموضوع والشكل وسيل الأحاسيس التي تشبه نظيراتها في أيما بقعة من هذا العالم. لن تكون صوري ولقطاتي معبِّرة ما لم يخفق قلبي لها في تلك اللحظة.
أجرى الحوار
أحمد تامر جهاد
1 سبتمبر 2019
عن مجلة ” الدوحة ” .قطر لباب ” مختارات سينما إيزيس “
admin اصدارات كتب, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0




admin Uncategorized, شخصيات ومذاهب, كل جديد, مختارات سينما ازيس 0

قلما عرفت الشاشة مخرجاً عاشقاً للسينما كما هي حال الأميركي مارتن سكورسيزي. فمجرد الاستماع إليه وهو يتحدث عن الأفلام التي ألهمته شيء يشبه رؤية بيكاسو يرسم، أو همنغواي يكتب، أو ماريا كالاس تغني. لم يكتفِ صاحب “سائق تاكسي” بالخلق والابتكار عبر تقديم مجموعة أعمال لا تزال بقوة في ذاكرتنا، بل كان دائماً في الصف الأمامي للدفاع عن الفن السابع، الذي لطالما اعتبره تراثاً بشرياً يجب المحافظة عليه مهما كلف الثمن. بالطبع، الأفلام التي قدمها تتولى رواية هذا العشق للسينما، ولم يكن في حاجة لأكثر من ذلك، إلا أن “مارتي” (كما يسميه المقربون منه)، أراد التعبير عنه بالكلام المباشر في عدد من اللقاءات والندوات التي تسنى لي حضور البعض منها ببهجة تفوق الوصف. يجب ألا ننسى أيضاً، وخصوصاً، أفلامه الوثائقية ذات الطابع الشخصي، منها “رحلتي إلى إيطاليا” (1999)، حيث شرح طولاً وعرضاً علاقته العضوية بالسينما الإيطالية التي صاغت ذائقته ووعيه السياسي، ونحتت ما أصبح عليه لاحقاً، سواء كإنسان أو فنان. وليس مصادفة أيضاً أنه أسس في عام 2007 مؤسسة “مشروع السينما العالمية” التي تهتم بالمحافظة على الأفلام المنسية وترميمها.هذه مقدمة لا بد منها للحديث عما يشغل بال سكورسيزي وهو على مشارف الثمانين. سكورسيزي الذي كان قبل فترة قد أحدث جدلاً عندما صرح بأن أفلام “مارفيل” ليست سينما، بل شيء أشبه بمدن الملاهي. فقبل أيام معدودة، أطلق السينمائي الكبير صفارة الإنذار محذراً من المخاطر التي تواجهها السينما، والتي قد تسبب بموتها، أو اندثارها. بعد مرور أكثر من سنة على تفشي وباء كورونا الذي نتج عنه إغلاق صالات السينما في جميع بقاع الأرض خوفاً من انتشاره (الثقافة دائماً أولى الضحايا)، كان لا بد لشخص من طينة سكورسيزي أن يتفوه بمثل هذا الكلام لنعي ما نخسره وأي خطر نواجهه إذا ما استمرت الحال على ما هي عليه، خصوصاً في إنكار تراجع دور القاعات السينمائية (المكان الحقيقي للمشاهدة) أمام صعود دور منصات العرض التدفقي، مع العلم بأن سكورسيزي نفسه استفاد من هذه المنصات، إذ أنتج فيلمه الأخير “الإيرلندي”، بأموال “نتفليكس” التي تعتبر أشهر منصة بث تدفقي في العالم. فهذه المنصات التي أضحت شراً لا بد منه خلال الحجر الصحي، لا تقتل صالات السينما فحسب، بل تشوه أيضاً رؤيتنا لماهية الفن لأنها تستند إلى حسابات تخضع لخطط تسويقية.ذه الخشية النابعة من القلب على مستقبل السينما، التي باتت واقعاً ملموساً لا مجرد هاجس كما كانت الحال في التسعينات مع انتشار عبارة “موت السينما”، عبّر عنها سكورسيزي كصرخة في مقال طويل نشر في مجلة “هاربرز” (ثاني أقدم مجلة أميركية لم تتوقف عن الصدور منذ تأسيسها في عام 1850)، وخلق نقاشاً في الأوساط المعنية بالسينما، علماً بأن العالم العربي لا يزال بعيداً من أي نقاش، كون الثقافة ليست من أولوياته، سواء كانت صناعةً أو عرضاً أو نقداً.
ولكن، ماذا يقول سكورسيزي تحديداً في هذا المقال التاريخي الذي سيسيل الكثير من الحبر في الصحافة على مدى الأيام القادمة؟ بدايةً، يحمل النص عنوان “المايسترو” (المعلم)، ذلك أن الجزء الأكبر منه مخصص لفيديريكو فيلليني (1920 – 1993)، وهو السينمائي الإيطالي الذي يكن له سكورسيزي إخلاصاً كبيراً، كون “ثمانية ونصف” من الأفلام التي صنعته. من خلال الكلام عن فيلليني يلقي سكورسيزي تحية على عصر كان للسينما فيه دور تأسيسي واجتماعي وفني. يبدأ مقاله باستعادة الزمن الجميل، حيث كان فيه مراهقاً يجوب شوارع مسقطه نيويورك، يوم كان الفن السابع في أوج تألقه، بينما أضحى اليوم مادة للنوستالجيا والحنين. كل شارع من شوارع نيويورك، وكل زقاق من أزقتها التي لطالما ارتبطت بأفلامه، تذكره بمسرح يعرض أحد هذه الأفلام التي كان لها وقع كبير في تكوين وعيه. فهنا يعرض آخر فيلم لكلود شابرول، وهناك جون كاسافيتيس، وعلى مقربة منهما أفلام لجان لوك غودار، وآلان رينيه، وأندريه فايدا، وروبير بروسون، وميكلأنجلو أنتونيوني. كل هذا في عالم شديد التنوع، وبعيد عن سيادة النوع الواحد والفكر الواحد والذوق الواحد. بين كل هذه العروض والاقتراحات البصرية التي يأتي معظمها من القارة العجوز، يميز سكورسيزي فيلليني الذي شكلت فيلمه “ثمانية ونصف” صدمة كبيرة له لم يشف منها إلى اليوم، وهذا ما يشي به مقاله.يتذكر قائلاً: “في قلب هذا كله، كان هناك مخرج واحد يعرفه الجميع، فنان واحد اسمه مرادف للسينما، وما يمكن لهذه السينما أن تفعله. لقد كان اسماً يحضر على الفور أسلوباً معيناً، وسلوكاً معيناً من العالم. في الواقع، أصبح هذا الاسم صفة. لنفترض أنك أردت أن تصف الجو السوريالي في حفل عشاء، أو حفل زفاف، أو جنازة، أو مؤتمر سياسي، أو جنون الكوكب بأسره، فكل ما عليك فعله هو قول صفة “فيلليني”، وسيعرف الناس بالضبط ما تعنيه”.
يشتكي سكورسيزي من أنه في أيامنا هذه يسود منطق التقليل من قيمة فن السينما بشكل منهجي. يقول إن السينما تهشمت، وتحطمت، بل تقلصت إلى قاسمها المشترك الأدنى، والمقصود به “المحتوى”. ويكتب موضحاً: “في الآونة الأخيرة، أي منذ خمسة عشر عاماً، لم نكن نسمع عن مصطلح “محتوى” إلا عندما كان الناس يناقشون السينما على مستوى جاد، وفي معرض مقارنته بـ”الشكل” وقياسه به، لكن وبشكل تدريجي، راح يستخدمه أكثر فأكثر الأشخاص الذين استولوا على شركات الإنتاج، ومعظمهم لا يعرفون شيئاً عن تاريخ الفن وأشكاله المتعددة، أو حتى لا يهتمون بما يكفي به للاعتقاد أنه ينبغي عليهم ذلك. أصبح “المحتوى” مصطلحاً تجارياً لكل صورة تتحرك: أفلام ديفيد لين، فيديو لقط، إعلان “سوبر بول”، تتمة لفيلم “سوبرهيرو”، حلقة مسلسل. لم يكن هذا مرتبطاً، بالطبع، بتجربة مشاهدة الفيلم في الصالة، بل بالمشاهدة المنزلية، على منصات البث التدفقي التي استولت على التجربة السينيفيلية العريقة، تماماً كما وضع موقع “أمازون” يده على المتاجر الحقيقية. من ناحية، كان هذا مفيداً لصانعي الأفلام، بمن فيهم أنا. من ناحية أخرى، فقد أوجد موقفاً يتم فيه تقديم كل شيء إلى المشاهد في ساحة لعب متكافئة، وهذا أمر يبدو ديمقراطياً، ولكنه ليس كذلك. فالخوارزميات اليوم تقترح عليك أن تشاهد أفلاماً بناءً على ما سبق أن شاهدته، والاقتراح هذا لا يستند سوى إلى الموضوع أو النوع، فماذا يفعل ذلك لفن السينما؟”.في رأي سكورسيزي فإن مصطلح Curator (اختيار أو تقديم عمل فني على غرار ما يقوم به المهرجانات أو بعض المتاحف في الغرب)، ليس مصطلحاً غير ديموقراطي أو “نخبوي”، وهو مصطلح أصبح بلا معنى من فرط استخدامه. أن تشارك الآخرين ما تحبه، فهذا فعل ينم عن كرم. وأفضل منصات البث، من قناة “كرايتيريون” إلى “موبي”، مروراً بـTCM تعتمد على الاختيار والتقديم. أما الخوارزميات، فتستند إلى حسابات تعامل المشاهد كمستهلك، ولا شيء آخر.
وفي معرض مقارنته الحاضر بالماضي، يأتي سكورسيزي على ذكر الموزع والناقد أموس فوغيل (وهو أيضاً صاحب الكتاب الشهير “السينما الانقلابية”)، معتبراً خياراته للأفلام في الستينات وعمله التعريفي المديد لا فعل سخاء فحسب، بل بادرة تنطوي على الكثير من الشجاعة. أما دان تالبوت، الذي كان مبرمجاً، فيروي أنه أسس شركة “أفلام نيويوركر” فحسب من أجل توزيع فيلم أحبه، وهو “قبل الثورة” لبرتوللوتشي. الأفلام التي وصلت إلى المشاهدين بفضل جهود هؤلاء صنعت لحظة مجيدة في تاريخ أميركا. في نظر سكورسيزي أن الظروف التي صنعت هذه اللحظة ولت إلى غير رجعة. يقول: “لهذا السبب أعود إلى تلك السنوات كثيراً. أشعر أنني محظوظ لأنني كنت شاباً وحياً ومنفتحاً على كل ما كان يحدث (من حولي). لطالما كانت السينما أكثر من مجرد محتوى، وستظل كذلك دائماً، والدليل على ذلك هو الأفلام التي كانت تخرج في الصالات أسبوعياً في تلك الفترة. أفلام من جميع أنحاء العالم، يحاور بعضها البعض الآخر، وتعيد تعريف الفن. من حيث الجوهر، كان هؤلاء الفنانون يتصارعون دائماً مع سؤال “ما هي السينما؟”، ثم يتركون الرد لفيلمهم القادم. لم يكن أحد يعمل في الفراغ. أمثال غودار، وبرتوللوتشي، وأنتونيوني، وبرغمان، وإيمامورا، وراي، وكاسافيتيس، وكوبريك، وفاردا، ووارهول، كانوا يعيدون خلق السينما مع كل حركة كاميرا جديدة، في حين كان السينمائيون المكرسون من أمثال ولز، وبروسون، وهيوستن، وفيسكونتي، يستعيدون النشاط بسبب الطفرة التي من حولهم”.
يؤكد سكورسيزي ببعض الحزن الذي يغلف قلمه، أن كل شيء تغير، السينما، وكذلك أهميتها، ودورها الطليعي في ثقافتنا. لا ينسى التذكير بأن الأعمال الكلاسيكية من فيلليني إلى مورناو، تراث جمالي يجب عدم التفريط به، بل من الواجب أن نوضح للمالكين القانونيين الحاليين لهذه الأفلام أنها ترقى إلى أكثر بكثير من مجرد ممتلكات يمكن استغلالها، ثم حبسها. “هذه الأفلام من أعظم كنوز ثقافتنا، ويجب التعامل معها وفقاً لذلك”، يكتب سكورسيزي قبل أن يختم: “يتعين علينا تحسين مفاهيمنا للفصل بين ما ينتمي إلى السينما، وما ليست سينما. فيديريكو فيلليني نقطة انطلاق جيدة. يمكنك أن تقول الكثير عن أفلامه، ولكن إليك شيء واحد لا جدال فيه: أفلامه سينما. قطعت سينماه شوطاً طوعيلاً في اتجاه تحديد شكل الفن”.
هوفيك حبشيان

هوفيك حبشيان ناقد سينمائي لبناني
admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب 0
فيلم الفنان التشكيلى الإيطالى “كارافاجيو” ، عرض في مهرجان القاهرة السينمائي في دورة سابقة، وهو من الأفلام التى تحتاج إلى انتاج ضخم، لما تحمله تلك المرحلة التي يحكي عنها الفيلم، منذ القرن الخامس عشرة وبداية عصر النهضة، من أزياء مميزة ، من طراز ذلك العصر

إلى جانب الديكور والاكسسوارات والضوء وأماكن التصوير ،وتوثق إيطاليا بهذه الأفلام لمرحلة هامة من تاريخ حضارتها الهائلة ، وقد قام بإخراج الفيلم المخرج الإيطالى انجيلو لونجوتى، وقام بكتابة السيناريو جيمس كارينجوتن وقام بدور الرسام “كارافاجيو- Caravaggio” الممثل الإيطالى “اليسسيوبونى Bonnie- Lesion “، والممثلة الإيطالية” كلينا كيم- Cleona Kim”.
ولد ” مايكل انجلوميس – Michel Angelomis” وشهرته “كارافاجيو – Caravaggio” قرب برشيا فى إقليم لومبارديا، وتلقى تدريبه الأول فى ميلانو ، ثم رحل من بلدته إلى روما قبل أن يبلغ العشرين من عمره، حيث أمضى الفترة من 1588-1591 حالما أن يصبح رسامًا مشهورا، ولم يكن الطريق أمامه سهلا، بل كان مليئا بالصراعات، ضد الفقر والمرض ، ومالبث أن أبدع “النزعة الطبيعية” التى غدت نقيضًا للنزعة المتكلفة السابقة
وبدلًا من إنتقاء الشخصيات البارزة ، إنبرى يصور النماذج المستمدة من الحياة الشعبية،التى يخالطها ويقع عليها بصره ، مفضلاً تسجيل قسمات العامة من الناس وسلوكهم، حتى أنه أعجب بفتاة فقيرة من العامة ،واتخذ منها موديلا لأعماله

وقد كان يرى فى ملامح وجهها التعيس والبسيط، ماينشده من تحقيق هدفه وطموحه الفنى، حتى انه قام بتعريض نفسه للخطر، فدخل فى صراع بمبارزة ذلك الشخص الشرير، الذى اعتدى عليها، وقام بتشويه وجهها بضربة سيفه، فكان لذلك أعمق الأثر فى نفس كارافاجيو الإنسان، الذى تعاطف مع البسطاء والمظلومين والمحرومين من عامة الشعب، المقهورين بتقاليد ذلك العصر، وقد إهتم بموضوعات الطبيعة الصامتة، من زهور وفواكه، كانت تنال إعجاب الزائرين وبخاصة الكاردينال “دى مونت”، الذى عمل لديه فترة ،وجاء مشهد الأستوديو فى الفيلم فى غاية الروعة، وطريقة إعداد الرسام للألوان، وتحضير العمل، ووضعية الموديلات، والدقة والعناية بكل التفاصيل الصغيرة .
ومن نماذجه المبكرة لوحة ” باكجوس عليلًا ، و”ميدوسا” وتكشف كلها عن روح النضارة والمباشرة، وخلوها من الإصطناع والتكلف الأكاديمى الشائع فى روما آنذاك، ، أما التجديد الذى أتى به وأذاع صيته، وجعل إسمه موضع الجدل والخلاف، فلم يكن تطبيق الأسلوب الواقعى، على الصورر الدينية فحسب
إنما كان ينطوى على العمق الدرامى، لعنصر الضوء، والتضاد بين الظل والنور ، وكان يقوم بتسليط الضوء الحاد ،على تكويناته الفنية سواء كانت عنصرًا بشريًا أو طبيعة صامتة، وذلك من خلال مصباح معلق بأحد زوايا مرسمه ، ليستقر الضوء على أحد جوانب تكوينه، تاركًا بقية الأجزاء فى ظلام دامس ، وهو مايثير روح التعاطف عند المتلقى، ويشده إلى بقية التفاصيل، والإستغراق فى حالة التأمل
كذلك نلاحظ قناعته من الألوان الأساسية بلون واحد ، وذلك بإكتفائه أحيانًا باللون الأحمر الوهاج ، وبالجمع في لوحاته بين البساطة والشموخ، مما جعلها شديدة التأثير فى الحركة الدينية الشعبية خلال عصره ، كذلك تميزت لوحاته ببراعة كارافاجيو ، فى إتقان التصوير ، والتقليد البارع، للأشياء الطبيعية، فقد كان كارفاجيو الفنان الفذ، مملوءًا بروح التفاؤل، الذى شاع فى ذلك العصر ،من بساطة وحب للحياة .

والموضوعات الدينية التى سجلها كارافاجيو، يتمثل فيها الحضور المسرحى للشخوص، وتصويرهم فى ذروة لحظاتهم العاطفية، المعبرة عن دخائلهم ، وهو بحياته القصيرة ، كان قد عاش عصرًا كبيرا بآفاقه الرحيبة
ومن أعماله التى تستحق أن نتوقف المرء أمامها، وتم تصويرها فى الفيلم بعناية وتكنيك عال، وفهم عميق للمشهد، والإحساس بالشخصية، اللوحة التي يفزع فيها ذلك الفتى، الذى قام بدور الموديل، فى معظم اعمال كارافاجيو ،وهو صاحب شخصية كوميدية، وقد تحسب بسبب جماله أنه فتاة، وذلك أثثاء محاولة كارفاجيو وضع السحلية فى يده، وكان عليه أن يمسكها بيده في اللوحة، فكان مشهدًا رائعًا حيث إلتقط الفنان تلك اللحظة العفوية التى مرت سريعًا، والتقطها فى نظرة الفتى، وحركة ذراعه الحادة ، في محاولته الهروب من السحلية، وهو لايستطيع في ذات الوقت، أن يتحرك من مكانه .
وقد اتسمت هذه اللوحة بالصدق، بما فيها من تسجيل الإحساس بالحركة، التى كانت حقيقية، و حيث يظهر، ذلك التضاد الحاد، بين النور والظل ، الذي يجعلنا تستنتج أن تاريخ هذه اللوحة، يسبق السنوات العشرة الأخيرة من القرن ، وإنها لوحة سابقة لعصرها

وقد كان محرك هذا العمل، خيبة أمل الفنان فى الحب، وهى خيبة الأمل التى حطمت سعادة كارافاجيو الشاب، بالإضافة إلى أن هذه اللوحة تمثل أفضل النسخ الثلاثة المعروفة، التى صورت هذا الموضوع، ورغم بعض العيوب التى لحقت بها، والتى تطلبت إعادة ترميمها ، فإنها لحسن حظنا ربما، مازالت تحمل ملامح البداية الأصلية لظهور كارافاجيو ، ويبدو أن هذه الصورة تنطوى على استعارة أو مجاز ، فمن الواضح أن السحلية، تمثل علامة أو دلالة غير سارة، حيث تشير بعض المصادر القديمة الى أنها ترمز إلى الموت، كماتشير مصادر أخرى الى أنها السحلية ترمز إلى الشبق..
د/أحلام فكرى
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, مهرجانات 0



