موسيقى الجاز حياة الروح بريشة الفنانة أماني البابا

لوحة لأفيش الدورة السادسة القادمة من مهرجان ” جاز وأفلام ” من إبداع الفنانة التشكيلية الفلسطينية الكبيرة
أماني البابا
موسيقى الجاز حياة الروح

لوحة لأفيش الدورة السادسة القادمة من مهرجان ” جاز وأفلام ” من إبداع الفنانة التشكيلية الفلسطينية الكبيرة
أماني البابا
موسيقى الجاز حياة الروح
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0
طالعت المجموعة القصصية الرائعة للمبدع الكبير صلاح هاشم ..وعنوانها ” الابيض الأبيض ” وتلك كانت رؤيتى لعالمها الواسع، وقراءتى لمكنونها الساحر، وقد عرفت من المؤلف انها نوقشت بـ ” البرنامج الثاني ” الثقافى فى فترة السبعينيات، من قبل اساتذة ونقاد كبار هم د عبد الغفار مكاوى وبهاء طاهر ودكتور صبرى حافظ ..وقد اثنوا عليها، وموهبة صاحبها، ..ولاعجب..
ذلك أن مجموعة ” الحصان الأبيض ” سحرتني..وأنا لم اقرأ منذ فترة قصة قصيرة بجد، قصة قصيرة حقيقية بهذا المستوى..

ذلك أن المستوى في جيل صلاح هاشم، وأعني به جيل الستينات الذي ينتمي إليه ، كان أقوى من وجهة نظري،على مستوى اللغة، والتشكيل البصري، والإنسيابية ،ورهافة الحس، ليشكل، كما في كل الأعمال الأدبية العظيمة،.. قطعة من الإنسان على الورق ..
مجموعة تبدو لي نصوصها الساحرة، وكأنها سطور قادمة من جدارية فرعونية..
لقد شدني في قصص المجموعة تداخل الحواس، والتضفير أيضا، أعني غزل وتضفير العناصرمع التداعي والزمن والمكان، لذا تبدو قصص المجموعة كأنها ” كتلة نحتية ” واحدة، تتداخل وتتسامق برموزها، لتغني النفس، وتشبع الروح، وبها أيضا.. رقة الشعراء.. بشفافية أسطورية محلقة ..
وفي المجموعة متتاليات قصصية تسكن خطابا عضويا واحدا لاينفصل عن بعضه، فالقاريء الذي يشارك الكاتب النص كما يقول المفكر والناقد الفرنسي الكبير رولان بارت وينطبق تماما وكلية على ” الحصان الأبيض “، جعلني اقرأ قصص المجموعة كـ ” رواية ” .. وحدة واحدة ..بل لقد جعلني من فرط جمالها – رواية الحصان الأبيض – اقرأها مرة أخرى من جديد..

الحصان الأبيض – خارج تداعيات النص ولغة الكاتب الساحرة- وكما قرأتها وخبرتها وفرحت جدا بها كمن عثر على درة مكنونة، هي ” فعل إنساني روحاني” وأشبه ماتكون بـ ” طقس ” تطهيري أو ” تعويذة ” ضد غوائل الزمن، وقسوة الواقع، رعبه وتوحشه وكوابيسه..
ومجموعة ” الحصان الأبيض ” لصلاح هاشم ليست كأي مجموعة من مجموعات فترة الستينيات القصصية لأن مايخلق لها تميزها وتفردها الفائق في رأيي هو تماثلها وتضافرها مع عناصر الطبيعة والتاريخ في لغتها، التي تجدها هادئة احيانا، وجامحة حينا آخر، وهذا التناقض هو سر جاذبيتها..
السحر من عناصر الروح والفن والأدب معا، وهو هنا يشع في المجموعة من طاقة الشعر – بالضرورة – في نصوص العمل، مغلفا بمتعة الصورة ..
في قصة ” الحصان الأبيض ” – بطل القصة الاولى وعنوان المجموعة- .. يرى الراوى الحصان الأبيض ماثلا امامه دائما .. كانه شبح ” هاملت ” في مسرحية وليم شكسبير بنفس الإسم.. مابين رؤية ولا رؤية ..ما بين غيام وصحو ..مابين الروح والمادة ..موجود الحصان الأبيض ويتحرك فى كل مكان ..مع المدرس العاشق لتلميذته ..حتى النهاية .. والقصة احداثها قصيرة …. تقبض غلى اللحظة ..نموذج لفن القصة القصيرة الساحر .. وتتخذ المجموعة عنوانها …
مدرس يعشق تلميذته الصغيرة .. يكتب الراوي قصته القصيرة ، وهو يغزل تفاصيل الحياة اليومية .. فحتى الحذاء يؤلمه، ويود التحرر منه ….
يرى البطل الحصان الابيض ماثلا .. امامه، ويتبنى طفلا مابين الحقيقة والوهم فى زمن الحرب ..زمن هزيمة 1967 ، ويبدو ” واقع الهزيمة ” ماثلا هنا في قصة الحصان الابيض ، برماديته و..وقعه الكابوسى الثقيل المخيف …
اما الحصان الابيض الذى يطير بين ثنايا سطور القصة الاولى فهو ” سحر السرد ”
فلقد استطاع صلاح هاشم بادواته القصصية المتفردة ان يغزل منه ” شخصية اسطورية” تخاطب الواقع ..فالحصان هو الحلم، الحلم الذى يراوح ما بين الحقيقة والوهم ..وهو الذى يصل بين الواقع والسحر ..بين الحياة والموت .. ذلك ان حتى الموت فى القصة الاولى هو موت نفسى .. ذلك الموت الذى يصاحب الفرد عندما يتالم، هو الحصان المنطلق ، من خلال لونه الابيض المضىء ، حالما مناديا للحلم، ويعكس كل الالوان ، وقد يقهر الموت /الفناء..
اما الموت المؤقت هنا في القصة فهو النوم او الاغفاءة، ومن خلالها يبرز الحلم ايضا فهو ماثل فى المجموعة .. فجو الهزيمة التى تلت 1967 يحتاج الى هذا الموت المؤقت .. كى نصحو او نفيق مرة اخرى، دون الانتحار، او الوقوع ضحايا الجنون الى الابد ..
لكن يحضرنا ” طيف الامل” من خلال الحصان الابيض المسافر دائما دون رحيل .. الابيض دون الاسود ..
ويبحث الراوى عن طفل ايضا يمثل البراءة ، ولكنه.. يقتل .
الحزن هنا الذى يصيب البطل هو مرادف للموت ..الفناء، وهو الحقيقة الوحيدة ..
يواجه البطل افق الصمت والوحدة والسواد والبرودة والفراق عن الحبيبة .. يقبلها ، كى يشعر بها حقيقة ملموسة .. ويستدفىء بها .
هو يريدها.. لكنها لايصل اليها .. تماما كالحلم ..
بينما الموت هو الحقيقة التى يبحث عنها، لكنه الباعث على الحزن فى الوقت نفسه .. ولهذا يغمض عينيه فى صحراء التيه .. ولايرى.. الا الحصان الابيض ..
الجمل القصيرة لدى صلاح هاشم في قصة ” الحصان الأبيض ” تبدو كدقات المطر على نوافذ المنازل فى الشتاء.. و قبل ان ينهمر السيل فجأة ، نحو سيمفونية النهاية ..
ادوات القص عند القاص صلاح هاشم ، تستعين بكاميرا مخرج سينمائي، دربته المشاهد على ان يحرك المشهد، او يسكنه، بحساسية مرهفة .. ..
يلتقط المبدع الكبير صلاح هاشم التفصيلات الصغيرة التى تصنع الدهشة .. ويغزل منها حكيا لامحدودا .. يسبب متعة متدفقة ..
ان افتقاد الأسباب التي أدت الى هزيمة 1967 هو المأساة التي يعيشها بطل القصة، هو التراجيديا ذاتها .. هكذا كان شعور البطل ..الذى التقى مع الراوى، فى حكى ، صنعه اختلاط التراجيديا بالدهشة …..
وهكذا نري كيف اعتمدت القصة الاولى وباقى قصص المجموعة على التقاط التفصيلات الصغيرة وغزلها عن طريق الادوات السردية وكاميرا المشاهد، لينتج عن ذلك، تواشج دفقات الكاتب والقارىء معا، لانهما يتشاركان الحياة .. يريدان امساكها ..امساك تفاصيلها حية ..
كتابة صلاح هاشم هنا في مجموعة ” الحصان الأبيض ” هى الحياة ذاتها .. كتابة تجعلك تريد ان تلمس الحياة، تتحسسها،و تشم هواءها، وعبير زهورها، وان تحس ازهارها، وان تدفىء برودتها ، وان تلج وتدلف الى سحرها الغامض … وكان الحياة اسطورة .. والاسطورة حياة …..
وتشع بين ثنايا الاسطورة تاثيرات الكاتب بفلسفة الزن اليابانية المفتونة بالطبيعة، وقصائد شاعر الهند العظيم رابندرانات طاغور الذي ترجم له صلاح هاشم في فترة الستينيات قصيدة ” أجنحة الموت ” التي كتبها طاغور على فراش المرض قبل وفاته، وشبهها النقاد بـ ” رباعيات بيتهوفن الوترية”، وتأثره أيضا بقصيدة ” الأرض الخراب ” للشاعر الانجليزي الكبير ت . إس . إليوت التي درسها صلاح هاشم في قسم انجليزي بآداب القاهرة واستوعبها وهضمها، حيث تفاصيل حياة الفرد المهزوم المسحوق في قصيدة إليوت، امام غموض وجوده في الحاضر والمستقبل … باحثا عن نثارات الحياة كى يجمعها .. فلربما اسفر هذا التجميع عن امرأة، تشفى تلك الآلام.. التى لا تنتهى ….. امراة خالدة كـ ” ايزيس” التي تطلع من جوف البعث، بفعل ” رع ” سيد الآلهة…..
يتدفق السرد باقتدار لدى صلاح هاشم في قصص المجموعة، وكانه نثارات وشذرات قصصية تمزج بين روح الاسطورة الفرعونية التى تمجد البعث، وتحقق الارادة الانسانية، وثنائيات الضوء والظلام ، وكأنه حين يكتب ، يستلهم ” روح الملاحم ” العالمية العظيمة. تلك الملاحم التى تستحضرالصراع بين الالهة والبشر، وبين قوى النور و الخير و قوى الشر والظلام، لتروي لنا قصة الأرض و حكاية الكون من جديد .. ..
احيانا تتمدد شلالات السطور عند صلاح هاشم ، وكانها سوف تنحت تماثيل فرعونية، بفعل السحر الغامض، وماهي الا قوى الطبيعة التى اندمج معها الانسان .. وهنا يتحول النص عند صلاح هاشم بروحه الاسطورية، يتحول الى لوحة جدارية اثرية ، لوحة يطل منها تاريخ الانسان فى مجمله، وهو فى توق الى الحلم ، و..الضوء الابيض المنير ….
واحيانا تتدفق السطور كى تعانق حواس القارىء فيشارك بالقراءة .. وتلك هى ذروة نجاح المؤلف
وفى الحالتين يظل النص عند صلاح هاشم مفتوحا ، كأنه قطار مابين الابطاء والاسراع ..بينما اعمدة الحياة تتوارى خلفنا ..ذلك هو ايقاع المجموعة، وزمنها .. زمن المجموعة يكتب لغتها بالضرورة .. اما الاماكن فهى نفسية .. تستلهم من روح الاسطورة دهشتها .. وتندمج مع نبضات بشرية ..
انه زمن ” الحصان الابيض” الذى يتسابق مع اللحظات القصيرة الخاطفة، كالقبلات المسروقة.. كالاحضان .. كى يوقفها فى حين ما ، او يشعلها فى حين اخر..وقد يسابق قطارها بين السكون المؤقت عند المحطات، او استئناف الحركة الى الامام، حيث صيرورة التاريخ والمستقبل .. بينما تمثل المحطات واقعا لللقاء او الوداع بين البشر …
ان الحصان الأبيض خلق للسباق، وللتحليق والطيران، مابين السماء والارض ..يسابق التهدج ذاته ..ترفرف فوقه حمامة السلام البيضاء، وكانها قطعة حية منه .. تتطلع الى سماء حلم مفتوحة في حين يسابق الحصان، لهاث النفس البشرية ، ما بين الامل.. والالم ..
من حصان ابيض، يشكل صلاح هاشم اسطورته، دون ان يقفز فوق اسوار السباق اللاهث ..حيث يقف مجتمع منافق ومتناقض الصفات …يميل عليه هاشم كطيف.. ويتلصص على اضواء الواقع ..
حصان صلاح هاشم هو رمز للنقاء والى الحلم البرىء ، وهو يتطهر بالصدق مع النفس ، ومع طين الجذور، للأرض المصرية المقدسة، حيث يكون ذلك الامتداد السرمدى، وحيث تكمن تلك الذاكرة الاولى لـ ” الأبدية ” وسحر رائع لاينضب..
د. منار حسن فتح الباب

عن مجلة ” عالم الكتاب “

admin رئيسية, كل جديد, مهرجانات 0
صرح حديثا عصام زكريا، مدير مهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة، بأن إدارة المهرجان، تمارس تحضيراتها بشكل طبيعى، “ومنتظرين قرار وزارة الثقافة ،ومجلس الوزارء ،باستمرار المهرجان أو إلغائه ،حسب مدى السيطرة على فيروس «كورونا»، مؤكدًا أن هذا القرار، هو قرار سيادى، ليس لهم يدٌ فيه، لكنهم مستمرون، فى استعداداتهم، لفعاليات الدورة 22 من مهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة التي ستشهد
إهتماما كبيرًابتنظيم ورش للشباب، وخاصة طلاب المعهد العالى للسينما وأكاديمية الفنون، بحيث يتمكنون من مشاهدة المزيد من الأفلام والتفاعل مع صناع السينما من مختلف أنحاء العالم، وعددا من الوِرش الدولية للسيناريو والفيلم التسجيلي، ومحاضرات فى كتابة السيناريو والكتابة للأطفال

عصام زكريا
وهناك أيضَا تنسيق مع الجمعيات الأهلية العاملة بالإسماعيلية فى مجال حقوق الأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة، لعرض أفلام إما مِن صُنعهم أو عنهم، فى إطار استخدام السينما للتوعية بحالاتهم وحقوقهم، وهناك أفلام من صناعة أطفال صم وبكم، وفيلم عن التوحد، وآخر من صناعة جمعية للأطفال المكفوفين.
كما سيتم الاحتفال بعام مصر– روسيا 2020، كما سيكون هناك يوم للاحتفاء بالصين، بالتعاون مع سفارة بكين والمركز الثقافى الصينى.
وقال عصام زكريا أن المهرجان سيكرِّم، هذا العام، الناقد السينمائى الكبير كمال رمزي رئيس المهرجان القومي للسينما المصرية، وذلك لعطائه الكبير فى مجال النقد السينمائي ..
وقد انتهت لجان مشاهدة الأفلام من أعمالها والبدء فى وضع البرنامج الرئيسى المكون من المسابقات الرئيسية المعروفة للأفلام التسجيلية الطويلة والقصيرة والأعمال الروائية القصيرة وأفلام التحريك، وكذلك البرامج الخاصة، ومنها برنامج أفلام التحريك وأهم مدارسه فى العالم حاليًّا، حيث سيتم تخصيص يوم لكل مدرسة منها لعرض أفلامها..

—
admin رئيسية, كل جديد, لف الدنيا 0

” سحر الوثائق” صفحة جديدة في موقع ( سينما إيزيس ) تعني بنشر وثائق شخصية ، وصور، وملصقات وأفيشات، و” كراكيب ” قديمة، من ” كناسة” الدكان، وأرشيف المحرر الكاتب صلاح هاشم الشخصي، الخ.. وقد تكون لها علاقة بشكل ما بذاكرة مصر ، وتاريخها، والسينما العالمية، ونحن ننشرها هنا ومن دون تعليق
المحرر
صلاح هاشم
*

الناقد المصري صلاح هاشم كما يراه الناقد اللبناني محمد رضا

زوربا اليوناني
*

جمعية السينمائيين والنقاد العرب في فرنسا
*

مهرجان ( جاز وأفلام ) في المعهد الفرنسي

د.منار حسن فتح الباب تكب عن ” الحصان الأبيض ” لمبدع كبير
*

أفيش فيلم ” أمين ” للمخرج الفرنسي الكبير فيليب فوكون
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0


admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0

سجل بداية شهر يناير عام ١٩٥٧ عرض فيلم عبد الحليم حافظ ( بتات اليوم) اخراج هنري بركات، وبطولة ماجدة وآمال فريد وأحمد رمزي، وكريمان التي تجسد الفتاة العصرية، في زمن تألق الطبقة الوسطى المصرية وإزدهارها، وثقتها بنفسها والعالم من حولها.
تتحدث كريمان ( بثينة) في الفيلم بصراحة، إنها من جيل مختلف عن زمن أمها التي ترتدي ما يشبه الحجاب ، الذي ساد في عصر الظلام العثماني، وتحررت منه النساء مع ثورة ١٩١٩ ،وقيام هدى شعراوي بإلقاء هذا الحجاب على الأرض ،اذ يمثل القيد والمهانة، وسيطرة استعمار على العقول.

شخصية ( بثينة) متحررة من حجاب العصر الوسيط ،وملابسها تعبر عن فتاة مصرية حديثة ، تعيش في ضاحية المعادي ،ورغم طلاقهامن زوجها ،فأن إرادتها وفهم الحياة طبقا لهذا الزمن، لم تتغير ،وإن كانت الأم تخشى عليها من تلك الحرية ،ويوافقها سراج منير ،والد ماجدة، التي تفهم الحرية بأنضباط دون تهور، بينما شقيقتها الأصغر منها ،مندفعة نحو حداثة أوروبية بسماع الموسيقى، والذهاب للنادي، والرقص مع شباب في مثل سنها.
هذا الفيلم المصري الجميل، يناقش موضوع حرية البنات، في مجتمع الطبقة الوسطى المصرية ،وهي في قمة نجاحها، وثقتها بنفسها ،قبل انكسارات أطاحت بتلك الثقة ،عندما تم تجريدها من طموحات السوق المفتوح ،والمناخ شبه الليبرالي، الذي سمح بتطور فئات اجتماعية، عززت قدراتها بعلم وعقل منفتح .
سراج منير، طبيب ناجح، يعيش حياة عصرية، ويشجع بناته على اتخاذ القرار، ويراقب من بعيد ،مثلما فعلت أسر ذلك الزمان ،حتى في حي السيدة زينب، كان هذا النمط حاضرا للأب المنفتح الحديث، و بجواره الآخر المحافظ.
محافظة تلك الأيام، لم تسقط في صرامة التشدد الديني، الذي فرض ثقافته وتقاليده ،اذ وجود تنور إجتماعي واجانب، يسمح بحرية واضحة في الفيلم، اذ تذهب ماجدة لمدرسة شقيقتها الأصغر ،وهي راكبة دراجة هوائية ،وقد التقيت مذيعة مصرية في لندن، وتحدثت مها عن بنات المعادي، وهن يتجولن بالدراجات الهوائية ، فلم تصدق كلامها ،لأن الإحوال تبدلت بطريقة مخيفة ومحزنة.
الطبقة الوسطى المصرية ،يسجل الفيلم ازدهارها ،فالطبيب يملك فبلا جميلة، وبناته يعزفن على البيانو، الذي يحتل مكانه مهمة في المنزل ،والأب يذهب مع بناته للنادي ، ويتناول النبيذ مثل ابناء طبقته ،اذ لم تكن ثقافة التحريم وصلت مصر بعد.
يتناول الفيلم قضية الحرية والحدود المسموح بها ،ويتفاخر الأب بتلك الحرية، اذ تمنع الوقوع في الخطأ ،لأن الأحرار يملكون قدرة الإختيار والتمييز، بين الصحيح والخطأ ،وهذ ما تعلمته آمال فريد ،التي اعتقدت بحرية مطلقة، لكن خطأ صديقتها ( بثينة) دفعها للتراجع.
يأتي للفيلم محمد عبد الوهاب ،مع مؤلف الملاكي حسين السيد، ليصنعا اجمل الأغاني لعبد الحليم حافظ ،الذي صنع نجوميته في هذا العمل الجميل .
السينما المصرية ،عنوان النهضة ،تتقدم في ظل ازدهار مصر ،وتتراجع عندما تحاصرها سحب الظلام والكساد، وانهيار التفكير العقلي.
تاريخ السينما المصرية هو كتاب التقدم والتراجع إلى الخلف ،وفيلم( بنات اليوم) عن زمن مختلف ،لم يبق منه سوى الذكريات ،فالطبيب متحضر ومدني يعلم بناته فضل الحرية، في تكوين الفرد وسلوكياته.
كلية الطب في عصر ( بنات اليوم) تفرز شخصيات مدنية ،لأن الطب نتيجة للتقدم العلمي، وانهيار ثقافة الخرافات.
في هذا الزمن، لم تسيطر جماعات الثقافة الدينية السلفية على كليات الطب ،أم الآن، فقد تغلغلت ،وفرضت رؤيتها على أجيال جديدة ، من أطباء يشكلون كتائب التخلف، والمحافظة الأجتماعية الشرسة ،اذ انتشر النقاب بين طبيبات ،يتخرجن من كلية طب القاهرة ،التي تخرج منها رموز لليسار المصري، وتيارات ليبرالية مدنية مثل طبيب ( بنات اليوم)).

( المعادي) في الفيلم يسكنها مصريون متحررون من قيود العصر الوسيط ،يعيشون ثقافة زمانهم ،وقد تغيرت ( المعادي)، وخرج منها طبيب آخر يقتل البشر باسم الدين اسمه ايمن الظواهري، و تم تغيير نمط الحياة ،مما ادى لإنكسار الطبقة الوسطى ،وبعد أن كان الطبيب يحض بناته على حرية واعية ،أصبح الإنكفاء على الذات ،ورفض حقائق العلم ، سمة لطبقة ،كانت في سنوات سابقة، تنتج فنا ونمط عمارة ،وحياة مدنية مفتوحة.
لفت نظري في قراءة مذكرات برلنتي عبد الحميد ،تأنيب المشير عبد الحكيم عامر لثقافة، اكتسبتها من ظروف زمانها، ومعرفتها بماركسي مصري ، فتح عقلها على ثقافة إوروبية ،لم تعجب المشير ،الذي تهكم عليها لإنها لم تقرأ عن عدل عمر بن الخطاب.

وقفت أمام تلك الاعترافات، التي تشير لطبيعة حركة يوليو ،التي قادها ضباط صغار فغيرو الثقافة ،ووجدوا في الثقافة الدينية المحافظة مهربا لهم ،يمنحهم التميز.
حكام العصر الملكي ،كانوا على ثقافة إوروبية، ويسافرون لإوروبا ،وتأثروا بالغرب نتيجة تعليم وثقافة، انعكست على الفنون ونمط العمارة المصرية ،ويكفي تأمل وسط المدينة، الذي كان ينير بنمط حياة ،يعتمد على فن وانفتاح ،الآن ثقافة دينية سائدة ،تغلق الباب أمام اجتهادات الإنسان ،لإنه تلزمه بتفسير محدد، لا يشجع على الإجتهادات .
( بنات اليوم) ينير الشاشة، بأفكار جريئة، وموسيقى جميلة، وصوت عبد الحليم المعبر عن مصر جميلة ،تحب وتغني.. وواثقة من نفسها.
يسري حسين

محلل سياسي وناقد فني مصري مقيم في لندن
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, نزهة الناقد 0

كنت أجلس مع مجموعة الأصدقاء – نقاد وكتاب وفنانين تشكيليين -من الأسكندرية في مقهى ” كافيه دو لابيه ” – مقهى السلام – الذي يقع على الكورنيش، على بعد خطوات من محطة الرمل،وموقف الترماي، ومكتب البريد.وكنت أستطيع من المقعد الذي جلست عليه ، أن أرى من نافذة المقهي، بحر الثغر الجميل، الذي يمتد دوما في مخيلتي، ليلامس على الطرف الآخر، بلاد االيونان ،ويتواصل أيضا مع بحرها.عندما سألني فجأة صديقي الشاب ،من الأسكندرية، الذي إنضم منذ قليل الى حلقتنا، حيث جلسنا في الدور الثاني او العلوي من المقهي، و كان قبلها ،أعتذر بالطبع ،عن حضوره متأخرا للمشاركة في “الجلسة”.

لقطة من فيلم ” زوربا اليوناني ”
سألني كعادته ببراءة طفل كبير، وعفوية محببة ،وبجدية وإحترام :
– أستاذ صلاح مين هو نيكوس كازانتزاكيس ؟
التفت الي الجميع ،بعد أن تركوا ما في أياديهم، وسكنت الحركة فجأة في المكان.
قلت.. وأنا أنظر الى عمرو:
– نيكوس كازانتزاكيس، هو أشهر كاتب يوناني في القرن العشرين، زي نجيب محفوظ عندنا، وهو مؤلف رواية ” زوربا اليوناني ” ، التي اقتبستها السينما العالمية ،وقدمتها في فيلم بنفس العنوان، اضطلع ببطولته الممثل الأمريكي الكبير والقدير أنطوني كوين، الذي لعب دور البطل “عمر المختار” في فيلم بنفس الإسم للمخرج السوري الكبير العقاد ، هل تتذكر فيلم ” مدافع نافارون ” ؟.حسنا.لقد شارك كوين أيضا في بطولته، كما شارك في فيلم ” باراباس “- بطولة مطلقة – وفيلم ” يحيا زاباتا ” بطولة مارلون براندو ، ومن اخراج المخرج الأمريكي الكبير إيليا كازان، لكني أعتبر ،أن أعظم أدوار أ،طوني كوين على الشاشة ،كان في دور ” زوربا ” اليوناني، المأخوذ عن رواية نيكوس كازانتزاكيس. تمام ؟

أجاب عمرو :
– تمام . طيب.. ليه حضرتك، بتذكر إسمه علطول، في مقالاتك في الفيس بوك ؟
قلت :
” ..لأني أعتبره معلمي وأستاذي، مثل أساتذتي في الجامعة ،الذين تعلمت على يديهم، فقد تعلمت من نيكوس كازانتزاكيس،ابن جزيرة كريت في اليونان، الكثير من دروس الحياة، من كتبه ورواياته، ولذلك تجدني عندما أكتب، أحكي له أيضا في كتاباتي عن حياتي، كما أحكي لصديق مثلك الآن، عن مواقف وتجارب وشخصيات خبرتها وعرفتها، وكان لها ربما أكبر الأثر في حياتي، وأجعل نيكوس كازانتزاكيس هكذا، يشارك في القصة، وكأنه موجود الآن معنا ،في جلستنا بالمقهى، ولذلك تجدني أذكره دائما في مقالاتي. تمام ؟
– تمام . سبب معرفة حضرتك به، الدراسة أيام كلية الآداب ؟
-نعم. تعرفت على نيكوس كازانتزاكيس في فترة الستينيات، وكنت طالبا في كلية الآداب قسم إنجليزي بجامعة القاهرة، وسأروي حكايتي معه في رواية بعنوان ( تقرير الى نيكوس كازانتزاكيس)..تمام ؟
فجأة وجدت عمرو ينهض من مقعده محييا ،وهو يقول وفي عينيه يمرح فرح منير غريب..
– يا الله !!!..إيه الجمال ده!!!
صلاح هاشم

admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0

في زمن الإنتاج السخي، وقت أن كانت قائمة الأفلام، التي تُعرض في الصالات التجارية، تضم ما يزيد عن مائة فيلم في العام الواحد، كان من الطبيعي، والمنطقي، ألا تتجاهل السينما، في موضوعاتها، أية قضية، حتى ولو كان محورها الموسم الصيفي، وما يجري فيه، من مرح، لهو، فرح ومتعة بريئة، وإن لم تتغافل، أحياناً، وبقدر طفيف، متعمد،عن الاقتراب من الهموم والمشاكل، التي تتزامن مع أوقات المرح والمتعة؛ فهي أفلام للترفيه، ولا ينبغي أن تكون سبباً في تكدير صفو الجمهور، الذي أقبل على هذه النوعية ليستمتع، وينفض عن نفسه الهموم، وربما يتخفف من أعباء واقعه، كما كان يفعل على الشواطيء، عندما يتخفف من ملابسه !

اللافت للنظر أن ما يُطلق عليها «أفلام الصيف»، لم يكن لها اعتبار، لدى منتجي السينما، في الحقبة الملكية، حتى أن الباحث لا يكاد يجد فيلماً من هذه النوعية، في قوائم إنتاج تلك الفترة، باستثناء فيلم «البحر بيضحك» (إنتاج 1928 / إخراج إستيفان روستي وأمين عطا الله)، الذي تكون من أربعة اسكتشات محورها البحر، وفيلم «شاطيء الغرام» (إنتاج 1950 / إخراج بركات)، الذي تحكي أحداثه قصة الشاب الثري (حسين صدقي)، الذي التقى مُعلمة متوسطة الحال (ليلى مراد) على شاطيء في مرسي مطروح، بينما أنهالت «الأفلام الصيفية»، كالمطر في فترة الستينيات والسبعينيات، وكأنها قطرات الماء البارد، التي تُنعش الجمهور، في مواجهة قيظ الصيف، وحرارة الشمس !
الأمر الثاني، الذي ينبغي التنويه إليه، أن ثمة فارقاً كبيراً بين الأفلام، التي تحمل اسم مدن ساحلية، لأنها تطرح موضوعا لا علاقة له بالمصايف التي تعج بها : («إسكندرية ليه» و«إسكندرية كمان وكمان» على سبيل المثال)، أو تلك التي يتم اختيارها، كموقع للتصوير فقط، بما يعني أن أحداثها كان يمكن تصويرها على أرض أية مدينة أخرى : («موعد على العشاء» (إنتاج 1981 / إخراج محمد خان)، وفيلم «الخبز المُر» (إنتاج 1982 / إخراج أشرف فهمي). بينما هناك أفلام تبدو وكأن عناوينها ذات صلة حميمة بموضوع دراستنا، لكنها ليست كذلك على الإطلاق : («آثار فيالرمال»، «بحر الغرام»، «ليلى بنت الشاطيء»، «شاطيء الأسرار»، «شاطيء الحب»، «شاطيء الذكريات»و«الأزواج والصيف»، لا علاقة لها، مُطلقاً، بمغامرات الصيف ولا بموضوع دراستنا، رغم ما توحي به أسماؤها !

ساذجة وسطحية باستثناءات نادرة !
المفارقة أن الغالبية العظمى من تلك النوعية من الأفلام، إن لم يكن جميعها، اتفقت، انطلاقاً من هدفها الطامح للترفيه فقط، على تقديم موضوعات تتسم بالسذاجة، والسطحية، وكأن الجدية تُفسدها، وتُخرجها من سياقها، ولا نستثني من هذا التجربة المنفردة، في فيلم «البنات والصيف» (إنتاج 1959)، التي شهدت تعاون ثلاثة مخرجين : عز الدين ذو الفقار، صلاح أبو سيف وفطين عبد الوهاب، في إخراج ثلاث قصص، من تأليف إحسان عبد القدوس؛ إذ يمكن القول إنها أفلام اجتماعية ترصد «جرائم شاطئية»، وهو ما ينطبق على فيلم «إجازة بالعافية» (إنتاج 1966 / إخراج نجدي حافظ)، الذي يتناول مغامرة صديقين فازا بجائزة عبارة عن قضاء أسبوعين في الإسكندرية، ويقعا في حب صحفيتين مكلفتين بتغطية الرحلة، لكن المخرج خليل شوقي يتمرد على ارتباط أفلام الصيف بالسذاجة، ويطرح قضية جادة في فيلم «معسكر البنات» (إنتاج 1967)؛ إذ يختار منطقة المعسكرات الشاطئية في منطقة أبي قير بالإسكندرية، ليطرح قضية المجتمع المتشدد، الذي يؤمن بالانغلاق، والتزمت، وضرورة الفصل بين الذكور والإناث، وينتصر المخرج، وفيلمه، لمبدأ أن المجتمع السليم قوامه الرجل والمرأة، وهي القضية التي يبدو أنها كانت تشغل الدولة في تلك الفترة؛ حيث يتناولها المخرج حسام الدين مصطفى، بشكل آخر، في فيلم «شاطيء المرح»(إنتاج 1967)، الذي يُندد بالمجتمع الذكوري، ورجعية الأباء، ويدعو لتحرر المرأة، ومنحها استقلاليتها، بينما يكتفي المخرج سعد عرفة، في فيلم «أجازة صيف» (إنتاج 1967)، بالعودة إلى أفلام المغامرات الصيفية، التي تجري أحداثها في رأس البر، وليس الإسكندرية كما جرت العادة، ومن خلال قصص وعلاقات المصيف، يؤكد على الدور الذي لعبه الصيف، والحب، في تغيير سلوكيات شخص شرير إلى الأفضل. أما فيلم «حكاية 3 بنات» (إنتاج 1968 / إخراج محمود ذو الفقار)، فتحكي أحداثه قصص ثلاثة بنات يستثمرن ، بعقليات متناقضة، أجازة المصيف بالإسكندرية للزواج فيقعن، باستثناء واحدة، في شر أعمالهن. ومع مجيءعام 1992 يحاول المخرج أحمد فؤاد أن ينفي صفة السذاجة والتفاهة عن الفيلم الصيفي، ويتبنى، من خلال فيلم «الحب في طابا»، رسالة يدق من خلالها ناقوس الخطر، للتحذير من مرض نقص المناعة (الإيدز)، ولا يكتفي بهذا، وإنما يوجه أصابع الإتهام للمافيا االصهيونية، ويُحملها مسئولية التخطيط لنشر المرض بين شباب مصر، لإضعاف قوة مصر .. ومستقبلها .
صيف رومانسي جداً
في المقابل لم تخل بعض أفلام الصيف، من قصص رومانسية اشتد لهيبها بفعل حرارة الصيف، والشمس الحارقة،على الشواطيء، مثلما حدث في فيلم «العش الهاديء» (إنتاج 1976 / إخراج عاطف سالم)، الذي اختار كاتبه مصطفى محرم، أن يتناول قصة كاتب (محمود ياسين) هجر القاهرة إلى الإسكندرية، ليعتزل الناس، ويجد الوقت، والظروف، المناسبة، ليبدع أعماله، وهناك يلتقي، على أحد شواطيءالاسكندرية، امرأة (برلنتي عبد الحميد) شديدة الاعتزاز بذاتها، ويتزوجها، لكن زواجهما يواجه بعض المشاكل. وفي فيلم «جنس ناعم» (إنتاج 1977 / إخراج محمد عبد العزيز)، يكتب علي الزرقاني، بجراة، عن ثلاثة أصدقاء (عادل إمام وسمير صبري وسمير غانم) يجدوا حلاً لأزمتهم المادية، عبر الاحتيال على المتصابيات من النساء إلى أن يحدث ما يُغير قناعاتهم . وعلى نفس النهج الجريء يكتب المخرج سعد عرفة فيلم «رحلة العمر» (إنتاج 1974)، الذي تدور أحداثه في فندق على شاطيء سيدي عبد الرحمن، ويتناول، بشكل صادم، وجرأة غير مسبوقة، علاقة حميمية بين مدير بأحد البنوك (أحمد مظهر) وفتاة أجنبية الأصل (شمس البارودي)، تقيم مع عمتها في القاهرة، وتورط الرجل المُحافظ في علاقة آثمة . ومرة أخرى تتحول الإسكندرية إلى مسرح لأحداث تجربة مهمة، ممثلة في فيلم «بيت من رمال» (إنتاج 1972 / إخراج سعد عرفة)، الذي يحكي قصة حب رومانسية تنتهي بشكل مأساوي؛ حيث الفتى “علي” (علي كمال)، الذي يبلغ من العمر 17 سنة، ويقع في غرام “أمينة” (بوسي)، التي تصغره بعام، لكن ترفض عائلتاهما ارتباطهما لصغر سنهما، ويهربان إلى الإسكندرية، لتغرق الفتاة في أحد الشواطيء، في حادث عبثي مؤلم.
أيقونات صيفية

لا يمكن الحديث عن أفلام الصيف، من دون التوقف عند فيلم «أبي فوق الشجرة» (إنتاج 1969 / إخراج حسين كمال)؛ الذي يمكن النظر إليه بوصفه «أيقونة أفلام الصيف»، ليس فقط لكونه صاحب أعلى الإيرادات، وإنما لأنه يقدم المثال والأنموذج، لفيلم الصيف، سواء في شكله أو مضمونه، فالأحداث تدور حول مجموعة من الشاب اختاروا قضاء أجازتهم، في الإسكندرية، في العبث واللهو البريء، لكن أحدهم يقع في غرام راقصة، يهجر أصدقائه بسببها، وعندما تنقطع علاقته بوالده، يأتي للإسكندرية بحثاً عنه، وبدلاً من أن يستعيده يقع في حبائل الراقصة، وفضلاً عن الموضوع، الذي يحدث كثيراً في المصايف، يحقق الفيلم، على مستوى الشكل، قفزة هائلة، بتوظيفه المبهر للصورة، والإضاءة، والأغاني، التي مثل إخراجها، في حينها، سبقاً وتفرداً، حتى قيل أنها كانت الإرهاصة لما أصطلح على وصفه، في ما بعد بـ «الكليبات الغنائية»، وعلى صعيد المضمون يسلك «أبي فوق الشجرة» نهجاً مغايراً مقارنة بأفلام الصيف، التي كانت تولي اهتماماً بالكوميديا والجرائم الاجتماعية، وهو ما ينطبق على فيلم «أيس كريم في جليم»(إنتاج 1992 / إخراج خيري بشارة)، الذي تحول، من زاوية أخرى، إلى واحد من أهم أيقونات أفلام الصيف، وهو ما يُنتظر أن يتكرر مع فيلم «قبل زحمة الصيف» (إنتاج 2015 / إخراج محمد خان)، الذي فاجأ الجميع بشكله السينمائي، وصورته الساحرة، التي كان للبحر، والشمس، والفضاء المترامي، والأفق البعيد، دخلاً كبيراً في جمالها، ونقائها، واختلافها عن الصورة التقليدية للشواطيء، على شاشة السينما، وربما يُصبح «قبل زحمة الصيف» هو الفيلم الأخير الذي يختار الشاطيء محوراً لأحداثه، ويرصد المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، التي استجدت، وانعكست آثارها على صورة الشواطيء التقليدية، التي اختفت، واختلفت تركيبة مرتاديها !
مفارقات كوميدية !

أثناء رصد ظاهرة أفلام الصيف، وضعنا أيدينا على مفارقات طريفة للغاية؛ فهناك عناوين أفلام ردت على بعضها البعض، كما في فيلم المخرج محمد عبد العزيز، الذي أنتجته ماجدة الخطيب عام 1974، وحمل عنوان «في الصيف لازم نحب»، واتسمت أحداثه بطرافة كبيرة، من خلال الطبيب (صلاح ذو الفقار)، الذي يرافق أربعة من نزلاء مستشفى الأمراض النفسية (نور الشريف، سمير صبري، سمير غانم ومحمد لطفي)، إلى الإسكندرية ليؤهلهم للعودة للحياة الطبيعية، من خلال الاختلاط بالمصطافين على شاطيء العجمي، الأمر الذي يتسبب في مشاكل عدة. ومع مجيء عام 1995 يُقدم المخرج عمر عبد العزيز، الشقيق الأصغر للمخرج محمد عبد العزيز، فيلماً بعنوان فيلم «في الصيف الحب جنون»، من إنتاج وبطولة سمير صبري، مع ليلى علوي، وضيفي الفيلم : أشرف عبد الباقي وعلاء ولي الدين. والمُدهش أن أحداث «في الصيف الحب جنون»، تبدو وكأنها تكشف الأسباب التي تقود إلى الجنون؛ من معاناة اقتصادية واجتماعية صعبة، وتوظيف خاطيء لقدرات البشر. أما المفارقة الأكثر إثارة فيفجرها فيلم «الحب على شاطيء ميامي»(إنتاج 1976 / إخراج حلمي رفلة)؛ فالعنوان يوحي عنوانه بأن أحداثه تدور على شاطيء ميامي بالإسكندرية، بينما الأحداث الحقيقية تدور في «ميامي بيتش»، الذي يقع في مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية !
ملاحظات ليست عابرة

مثلما كانت سعاد حسني و«الولد الشقي» حسن يوسف، ومعهم القدير عبد المنعم مدبولي، بمثابة القاسم المشترك لمعظم أفلام الصيف، لخفة ظله وشقاوته، وطبيعة أدائه المناسب لأفلام المغامرات الخفيفة، بشكل عام، فمن الملاحظ أن بعض أفلام الصيف اكتسبت أهميتها، أيضاً، من وجود ثلاثي أضواء المسرح مجتمعين؛ مثلما هو الحال في فيلم «فرقة المرح» (إنتاج 1970 / إخراج فطين عبد الوهاب)، أو في شخص سمير غانم وحده، كما في فيلم «24 ساعة حب» (إنتاج 1974 / إخراج أحمد فؤاد)، فيما لعبت الأغاني، والاستعراضات، دوراً كبيراً في اكتمال متعة مشاهدة أفلام الصيف، ونجاحها في الترفيه عن قطاع كبير من الجمهور، الباحث عن المتعة المجردة؛ خصوصاً أن الأغاني، والاستعراضات، شهدت احتشاد عدد كبير من الشعراء والملحنين والمطربين .
غير أن من المؤسف أنه منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ونتيجة لما اعترى بنية المجتمع المصري من متغيرات جوهرية اجتماعية واقتصادية ودينية، توارت أفلام الصيف باستثناء فيلم «البحر بيضحك ليه» (إنتاج 1995 / إخراج محمد كامل القليوبي)، ومن بعده فيلم «قبل زحمة الصيف» (1995)، إخراج محمد خان، وإن كان من أهمهم، في سياق قراءة الظاهرة أن نُشير إلى فيلم «إسماعيلية رايح جاي» (إنتاج 1997 / إخراج كريم ضياء الدين)، الذي جرت أحداثه في الإسماعيلية، بوصفه نقطة تحول، ليس في نوعية أفلام الصيف الخفيفة فحسب، وإنما في تاريخ السينما المصرية بأكملها؛ إذ يُعد حجر أساس ما أطلق عليه السينما الشبابية؛ التي أنتجت في ما بعد؛ مثل فيلم «شورت وفانلة وكاب» (إنتاج 2000 / إخراج سعيد حامد)، بعد ما لفت الفيلم أنظار المنتجين والمخرجين والمؤلفين إلى أماكن تصوير جديدة، مُغايرة لما اعتادت السينما استهلاكه كثيراً، وأضاف طبيعة جغرافية ، لم تتطرق إليها السينما المصرية من قبل، ما أسهم في تغيير صورة، وموضوعات، السينما المصرية، التي دارت في فلكها لدرجة الملل !
مجدي الطيب

admin رئيسية, كل جديد, مختارات سينما ازيس 0

[ 1 ]
النصف الأول من السبعينيات:
لحظة اكتشاف العالم، بل لحظة الاصطدام بالعالم [قبلها، كنت أتحرش- بصورة عشوائية- بعالم القرية الصغيرة، القريبة من القاهرة (حوالي 35 كيلومترًا)، إلى أن التحقت بكلية الآداب، جامعة القاهرة- 1969]. هي لحظة الخروج من العالم المغلق، المستنفَد، للقرية، إلى عالم بلا ضفاف: ماكبِث، مرتفعات وَذَرنج، المعادل الموضوعي، الوحدة العضوية، أتوبيس رقم 9 (كوبري الليمون/ جامعة القاهرة)، مُدرج 78، مكتبة الجامعة، القاموس، رشاد رشدي، عبدالحميد يونس، فخري قسطندي، من هو هوشيار هستم ،
؟ Shall i compare you to a summer s day
عبد اللطيف احمد علي، شعراء المقاومة الفلسطينية، قصيدة التفعيلة..
يا الله..! أكل هذه الفضاءات بلا أسوار؟ أيمكن القفز من القصيدة العمودية إلى التفعيلية، بلا كارثة؟ وما كل هذا الإحساس بالحرية والراحة في أعقاب القفزة الخرافية، المرعبة؟
وما كل هذا الجوع والشراهة، كأنني لا آكل سندوتشات الفول والطعمية، بل أقضم- آناء الليل وأطراف النهار- الناس في بلادي، زرقاء اليمامة، أغاني مهيار الدمشقي، أنشودة المطر، من دفتر الصمت، مدينة بلا قلب، الأرض الخراب، عيون إلزا، ثورة الشعر الحديث، زمن الشعر.
نعم، هو “زمن الشعر”.
وهو زمن الأسئلة تتكاثر، وتتضاعف، وتتضارب، وتتشابك، ويأخذ بعضها برقاب بعض. ولا إجابة نهائية. هي احتمال إجابة، لا أكثر. وذلك ما كان مطلوبًا. فالجوع والشراهة يتكفلان بالباقي، بتحويل الاحتمال إلى “يقين” عابر [فكل “يقين” سيزول بعد قليل، ليعود إلى ما كان عليه: احتمال].
[ 2 ]
في هيولى الأفكار والأسئلة الجارحة- أوائل السبعينيات- أين يمكن العثور على مرتكزات؟ كيف يمكن الإمساك بأوتاد العالم، ونَصب خيمته؟
فتات أفكار يتناثر في المجلات الأدبية القاهرية المتاحة، وأحكام نقدية مطلقة، وصكوك الشعرية واللاشعرية، والثورية واللاثورية، وعبارات تبدو مبتورة من ماركس ولينين، تثير الأسئلة بلا أجوبة؛ فكيف يمكن التوفيق بين الإبداع والسياسة؟ والخطابةُ المنبرية آفة الشعر “الثوري”، و”التحريض” الخطابي صوتٌ بلا صدًى، أو صدًى بلا صوت [لكن النبرة الغالبة ما تزال هي نبرة الانتصار على التقليديين، حُراس القصيدة العمودية والتراث الغابر. حالة من الزهو الذاتي لدى الشعراء والنقاد، والاستمتاع باللحظة الذهبية لتحقق قصيدة التفعيلة]. ذلك ما يأتي باليقين سيدًا للوعي السائد، وبالمصالحة مع العالم، والرضَا عن الذات والزمن؛ ذلك ما يحقق الاكتفاء، وينفي السؤال والقلق.
والأفكار والتأملات والتأثرات والقصائد الشهيرة تعبر- في الذهن والخيال- خاطفة، مُستهلَكة، لتُخلي مكانها لغيرها. وقصائد أولى لن يتم التمسك بها طويلاً، سرعان ما تزيحها إلى النسيان السريع قصائد أخرى تالية، فتالية.. فالشراهة- شراهة الاكتشاف، واختباره عمليًّا، أي نصيًّا- مقرونة بالتجاوز والنسيان.
ويبقى السؤال هو اليقين الوحيد في الوعي والعالم. يبقى قلق المجهول، العصي على الاستنفاد، هو البؤرة الوجودية التي ترهن النوم واليقظة.
[ 3 ]
هو “زمن الشعر“. علامة طريق باهرة للقادمين، الباحثين عن أفق وسؤال، بالخروج على المعلوم إلى المجهول.
فَـ”القصيدة” السائدة آنذاك هي قصيدة “التفعيلة” الظافرة [كنت قد انتقلت إلى كتابتها من النمط العمودي الرومانتيكي، الساذج. وخلال عامين أو ثلاثة، استهلكت التأثرات الأولية، التي ساهمت في إحكام سيطرتي على بنية القصيدة، وبنية الصورة، بلا خلل تفعيلي. فإحساسي بالانتصار الشخصي- في عملية الانتقال من نمط سابق إلى “التفعيلي”- كان يوازي ذلك الإحساس العام بالانتصار، لدى شعراء “التفعيلة” الذي امتد من الخمسينيات إلى منتصف السبعينيات] رُبع قرن تقريبًا تحولت خلاله قصيدة التفعيلة- لدى الغالبية العظمى من شعرائها- إلى “نمط” سكوني، تكراري، رمادي؛ وفقدت وهجها واشتعالها، إلا لدى مَن رحم ربي. “نمط” سابق التجهيز والصُّنع، له مواصفاته القياسية المعروفة، والمجرَّبة، مرتكزه ما هو “آمن”، وعماده “الطمأنينة” و”اليقين”، وخصمه القلق والشك والسؤال. إنه الإجابة الشافية الكافية التي تلغي الحاجة إلى السؤال، أي سؤال.
فما تلك القصيدة الأخرى التي يبشر بها أدونيس في “زمن الشعر“، استنادًا إلى سوزان برنار في كتابها الشهير؟
قصيدة لا تعرفها الشعرية العربية، ولم تسمع بها حتى ذلك الحين، بلا شروط خارجية: لا بحر، ولا وزن، ولا تفعيلة؛ لكنها مرهونة بالكثافة، والتوهج، والمجانية، والوحدة العضوية. ليست “النثر الشعري”، ولا “الشعر المنثور”، ولا “النثر الفني”؛ ليست ما كتبه أمين الريحاني، ولا جبران، ولا الرافعي. هي شعرية الكشف، والرؤيا، والعرافة، والهدم، والشاعر النبي؛ لا شعرية الخطابة، والمنبرية، والتلاعبات اللفظية والوزنية. هي قصيدة أخرى، تنتمي إلى شعرية أخرى؛ قصيدة قادمة بعد عقود، ولم يكن قد آن أوانها آنذاك في الشعرية العربية، المحتفلة بانتصار “التفعيلي”.
[سيتجاهل القصيدة أهم نقاد ومراجع ذلك الزمن: عزالدين إسماعيل وكتابه “الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية“، وعبدالغفار مكاوي وكتابه “ثورة الشعر الحديث“، ومحمد النويهي وكتابه “قضية الشعر الجديد“؛ وبالطبع نازك الملائكة وكتابها “قضايا الشعر المعاصر“. وسيكون على القصيدة انتظار جيل السبعينيات، ليفرضها على الواقع الشعري العربي، ويصبح ممكنًا لأدونيس الدخول اللائق إلى القاهرة الثقافية].
لكن قصيدته ستكون اختراقًا لأراضٍ مجهولة بالنسبة للشعرية العربية، وضربًا في آفاقٍ غامضة غير مطروقة، في رؤية العالم، في اللغة، في الصورة الشعرية، في اكتشافات التراث العربي المهمَّش الصوفي (وخاصةً النفَّري). هي قصيدة تشير إلى قارات وبلدان وعوالم خارقة، فانتازية، تحفز الذهن والخيال معًا، لا تخاطب المنطقي بقدر ما تستنفر وتستفز طاقات الحُلم والبصيرة والرؤى الجوانية، الشبيهة بالسحر والإشراقات الصوفية. [كنت معجبًا كثيرًا آنذاك بـديوان “كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل“، بأكثر من سابقيه].
اختراقات نظرية وإبداعية، تضعه- بالنسبة لي آنذاك- في مصاف رامبو وبودلير ومالارميه، المؤسسين لـ”ثورة الشعر الحديث“- كما قدمها عبدالغفار مكاوي، في كتابه الشهير، الذي أصبح إنجيلاً حداثيًّا لشعراء السبعينيات. كأنه ليس من هذا العالم الذي يحيط بنا، ويتحرش بتصوراتنا ورؤانا التي تتعدل بين يوم وآخر، بين أسبوع وأخر، بين كتاب وآخر.
لا سكونية، لا ركون إلى المنجَز، لا إعادة إنتاج في دائرة مفرغة. ضد التكرار، والطرق الممهدة، والآفاق البالية.
[كان ذلك ما يتوافق مع تطلعاتي الغامضة، المضادة للتكرار والسكونية، الكارهة للرمادية، الباحثة عن مغايرةٍ ما عما هو سائد ويتفشَّى إلى حدٍّ فج. لم أكن أبحث عن أفق محدد، بعينه، بل عن مطلق المغايرة].
[ 4 ]
“الثابت والمتحول” (1974): محطة أساسية أخرى.
لم يكن أدونيس الشاعر “الحداثي” الوحيد الذي اهتم بـ”التراث العربي”، فيما كانت الهجمة “السلفية” الشعرية (العقاد، عزيز أباظة، لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب)، تتهم الشعراء “الحداثيين” بالجهل بالتراث وتخريبه، وصولاً إلى حد عدائهم للدين، دون أن يتورع السلفيون عن تحريض “السلطات” عليهم. على سبيل المثال، كان ثمة صلاح عبدالصبور (قراءة جديدة لشعرنا القديم).
لكن “الثابت والمتحول” لأدونيس كان محطة أساسية أخرى. إنه غوص في تلافيف التراث ككل (ليس الشعري فحسب)، في قراءة نقدية جارحة، لا إعادة إنتاج له؛ تلك القراءة التي ينطبق عليها مفهوم “المساءلة”، بل “المحاكمة”؛ لا تبرير، ولا تربيت، ولا تواطؤ. بل هو الحد الأقصى من المواجهة الفكرية الممكنة، بلا استخفاف، ولا عشوائية.
ورغم ما سيشوب “المنهج” من ملاحظات سلبية [ستتجلى- بالنسة لي- في قراءة نقدية للكتاب ضمن كتابنا “بحثًا عن التراث العربي” (1993)]، إلا إن “الثابت والمتحول” سيظل أحد المعالم الفكرية البارزة عربيًّا للقرن العشرين.

[ 5 ]
نعم، هو “الشاعر”.
وفي مجتمع يهيمن عليه “التقليد” و”الماضوية” [والمصطلح له]، يصبح “الشاعر” مصدر إزعاج دائم [تلك هي مهمته التاريخية، ودوره الاستثنائي]، فيصبح بالتالي هدفًا ثابتًا للقذف بالطوب والشتائم، بمناسبة وبدون مناسبة، حتى من قِبَل من ينتسبون إلى الثقافة والآداب. يصبح الترصد له منهجًا وقاعدة. فوجوده- في ذاته- تعريةٌ بلا كلام، وفضحٌ بلا هوادة.
وذلك ما لم يتهاون أدونيس للحظة واحدة بشأنه، طوال حياته، حسب ما يرى.
وذلك هو جوهر “الشاعر”.
رفعت ســــلام

عن ” الأدب ” بتاريخ الأحد 28 يونيو 2010
–

لا يعرف الكثيرون أن ما يُطلق عليه «الاستفتاءات الفنية»، التي تملأ الساحة الإعلامية والصحفية، عقب أي موسم فني؛ سواء موسم رمضان الدرامي، أو موسم نهاية العام، وتحتشد بعض المطبوعت، والبوابات، والمواقع، الإلكترونية، لتنظيمها، وإعلانها، تحولت، في الأعوام الأخيرة، إلى «هوجة» أو «سبوبة»، بل أن غالبيتها أصبح «بيزنس» مُكتمل الأركان، يُحركه الابتزاز، وتوجهه المصالح، ويخضع، في أحايين كثيرة، لضغوط، وسيطرة، «الخلايا الإلكترونية» التي يمولها نجم السينما أو الأغنية !
«فتش عن المرأة» Cherchez la femme .. مقولة تاريخية جرت العادة أن تتردد عقب أية جريمة، أو مؤامرة، للايحاء بأن المرأة هي التي تقف وراءها، وأن البحث عن القاتل، وفك طلاسم الجريمة، ينبغي أن يبدأ من عندها !
مقولة شديدة الظلم، لا تصدر سوى عن مجتمع ذكوري، ولهذا توارت قليلاً، في الوقت الذي اختار البعض القول : «فتش عن الاستفتاءات»؛ بغد ما أضحت، في نظر الكثيرين، المتهم الأول، الذي يقف وراء كل مصيبة أو جريمة، تجتاح الساحة الفنية؛ فالاستفتاء، بشكله الراهن، واللامعايير، التي تسيطر عليه، صار جواز مرور أصحاب الحظوة، والمُدللين، من الممثلين والمطربين والمنتجين، ممن لديهم القدرة على شراء الجوائز، وتسويق أنفسهم، بأموالهم، أو جمهورهم، وربما نقادهم، في غيبة تامة للرقابة، أو مؤسسات استطلاع الرأي المتخصصة، والموثوق فيها، وصاحبة المصًداقية، التي تُعمل المعاير الأكاديمية، وتُعلي من قدر الموضوعية، والحيادية، ومن ثم تأتي نتائجها حقيقية، وليست هزلية، تُتصف الموهوبين، والنجوم الحقيقيين، بعيداً عن الانتهازيين، والوصوليين !
جوائز مدفوعة الثمن مسبقاً !
هنا ينبغي الاعتراف، بأن ظاهرة الجوائز مدفوعة الثمن مُسبقاً ليست جديدة على الساحة الفنية، ولم تجد لنفسها مكاناً، بعد ظهور بوابات ومواقع «بير السلم»، بل هي ظاهرة قديمة عرفناها مع مهرجان «أوسكار السينما المصرية» و«أوسكار الأغنية»، اللذان كانت تنظمهما جمعية فن السينما (عبد المنعم سعد)، وكانت تبيع جوائزها السنوية لمن يدفع من نجوم السينما، والغناء، وشركات الإنتاج، وهو ما فعلته أيضاً الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، في وقت من الأوقات، وكان سبباً في الفضيحة الشهيرة، التي كان طرفاها نادية الجندي ونبيلة عبيد، وأسفرت عن إيقاف المهرجان !
أي أننا أصحاب إرث كبير، في المُجاملة، والعشوائية، وتحويل مسار النتائج، والجوائز، لتذهب لمن لا يستحقها، وتبعاً لهذا لجأ البعض إلى تطوير الظاهرة، مع ظهور المواقع والبوابات والمطبوعات سيئة السمعة، واتجهنا إلى تنظيم «الاستفتاءات المضروبة»، والمُلفقة، التي اعتمدت، بالمقام الأول، على الفوضى، والعشوائية، وغياب الشفافية، وإعمال مبدأ «الترضية» و«جبر الخواطر»، بالإضافة إلى التوازنات التي تجعل «الكل يخرج فرحان» !
أول ما يسترعي الانتباه، في سياق هذه الفوضى، غير الخلاقة، أن الشفافية غائبة بالدرجة التي تجعلك، كمتابع، عاجز تماماً عن التوصل إلى المعايير التي تحكم هذه الاسنفتاءات؛ فهناك، كما قيل، نقاد مشاركون، تجهل اسمائهم، وجمهور غفير، لا تعرف شرائحهم، وغموض يكتنف كل خطوة في الاستفتاء، وكأنه سر حربي؛ حيث اختلط الحابل بالنابل، وأصبح «الاستفتاء» حدثاً مُبهماً، وكهنوتياً، لا يعرف سره إلا منظموه، تماماً مثل كولونيل ساندرز ، المتعهد الأمريكي، الذي أسس سلسلة المطاعم المعروفة، واحتفظ لنفسه بسر الخلطة الشهيرة !
استفتاءات كوميدية !
لا يعني طغيان الفوضى، والعشوائية، أن «كل شيء يمشي بالبركة»؛ فهناك العقلية الجهنمية، التي تُخطط لإضفاء مصداقية على النتائج، وهناك «الاتفاقات التحتية» مع أصحاب الألقاب، والجوائز، وداعميهم، وهو الدور «العظيم»، الذي يقوم به «السماسرة»؛ فكل شيء قابل للتفاوض، سواء الألقاب، أو مسمى الجائزة نفسها، ومن ثم تتنوع الجوائز، حتى يصل عددها إلى الثلاثين، ويتعدد الفائزون بها (أحسن ممثل، أحسن ممثل شاب، أحسن ممثل صاعد، أحسن ممثل كوميدي، أحسن ممثل تراجيدي)، ومن كاد يخرج من المولد بلا حمص منحوه جائزة الإبداع، أو جائزة إدارة الكيان، الذي نظم الاستفتاء، بل أن هناك من منح جائزة الفرع الواحد لثلاثة أشخاص؛ بحجة أن هناك جائزة لأحسن ممثل في استفتاء الجمهور، جائزة أحسن ممثل في استفتاء النقاد وجائزة أحسن ممثل في استفتاء الجمهور والنقاد، كما أن هناك المسلسل، الذي تُكرم أسرته بأكملها، علاوة على سلسلة مَن الألقاب التي لا تُعد ولا تُحصى، والجوائز التي تتجاوز الثلاثين أحياناً؛ بل أن موقعاً إليكترونياً بلغت به الجرأة حد الإعلان، من دون حياء، أن سعد الصغير تصدر استفتاء أفضل تتر مسلسل عن «ولاد إمبابة»، متفوقاً على سميرة سعيد وأحمد سعد، الذي جاء في المركز الثاني عن تتر مسلسل “البرنس”.، بينما اختار موقع إليكتروني آخر جومانا مراد، كأفضل ممثلة، وتليها ماجى بو غصن، ومسلسل «اللعبة»، كأفضل مسلسل كوميدي، متفوقاً على مسلسل «ب 100 وش» !
هو العبث بعينه، لكن المأساة تكتمل مع اعتياد بعض المطبوعات، والمواقع، والبوابات، إلى منح الجوائز لمن يدفع ثمنها، ويوافق على حضور حفل توزيع الجوائز، المُباع لإحدى الشركات الراعية، ومن يرفض هذا الشرط المزدوج تُسحب منه الجائزة لتذهب إلى غيره، ممن يستجيب لشروط الجهة المانحة، ولا يهم هنا كيفية التعامل مع واقع ما أسفرت عنه الاستفتاءات الأصلية؛ فهي وهمية وصورية؛ بدليل أن نتائج الاستفتاءات جميعاً لا تتفق، بل متناقضة، وبعضها البعض، والإجماع على أحقية ممثل أو ممثلة، دون غيره أو غيرها، يكاد يكون مستحيلاً، كما أن الاختلاف شاسع بين نتائج هذا الاستفتاء وغيره، بسبب تضارب المصالح بالطبع، بين منظمي الاستفتاءات أنفسهم، بينما لا توجد ضمانة واحدة أن الأعمال المتسابقة شوهدت بالفعل، بل أن قاعدة المعلومات الأساسية، التي توضح قائمة الأعمال التي خضعت للاستفتاء، وعما إذا كان محصوراُ في الأعمال المصرية وحدها أم شمل العربية كلها، لا وجود لها؛ فالأهواء الشخصية، وتغليب المصالح الفردية، للقَيمين على الكيان أو المؤسسة المنظمة للاستفتاء الهزلي، بالإضافة إلى الحرص على التوازنات، والمجاملات المحسوبة، هي الميثاق، والنهج، والفيصل، وإن كان ليس هناك ما يمنع من تدخل شركات الإنتاج، والقنوات، في مسار الاستفتاءات، من أجل تسويق مُنتجها، الفني والبشري، وكذلك الاستجابة لضغوطات الخلايا، والميليشيات، الإلكترونية، التي يسيطر عليها «الفانز»، ويمولها نجم السينما أو الغناء، على غرار ما تفعله الجماعات التكفيرية، وتفرضه بطبيعة الحال !

الشبهات .. وتصفية الحسابات
هل هناك ضرورة، بعد كل ما أوردناه، لأن نتساءل : «لم التكالب على تنظيم الاستفتاءات ؟ وما الفائدة التي تُرجى من إجرائها إذن؟» .
الإجابة، ببساطة، لأنه «بيزنس»، وعالم قائم بذاته، أطرافه من اللاعبين، والمستفيدين هم : القنوات الفضائية، الشركات الإنتاجية، أصحاب المواقع والبوابات الإلكترونية، النجوم، وأنصاف الموهوبين؛ ممن يملكون المال أو تربطهم علاقة ما ورجال المال والأعمال . ومن ثم أصبح طبيعياً، والحال هكذا، أن تُصبح مثل هذه الاستفتاءات «تحت مستوى الشبهات»، ومصدراً لتصفية الحسابات، وجوائزها وصمة، وتقديرها سُبة، حتى لو وصفها «أصحابها» بأنها «الأضخم»، «الأكبر» و«الأفضل»، وحتى لو وقع اختيار بعضها على يسرا، نيللي كريم، محمد رمضان، ياسر جلال، كأفضل ممثلين، ومحمد سامي وكاملة أبو ذكري وياسر سامي وحسين المنباوي ومحمد علي، كأحسن مخرجين، وعمرو الدالى وأحمد وائل، وربما هاني سرحان؛ فهي اختيارات من باب خزي العين، وصرف الأنظار عما يحدث في القنوات السرية للاستفتاء، لا أكثر ولا أقل !
مجدي الطيب

عن جريدة ” القاهرة ” الصادرة بتاريخ 30 يونيو 2020