صحة موقع ” سينما إيزيس الجديدة ” تحت الميكروسكوب بقلم ولاء عبد الفتاح


admin Uncategorized, كل جديد, نزهة الناقد 0


admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0



admin Uncategorized, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0
تري اين يكمن سحر افلام انطونيوني الخفي، وماهي الاضافات التي حققها هذا المخرج الايطالي العبقري ،لفن السينما بأفلامه، بعد ان رحل عن عالمنا عن 94 عاما؟.أافلام انطونيوني (من مواليد 29 سبتمبر 1912. وتوفي 30 يوليو 2007) كانت جزءا من “مناخ” فترة الستينيات في مصر، وقد ارتبطت أفلام انطونيوني في ذهني ،وتاريخي الشخصي، بمناخات تلك الفترة.فقد كانت هناك “طفرة” أو” فورة” ثقافية وإبداعية هائلة، علي كافة مستويات الإبداع الادبي، في الشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرح في مصر،وقبل ان يعقد أول مؤتمر للادباء الشبان في البلاد عام 1969 .إذ كنت تستطيع ان تشتري بقروش قليلة، العديد من المجلات الثقافية الشهرية المهمة، مثل مجلة(الكاتب) التي كان يترأس تحريرها الاستاذ احمد عباس صالح، و(الفكر المعاصر) لزكي نجيب محمود، و(المجلة) ليحيي حقي، و(السينما) لسعد الدين وهبة و(المسرح) لرشاد رشدي، الي جانب جريدة (المساء) اليومية، التي كانت تصدر عن دار التحرير..

فيلم ” الخسوف ” لأنطونيوني
وكان يشرف علي تحرير صفحاتها الثقافية آنذاك الأستاذ المرحوم عبد الفتاح الجمل، وكان يكتب الرواية (محب)، ويعشق السينما (سيدتنا الجميلة)، واليه يعود الفضل، في انه فتح لي، ولجيل الستينيات الذي انتمي اليه في مصر، باب الكتابة والإبداع والنشر،وحتي ذلك الوقت، لم تكن هناك أية أهمية تذكر، لصندوق الصور العجيب، أي التلفزيون، الذي كنا نري آنذاك مع الأديبة الفرنسية فرانسواز ساجان صاحبة رواية (صباح الخير أيها الحزن) “انه صنع للعجائز ،والنساء ، وللمتقاعدين ؟!..
أنطونيوني : أفلام أم “روايات”، للامساك بالعدم؟
وكان “نادي القاهرة للسينما: يعرض آنذاك في فترة الستينيات، اهم الافلام التي خرجت للعالم في تلك الفترة: مثل تحفة “التوت البري” للسويدي انجمار برجمان، و”المومياء” لشادي عبد السلام، و”المغامرة” لانطونيوني من انتاج 1960، و”اربعمائة ضربة” لتروفو و”علي آخر نفس” لجان لوك جودار، و”الحياة الحلوة” لفديريكو فيلليني، و”انجيل متي” لبازوليني وغيرها. وكنا ونحن نلتهم الكتب ،والروايات والقصص القصيرة والمسرحيات، ونتناقش علي مقاهي “ريش” و” ايزائيفتش”، في مباديء الفلسفة الوجودية والماركسية والفوضوية، ونشرب الشاي ونحن نتقاسم شطائر الفول والطعمية، ونتفرج في ذات الوقت من خلال ” مسرح المائة كرسي” و”المركز الثقافي التشيكي” ،الذي كان يديره الفنان التشكيلي احمد فؤاد سليم ،علي افلام الموجة التشيكية الجديدة، لماركيتا لازاروفا وميلوش فورمان، ونري فيها محاولات فنية سينمائية فذة، كما في فيلم “عن الحفل والضيوف” تبهرنا.وكنا نأخذ من تلك الافلام التي وضعت بصمتها علي، وتأثر بها جيل كامل، طرق واساليب جديدة ،في الكتابة الإبداعية، وننهل منها..
قد كانت هذه الأفلام “الفنية” – التي كانت تعرض في نادي القاهرة للسينما، بالاضافة الي تلك الافلام التجارية التي كانت تعرض آنذاك في السوق، مثل فيلم “روميو وجولييت” المأخوذ عن مسرحية ويليام شكسبير،ومن اخراج الايطالي زيفاريللي-كانت جزءا من ذلك المناخ الثقافي الروحاني المصري، المتوهج آنذاك في الخارج، وفي الجامعة ايضا، وبخاصة بعد أن قمت بتأسيس – مع الشاعر نبيل قاسم – أول ناد للسينما في كلية الآداب جامعة القاهرة، وكنا نعرض فيه علي طلبة الكلية من جميع الأقسام، أفلام “الموجة الجديدة” في فرنسا، مثل”جول وجيم” لفرانسوا تروفو..
وأفلام “الواقعية الايطالية الجديدة” مثل “روما مدينة مفتوحة” لروسوليني. ثم الافلام التي خرجت في مابعد، من معطف تلك الواقعية، لكي تؤسس لما أطلق عليه بـ”حداثة ” السينما الملهمة،كما في افلام انطونيوني، وبخاصة في رائعته “المغامرة “- L AVENTURA– التي جددت، في المنحي السينمائي، وطورت من أساليب” الواقعية الايطالية الجديدة”، كما جددت قصيدة “الارض الخراب” – THE WASTE LAND – للشاعر الانجليزي ت. اس. اليوت ، في الشعر الانجليزي الحديث..
تلك الافلام لانطونيوني، التي تقرب الاعمال السينمائية اكثر، من اعمال الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر “الوجود والعدم”، كما في رائعته “سجناء الطونا”، كما تقربها كثير ايضا ، من اعمال الرواية الجديدة في فرنسا،عند الآن روب جرييه، وصاموئيل بيكيت وناتالي ساروت وغيرهم. .
وفي تلك أجواء، تعرفت علي، وشاهدت أعمال انطونيوني السينمائية المبدعة الملهمة، وبخاصة رباعيته السينمائية العظيمة ” في أفلام “المغامرة” 1960، و”الليل” 1961 و”الخسوف” 1962، ثم “الصحراء الحمراء” 1964 ثم من بعدها فيلم “تكبير” 1967، وفيلم “المهنة محقق ” 1974 ، بطولة جاك نيكلسون، الذي شاهدته خارج مصر، فقد كانت هذه الاعمال ،بمثابة “روايات” لايخطها انطونيوني ويدبجها بقلمه، بل يصنعها بسحر وتوهج الضوء والاكسسوارات، والديكورات، والحيطان والجدران ،والمنظر الطبيعي والالوان ، من (اللاشييء) أي افلام من الفراغ، لمحاولتها الجسورة وفي صمت، وبأقل قدر من الكلام، الإمساك بالعدم..
وتصوير وتكثيف وتجسيد، ضياع النفوس المحطمة، وقلقها وعذاباتها، في اطار عالم مادي صناعي أناني عدمي، فقد في إطار “المعجزة الصناعية الايطالية”، روحانيته العميقة، وانقطعت جذوره، بكل ماهو مرتبط بالريف ،والقيم الانسانية النبيلة الأصيلة، والارتباط بالارض، وتعاطف والفة الناس، ومحبتهم، ونفذ الي عالم بنايات المدن الاسمنتية المسلحة التي تقتل الروح..
ومن هنا كان اهتمام نقاد كبار وفلاسفة، من امثال الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز والناقد الفرنسي رولان بارت ، بأعمال انطونيوني الذي قال عنه المخرج الياباني العظيم اكيرا كيروساوا، انه امسك بـ”العواطف” وصورها، كما لم يفعل أي مخرج آخر في السينما”..
تلك المدن الكئيبة الكالحة ،الصامتة الصحراء، التي يصورها انطونيوني في افلامه: فوقها دخان اصفر، مثل السموم، تبخه مصانعها ،كما في فيلم “الصحراء الحمراء” بلون الدم، وتحتها مجاري وبالوعات، واحد لايتمني فيها،كما يقول برتولت بريخت، ان يصبح سحابة..

لاتحكي افلام أنطونيوني ،عن شخصيات بالمعني المتعارف عليه للشخصية، بل تحكي عن اجواء، وعن كائنات ، او “حطام شخصيات” او اطياف واشباح ،تبحث عن معني لحياتها وقيمة لوجودها، وهي تحاول ان تكسر ذلك القفص الذهبي، الذي تعيش داخله مثل كل الناس، بمسلماته وقناعاته، وهي تتساءل ان كانت حياتنا، في عالم فقد فيه البشر قدرتهم علي التواصل جديرة حقا بأن تعاش..
في افلامه التسجيلية القصيرة ، وقبل أن يدلف الى ساحة الفيلم الروائي الطويل،سبق انطونيوني افلام الواقعية الايطالية الجديدة ،في تصوير الواقع الحقيقي الذي تعيشه الطبقات الايطالية الفقيرة المسحوقة، وفي حين اهتمت الواقعية الايطالية الجديدة “نيو ريالزم” بعلاقة الفرد بحركة التاريخ والمجتمع..
طالب انطونيوني بواقعية “باطنية”، و”جوانية” جديدة تركز اكثر علي الفرد، في علاقته بعواطفه ومشاعره، و”التحديق” الباطني، كما في قصائد الزن – ZEN– اليابانية العظيمة، وقصائد المتصوفة العرب، وعلاقة الفرد بكل العناصر، في الكون والافلاك والموجودات..
أفلام انطونيوني، هي اقرب ماتكون الي تساؤلات فلسفية ووجودية معلقة ، و”الغاز” عسيرة علي الحل، واقرب ماتكون الي الاحلام، حيث تظهر الشخصيات فيها وتختفي ،بلا سبب ،ومن دون إحم ولا دستور. تأتي ثم تذهب وتتلاشي. تطلع هكذا علينا من اللامكان، لكي ترحل ،في متاهات المدن العملاقة الجبارة، لتبحث عن شييء أصيل ومفقود، ثم تعود من رحلة بحثها الطويل، الذي يستغرق وقت الفيلم كله احيانا،تعود بلاشييء، ولكي تشرع من جديد، في إستكشاف المكان الذي انطلقت منه.
الحداثة : خداع الصور، وأفلام بلا نهاية ؟

في فيلم “تكبير” – BLOW UP – يلتقط احد المصورين صورة في حديقة من الواقع، وحين يقوم بتكبيرها في معمله ،يكتشف داخل الصورة صورة جديدة مرعبة. يكتشف جريمة قتل، وجثة قتيل ،وتحضر السيدة التي كانت في الحديقة مع القتيل وتعرض عليه نفسها ،في سبيل اقتناء الفيلم فيمنحها احد الافلام، ويعود الي الحديقة، فيكتشف ان الجثة اختفت، ويتوجه الي معمله، فاذا به يكتشف ان الفيلم الاصلي قد سرق، وينتهي الفيلم بمشهد رائع، فحين يعود الي الحديقة يجد مجموعة من الممثلين المهرجين ،يلعبون بكرة تنس خفية، وغير موجودة وظاهرة، وبعد تردد، يروح ينخرط ويشاركهم في اللعب.. !..
وربما كان فيلم “تكبير” احد اهم الافلام، التي ناقشت علاقتنا بالواقع والحقيقة والوهم،وكذلك صورة الواقع في السينما، ولحد الآن..
كما ان اهمية ذلك الطرح السينمائي لانطونيوني، تتعاظم لاشك ،مع دخول الصورة في حياتنا ،بشكل اكبر واوسع وأسرع – كما يلمح بول فيريليو الفيلسوف الفرنسي العظيم- من خلال شاشات التلفزيون، التي تقصفنا يوميا، بما لاحصر له، من صور الحرب والجريمة والقتل والدمار، ولانعلم ان كان يجب علينا ان نصدقها ،او انه يتم “التلاعب” بنا علي يد اصحابها، لنكتشف في نهاية الامر، اننا كنا ضحايا لمثل تلك صور، ضحايا اغبياء للخديعة، والخيانة ،مثل عرائس – ماريونيت – من قش..
أفلام انطونيوني هي “مولدات الغاز”، ومكبرات أجواء، وظواهر، وعواطف ومشاعر واحاسيس، وهي في كل مرة، تدعونا عند نهاية الفيلم، الي مشاهدة الفيلم من جديد، والتفتيش عن سره ،والاستمتاع به في كل لحظة، فلكل حركة،وكل ايماءة واشارة في الفيلم، دلالاتها ومعانيها. ويعترف انطونيوني في حوار معه:
“…ان الفيلم الذي ظللت احلم به طوال حياتي، هو فيلم ببداية، لكن ربما من دون نهاية، فلقد كنت اسأل نفسي: تري هل من الضروري ،ان تكون هناك دائما نهاية للحكايات التي نحكيها ،سواء كانت ادبية او مسرحية او سينمائية؟. ان الحكاية المغلقة علي ذاتها،تواجه يقينا خطر الموت، اذا لم نسارع نحن الي منحها بعدا آخر، واذا لم نسمح ايضا لزمنها الخاص، بان يتسع ،ويمتد الي الخارج. اجل هناك في الخارج، وحيث نتواجد نحن ابطال كل هذه القصص، وحيث لاتوجد نهاية ابدا، لاي شييء.”.
بقلم
صلاح هاشم . باريس

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد ومخرج سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا.مؤسس ورئيس تحرير موقع ” سينما إيزيس “
***
عن جريدة ” القاهرة ” العدد 1222 الصادر بتاريخ 19 ديسمبر 2023
admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0


يعتبرفيلم ” عمر “، في رأيي، من أنضح الافلام الفلسطينية ، التي اخرجها المخرج الفلسطيني الكبير هاني أبو أسعد، صاحب فيلمي ” عرس رنا ” و ” الجنة الآن ” ،بل ربما كان أنضج افلامه سينمائيا على الاطلاق، لأنه فيلم سياسي، يحكي عن شباب في فلسطين مع الحب والمقاومة، ويمنح المقاومة شرعيتها، في وطن محتل، ويتمير بـ ” حس إنساني ” نبيل..
يحكي الفيلم عن ” عمر ” ، وهو شاب فلسطيني يعمل خبازا، غير ان جدار العار الذي شيدته الحكومات الاسرائيلية الصهيونية المتعاقبة ، صار يحول بينه وبين رؤية ولقاء حبيبته نادية، التي تعيش في الطرف الآخر من فلسطين ، وعليه عمر، ان أراد زيارتها،أن يسافر بالطائرة ، لكي يصل الى منزلها، ويلتقى بأخيها طارق صديقه،غير أن عمر يحتال لرؤية حبيبته، فيجدل حبلا ويتسلق “جدار العار” الى الطرف الآخر من الحياة والحب والعشق، ويعرض نفسه هكذا للموت، ورصاصات جنود حراسة السور،ثم يقبض عليه ذات مرةويقف عقابا له على حجر، في لهيب الشمس الحارقة..
ونتعرف على ابطال الفيلم الثلاثة،في المشهد الافتتاحي، نتعرف على أصدقاء عمر، وهم طارق شقيق نادية حبيبته، وأمجد الذي يلعب يلعب على العود ويطلب منه في المشهد الافتتاحي ،اذا أراد ان يتحصل على قهوته، أن يقلد مارلون براندو والطريقة التي يتكلم بها ، في فيلم ” العرّاب أو الأب الروحي ” للامريكي فرانسيس فورد كوبولا..
أما طارق، الصديق الثالث لعمر، فهو انضج الثلاثة سياسيا،وهو مناضل يحرضهم على الكفاح، ومقاومة الاحتلال..
ويتدرب الثلاثة على اطلاق الرصاص، من بندقية بميكروسكوب، ويقوم عمر بسرقة سيارة ،ويقوم طارق بسرقة بندقية ،وعند مواجهة جنود حراسة جدار العار ليلا في عملية هجومية، يطلب طارق من أمجد أن يقوم باطلاق نيران بنقيته، فيردي أحد جنود حراسة السور قتيلا، ويسرع الثلاثة بالهرب ..
فيلم ” عمر ” يمنح المقاومة في ظل الإحتلال شرعيتها
غير أن الجنود يتعقبون عمر، ويقبضون عليه ويودع الحبس ، ومن هنا يبدأ الجزء الثاني من الفيلم ، فنرى عملية تعذيب عمرعاريا، وإجباره بكافة الوسائل على الاعتراف، والادلاء بشخصية القاتل..
ونشاهد ضمن عملية التعذيب، حرق اعضاء عمر التناسلية، بولاعة سجائر، غير مخرجنا هاني أبو أسعد من فلسطين،لايتوقف طويلا عند هذه اللقطة المرعبة التي كنا شاهدناها من قبل في فيلم مكسيكي، بدا لنا، كما لوكان مؤسسا بكامله وكليته الفنية ، على لقطة مماثلة، لقطة مؤلمة ودموية ومرعبة تقشعر لها الأبدان.حيث يقوم أحد أفراد عصابة، بالقاء البنزين على الاعضاء التناسلية للضحية بطل الفيلم، ثم يشعل فيها بولاعته النار، في مشهد من أفظع المشاهد الدموية التي عرضت ولحد الآن في السينما المعاصرة..
آليات تجنيد الفلسطينين داخل سجون الإحتلال
وعودة الى فيلم عمر، يلتقي عمرفي السجن ،بشيخ ذو لحية، يحرضه على عدم الاعتراف بأي شيي، لأي مخلوق من السجناء ، او الثقة في اي انسان في السجن، ولا يجب أن يخدع ، اذا حكي له أحدهم أسراره، ليكسب ثقته، ويجعله يعترف في مابعد عن شخصية الجاني أو الفاعل الذي قتل الجندي..
وفي المشهد التالي ،نكتشف ان ذاك الشيخ إياه ، لم يكن سوى أحد رجال المخابرات الاسرائيلية،وهومكلف بتجنيد المناضلين الفلسطيننيين في السجون، واقناعهم بالعمل، لحساب جهاز المخابرات ،والاشتغال كعملاء لاسرائيل في فلسطين المحتلة..
ويتعهد ضابط المخابرات ذاك، باطلاق سراح عمر، ان دلّه على مكان طارق، غير ان عمر يتساءل : لكن ، ومن أين عرف الضابط الاسرائيلي بأن طارق قد شارك في عملية الهجوم ، على جنود حراسة جدار العار؟..
ويتوصل بعد تفكير الى قناعة ، أنه لايمكن ان يكون الا أحد الثلاثة ،عمر وأمجد وطارق، الذين شاركوا في العملية بالطبع..
ويخرج عمر من السجن، بعد ان قطع وعدا بتسليم صديقه طارق وشقيق حبيبته نادية الى المخابرات، ولمعرفة من هو ذلك “الخائن” ، الذي أفشي للمخابرات الاسرائلية سرهم ..

وتتعقد القصة تدريجيا، وتصبح بعد انقضاء مشاهد لقاءات الحبيبين، عمر ونادية في الجزء الأول، أكثر تعقيدا ، إذ تتشابك خيوطها بشكل صاعد متوتر، كما في نوع الافلام البوليسية، وتنحو نحو التشويق،لاكتشاف الحقيقة، فيست هناك حقيقة واحدة،ويجب اكتشافها، بل عدة حقائق، معقدة ومتداخلة..
وعمليات توجيه MANIPULATIONS وتحريك بما يخدم مصالح المخابرات وهى تتلاعب بعقول الفلسطينيين، ويخرج طارق من الحبس، ويتهم بالخيانة، وهو لابد ان يدفع الثمن،ويحاول طارق ،ان يغتسل من عار الخيانة بأي شكل – فاذا كان اطلق سراحه بهذه السرعة، فلابد أنه قد خان، وباع القضية- وعليه أن يكتشف الخائن الحقيقي..

وتتوالي الأحداث في الفيلم، لتكشف عن ثلاث حقائق أساسية، تبدو لنا ولغيرنا جلية،بسبب ظروف القهر والاحتلال التي يعيشها الشعب الفلسطيني :
أولا- قسوة ظروف العزل،والنفى القسري، وتقسيم الفلسطيين، من خلال ذلك الجدار الذي شيد ، تقسيمهم أكثر،وتشتيتهم أقسىى، ووضعهم تحت ذل وقهرالرقابة.. وثانيا – يكشف الفيلم عن حقيقة “الطبيعة السيكولوجية” النفسانية الشاملة للشعب الفلسطيني، الذي يعيش تحت الاحتلال، جيث يحاصر ويعذب ويقتل ويهان ، وعن مناخات التخويف والتخوين، التي تستخدمها إسرائيل، للتلاعب تحت ظروف الاحتلال ،بمصير الشعب الفلسطيني، وتسفير الفلسطينيين من العملاء الى نيوزيلندا، كمكافأة لهم، على خيانتهم لأهاليهم ووطنهم، ولأصحاب القضية،،
ولايمكن تباعا، وفي ظل في أجواء كهذه ،أن تنتهى قصص الحب على خير، كما في بعض أفلامنا الساذجة، ويتزوج عمر من نادية، ياحلاوة، ويسافران معا لقضاء شهر عسل في الموزامبيق، أو بلاد الواق الواق..
فنادية لم تخرج ، ولن تخرج ابدا للأسف،من ذلك الزقاق الضيق، الذي حشرت فيه قسرا مع أهلها، وتقول نادية في الفيلم انها قد زارت الخليل فقط، وتحلم بقضاء شهر عسل في باريس..
ومن خلال سيناريو الفيلم، يطرح المخرج الفلسطيني الكبير هاني أبو أسعد، العديد من النكات، التي تعكس أجواء الانهزامية والمرارة، التي يستشعرها الفلسطينيون تحت الاحتلال،وهناك نكتة رمزية موحية، عن طريقة “صيد القرود في افريقيا” تفضح بين ثناياها، الطريقة التي تتعامل بها المخابرات الاسرائيلية ،مع افراد الشعب الفلسطيني ،تحت ظروف الاحتلال، ومن ضمنها نكتة، عن تحرير القدس، ثم مضاجعة نساء العدو، التي تقال لشيخ مسن، فيكون رده ، إن اذهبوا أولا لتحرير القدس، ثم تعالوا بعد تحريرها، وضاجعوا زوجتي
ليس هناك وطن آخر أفضل من فلسطين
وهناك في الفيلم ” كمين “، لتي تتكرر كثيرا، و” حفر ” للفلسطينيين، من صنع المخابرات، وقد يعتقد بعض الفلسطينيين، انهم اشطر واكثر ذكاء من جنود المخابرات الاسرائيلية ، لكنهم اذا بهم يكتشفون، انهم سقطوا في الكمين او الحفرة التي ارادوا حفرها للعدو الاسرائلي، الذي يتجسس عليهم وعلى أسرارهم، ويتلاعب بالعقول الفلسطينية المتعبة المنهكة الضعيفة ..
وهناك ايضا في الفيلم، عمليات تدجين و” تجنيد ” مستمرة ،من قبل المخابرات الإسرائيلية، لأن الاجواء والظروف النفسانية للفلسطينيين تحت الإحتلال، تساعد على ذلك..

المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد
فيلم ” عمر ” لهاني أبو أسعد، فيلم فلسطيني قوي، وجد شاعري ومؤثر، بفضل قصته وحبكته، وتشريحه لنفسية الشباب الفلسطيني المقاوم، الذي يتعرض لأبشع عمليات “التغريب”عن وطنه، تاريخه وذاكرته،وهو يعطي لهذه المقاومة ” شرعيتها ” واستمراريتها،رغم كل ظروف الاحتلال والتعذيب والقهرالمستمرة، في الأرض المحتلة، والتي لم تنته بعد، بعدما وصلت الى عملية “إبادة جماعية”، و”جرائم حرب” فاشية مروعة، في قطاع غزة، مازالت ترتكبها إسرائيل، على مرأى ومسمع من العالم.كما يتسامق ذلك الفيلم ” الانساني “، بتصويره الجميل، وإنسيابيية أحداثه، من دون إستعراض عضلات إخراجية،أومبالغات ميلودرامية بكائية عاطفية..
“عمر ” فيلم واقعي، جد “متوازن ” من أفلام الشخصيات CHARACTER MOVIE إن صح التعبير، ويقدم ولحد الآن في رأينا، أفضل معالجة سينمائية للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، من دون خطب ولاشعارات، ويمضي الفيلم الى هدفه، من دون ان نشعر بملل أو تطويل ، وينتهى الفيلم بـ ” عمر” الذي يثأر لنفسه من ضابط المخابرات. ذلك الضابط، الذي جعله يعيش طويلا في الوهم، وكان لابد أن يدفع الثمن في النهاية. كما يحذر الفيلم من ذلك الوهم ، وهنا تكمن القيمة الأساسية في الفيلم ، لكن عن أي ” وهم ” يتحدث ؟
وهم أن تكون هناك فلسطين اخرى أفضل، في مكان آخر غير فلسطين، في سيناء مثلا، فهذه أكذوبة،من صنع اسرائيل، لتهجير الفلسطينين قسرا خارج بلادهم، لتصفية القضية- ولن تسمح به مصرابدا – وضرب الفلسطيني بالفلسطيني في الفيلم، عملا بسياسة “فرق تسد”..
وهو ماينبه اليه فيلم “عمر”- من إنتاج2013- كاشفا من خلال تطور أحداث الفيلم عن ” آلياته “، كما يتألق الفيلم بمجموعة من المواهب الفلسطينية الجديدة الرائعة، التي تمنح الفيلم واقعيته، وشاعريته، ومصداقيته : الممثل آدم بكري، في دور عمر، والممثلة ليم لبنى، في دور نادية، والممثل سامر بشارة ،في دور أمجد، وسوف تقوم على أكتاف هؤلاء الممثلين الجدد، من الشباب الرائع لاشك ، سينما فلسطين الغد الوليدة، ولاعجب أن يفوز الفيلم، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة ” نظرة خاصة ” في مهرجان ” كان 2013 . كما يحسب ايضالمخرجه ، إعتماده على فلسطينيين ،في كل طاقم الفيلم الفني ،من مدير تصوير ومونتير ومساعدين الخ، شاركوا جميعا في نجاح الفيلم، ومازلت أتذكر تلك اللحظات الجميلة التي عشتها عند عرض الفيلم في مهرجان ” كان “عندما وقف الجمهورلفترة طويلة، في نهاية العرض، ليصفق لذلك الإبداع الفلسطيني المتوهج – STANDING OVATION – في ساحة الفن..
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
عن جريدة ” القاهرة ” – العدد 1220 الصادر بتاريخ 5 ديسمبر 2023
admin Uncategorized, روح الصورة, كل جديد, نزهة الناقد 0







admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس, نزهة الناقد 0

الروائي والكاتب والناقد السينمائي البرتو مورافيا.أستاذي
فى مقدمة كتاب ” ثلاثون عاماً في السينما” للروائي الإيطالي الكبيرألبرتو مورافيا،يكتب المخرج الإيطالى فيللينى الكبيررسالة إلى مورافيا، يقول له فيها :
( ..لقد أعجبت حقاً يامورافيا ، وأيما إعجاب، بمقالك عن فيلمى الأخير، الذى ذكرت فيه ، أن الشئ المميز فى أفلام فيللينى وفنه، أنه ينظر إلى حاضره،ويتطلع الى الحاضر فى أفلامه، كما لو كان يتأمل، فى جل أيامه الماضيات، بعد أن يضيف إليها ” فورية ” الحاضر، ومباشريته .فيللينى ينظر الحاضر، بنفس ابتسامة التسلية، التى نتطلع بها ،فى أغلب الأوقات إلى الماضى ،ذلك أن المسألة ببساطة،أن الماضي لا يختلف كثيراً عن الحاضر، فى معظم جوانبه ، ومظاهره الإيجابية ، بل و كذلك فى أخطائه، وسلبياته أيضا

قيلليني : مورافيا يكي عن الأفلام كا لو كانت كائنات حية
هذه الأفكار التى عبرت عنها يامورافيا تجاه فيلمى الأخير، البعيدة عن البلاغة ،والحذلقة الأدبية، ، تتسم بقدر عظيم من البساطة والشفافية. أنها بساطة العارف، الإنسان الذى خبر الأشياء، وخاض تجارب، لاحصر لها، ويعرف دائماً عما يتحدث بالضبط ، فإذا به يضع كل شئ فى مكانه، وبدقة متناهية، من خلال نظرته الثاقبة إلى عملية الإبداع والخلق، التى تكشف عن نفسها، وتتبلور بشكل أساسى، فى طرح مفهوم مغاير للزمن.إن الناقد الذى أتعاطف معه، هو الناقد الذى يتحدث عن الفيلم، ومن دون مبالغة، كما لو كان كائنا حيا ، أو إنسانا. الناقد الذى لا يتعامل مع الأفلام، من ” فوق “، ولا ينظر إليها ..” من بعيد ” ، مثل عالم الرياضيات، أو المهندس ، ثم يتفحصها – إذا تفحصها – ببرودة الجراح، فى غرفة العمليات ! ..
الناقد الذى اثق فيه، هو الناقد الذى يتحدث عن العمل الفنى ( لوحة ، كتاب ، أو فيلم ) بلغة تكشف لنا عن مشاعره، وأحاسيسه الفردية الإنسانية،فى حضرة العمل ، وتبين لنا فى الوقت ذاته، حدود الموضوعية..
والحقيقة – يضيف فيلليني – أنى كنت أندهش يا مورافيا ، حين أطالع كتاباتك النقدية عن الأفلام ، فى صحيفة ” الاسبرسو “، وأندهش من استقلاليتك المطلقة، تجاه أحكام النقاد الآخرين. إنك لا تهتم البتة، بما يكتبون ، ولا تهتم أبدا بالإشاعات، التى تحيط بكل فيلم ، ويظل مرجعك الوحيد، منهجك ” المورافى ” الذاتى فى الكتابة ، الذى ينطلق فى أغلب الأحيان، من ملاحظة سوسيولوجية ، أو فرضية فلسفية ، أو فكرة أدبية .
الكتابة عن الأفلام ” وسيلة ” لفهم العالم
وفقط عندما نقرأ مقالاتك، عن أفلام بعينها، ندرك على الفور، أن الكتابة عن فيلم ما بالنسبة إليك ، هى “وسيلة” لفهم العالم،وفرصة للانطلاق، فى “مغامرة” فكرية، تدعمها وتثريها، قراءاتك ومعارفك وخبراتك، فإذا بها تضع العمل السينمائى، تحت ضوء خاص، وفريد من نوعه ..
مقالاتك عن السينما يا مورافيا، تمنحنى قدرا عظيما من الإثارة ، وتجعلنى أستشعر هذه المشاعر والأحاسيس ذاتها، التى كنت أستشعرها ،وأنا أطالع تحقيقاتك الجميلة، عن رحلاتك فى أفريقيا..
هنا يحس الإنسان ، بأنه فى حضرة “مغامر”، يمكن الوثوق به، والاعتماد عليه، فى غزو تلك الممالك، والأقاليم الوعرة ، التى لم تطأها قدم بعد، ثم العودة بعد الرحلة الشاقة، بتقرير مفصل، وخال من كل ما له علاقة بالوعظ، والإرشاد،والأفكار المسبقة..” ..
منهج مورافيا في النقد السينمائي
هذا الكتاب لمورافيا، الذي أعتبره من ضمن هؤلاء الذين علموني، و أنحاز كلية الى أفكاره، يقدم رحلة شائقة مثيرة، فى عوالم سينمائية متميزة ،عبر العديد من الأفلام،التي صارت الآن من” روائع ” الفن السابع، ونلاحظ فيما يتعلق بمنهج مورافيا ، فى قراءة ونقد هذه الأعمال السينمائية، إعتماده على إبراز قضية ومحتوى سيناريو الفيلم، أى قصته،من حيث هى بلورة، لرؤية المخرج، وموقفه تجاه ما يحدث فى العالم، مع إهمال مورافيا لدور الممثل فى الفيلم..
ينشغل مورافيا بموضوع الفيلم، وقضيته الفكرية، أكثر من انشغاله بأبطاله ونجومه وممثليه، حيث لا يفرد لهم، إلا سطوراً معدودة، فى نهاية الحديث عن كل فيلم على حدة ، وهو بذلك يعلى من قيمة ” السيناريو “، حيث يضعه فى المرتبة الأولى من العتاصر المؤسسة للعمل،ولا يجد فى أداء الممثلين ،ومهما كان متألقاً وباهراً ، سوى دعامة ليس إلا، من دعامات المعمار الفكرى للقضيةالتى يعالجها..
يلخص مورافيا على عجل،قصة الفيلم فى عدة أسطر، ثم يدلف فوراً إلى قضيته، ويستفيد من قراءاته ومعلوماته فى الأدب، والفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وغيرها، بالإضافة إلى خبراته الحياتية،ليسلط على قضية الفيلم الضوء، ويتفحصها بعدسته المكبرة، حتى أننا نجد أنفسنا فى نهاية المطاف،إزاء “قطعة أدبية” فنية مثيرة،بخصوص كل فيلم من الأفلام التى يتناولها فى الكتاب – أكثر من 150 فيلما – على حدة..
لا ينظر أستاذي مورافيا إلى السينما ، على أساس أنها ” صناعة ” ، ولا ينظر إلى المخرجين على أساس أنهم ” حرفيون “، بل ينظر إلى السينما، وعبر مقالاته النقدية فى هذا الكتاب، على أساس أنها ” فن ” ART ، من إبداع ” مؤلفين “AUTEURES .فن جاد، لا يسعى إلى الترفيه والمتعة فحسب، بل يشارك أيضا، فى تثقيف البشر وتوعيتهم، من خلال تناوله القضايا والمشاكل المعاصرة.والفن هنا، ليس إلا أسلوب حياة، ولأن الإنسان أو المبدع الفنان، ليس منعزلاً ، وعندما تواتيه فرصة التفتح والانطلاق ، فإنه يتحول إلى “عالم صغير ” يحمل فى طياته ” ثقافة الجنس البشرى” السابقة، أما حاضره ،فيتمثل فى ” تواجد ” عصره فى كيانه..
وتعالوا نتأمل في أسلوب مورافيا الأدبي البديع ،عندما يكتب في النقد السينمائي، بخصوص فيلمين هما: فيلم “العصور الحديثة” لشارلي شابلن، وفيلم ” نياجرا ” بطولة مارلين مونرو .
مورافيا يكتب عن فيلم ( العصور الحديثة ) لشارلي شابلن :
(.. فيلم ( العصر الحديث ) من إنتاج 1930 من اخراج شارلى شابلن، يعالج كما يتضح لنا من عنوان الفيلم، المشاكل الناشئة عن العصر الحديث. ما هى هذه المشاكل ؟ إنها مشاكل المكننة، والحضارة الصناعية، والبطالة، والشمولية التكنولوجية، و ” الهيدونية ” أي عبادة الجمال- الجماهير، ونظام العمل المسلسل ، وما إلى ذلك.ترى هل توجد مشكلة واحدة، من بين هذه المشاكل،لا نعانى منها فى الوقت الحاضر؟ .كلا للأسف. والآن نطرح سؤالاً : لماذا لم تعد الكتب والأفلام، التى خرجت منذ أكثر من أربعين عاماً، وسلطت الضوء على هذه المشاكل ، و كشفتها وفضحتها، لماذا لم تعد تقنعنا اليوم ، بينما نجد أن فيلم ( العصر الحديث )، مازال ولحد الآن مقنعاً، ومحتفظا بنضارته ؟!.ربما تكون الإجابة ببساطة، أن السر يكمن فى أن شارلى شابلن ، فنان عبقرى ،غير أن هذه الإجابة وحدها ،لا تفسر لنا أى شئ بالمرة ..
لنشرح الأمر إذن..
يلتقى شارلى فى الفيلم بالبنت، وبفضل بطاقة التزكية، التى منحها لها مدير السجن ،يحصل شارلي على عمل، كحارس ليلى، فى مخزن تجارى كبير، وعندما ينتهى العمل فى المخزن، يفتح شارلى الباب لصديقته ، فتدلف إلى الداخل،ويكون أول ما يفعله،هو أن يقدم إليها وجبة طعام جيدة، فى كافتيريا المخزن، ثم يصعدان إلى قسم الملابس، وتلبس البنت فستاناً من فساتين السهرة،وتتعطر بأطيب العطور، وتلف حول عنقها معطفاً من الفراء، مثل الفتيات البرجوازيات، من بنات الأسر الغنية..
نحن نعرف أن أحلام شارلى ، لا تختلف كثيراً عن أحلام صاحبته ، فهو أيضا يطمح إلى حياة برجوازية هنيئة،وفقا للنمط الرأسمالى.يحلم ببيت صغير،وعمل، وراتب مضمون، وتبقى المرأة فى مكانها، داخل المطبخ،لتعدله وجبة الفطور،التى يتناولها قبل أن يدخن سيجاره، وهو يطالع جريدته،وبعدها يخرج،ويتوجه مباشرة إلى عمله.إنه حلم بطلين، من أبطال “حضارة الاستهلاك” التي نعيشها الآن، وهو الشييء الذي يجعل.من هذا الفيلم، مازال ولحد الآن، محتفظا بنضارته.. ) ..
مورافيا يكتب عن فيلم ( شلالات نياجرا ) بطولة مارلين مونرو :
(.. ذهبت لمشاهدة فيلم ” شلالات نياجارا ” من إخراج الأميركى هنرى هاثاواى .إنتاج، 1953 وهو الوحيد المعروض حاليا فى روما، لمارلين مونرو،لأكتشف سر هذه الأسطورة،أسطورة النجمة التى انتحرت، منذ زمن، بعد أن تناولت جرعة كبيرة من أقراص النيمبوتال المنومة،ومازالت الجرائد والمجلات، تلهج بالثناء عليها، كملكة الحسن والجمال ،التى اختفت عن عالمنا، وإلى الأبد، ولم يستطع الزمن حتى الأن أن يعمل عمله، فى الشهرة التى حصدتها ،فى حياتها ، وجعلت منها أسطورة..
فيلم “شلالات نياغارا ” ينتمى إلى نوع ” الفيلم البوليسي”، وتحول بمرور الزمن، إلى فيلم فكاهى،يناقش موضوع الغيرة، والخيانة،متخذاً من شلالات نياجرا المعروفة، ديكوراً وخلفية له، ومن الأهمية أن نلاحظ هنا، أن مارلين لا تلعب فيه دوراً رئيسيا ،كبطلة مطلقة ، فالفيلم من إنتاج العام 1953 ، وهى السنة التى بدأ فيها التعامل مع مارلين ،كموضوع للجنس .الممثل جوزف كوتون،بطل الفيلم ، ممثل بائس،وهو هنا بالذات، مجرد صفر على الشمال، والدليل على ذلك ،أنها تختفى من الفيلم، قبل انتهائه بثلاثة أرباع الساعة ، وبالرغم من ذلك ، يستمر الفيلم فى طريقه، نحو الكارثة، إلى أن يصل إلى نهايته التعسة..
هذا الفيلم عندما تنتهى من مشاهدته ، سوف يتبخر تماما من ذهنك،ولن تتبقى منه سوى مجموعة من الصور الخالدة لمارلين مونرو..
لكن حذار، أنا لا أعنى هنا بالصورالمتحركة،بل أعنى الصور الثابتة لمارلين فى الفيلم.لا أقصد تمثيل مارلين وأدائها،بل أقصد صورة مارلين فى الفيلم، التى لا تختلف كثيراً عن الصور، التى نراها فى روزنامة أو نتيجة الحائط ، ونجد فيه صورا لمارين في الفراش، و مارلين ترتدى ثوباً من الساتان ، ومارلين فى الحمام ،و مارلين فى قسم الشرطة.هذا الشئ الذى يجعل مارلين، تحتل الشاشة العريضة، أعني هذا الحضور المتألق، لهذه النجمة الأسطورة ، لا علاقة له البتة ،لا بموهبتها فى التمثيل ، ولا بما يطلق عليه، بالجاذبية الجنسية..
سحر مارلين هذا، يكمن وحده فى صورتها .الشئ ينبع من ذاته ، من مارلين نفسها . هذا الشئ اسمه فقط : مارلين على الشاشة !! ..
قد يكون مفتاح سر مارلين، وأسطورتها، فى الطريقة التى تضحك بها مارلين، فى لحظة تظهر مارلين على الشاشة، غافية ساهية، وشاردة الذهن . تنسى مارلين أنها تمثل، وتتطلع إلينا ،من قلب الشاشة ، كما لو كانت تتطلع إلينا، وهى ترقد على فراش الموت، وقد تسللنا إلى غرفتها خلسة . وفجأة نكتشف وجه مارلين البرئ ، وسحر مارلين الخفى، فى العينين الكبيرتين ..
نظرة مارلين هذه ،الخالية من كل لهو وإغراء،هى نظرة صريحة وواضحة، تعكس كل ما فى هذا العالم من براءة، فى مواجهة الحب … والثقافة … والمجتمع … والأفكار …. وعلم النفس !
نظرة تعكس بإختصار ، نظرة إنسان خائف، منزعج ومرعوب، مثل طفل يتيم، ضل طريقه فى قلب غابة مظلمة وموحشة !. مارلين تخشى على نفسها، من براءتها، هذه البراءة فى مواجهة أى شئ، وكل الأشياء.. تضحك مارلين ، نعم تضحك فقط ، لكى تغطى هذه البراءة،وتحاول أن تخفيها بعناية عن الأنظار..
أسطورة مارلين فى نهاية المطاف، هى أسطورة ” بنت الشعب “، فى حضارة صناعية، تضعها على الهامش،برغم تواضع مارلين ، وقلبها العامر، بكل ما هو طيب وخير من النوايا ..
مأساة مارلين، أنها لم تفهم، أن مفتاح الثقافة اليوم ،هو التمرد ، والمؤسف حقا أنها لم تتنبه لهذا الأمر، إلا قبل نهايتها المحتومة، بوقت قصير..
عندئذ فقط ، أدركت مارلين أنها مهما ضحكت، فلن تستطيع أبداً ،أن تخفى ” سذاجة مارلين” فى مواجهة العالم ، ولم يكن هناك خلاص ، إن كان ثمة خلاص، على الإطلاق ، إلا بالانتحار..
انتحرت مارلين، لتعاقب مارلين التى خضعت، بدلاً من أن تقاوم وتتمرد . وقد كان انتحار مارلين، كعقاب على الامتثال والخضوع للمجتمع، هو الذي جعل منها “أسطورة ” فذة ، من أساطير السينما .. فى عصرنا ..
يقلم
صلاح هاشم .باريس

صلاح هاشم مصطفى كاتب وقاص وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
عن جريدة ” القاهرة ” – العدد 1219 – الصادر بتاريخ 28 نوفمبر 2023
admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, نزهة الناقد 0




المخرجة جين كامبيون


admin Uncategorized, رئيسية, نزهة الناقد 0
هؤلاء علموني.رؤوف توفيق
ومآثرهم
( 1 )

تعرفت على الاستاذ رؤوف توفيق حبيبي ذات سنة- 1981 على ما أتذكر- في مهرجان ” كان ” السينمائي العالمي ، وفي صحبة مجموعة من نقاد السينما المصريين الأساتذة الأجلاء ، من أمثال سامي السلاموني وأحمد الحضري وعبد النور خليل وعم فوزي سليمان وماجدة واصف ويوسف شريف رزق الله، وكنت حضرت لأول مرة آنذاك لتغطية فعاليات المهرجان وأفلامه وأحداثه لمجلة ” الوطن العربي، التي كانت تصدر من باريس .فرنسا – وهي أول مجلة عربية هاجرت من لبنان الى باريس – في فترة الثمانينيات،

فإذا بالاستاذ رؤوف توفيق، عندما رأيته وتعرفت إليه، يفاجئني بقوله أنه من المعجبين والمتابعين لمقالاتي التي أنشرها في المجلة المذكورة،وكنت قبلها قد أتيت على مؤلفاته ، وكتبه السينمائية ، مثل كتاب “سينما لا وسينما نعم” وإلتهمتها، ولم أشبع أبدا منها، وإعتبرته أديبا كبيرا يكتب للسينما – كتب العديد من سيناريوهات الأفلام مثل سيناريو فيلم ” زوجة رجل مهم ” لمحمد خان – ومفكرا سينمائيا ، قبل أن يكون ناقدا .

وكان وقتها عندما إلتقيته ، قد صار رئيسا لمجلة ” صباح الخير”- أنظر صورة غلاف العدد في الصورة المرفقة- التي أعتبرها في تطور تكويني ككاتب وقاص، من أهم المجلات التي صنعتني، بعد مجلة ” سندباد ” وأنا صغير،
وكانت تضم أنذاك مجموعة، من أعظم الكتاب والصحفيين والمفكرين، الذين عرفتهم مصر ، والجيل الذي أنتمي إليه – جيل الستينيات – عام 69 من أمثال أحمد بهاء الدين وفتحي غانم وكامل زهيري وغيرهم،
وقد تفاجئت عندما طلب مني الأستاذ رؤوف توفيق – هؤلاء علموني – آنذاك، أن أكتب معه من مهرجان ” كان ” لمجلة صباح الخير، وبمكافأة- ويا إلهي كم كانت فرحتي كبيرة بالإنضمام الى جيل من الكتاب العمالقة في مصر آنذاك،
وطلب مني أن أكتب عن أفلام التظاهرات الموازية في المهرجان، تظاهرة ” إسبوع النقاد” وتظاهرة ” نصف شهر المخرجين، وحيث يتفرغ هو للكتابة عن أفلام المسابقة الرسمية فقط في المهرجان،
ثم تطورت علالقتي بالاستاذ الجليل في مابعد عندما عمل رئيسا لمهرجان الأسكندرية السينمائي، وكان الأستاذ والمؤرخ السينمائي المصري الكبير- هؤلاء علموني – أحمد الحضري، أختارني للعمل قبلها كمندوب للمهرجان ليس فقط في موقع سكني فرنسا، بل في عموم الدول الأوروبية جمعاء، وإشتغلت بالفعل مندوبا للمهرجان لفترة تزيد على العشرين عاما
فطلب مني الأستاذ رؤوف أن أكتب أيضا عن الأفلام الفرنسية التي جلبتها للمهرجان في مجلة صباح الخير، فكتبت تحقيقا سينمائيا موسعا عن السينما الفرنسية بعنوان ” روميو وجولييت على شط بحر الهوى ” المنشور هنا

وفي كل زيارة لي لمصر كنت أذهب لزيارة الأستاذ رؤوف في مكتبه في المجلة، أو التقي به في مقهى قريب – لا أتذكر إسمه الآن- من محل سكنه في حي مصر الجديدة،
وعندما كتبت بالفعل عن السينما الفرنسية في مهرجان الأسكندرية
حرص أن يحرر عامودا – جهة اليسار -داخل المقال ، عن مسيرتي الطويلة، ككاتب وناقد سينمائي مصري في الغربة، وعن كتابي ” السينما العربية خارج الحدود ” الصادر عن المركز القومي للسينما في مصر،

ولي حكايات كثيرة مع أستاذي الجليل لاتنتهى، إذ عرفت في شخصه إنسانا مصريا ، من أرقى الأساتذة، وأكثرهم نزاهة وتواضعا وتحضرا ونبلا ء
من ضمن هؤلاء الذين علموني في حياتي، وجعلوني أتطبع بطابعهم ، وأنا أنهل من حدبهم و حبهم، وكرمهم وأصالتهم ومصريتهم ،وأحكي هنا عن مآثرهم، وأفضالهم علي، فهم مازالوا أحياء عندي، ولحين ألتقي بهم، وربما قريبا جدا من جديد
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم كاتب وقاص وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس, نزهة الناقد 0
لقطة من الفيلم الروسي” الرجل على الكاميرا” – أو المصور- لديغا فيرتوف. من الأفلام ” الضرورية ” التي عرضت في السينماتيك الفرنسي

لماذا تتقدم حركة السينما الوثائقية، أو “سينما الواقع ” في العالم، وتتأخر وتتراجع وتتخلف في بلادنا ؟..
تساؤل طرحته علي نفسي، وأنا اتابع أعمال تظاهرة إستعادية بعنوان :
“LES INDISPENSABLES DU DOCUMENTAIRES – (الأفلام الوثائقية الضرورية) عقدت حديثا في باريس- من تنظيم ” السينماتيك الفرنسي، بمناسبة الإحتفال بعام 2023، كـ “عام السينما الوثائقية” في فرنسا – عرضت أكثر من 25 فيلما وثائقيا ضروريا، من روائع الأفلام الوثائقية في فرنسا والعالم،لمجموعة من كبار المخرجين،من أمثال الفرنسية آنياس فارد، والهولندي جوريس إيفانز، والأمريكي فردريك وايزمان وغيرهم..
هذا ” الغياب ” المصري و العربي الملحوظ، في ساحة الفيلم الوثائقي في المشهد السينمائي الفرنسي ، وفي أغلب المهرجانات السينمائية الفرنسية والأوروبية التي أواظب علي حضورها منذ أكثر من أربعين عاما، والمخصصة لهذا النوع، مثل مهرجان ” سينما الواقع – CINEMA DU REEL FESTIVAL– في باريس..
تعود أسبابه الي” تراجع ” وتخلف الفيلم الوثائقي في بلادنا، علي كافة المستويات:
تخلفه الفني من ناحية ،علي مستوي الشكل والمضمون ، أو ما أحب أن أسميه بـ ” “الكلية الفنية ” للفيلم، حيث أعتبر أن أغلب الأعمال التي شاهدتها مصرية وعربية، تفتقد هذه الكلية، ولا تحمل في الأساس هما أو قضية ، بل تجاهد لكي تظل علي “رف السينما “بصعوبة، ولا تنزلق أو يلقى بها الى سلة المهملات..
مثل أغلب ” الريبورتاجات” المصورة التافهة، التي يعرضها التلفزيون في بلادنا، بل ويدرس بعضها كنماذج، للفيلم الوثائقي المثالي، ويحتذي بها ياللعجب في المعاهد والكليات، وهي كلها رغي وحكي، كما يرجع سر تخلف هذا النوع ، من ناحية أخري، الي إشراف الدولة الحكومي الرسمي علي إنتاجه..
وتعود أسباب التخلف الفني في رأيي الي ” عزلة ” سينماتنا العربية بشكل كبير، عما يحدث من تطور فني مذهل، في حركة الفيلم الوثائقي في العالم..
فهناك تطور مستمر، حتي علي مستوي مناهضة” ديكتاتورية التكنولوجيا الحديثة” ، وعدم الركوع كمثال،أمام متطلباتها الاستهلاكية، من ناحية خضوع المخرج لأستخدام أفلام ذات مقاسات معينة أو موحدة ” ستاندار ” في السوق، ورغبته في الانعتاق من أسرها،باختراع أدوات سينمائية جديدة، أو بتحسين أجهزة تصويرقديمة وتطويرها ، بل وأستخدام فائض التصوير، من المشاهد واللقطات التي لا تستخدم في مونتاج الفيلم النهائي، لتضمينها ” كتابات ” سينمائية جديدة،وصنع أفلام من ذلك الفائض..
أما أشراف الدولة علي أنتاج هذا النوع، فقد قيده وحبسه، داخل إطارات تقليدية عقيمة، جمدته وقولبته، و كتمت تماما علي أنفاسه ، وجعلته وهي تتحكم في انتاجاتاته. يدور في حلقة افلام البروباجندا، والدعاية للنظام، في مناخات القهر والقمع ، وغياب الديمقراطية ..
في حين صارت الأفلام التسجيلية الوثائقية من نوع سينما الواقع CINEMA DU REEL ” ممارسة للحرية ” في أروع أشكالها، للمخرج المؤلف، و المبدع الفنان..
جودار : الفيلم الوثائقي برميل بارود في حقل ألغام
أجل..ممارسة للحرية من أجل التعبيرعن ” وجهة نظر ” ببساطة – السينما فكر أولا – ضد كافة أشكال الحبس والخنق وكتم الأنفاس، حتي أن المخرج والمفكر السينمائي الفرنسي الكبير جان لوك جودار، يعتبر أن الفيلم الوثائقي – مثل تلك الأفلام التي صاغها وأبدعها وأخرجها المخرج الهولندي الوثائقي العظيم جوريس ايفانز علي سبيل المثال، ومن ضمنها فيلمه البديع ” المطر ” الذي يعتبر ” سيمفونية بصرية ” – هو ” برميل بارود ” في حقل ألغام ..
لقطة من فيلم ” صيد العصاري ” لـ د. علي الغزولي
ولذلك تحارب أفلام هذا النوع من ” سينما الواقع “ الوثائقية وتمنع، أو توضع في المخازن، أو يطولها مقص الرقيب،وأحيانا يتم تهريبها عبر الحدود، قبل أن تصل الي جمهورها في الدول الديكتاتورية..
.ذلك لأنها تكشف وتفضح وتدين – بوعي أو لا وعي منها – سياسات معينة، ونقول بلا وعي، لأن أي فيلم، يولّد “قراءات متعددة” ، تختلف باختلاف الذائقة الفنية، للجمهور المتلقي، والجمهور المتلقي بالضرورة ، ليس علي مستوي متوحد من الوعي..
المخرج المصري الكبير د.علي الغزولي
كما أن الهدف الأساسي، من صناعة أو إخراج أي فيلم وثائقي، لا يمكن أن يكون مجرد الإدانة والفضح، بشكل دامغ ومباشر، وإلا كان من الأفضل والأمر كذلك، أن يعوض المخرج عن صنع الفيلم، بكتابة عريضة، أو “منشور سياسي” يوزعه علي الجمهور، أو أعداد دوسيه أو ملف عن القضية، التي يريد طرحها ومناقشتها..
أي فيلم وثائقي هو صوت + صورة = سياسة.
كنوز مصر في المخازن
تتميز ” سينما الواقع “،عن مجموعة الأنواع الأخري للفيلم الوثائقي، تعليمية وانثروبولجية وغيرها،التي تعرضها القنوات التلفزيونية العامة والمتخصصة ،وتقصفنا بها، بسخفها وضحالتها وتفاهتها في كل لحظة..
تتميز باقترابها أكثر من هموم الناس ومشاكلهم وحياتهم، أثناء العمليات الأجتماعية، والتّغيرات التي تطرأ، علي تطور مجتمعاتنا الأنسانية، وفي إطار السياسات العامة ، التي تؤثر في حياة البشر، لأن بلد بلا سينما- كما يقول الشاعر والكاتب المسرحي الألماني العظيم برتولت بريخت – مثل بيت بلا مرآة ..
ولذلك فهي “سينما سياسية“ بالدرجة الأولي، لأنها تكشف- ونحرص علي أن لا نقول تفضح أو تدين – تكشف عن التناقضات، في قلب العملية الأجتماعية..

في عام 1998 دعتني إدارة قسم السينما في معهد العالم العربي الى الإشراف على ندوة عن ” السينما الوثائقية في مصر”، بمشاركة مجموعة من رواد هذا النوع للتعريف، بهذه الحركة السينمائية، التي ولدت كما نعرف بميلاد السينما عام 1895 على يد الشقيقين لوميير في فرنسا، وتشتمل” شجرة الفيلم الوثائقي” علي عدة تيارات ومدارس، مثل مدرسة ” السينما الحرة ” ومدرسة ” سينما الحقيقية ” و ” السينما الاثنوغرافية – نسبة الى علم دراسة الإنسان الانثروبولوجيا، كما تشمل”الجرائد السينمائية المصورة – الجريدة الناطقة في مصر” و مدرسة ” سينما الواقع ” والريبورتاجات التلفزيونية، ولكل مدرسة روادها وتاريخها وافلامها وأعلامها،وكان المعهد قبل الندوة، عرض مجموعة من الأفلام للمخرجين المذكورين، حيث عرض ” ثلاثية سيناء ” للتلمساني، و ” النيل أرزاق ” للنحاس ، و ” صيد العصاري ” لعلي الغزولي، كما عرض فيلما رابعا هو فيلم ” القشاش ” عن قطار الصعيد للمخرج التسجيلي عوّاد شكري، والأفلام الأربعة المذكورة ،عرضت في مصر والعالم، وشاركت في مهرجانات عالمية مخصصة لهذا النوع ، وحصدت جميعها أرفع الجوائز، وكانت ربما، أكثر وأعمق من بعض الأفلام الروائية المصرية، خير ” سفير “، لحضارة السينما المصرية العريقة وتطورها في الوطن..
وقد عكست الأفلام الاربعة اتجاهات السينما الوثائقية في مصر منذ نشأتها ولحد الآن، مع ملاحظة ان السينما في العالم بدأت تسجيلية أو وثائقية، بعرض أفلام الاخوين لوميير في 28 ديسمبر 1895 ، في قاعة الصالون الهندي بالمقهى الكبير ” لو جراند كافيه ” بشارع ” كابوسين ” بجوار الأوبرا..
وربما كان الملمح الأساسي الذي يكشف عن نفسه، بين كل هذه الأفلام الأربعة مجتمعة، التي عرضها المعهد يوم السبت 28 مارس 1998 قبل عقد الندوة المذكورة التي أدرتها، حب الناس والبلد والأرض، وذلك العشق الأثير للإنسان المصري العامل البسيط الغلبان، وهى تشكل بتلاحمها أو تجاورها، مع الغالبية العظمي، من الافلام التسجيلية التي صنعت عن مصر، قصيدة في حب مصر، وتدبج كتابا جديدا ” في وصف مصر”، يحرضنا أكثر على اكتشافها أم الدنيا، وفي كل لحظة..إنها أفلام أعتبرها- بعد أن قضيت عمري، ولفترة تزيد على الأربعين عاما في مشاهدة الأفلام، والكتابة عنها، من موقع عملي وسكني هنا في باريس.فرنسا – بمثابة ” كنوز ” سينمائية ، لأنهاتحكي ببساطة عن” هوية ” مصر، وعبقرية المكان، وهى جديرة بأن تعرض في كل وقت، على شاشات التلفزيون، لتجعلنا نحب بلدنا أكثر، تاريخها وذاكرتها، بدلا من الاحتفاظ بها في المخازن والعلب..
بقلم
صلاح هاشم.باريس

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
مؤسس ورئيس تحرير موقع ” سينما إيزيس ” 2005
***

عن جريدة ” القاهرة “- رئيس التحرير طارق رضوان – العدد 1212 الصادر بتاريخ الثلاثاء 10 أكتوبر 2023

admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0


بمناسبة الإحتفال في فرنسا بعيد ميلاده الثمانين
دونيرو.. و”هوليوود الجديدة”. صورة عن قرب
بقلم
صلاح هاشم
تحتفل فرنسا خلال شهر أغسطس وحتى نهاية العام بعيد ميلاد الممثل الأمريكي العبقري روبرت دو نيرو، وبلوغه سن الثمانين، من خلال العديد من التظاهرات التي تعرض لأفلامه العظيمة، ومسيرته السينمائية الطويلة، إن في دور العرض في باريس أو عبر المنصات، التي أثبت أنه افضل ممثل في ما يطلق عليه بـجيل ” هولوود الجديدة ” – NEW HOLLYWOOD – حين دلفت مجموعة كبيرة من المخرجين الشبان الجدد..
من أمثال مارتين سكورسيزي، وآرثر بن، وسيدني بولاك ، ووفرانسيس فورد كوبولا، وجورج لوكاش، وستانلي كوبريك ، وتيرانس مالك وغيرهم، الى ساحة الإبداع السينمائي في هوليوود في فترة السبعينيات، وحققت ” طفرة ” سينمائية وفنية هائلة، على مستوى الإنتاج السينمائي الأمريكي، وخروج مجموعة كبيرة من “الروائع السينمائية” التي أنتجت في تلك الفترة..
مثل فيلم ” شوارع حقيرة” 1972 و ” آليس لم تعد هناك “1974 لمارتين سكورسيزي 1972، وفيلم ” أناس المطر” لفراسيس فورد كوبولا ، و ” بوني وكلايد ” لآرثر بن وغيرها..
وبالتالي ظهور وتألق عدد كبير من كتاب السيناريو والممثلين والممثلات في تلك الأفلام ، مثل فاي دوناواي ووارين بيتي وروبرت ريدفورد وروبرت دو نيرو من مواليد 17 أغسطس 1943، الذي تخرج في “استوديو الممثل” الذي أسسه المخرج الأمريكي الكبير إليا كازان ، وتخرج فيه على يد المعلم، مجموعة كبيرة من الممثلين العظام من أمثال مارلون براندو..

لايمكن لأي عاشق للسينما وأفلامها العظيمة، أن ينسى أبدا دور الممثل الامريكي روبرت دو نيرو، في لقطة من فيلم ” سائق التاكسي – TAKSI DRIVER-للمخرج الأمريكي مارتين سكورسيزي، عندما يتطلع الى نفسه في المرآة،ويخاطب شخصا مجهولا ويسأله إن يا هذا هل تتحدث إلي ؟- ARE YOU TALKING TO ME – ثم وبسرعة يخرج مسدسه الفارغ من غمده، ويطلق النار عليه.. وكان دو نيرو يلعب في الفيلم دورالجندي الأمريكي المكسور والمجروح العائد من حرب فيتنام ، ويريد أن يخلص البشرمن شرور القوادين في نيويورك، الذين اقتادوا المراهقات الامريكيات بالحديد والإرهاب والنار، للعمل بالدعارة في أحياء نيويورك الحمراء التي تعيش على تجارة الجنس..
ويريد أن يقنع فتاة أمريكية مراهقة هربت من أهلها في الريف، بأن تكف عن العمل كمومس، وتعود الى أهلها..

دو نيرو ولد كممثل في مهرجان ” كان ”
والجميل أن “السينما الفرنسية ” قدمت من جديد نفس المشهد ، في فيلم ” الكراهية ” – LA HAINE – للمخرج ماتيو كازوفيتس، وهو من أهم الأفلام التي عالجت موضوع (المهاجرين العرب والأفارقة السود في فرنسا،) وكشفت للعالم عنصرية الشرطة الفرنسية واليمين الفرنسي تجاههم..
وكان الفيلم شارك في مسابقة مهرجان ” كان ” السينمائي، وحصل على جائزة،بعد مرور سنوات على عرض فيلم ” سائق التاكسي “لمارتين كورسيزي في نفس المهرجان، وحصوله على سعفة ” كان ” الذهبية، والذي كان سببا في إطلاق شهرة دو نيرو في العالم، ومن هنا يمكن القول بأن روبرت دو نيرو ، تم إكتشافه وولد كممثل – في مهرجان ” كان ” السينمائي ..
وكان دو نيرو حصل على جائزة الأوسكار مرتين، الأولى كأفضل ممثل ثانوي عام 1975 عن دور فيتو كورليوني الشاب ، في الجزء الثاني من فيلم – THE GODFATHER – ” العراب ” لكوبولا، والثانية كأفضل ممثل رئيسي عن فيلم ” الثور الهائج” لمارتين سكورسيزي عام 1981

وتعاون روبرت دي نيرو مع مارتن سكورسيزي في 9 أفلام من عند فيلم “شوارع حقيرة “(1973) وحتى فيلم ” قتلة زهرة القمر” الذي عرض في مهرجان ” كان ” 76 الأخير..
نظرية الممثل عند دو نيرو
تعلم دي نيرو في ” استوديو الممثل تقنيات نظام ستانيسلافسكي. وقد شجعته هذه التقنيات على اكتشاف المزيد من المشاعر والعواطف الداخلية والخارجية، ليستطيع استيعاب الشخصية التي يمثل دورها بشكل كامل. ولذا كان من أجل “التماهي” الكامل مع شخصية الدور الذي يمثله، زاد وزنه 27 كيلو ، وتعلم كيفية الملاكمة ليمثل دور كجيك لامولتا في فيلم “الثور الهائج” لسكورسيزي، ونحت أسنانه لدوره في “رأس الخوف” لسكورسيزي أيضا،، وعاش في صقلية لدوره في “العراب – الجزء الثاني” لكوبولا، وعمل كسائق سيارة أجرة لبضعة أسابيع ،من أجل دوره في سائق التاكسي، وتعلم العزف على الساكسوفون لدوره في فيلم ” نيويورك، نيويورك” لسكورسيزي. وقد زاد وزنه من جديد ليمثل دور آل كابوني، في فيلم “الممنوع لمسهم” للمخرج الامريكي الكبير بريان دو بالما..
كما تعتمد نظرية الممثل عند دو نيرو توظيف أي تكتيك متطرف، يشعر أنه ضروري، للاستحواذ على أفضل أداء للممثلين من العاملين معه، فأثناء تصوير فيلم “ملك الكوميديا” – THE KING OF CMEDY- لسكورسيزي، عمد إلى إطلاق كيل من الشتائم المعادية للسامية ،على زميله الممثل جيري لويس، لزيادة غضب الشخصية التي يمثلها جيري، وجعله أكثر واقعية في تمثيله..

ويحتار المرء منا، عندما يطلب منه معرفة أعظم الأدوار،التي تسامق فيه دو نيرو نجمي المفضل الآن – بعد، بيرت لانكستر وأنا صغير في ” سينما إيزيس ” في فيلمين ” القرصان الأحمر” و ” فيرا كروز “، ثم من بعده أنطوني كوين وأنا كبير في فيلمين ” زوربا اليوناني ” وباراباس ” – بعظمته تمثيله وفنه، لأنها جد كثيرة ورائعة..
هل هو مثلا دور “فيتو كورليوني” في فيلم ” العراب 2 ” 1974 ، أم دور “ترافيس بيكل” في فيلم ” سائق التاكسي” لمارتين سكورسيزي 1976، أم دور ” مايكل ” في فيلم ” صائد الغزلان ” – DEER HUNTER – للمخرج الأمريكي مايكل شيمينو1978 ، أم دور”نودل” في فيلم ” حدث ذات مرة في أمريكا ” للمخرج الايطالي الكبير العبقري سرجيو ليوني1984 ، أم دور ” نيل ماكولي ” في فيلم – HEAT – للمخرج الأمريكي الكبير مايكل مان 1995، والمواجهة – أو بالأحرى ” المباراة في التمثيل – التي تمت بينه وبين الممثل الأمريكي الكبير آل باتشينو في الفيلم داخل مطعم، بين شرطي و مجرم و زعيم عصابة، وفاز فيها دو نيرو على باتشينو بالضربة القاضية.

أعتقد – على الرغم من تألقه وبراعته في التمثيل في تلك الروائع وإعجابي بها – بأني سأختار دوره في فيلم ” صائد الغزلان ” لمايكل شيمينو، الذي يحكي عن جرح أمريكا الكبير، وهزيمتها في حرب فيتنام، من خلال ملحمة سينمائية ، تضم أحد أعظم المشاهد السينمائية في تاريخ السينما الامريكية خلال الأربعين سنة الماضية – مشهد يستغرق عرضه 14 دقيقة في الفيلم، و يجبر فيه الأسري من الجنود الامريكيين في الحرب، على لعب مباراة “العجلة الروسية ” المرعبة ، بإدخال رصاصة واحدة في خزانة مسدس، التي تتسع لأكثر من رصاصة، ثم توجيهه الى رؤؤسهم ، و ضرب الزناد..
لأن طوال فترة الثلاث ساعات وأكثر التي يستغرقها عرض الفيلم البديع ،يقدم دو نيرو “بانوراما متنوعة وكاملة” لكل المشاعر والعواطف الإنسانية العظيمة، التي يفاخر بها الإنسان، من حب وقسوة ومرارة وألم ووفاء وشجاعة وكرامة وغيرها، حتى يصبح صورة للمسيح، أو البطل المخلص، الذي ينتشل أمريكا الوطن من مستنقع الهزيمة والسقوط، وأفول ” وهم ” الحلم الأمريكي العظيم، والى الأبد.
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا.مؤسس ورئيس تحرير موقع سينما إيزيس 2005
–
عن جريدة ” القاهرة – رئيس التحرير طارق رضوان – الصادرة بتاريخ 29 أغسطس 2023

