أزمة القانون غياب الفاعلية بقلم نبيل عبد الفتاح
لقوانين الوضعية الحديثة تشرع، وتصدر لكى تطبق بصرامة فى تفاصيل الحياة ومجالاتها المختلفة، من سلطات إنفاذ القانون، ومن المخاطبين بأحكامها، والأهم أن ينصاع لها المواطنون فى سلوكهم الاجتماعى، وفى علاقاتهم ببعضهم بعضًا، وبأجهزة الدولة على اختلافها.
فاعلية القوانين تكمن فى خضوع الحكام وذوى السلطة والثروة والنفوذ والمكانة، وأجهزة الدولة – لاسيما فى الدول السلطوية – على اختلافها لها، دون تمييز أو تحيز أو تعسف أو تأويلات تجعل من قواعده التنظيمية والإجرائية قيدًا على حقوق المواطنين، أو تعسيرا لهم فى تنفيذ أحكامه. لا قانون بدون تحقيق الردع العام والخاص فى المجال الجنائى موضوعيا وإجرائيًا، وتطبيقيا من السلطات والمواطن معًا، لأن بعضهم فى سلطات الدولة، وجهات إنفاذ القانون يعتقدون أن القانون ملكًا لهم، يطبقونه، وفق أهوائهم وتأويلاتهم، ويتعسفون فى إجراءاته، وهو ما يخالف مبدأ دولة القانون والحق، وسيادته فوق الجميع، وأولهم سلطات الدولة. القانون ليس محضُ إرادة مطلقة من السلطة الحاكمة تضع من التشريعات كما تشاء، وتمررها عبر برلمانات سلطوية كما ترغب، دون نقاشات جادة، وعلمية تراعى المصالح الاقتصادية والاجتماعية المتصارعة على نحو ما رأينا طيلة غالب نظامى مبارك والسادات وإلى برلمانات الإخوان والسلفيين، وتراجع بعض مستويات تكوين أعضاء البرلمانات والأحزاب السياسية التى جاءوا منها، واقعيا، من خلال عديد التجاوزات فى المنافسات الانتخابية، وشراء بعضهم الأصوات من المواطنين الفقراء، وغيرها من أشكال الخروج على القانون على نحو ما تكشف عنه الطعون على النتائج والأحكام الصادرة ببطلان بعضها ، إلى الحد الذى بات المواطنون لا يهتمون بالمعارك الانتخابية البرلمانية، والاستفتاءات العامة، ولا الأحزاب السياسية الهشة التى لا ظل لها فى الشارع، وليس لها قواعد اجتماعية مساندة لها وأصبحت أحزابا فى الفراغ السياسى ولا يعرف قياداتها ولابرامجها ولا خطاباتها السياسية .

حالة السلطة التشريعية، وفق مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات، تتطلب دورًا تشريعيا وازناً فى المبادرة بطرح القوانين من الأعضاء، أو أحزابهم السياسية، وهو ما لا يحدث إلا نادرًا، وغالبا لا تمرر من خلال البرلمان إذا جاءت من بعض المعارضين. الأهم هو ضرورة المناقشات الجادة، والموضوعية لمشروعات القوانين، وأيضا الدور الرقابى فى طرح الأسئلة والاستجوابات للسلطة التنفيذية، فى عمق ورصانة وجدية، وهى ظاهرة فى تراجع فى حياتنا البرلمانية. السياسة التشريعية فى دول العالم المتقدمة هى هندسات اجتماعية وإدارية وتنظيمية ومن ثم نسق من الفلسفة والقيم والأهداف، والمصالح التى تسعى السلطة الشارعة إلى تحقيقها فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والأمنية.. إلخ، وتراعى من خلالها التوازن بين المصالح المتعارضة، والصراعات فيما بين بعضها بعضًا، وبين القوى والفئات الاجتماعية على اختلافها.
الدولة لا تميل فقط لمصالح القوى الاجتماعية المساندة للنظام فقط، وإنما تتجاوز ذلك فى عديد الأحيان لمصلحة القوى الاجتماعية العريضة، لتحقيق الاستقرار السياسى، والاجتماعى، والتوازن النسبى بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. التشريعات ليست محض أداة سلطوية وإنما هى تنظيم، وضبط للسلوك الاجتماعى وللعلاقات بين أجهزة الدولة، وبين المواطنين.
فى تاريخ نظام يوليو 1952، كانت السياسة التشريعية، تعبيرًا عن رأسمالية الدولة الوطنية، وداعمة للسياسات الاجتماعية، ومفهوم العدالة الاجتماعية فى المرحلة الناصرية فى التعليم، والعمل، والصحة، وكان بعض كبار فقهاء القانون ممن تعلموا فى فرنسا، أو فى مصر فى المرحلة شبه الليبرالية، وثقافتها السياسية والقانونية، وكانت القوانين أفضل مقارنة بالمراحل اللاحقة من عهدى السادات ومبارك، وتراجع بعض مستويات الفن والصناعة التشريعية. كان ولايزال من أسباب، تنامى عدم فاعلية القانون، وغياب تطبيقه فى تفاصيل الحياة اليومية ما يلي: هيمنة النزعة التجريمية والعقابية والقيود الإجرائية فى جميع التشريعات على اختلافها وذلك، لسطوة بيروقراطية الدولة وتفشى الفساد مع الانفتاح الاقتصادى، وسياسات الخصخصة حتى تفاقمه مع النيوليبرالية ما بعد 30 يونيو وإلى الآن! وهو ما يحتاج إلى مطاردته، ومحاسبة كل الفاسدين أيا كانت مواقعهم من الثروة والسلطة والمكانة الاجتماعية، ومن أعلى لأسفل النظام الاجتماعى . انحياز بعضهم فى السلطة الشارعة، والتنفيذية لطبقة رجال الأعمال النيوليبرالية، وتأثرها بمصالحهم.
ما المطلوب لكى تكون القوانين أكثر فاعلية، وتوازنا بين المصالح الاجتماعية المتعارضة، لتحقيق الاستقرار السياسى والاجتماعى؟:
– تشكيل لجان لمراجعة القوانين الأساسية من منظور إصلاحى وحرياتى، تراعى فيها التوازنات بين القانون والحريات العامة والفردية فى إطار القانون المقارن، خاصة إصلاح قانونى العقوبات، والإجراءات الجنائية، خاصة الحبس الاحتياطى، وضمانات المتهم، والمجنى عليه معا موضوعيا وإجرائيا.
– صياغة فلسفة قانونية إصلاحية تراعى التوازن بين الحريات، والنيوليبرالية، وتضبط تغول طبقة رجال الأعمال، ومراعاة التحولات الرقمية، وتعديل قانون السلطة القضائية، وضماناته لمصلحة دعم استقلالها، ومعها الجماعة القضائية ودعمهم فى الأجور والخدمات فى ظل ارتفاع تكاليف الحياة تأميناً لهم ولأسرهم ولاستقلالهم.
– استخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعى فى أثناء إعداد مشروعات القوانين، وفى مساعدة أعضاء البرلمان فى مجال معرفة القانون المقارن، وايضا التاريخ التشريعى المصرى فى كل مجال منعا للتضارب والتناقض فى اثناء وضع التعديلات القانونية على التشريعات السابقة او المشروعات الجديدة.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ الخميس 27 أغسطس 2026



