العقل والعاطفة
ما زالت السينما البريطانية تعود من حين لآخر الى الأدب الانجليزي في القرن التاسع عشر لتقديمه على الشاشة ، وهذا الأسبوع بدأت دور السينما عرض فيلم “العقل والعاطفة” للمخرجة جورجيا اوكلي الماخوذ عن رواية SENSE AND SENSIBILITY للكاتبة البريطانية جين اوستون 1775 – 1817 وهي نفسها كاتبة رواية “كبرياء وتحامل” وأربع روايات أخرى قدمتها السينما اكثر من مرة .. وقد يتساءل البعض لماذا تعود السينما الى تلك الروايات الشهيرة رغم اختلاف الزمن والحقيقة أنها أعمال تعبر بصدق واخلاص عن الانسان في ذلك العصر البعيد خاصة مشاعر المرأة في الحب والزواج.

ولأن الحاجة أم الأختراع فان النساء في زمن جين اوستن كانوا في حاجة الى من يتحدث عن معاناتهن ، ومن الصعب الحديث عن الأفلام المأخوذة عن روايات “اوستن” دون الاشارة الى أنواع الحرمان في حياة المرأة في القرن التاسع عشر وقد حصلت على قدر كبير من حقوقها بعد ذلك .. وفي الفيلم تحكي المؤلفة قصه الشقيقتين “الينور وماريان” وقد مات والدهما والقانون آنذاك يمنع أن ترث البنات منزل الأب لذلك اشترك معهما أخ غير شقيق واضطرا الى ترك بيت والدهما وعاشا في كوخ صغير وأصبح من الضروري أن يتزوجا .. ويظهر في حياتهن العديد من الشباب منهم الطيب والخجول والطماع والمغرور.
قامت ديزي ادجار جونز بدور الأخت الكبرى “الينور” التي تحب الشاب “ادوارد” وهي تتمتع بالعقل الراجح وتفكر كثيرا في الظروف الاجتماعية المحيطة بحياته مثل علاقته بوالدته وخطيبته التي تتركه عندما يفقد ميراثه وتعود اليه عندما ترجع له أملاكه وهكذا ، وادوارد يتمسك بها لمجرد أنه وعدها بالزواج ويضحي بحبه لالينور .. اما الشقيقة الثانية “ماريان” وقامت بدورها “ايسمي كريد مايلز” فهي كتلة من العاطفة تندفع في حب شاب عديم الاخلاق وتكتشف حقيقته بعد معاناة كبيرة وفي نفس الوقت تتأكد من مشاعر الكولونيل براندون النبيل الذي أحبها في صمت.
جين اوستن كاتبة واقعية ساخرة لكن السينما تقدمها رومانسية حالمة بسبب العصر الذي تدور فيه أحداث رواياتها في القرن التاسع عشر ، وقد نجحت المخرجة جورجيا اوكلي في نقل أجواء ذلك العصر بأحداثه وشخصياته ومنها شخصية اندثرت ولم تعد موجودة اليوم مثل “مسز جيننز” وقامت بدورها الممثلة الايرلندية “فيونا شو” وهي سيدة أرستقراطية عجوز من أصدقاء العائلة كل همها في الحياة العثور على ازواج مناسبين لبنات الاسرة وتنقل خبرتها في الحياة اليهن .. ولا تتردد في كشف الفرق بين الحب المزيف والحب الحقيقي وتعرف سلوك الرجل العاشق جيدا لذلك كان وجودها في العديد من المشاهد محركا للأحداث وهي قادرة على تصحيح المفاهيم الخاطئة في الحب وهدفها الوحيد في النهاية اتمام الزواج بنجاح.
من المتوقع ان يحصل الفيلم على عدد من الترشيحات لجائزتي البافتا البريطانية والاوسكار الأمريكية خاصه سيناريو “ديانا ريد” والأداء التمثيلي لديزي وايسمي وكذلك لجورج مكاي في دور ادوارد وهربرت بورد دروم في دور الكولونيل براندون .. لقد نجح الفيلم في ان يجعل من كل شخصية أيقونة انسانية قادرة على منح المشاهد فهما جديدا لمشاعر الحب والعطاء والتسامح.
بقلم
حسام حافظ

حسام حافظ كاتب صحفي وناقد سينمائي مصري والمشرف على صفحة السينما في جريدة الجمهورية. مصر
عن جريدة الجمهورية بتاريخ الأحد 1 نوفمبر 2026 لباب ” مختارات سينما إيزيس ”



