كرة القدم الساحرة..الوطنية والعولمة والصراعات الهوياتية بقلم نبيل عبد الفتاح
اللعبة الساحرة، منذ نشأتها وتطوراتها فى التدريب والتخطيط ونوعية اللاعبين، ومواهبهم ومهاراتهم وإنمائها، كانت ولا تزال محمولة على الشغف، والافتتان والانبهار، والتحيزات للفرق، واللاعبين المهرة، والتنافس الضارى بين الفرق واللاعبين الكبار فى المسابقات الوطنية والمحلية، والإقليمية، والقارية، والدولية.

تبدو كرة القدم، وكأنها الحياة مكثفة فى منافساتها وفى مسارات النجاح ، والفشل الفردى والجماعى، والصعود والهبوط للفرق، واللاعبين فى مسابقاتها. من ثم شكلت ولا تزال أحد طقوس الحياة الصاخبة ، وتخطف الأبصار والعيون والانتباه، والتركيز فى عصر السرعة الفائقة، والنظرات، والصور الومضاتية والفيديوهات الطلقة وأكبر من المؤثرين، وصانعى المحتوى وذلك لدى مليارات البشر لاسيما الأجيال الشابة من (Y) و(Z، وآلفا)، إلا أن طقس كرة القدم لا يزال يخطف العيون الشاخصة، والتركيز للملايين، والمليارات من البشر فى عالمنا كله فى الملاعب والتلفازات والأجهزة الرقمية .
ثقافة كرة القدم، تكاد تمثل الثقافة الأكثر شيوعا كونيا، والتى تتجاوز ثقافات عالمنا المتعددة، فهى ذات سمت كونى أيا كانت التفاصيل فيما وراءها ، لأنها لم تعد تقتصر على تفاصيل اللعبة، ومراكز اللاعبين، وكبارهم والمدربين والمديرين الفنيين ذائعى الصيت عالميا. هى ثقافة من حيث التحيزات للفرق واللاعبين فى كل دولة وداخلها مناطقيا ، وأيضا تشمل طقوس المشاهدة داخل الملاعب، وأمام التلفازات، وعلى الفضاءات الرقمية، والمشاهدات فى المقاهى، والمنازل، والطرق، وأيضا فى المنتزهات العامة، والقطارات، والمترو فى المباريات المهمة، والمسابقات الإقليمية والقارية والدولية، فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية . تمتد ثقافة كرة القدم لتشمل معرفة بعض خطط الفرق وأنماط التشجيع، وتنظيمات الألتراس المستجدة فى تنظيم التشجيع للفرق المحلية والوطنية. من مكونات ثقافة كرة القدم اللغة والأغانى والإيقاعات المرقصة والموسيقات واللغات القومية وأعلام الفرق والدول داخل الملاعب وخارجها . تمتد مكوناتها أيضا الى نظام الزى ،من حيث الألوان والعلامات المائزة للفرق ، وانتماءاتها القومية والمحلية من زى اللاعبين والجمهور غالبا . ثقافة كرة القدم تمتد إلى نظام الأكل والشراب، حيث يسود غالبا نظام الأكل السريع Fast food ، والمشروبات الغازية والمياه المعلبة، والمشروبات الكحولية فى أوروبا وأمريكا الشمالية واللاتينية وآسيا وإفريقيا جنوب الصحراء .
ثقافة كرة القدم حاملة للتعدديات الثقافية فى عالمنا، وأيضا للطابع الكونى – العولمى، حيث لم تعد الفرق الكبرى القومية او المحلية فى أوروبا وغالبُ عالمنا مقصورة على الطابع العرقى الأبيض، وإنما فرق متعددة الأعراق والجنسيات بل والجنسية الواحدة بالميلاد أو التجنيس. من ثم الفرق القومية متعددة الأصول العرقية، وتضم لاعبين من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. نحن إزاء ظاهرة استثنائية، حيث تجاوزت ثقافة كرة القدم الطابع العرقى للقوميات وفرقها الى مركزية وأهمية اللعبة ومواهبها الكبرى من اللاعبين والمدربين، والمديرين الفنيين، الذين تتم الاستعانة بهم فى الفرق القومية الكبرى والمحلية. لم يعد مهما الأصول العرقية او الجنسية الأصلية للاعبين الموهوبين وما إذا كانت جنسياتهم اصلية بالميلاد أو عبر التجنيس.. تجاوزت ثقافة كرة القدم، وتشكيل فرقها المحلية والقومية، النزعة اليمينية العرقية والشعبوية القومية فى أوروبا، ودول أخرى فى عالمنا، وباتت ثقافة كرة القدم، وتعددية أعراق فرقها، دلالة على تجاوز هيمنة الثقافة الغربية وأصولها التاريخية فى عديد من مجالات الحياة التكنولوجية، والعلمية، والثقافية والذكاء التوليدى والرقمنة ، بل وتداخلت فى بعض هذه المجالات من حيث تعدد الأصول العرقية والثقافية للعلماء والعاملين البارزين فى هذه المجالات .

كرة القدم بوصفها اللعبة الأهم كونيا، وإقليميا، وقوميا ارتبط تطورها بالرأسمالية الغربية أساسا، من حيث الاستثمار فيها، وتسليعها للاعبين، والفرق، والإعلانات، وفى جذب أموال الاستثمار فيها، خاصة الأندية الأوروبية الكبرى. هى لعبة فاتنة وغاوية واستعراضية، وتعكس فى تطوراتها النزعة الاستهلاكية، فى تفاصيل طقس المشاهدة فى الملاعب، وإنتاج الأزياء الرياضية، والاستهلاك فى نظام الأكل السريع، والمشروبات الغازية والكحولية، وشراء تذاكر دخول المباريات، أو المتابعة التلفازية على المنصات التلفازية، والرقمية … إلخ.
الأهم، إنها اللعبة التى يجرى وراءها القادة السياسيون فى حضور نهائيات المسابقات الإقليمية، والقارية والدولية، لتوظيف طقس المشاهدة، لجذب اهتمام الجمهور، وبعض من الشعبية فى بلادهم وخارجها. من الشيق أيضا ملاحظة أن كرة القدم باتت تمثل أحد الموحدات الرمزية الهوياتية، فى عالم المابعديات والإناسة الروبوتية التى تتفكك من خلاله الهويات القومية، إلى هويات متعددة ومتصارعة عرقية ودينية ومذهبية، وقبلية وعشائرية، ومناطقية!. فى المباريات القومية الإقليمية والدولية، تبرز الهوية الدولتية – الوطنية، وتبدو هى السائدة بين جمهور الهويات المتصارعه والانتماءات «الطبقية» فى لحظة الطقس الكروى فى المسابقات الدولية والقارية والإقليمية وفى مسابقة كأس العالم، يبدو رئيس الاتحاد الدولى وكأنه إمبراطور كونى، ويستقبل بوصفه فى طقوس تشير إلى أهمية كرة القدم، وكذلك بعض رؤساء الاتحادات القارية!. طقوس مباريات كأس العالم -2026- فى ظل السيولة، وبعض الاضطراب، والحروب، واللايقين، والمآلات الغائمة، تبدو وكأنها الحياة الإنسانية، وهى تمسك بإرادتها، ووجودها الحى، فى مواجهة عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعى، الذى يتداخل فى تفاصيل اللعبة الساحرة، فى التدريب، والتخطيط، والدعاية، والاستثمار، إلا أن الفعل الإنسانى، ومهاراته فى اللعب، يبدو محاولة للحضور والوجود والمعنى، فى عالمنا الذى يتجاوزنا إلى ما بعد الإنسانية.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية .مقيم في القاهرة . مصر



