روح الصورة.. أبوسيف في باريس بعد تكريمه في مهرجان لاروشيل السينمائي في فرنسا
صورة المخرج المصري الكبير الراحل صلاح أبوسيف في باريس حدائق صو ضواحي باريس في صحبة الكاتب والناقد المصري المعروف صلاح هاشم وكان كلف من قبل الناقد الفرنسي الكبير جان لو باسيك بإعداد تكريم للمخرج المصري الكبير في دورة المهرجان التي أقيمت عام 1992 في مدينة لارروشيل.فرنسا وبمناسبة الإحتفال بمرور عشرين عاما على تاسيس المهرجان

ومرفق هنا المقال الذي كتبه الناقد صلاح هاشم مصطفى في كتالوج مهرجان لاروشيل عام 1922عن موقع سينما صلاح أبو سيف على خريطة السينما المصرية والإضافات التي حققها ” الأستاذ – كما يطلق عليه في مصر – بفنه
صلاح أبو سيف: فنان الشعب وضمير السينما
بقلم
صلاح هاشم
للحديث عن صلاح أبو سيف وسينماه، لا بد من وضعه في سياق تاريخ مصر وتاريخ السينما المصرية. فمصر هي البلد الوحيد في القارة الأفريقية الذي عرف، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، صناعة سينمائية حقيقية. غير أن معرفة المصريين بهذا الفن الجديد تعود إلى عام 1896، عندما عُرضت أفلام الأخوين لوميير لأول مرة في مقهى «زواني» بالإسكندرية، وذلك بعد عشرة أيام فقط من عرضها الأول في باريس!
لقد وُلدت السينما في مصر بالتزامن تقريبًا مع ظهور السينما الناطقة في العالم. فالفيلم المصري الروائي الطويل الصامت الأول، «ليلى»، الذي أخرجه استيفان روستي وأنتجته وقامت ببطولته الفنانة المسرحية عزيزة أمير، يعود إلى عام 1927. لكن أول فيلم مصري حقيقي هو فيلم «الباشكاتب» لمحمد بيومي، وهو فيلم روائي قصير صامت أُنجز عام 1922. واليوم، بفضل الفيلم الوثائقي «محمد بيومي» الذي أنجزه مؤخرًا المخرج المصري الشاب محمد القليوبي، نكتشف الحياة الاستثنائية لهذا الرجل الذي أُحيل إلى التقاعد المبكر بسبب وطنيته واحتجاجاته ضد جيش الاحتلال البريطاني. لقد كان هذا الضابط في الجيش المصري المؤسس الحقيقي للفن السابع في مصر.
كان محمد بيومي أول مصري يبني استوديو سينمائيً وبالكاميرا التي اشتراها من النمسا، استطاع أن يصور أولى الأخبار السينمائية المصرية. فقد وثّق عودة الزعيم سعد زغلول من منفاه، والجماهير التي خرجت إلى الشوارع لاستقباله بحفاوة بالغة، وهو حدث بالغ الدلالة، إذ اضطر الاحتلال البريطاني، بإطلاق سراحه، إلى الرضوخ لإرادة الشعب المصري. وهكذا كرّست أول كاميرا عرفتها مصر نفسها لتصوير حركة الجماهير في الشوارع وتعابير الوجوه، من أجل تسجيل حدث تاريخي وحفظه في الذاكرة الجماعية للشعب.
وقد رسّخ محمد بيومي مفهوم السينما بوصفها وسيلة لمعالجة الواقع الاجتماعي والسياسي ومواجهة المجتمع بحقيقته، من خلال فيلمه الصامت القصير «المعلم برسوم يبحث عن وظيفة» الذي أنجزه في عشرينيات القرن الماضي، وتناول فيه مشكلة البطالة. غير أن بنك مصر، الذي أسسه طلعت حرب، اشترى معدات بيومي، فوجد نفسه بلا عمل، وتبدد حلمه في التعبير من خلال دعم البنك، كما انهار حلمه في تأسيس سينما مصرية وطنية. ولم يتحقق ذلك إلا عام 1939، عندما شاهد أبناء الشعب حياتهم اليومية في الأحياء الشعبية بالقاهرة على الشاشة، في فيلم «العزيمة» لكمال سليم.
وقد وجدت هذه النزعة، التي أرادت أن تبتعد عن أفلام التسلية والهروب من الواقع، وعن الميلودراما والمهزلات والمسرح المصور، تجسيدها الأكثر اكتمالًا في شخصية صلاح أبو سيف وأعماله السينمائية الكبرى.

لقطة من فيلم ( شباب إمرأة ) لصلاح أبو سيف
يُعد صلاح أبو سيف المؤسس الحقيقي للسينما الواقعية، ليس في مصر فحسب، بل في العالم العربي كله. فهو يمثل مدرسة قائمة بذاتها، من خلال أفلام رسمت وصوّرت بدقة تطور المجتمع المصري على مدى نصف قرن. وبفضل هذه السينما الواقعية، التي مدت يدها إلى الفقراء والمحرومين، وجدت مصر مرآة تعكس صورة أولئك الذين يعيشون في الأزقة والحواري الضيقة، وفي زوايا المدينة وأركانها، وحتى في المصاعد. ففي أفلامه تمر أمامنا جميع طبقات المجتمع المصري، تتوقف لحظة لتكشف لنا وجوهها.
ويجسد صلاح أبو سيف ما يُعرف في مصر بـ«سينما المؤلف»، ليس فقط لأن أفلامه هي الأكثر تمثيلًا للسينما المصرية في الخارج، بل لأن مجمل أعماله يشكل كيانًا فنيًا متماسكًا، يصعب فيه الفصل بين الأعمال الأكثر تألقًا وتلك الأقل إشراقًا، أو بين ومضات العبقرية وأبسط مواطن الضعف.
وبفضل مثابرته وإصراره، استطاع صلاح أبو سيف أن يفرض نفسه في وسط سينمائي كان حكرًا على الأرستقراطية وأبناء كبار التجار والباشوات الهواة. فهو ابن الشعب، الذي وُلد في حي بولاق، أحد الأحياء الفقيرة على أطراف القاهرة، وتمكن من أن يصنع سينما شعبية دون أن يقع في التبسيط أو الرداءة؛ سينما جعلت العمال والناس العاديين أبطالًا في قلب الشاشة، بعد أن كانوا مجرد متفرجين مستهلكين. وفي وقت كانت فيه السينما المصرية تعتبر الفيلم الأمريكي نموذجًا يُحتذى ويُقلَّد في أدق تفاصيله، جاء صلاح أبو سيف، فنان الشعب، ليقلب المعايير السائدة ويؤسس سينما مصرية وطنية حقيقية، تخاطب المصريين أولًا.
ولم تكن واقعيته مجرد وصف صادق لحياة الفقراء أو الأغنياء، بل كانت واقعية تهدف إلى إثارة الوعي، ودفع المشاهد إلى اتخاذ موقف من قضية معينة.
لقد حطم صلاح أبو سيف كثيرًا من المحرمات، وكان أشدها ذلك الذي يمنع تصوير حياة الفقراء وإظهار بؤسهم. وبذلك أسس، وسط فراغ سينمائي كامل، تقاليد واقعية أصبحت فيما بعد جزءًا لا يتجزأ من تاريخ السينما المصرية.
ومع مرور الزمن، استطاع أبو سيف أن يتكيف مع مختلف التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفها وطنه، ليبني مكتبة سينمائية متفردة.
وإذا كنا اليوم نجد أنفسنا في قلب الشاشة، نحن سكان تلك الأزقة، بأسواقها ومساجدها، فإن الفضل في ذلك يعود إلى صلاح أبو سيف وأفلامه. وإذا أصبحنا اليوم ندرك أن السينما أصبحت في قلب حياتنا، لأننا نحن أبطالها، فإن هذا الوعي مدين، قبل كل شيء، لأفلام صلاح أبو سيف.
لقد انتقلنا إلى الشاشة بفضل هذه الأفلام، ومنذ ذلك الحين أصبحنا نحرص على البقاء فيها. فقد اكتسبت معاناتنا وكفاحنا اليومي هالة من الجمال والسحر. وهذا الجمال، وهذا السحر، يمنحاننا القدرة على الإمساك بزمام حياتنا، ويمنحاننا الأمل، رغم مشكلات اليوم ومسؤولياته، في التقدم بثقة نحو المستقبل.



