10 على القمة في ” سينما إيزيس الجديدة “. بقلم ولاء عبد الفتاح




admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, مهرجانات 0




admin رئيسية, كل جديد, مختارات سينما ازيس 1










admin رئيسية, فوتوجرافيا, كل جديد 0

admin رئيسية, مختارات سينما ازيس 0

استطاعت السينما الأمريكية أن تفرض نفوذها الكامل بدعم من مؤسسات الإنتاج الكبرى التي تمتلك رؤوس أموال ضخمة يدفع بها الممولون لاحتكار صناعة الفيلم والهيمنة على أسواق التوزيع في العالم، وقد تسيدت هوليوود المجال الفني بإنتاج نوعيات تجارية راعت احتياج القاعدة العريضة من الجمهور المحلي والعالمي، فتسببت في تهميش التيارات السينمائية في أغلب الدول الأوروبية لقطع الطريق على المنافسين والانفراد بالساحة الدولية والعالمية لترويج بضاعتها الاستهلاكية القائمة على عناصر الجذب والإبهار باستخدام أحدث التقنيات في التصوير والخدع والغرافيك والحيل شديدة الذكاء والإتقان في التصميم والتنفيذ. ولضمان عملية الترويج اتخذت هوليوود كبرى المؤسسات الإنتاجية في العالم العنف والجنس والرعب مواد لأنماط تأثيرية مهمة لاستقطاب الجمهور.
وقد لعبت في ذلك على وعي المشاهد البسيط، المكبوت جنسياً والمغرم بالإثارة، كما رصد خبراء التحليل النفسي الموكلين بتقديم دراسات سيكولوجية عن الميول الفطرية لدى المهتمين بالسينما، رغبات الجمهور من مختلف النوعيات لتحديد الشرائح الأكثر انجذاباً لمشاهد العنف والأطر المُفضلة لديهم لتوظيف الأكشن لسهولة الإقبال عليه وتوفير كافة العوامل للتفاعل مع المصنفات التي تحويه وتقدمه بشكل تأثيري مضمون النتائج. وبناءً على هذه القاعدة تربعت السينما الأمريكية على العرش واستمرت في السيطرة والهيمنة وبلغت ذروة تأثيرها، خاصة في منطقة الشرق الأوسط ودول العالم الثالث، الأمر الذي أدى بالسينما الفرنسية لإتباع الطريق المعاكس في المنافسة، إذ انصرفت مؤسساتها الإنتاجية عن تقديم المغريات الرخيصة وعملت على تحري الدقة والموضوعية في طرح الأفكار والقضايا، غير أنها راعت حدود الذوق العام في تقديم الأفلام الخفيفة الجانحة في مضامينها إلى الكوميديا أو التسلية البسيطة مراعية النوعية الجماهيرية التي لم تتمتع بالقدر الكافي من التعليم أو الثقافة العامة، وبهذا فرضت المؤسسات الإنتاجية في فرنسا تقاليد إنسانية وأخلاقية في تقديم المغاير من الأفلام والمختلف عن النمط الهوليوودي التجاري الغث.
ولأن هناك توازنا بين المُفيد والجديد، صار الإنتاج المتميز في فرنسا للأفلام الاجتماعية والإنسانية والسياسية هو الغالب في جميع المواسم، وقد أسفر ذلك عن بيع 183 مليون تذكرة دخول لأشهر دور العرض السينمائية خلال عام واحد كمُحصلة رقمية لارتفاع نسبة المشاهدة لعدد 200 فيلم حديث في السنة وإجمالي 250 مهرجانا دوليا يشارك فيها الفيلم الفرنسي على مدار رحلة طوافه السنوية حول العالم، وهذه الأرقام والإحصاءات واردة في دراسة وافية ومتعمقة للكاتب والناقد والمخرج المصري صلاح هاشم تحت عنوان «السينما الفرنسية» حيث رصد من خلال وجوده في باريس ومتابعته لأهم المهرجانات السينمائية، الحضور الدائم للأفلام الفرنسية واختلافها الجوهري والجذري عن بقية الأفلام الأمريكية ذات الصبغة التجارية المعروفة، برغم أن الدراسة لم تعتن كثيراً بمسألة المقارنة بين النمطين السينمائيين الأمريكي والفرنسي، لكننا رأينا أن نضيف هذا البعد لجلاء الحقيقة وتسجيل شهادة أمينة لصالح السينما الفرنسية من باب التوثيق باعتبار المؤشرات السابقة في الأرقام من الدلائل القوية لإثبات التفوق الصناعي والتقني والإبداعي للفيلم الفرنسي في نُسخه الجديدة والمتطورة.
ويذكر صلاح هاشم ضمن ما يذكر في كتابه البحثي المهم أن فرنسا احتضنت المخرج الهولندي الكبير جوزيز ايفانز والمخرج الأسباني لوي بونويل مؤكداً على أن باريس العاصمة احتوت أشهر المواهب والكفاءات الفنية وسمحت لهم بفرص ثمينة للإبداع والتألق داخل المحيط السينمائي. ولم ينس هاشم أن يشير إلى ريادة فرنسا في صناعة السينما ودورها المهم في خلق اتجاهات معينة كاتجاه الواقعية الشاعرية في ثلاثينيات القرن الماضي وتيار الموجة الجديدة في الخمسينيات مُتمثلاً في تروفو وغودار وشابرول وغيرهم، وكذلك تيار الموجة الحديثة في التسعينيات لروشان وكازوفيتش وباسكال فيران.
وتعد هذه هي آخر الموجات والتيارات في السينما الفرنسية، حيث لا وجود الآن لما يُسمى بالاتجاه أو التيار، ذلك أن لكل فيلم وكل مخرج أسلوبه الإبداعي غير المرتبط بمدرسة أو تيار أو اتجاه معين نظراً لمساحات الحرية المتوافرة والقضايا المتعددة والمنطلقات المختلفة والتي تؤدي إلى حدوث زخم وتطور تلقائي في المنظور والشكل والمفهوم الضمني.
ولعل أهم ما يميز السينما الفرنسية أنها تستقل في موضوعاتها عن سُلطة المنتج، فمن يحدد هوية الفيلم هو المخرج المؤلف الذي يتولى صياغة الفكرة والصورة بمعزل عن ضغوط رأس المال كما هو متبع في السينما الأمريكية وفق ما أشرنا إليه سلفاً، غير أن السينما الفرنسية تتميز أيضاً بعنايتها بالحركة والصورة وتفاعلية الجمهور الذي يؤمن بدورها في التغيير، كما يؤمن إيماناً راسخاً بأهميتها في نقل الواقع الاجتماعي وطرح القضايا الوطنية باعتبارها انعكاسا للاشتباك السياسي.
وتُبرز الدراسة النقدية للناقد صلاح هاشم على مستوى آخر دور الأفلام الوثائقية في إحداث التغيير المطلوب لنماء المجتمعات الفقيرة، وهو ما اهتم به الإخوة لوميير في رصدهم لحركة العمال في قرية لاسوكات بالجنوب الفرنسي، كما ظهرت أفلام وثائقية على قدر من الأهمية طرحت صوراً تاريخية لأهم الأماكن والمعالم الأثرية في مصر وتونس ومناطق أخرى من العالم، ولا تزال هذه الأفلام تمثل شهادات ووثائق تساعد العلماء والمؤرخين على قراءة التاريخ وتفسيره تفسيراً دقيقاً وهو محل الاعتبار الرئيسي لخريطة السينما الفرنسية وتميزها وانفرادها بالمضمون الجوهري البناء في مغايرة واضحة وصريحة للسينما الأمريكية بإبهارها وسطوتها وغرورها.
كمال القاضي

كمال القاضي كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في القاهرة.مصر
***
عن جريدة ” القدس العربي ” بتاريخ 23 يناير 2021
admin افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد 0


فيلم ” البحث عن رفاعة “
البطاقة الفنية
فيلم وثائقي طويل. سنة الانتاج 2008. مدة العرض 62 دقيقة.سيناريو وإخراج صلاح هاشم.تصوير ومونتاج: سامي لمع وصلاح هاشم. إنتاج : مجموعة نجاح كرم للخدمات الاعلامية.المنتج المنفذ: نجاح كرم.
ملخص الفيلم : يحكي الفيلم، من خلال رحلة بين باريس فرنسا، والقاهرة مصر، مرورا بأسيوط وطهطا في الصعيد، عن «ذاكرة» رائد نهضة مصر الحديثة رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873م) التربوية والتعليمية ، الذي يلخص مشواره الثقافي والعلمي، قصة مصر في قرنين، ويفتش الفيلم، عما تبقى من أفكاره وتعاليمه، التي جلبها الى مصر ،من رحلته إلى باريس عام 1826 إ، حين سافر مع أول بعثة تعليمية، أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا، لدراسة مصر الحديثة، وخروجها من جاهلية العصور الوسطى ، إلى نور الحداثة. كما يطرح الفيلم سؤالا: ترى إلى أي حد، استفادت مصر من تجربة الطهطاوي، التي كانت بمثابة ثورة فكرية تنويرية أصيلة.
كان العرض الأول للفيلم في جامعة لندن.قسم الدراسات الشرقية، بدعوة من الأستاذ د.صبري حافظ يوم 9 حزيران/يونيو 2008 .
وقبل أن ينطلق الفيلم في مابعد للعرض في عدد كبير المهرجانات السينمائية والمراكز الثقافية العربية والعالمية: مثل ” كرافان السينما العربية الأوروبية في الأردن، وسينما “الاتوال” في ضاحية لاكورنف باريس( بحضور السيدة ماجدة رفاعة، حفيدة الطهطاوي) ومتحف ” موسم ” – MUCEM- متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية في مارسيليا، في إطار إحتفالية بعنوان (” الطهطاوي.مونتسكيو العرب ” يوم 12 سبتمبر 2013، كما عرض في المعهد الفرنسي – المنيرة، وفي أوبرا الأسكندرية ، ومركز الثقافة السينمائية في القاهرة وفي كل المراكز الثقافية التابعة لصندوق التنمية الثقافية في مصر ومسرح الهناجر وغيرها
***

فيلم ” البحث عن رفاعة ” لماذا ؟
سألني البعض عن فيلمي الوثائقي الطويل -65 دقيقة- بعنوان“البحث عن رفاعة” الذي يعتبر كما كتب بعض النقاد في تقييمهم للفيلم أنه : ” ..أول فيلم وثائقي مصري، يتناول بإسلوب سينمائي متميز، وغير تقليدي، مسيرة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873)” رائد نهضة مصر الحديثة، وينبّه بشكل غير مباشر، ومنذ عام 2008، تاريخ صنعه،ينبه إلى خطورة التيارات الدينية المتطرفة الفاشية،وصعودها واستفحالها في عهد الرئيس مبارك، وهويعرض لـ”أفكار” الطهطاوي الكبرى في الحكم والإدارة، والحرية والثقافة، والمرأة والتربية، لجيل المستقبل في مصر، مؤكداً ..على أن رحلة الطهطاوي، مازالت ابنة الحاضر، ولم تنته بعد.” ..
حسنا. لم يكن هدفي كمخرج،عندما إنتهيت عام 2008 مع مدير التصوير اللبناني سامي لمع، والاعلامية الكويتية نجاح كرم،من صناعة فيلمي الوثائقي الطويل ” البحث عن رفاعة ” عن رائد نهضة مصر الحديثة رفاعة رافع الطهطاوي- ـأو كما أطلق عليه الفرنسيون ” مونتسكيو العرب” وذلك في تظاهرة بإسمه، عقدت في متحف” موسم “- MUCEM – متحف الحضارات الأوروبية والمتوسطية في مارسيليا وعرض فيها الفيلم.لم يكن هدفي أن أضيف شيئا جديدا،الى السيرة الذاتية لجدنا الأكبر الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، رائد نهضة مصر الحديثة، و جد كل المثقفين المصريين التنويرين، أو أن أحكي عن حياته.. فقد كان هناك، عشرات من الكتب والدراسات والمقالات، بالعربية والانجليزية والفرنسية، قد كتبت عنه..
مثل كتاب” رفاعة الطهطاوي. رائد فكر، وإمام نهضة ” تأليف دكتور حسين فوزي النجار، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2008 ، وكتاب ” رفاعة الطهطاوي. رائد التنوير في العصر الحديث ” للدكتور محمد عمارة الصادر عن دار الشروق 1988 في طبعة ثانية، وكتاب ” عودة رفاعة الطهطاوي” للدكتور أنور لوقا الصادر عن دار المعارف في سوسة .تونس، كما صدر كتاب بالفرنسية بعنوان ” أبناء رفاعة “- LES ENFANTS DE RIFAA – للمفكر والفيلسوف اليميني الفرنسي جي سورمان، عن دار نشر فايار في باريس وغيرها، وكنت التهمتها أو وأتيت على أغلبها، قبل الاعداد لتصوير الفيلم في مصر عام 2008 ، ومن دون ” خطة سيناريو محددة “أو الحصول على تصاريح تصوير من الجهات الحكومية المعتمدة..

عملية ” البحث “
بل كان الهدف من “صناعة رفاعة” –كما هو مكتوب في بوستر ” ملصق” الفيلم، هو تصوير عملية ” البحث ” ذاتها، التي تمثل جوهر وعصب الفيلم..ومايكتنف هذه العملية،من إستكشاف.. لماضينا.. وذاكرتنا.. تاريخنا وحاضرنا، وأهم من ذلك كله. أن عملية البحث هذه، كانت تعني بالنسبة الي، بعد ان سافرت للدراسة عام 1970 الى أوروبا. وكنت قرأت كتاب الطهطاوي ” تلخيص الإبريز في تلخيص باريز” أثناء فترة الدراسة في الجامعة- قسم انجليزي آداب القاهرة – في فترة الستينيات المتوهجة ثقافيا وفكريا، وكانت من أخصب الفترات الثقافية، التي عاشتها مصر- فترة ” التلقين الثقافي ” عن جدارة لجيلنا، جيل كتّاب الستينيات في مصر، كما يصفها الأديب الشاعر و الروائي محمد ناجي، في فيلمي الوثائقي الطويل الخامس ” حكايات الغياب “- ترى لماذا لانقيم احتفالية فنية وأدبية وثقافية في مص،ر للتعريف بتلك الفترة وابداعاتها المتوهجة في الأدب والسينما والمسرح والقصة القصيرة، هكذا فكرت وأنا أكتب عن ” البحث عن رفاعة ” لماذا – لكن هذه قصة أخرى..

الى كل زهرة لوتس مسافرة
وكانت عملية البحث، تمثل بالنسبة الي ” عودة ” الى المكان الذي إنطلقت منه،أي مصر، لإعادة إستكشافه من جديد، وكأني أتطلع اليه للمرة الأولى.أتطلع الى ترابه وأرضه، وأهله ونيله، وسمائه وأشجاره وناسه، وأنا أعب من جماله- أثناء رحلة البحث- هذه، وأختلط فيه،بعد طول تجوال وترحال ،بالحشد الإنساني،لأعانق فيه وبعد طول غياب ..كل الكائنات والموجودات..
( ..كنت كتبت الى صديقي مدير التصوير اللبناني الفنان الكبير سامي لمع الذي يعيش في كوبنهاجن . الدانمرك بهذا الشأن- الشروع في عمل فيلم عن رفاعة، وكنت حدثته كثيرا عن مصر لسنوات طويلة، منذ ان التقينا في مزارع العنب في فرنسا عام 1970، ولم يكن زارها من قبل، فتحمس سامي كثيرا لخوض مغامرة صنع الفيلم معي، وبخاصة عندما عرف، من رسالتي اليه، من من هو الطهطاوي هذا، الذي أريد أن أوثق لحياته وذاكرته في فيلم، ووجدها فرصة رائعة، لزيارة “أم الدنيا”، وقام بشراء كاميرا جديدة وحضر الى مصر. )..
كان الهدف بعد أن درست السينما والأدب الإنجليزي وموسيقى الجازفي ” جامعة فانسان” الشهيرة في باريس، طرح سؤال السينما أيضا ،وبخاصة السينما الوثائقية من خلال الفيلم، وكيف يمكن توظيف إمكانياتها الهائلة، لخدمة قضايا التقدم والتحرروالهوية والوعي بالتراث، وتوظيفها كأداة للتأمل والتفكير في واقع مجتمعاتنا الإنسانية، وأن أغطّس وأغرّق رؤؤس الناس في بحر توهج الحياة في مصر والنهل من بهجتها..
فلم يكن السؤال عن رفاعة – سؤال التطور والتقدم، والى أين تتجه مصر- رايحة على فين ؟ يخص رفاعة وحده، بل يخص أيضا كل من التقيتهم في رحلة البحث عن رفاعة، وكل زهرة لوتس مصرية مسافرة، أو مهاجرة، قبل أن تودع الوادي، وتلقي نظرة أخيرة على النيل..
كان الطهطاوي هوعنوان الفيلم في الخارج، لكن لم يكن الطهطاوي هو بطل الفيلم، بل كان البطل هو “رحلة البحث” عن شخصه، والتفتيش في عوالمه، وكوكبه الفريد. والنظر الى عملية ” التحول” هذه التي مربها ،للتأمل من جديد في أفكاره بخصوص التعليم والثقافة والتقدم والنهضة.وكانت “عملية البحث”هذه هي همي الرئيسي، الذي أردت من خلاله، أن أوثق للواقع المصري العياني المعاش، في تلك السنوات، الجد عصيبة،التي مرت بها مصر والعالم..
مثل حرب أمريكاعلى العراق،وتصاعد وتعاظم سطوة الاعلام الوهابي الارهابي السلفي الفاشي وسيطرته على الاعلام العربي في أغلبه، ومن دون أن يغيب عن بالي ابدا،الإمساك بتوهج الحياة في مصر،بألفة الناس المصريين الطيبين، رغم قسوة وبشاعة الألم وظلم الواقع، في السنوات الأخيرة لحكم نظام الرئيس مبارك العسكري الاستبدادي، وقبل أن تطيح به ثورة 25 يناير 2011..وتسقط حكمه..
ولم يكن يهمني مطلقا حين شرعت في تصوير الفيلم ،أن يخرج أويكون في نهاية المطاف، فيلما من أفلام “سينما المؤلف “. فيلم ” شخصي”، عن ابن بطوطة جديد، من حينا العريق ” قلعة الكبش ” في السيدة زينب، وليس عن رفاعة..
فقد كان لدي قناعة بأن رفاعة، لو كان في مكاني، في وقت تصوير الفيلم، لكان طرح على نفسه من فرط حبه لوطنه مصر، ذات التساؤلات التي طرحتها في فيلمي. كنت أشعر، بأن الحافز لصنع الفيلم، الإشارة الى ، والتنبيه بحقيقة، لايمكن أن تكون اخطأتها عين..
حقيقة أن الظروف التي عاشتها مجتمعاتنا العربية، وبخاصة في مصر، خلال العشر سنوات السابقة على صناعة الفيلم، كانت تشهد انحسارا مروعا على مستوى التعليم،والثقافة والصحة والأخلاق والضمير الإنساني الصاحي، وتدهور الحياة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا بشكل عام..
” ثلاثية ” البحث عن رفاعة
،وأن كل المكاسب التي كانت تحققت – المزيد من الحريات الشخصية – وعلى كافة المستويات – مثل ” مجانية التعليم ” بسبب نضالات سابقة، كانت قد تأممت، أو دخلت المتاحف.ولذا كان الهدف من صناعة فيلم ” البحث عن رفاعة ” أول تجربة سينمائية لي كناقد – بعد تجربة فيلم الوثائقي الطويل الأول ” كلام العيون ” الذي أخرجته عام 1976 ( بالتعاون مع سمير محمود ومحمد توفيق) أثناء دراستي للسينما في جامعة فانسان، هو “تحريك الساكن”، والخروج من تلك ” الغيبوبة ” الفكرية التي كنا نعيشها، وعزلتنا كأمة وشعب. وطرح سؤال رفاعة، سؤال التطور والتقدم.وقد كان اقصى وجل طموحاتي – وبخاصة في هذا الجزء الأول من الثلاثية،” ثلاثية البحث عن رفاعة” كما أردتها وتمثلتها وهضمتها، خلال أكثر من عشر سنوات..
بحيث يكون الجزء الأول، عن الأفكار التي جلبها معه الطهطاوي من فرنسا، ويكون الجزء الثاني، بعنوان ” ذهب باريس” ،عن الخمس سنوات، التي تعلم فيها في فرنسا وقضاها هناك ،ليكون أول ” عين ” مصرية تشاهد حضارة الغرب ،وتتأمل في علاقة الحاكم بالمحكومين، وتتعرف على معاني ” المواطنة ” ودلالاتها العميقة في الدولة العلمانية، وحقوق الأفراد..
ولم يكن غريبا وقتها من هذه الزاوية، أن يقوم الطهطاوي بترجمة الدستور الفرنسي، وعلى أساس أن يتكرس الجزء الثالث من ” الثلاثية” بعنوان ” المنفى “لحال الطهطهطاوي عند عودته الى مصر، والانجازات التي حققها، في عهد الوالي محمد علي، ثم ماجري من نفي الطهطاوي الى السودان، عندما صعد الخديو عباس الى عرش مصر..
كان أقصى وأجل طموحاتي: “إثارة الفضول” فقط ،في كل مايتعلق بشخصية رائد فكر وإمام نهضة، رفاعة رافع الطهطاوي. والتحفيز على قراءة أعماله، أو حتى تصفح فقط رائعته ” المرشد الأمين في تربية البنات والبنين ” وأرجو أن أكون وفقت.
صلاح هاشم*
باريس.فرنسا. في 22 نوفمبر 2020
صلاح هاشم مصطفى *
كاتب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس.فرنسا. من مواليد 12 نوفمبر. قلعة الكبش.السيدة زينب.القاهرة. من “جيل الستينيات” في مصر. مؤلف مجموعة كبيرة من الكتب في السينما، والقصة القصيرة، والهجرة، وأدب الرحلات، من ضمنها كتاب ” الحصان الأبيض ” قصص قصيرة، و” الوطن الآخر .سندباديات مع المهاجرين العرب في أوروبا وأمريكا ” و ” السينما العربية خارج الحدود” وغيرها. ومخرج عدة أفلام وثائقية طويلة وقصيرة، من ضمنها فيلم ” كلام العيون “، و ” البحث عن رفاعة”، و ” وكأنهم كانوا سينمائيين . شهادات على سينما وعصر ” ، و” أول خطوة “، وغيرها. شارك كناقد سينمائي مصري في العديد من لجان تحكيم المهرجانات السينمائية العالمية مثل مهرجان ” كان “السينمائي – لجنة تحكيم الكاميرا الذهبية ، ومهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية – لجنة تحكيم النقاد – ومهرجان الفيلم الفني في براتسلافا – لجنة التحكيم الرسمية – ومهرجان القاهرة السينمائي – لجنة تحكيم الفبريسي وغيرها، كما حاضر عن السينما المصرية تاريخها وذاكرتها وتراثها السينمائي العريق في باريس وميلانو وجربة.تونس وغيرها. مؤسس موقع ” سينما إيزيس – ” الذي يعني بـ ” فكر ” السينما المعاصرة وفنون الصورة – عام 2005 في باريس، ومهرجان ” جاز وأفلام ” في مصر عام 2015.
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, نزهة الناقد 0





admin رئيسية, كل جديد, مختارات سينما ازيس 0

ما إسمك يا…
لا..لا أقصد ما دار في ذهنك!
دعنا نتخيل، ونتصاحب في وئام، بلا رَفَسْ أو عداء.
لماذا أنت دائما أَبْكَم صامت!
لا ترمح أو تبرطع تتَرَوَّح بلا نهيق، في سكون السماء ترفرف وتلعن في رغاوة فمك، تائه الذهن في صمتك ، شريد لا تعرف ما أمامك، ومن خلفك، وليس لك قول فم، أو إِختيار.
هل ثقلت الأحمال والإحتمال من بردعة الألسنة، ونعيق ٱلامك تزعج الأسماع.
تبلَّدَ ذهنك في مطلع ، وكأن سوط صاحبك، يلهب بغدر كُرْباج على ظهرك
أم أنت أبَكم ، أو خائف من ركز اللجام ووغز الأنياب.
أفصح وتكلم، لا تَكتّم هزات الجزع والتَّكَتم ونخز الأقدام ،خلف كمامة فوق فمك.
ولم يعد هناك معك، رغما عن أنفك أي صاحب أو ٱمان، في هذا الزمان.
هل فقدت السيطرة على غريزة الإحساس!؟
ولا تظهر حتى معالم الحزن على وجهك.!
مسكين يا صاحب الهمم والأحمال، ذبحوك في جنون وشهوة اللذات، من غباوة البطون ،أكلات شهية باعوا لحمك.
إندلعت حولك حماقة الفكاهات، وحملوك أكياس بقاياهم والسباخ، وحزمة “برسيم” هدية مجانية، تعلق في مقطف أذناك.
أخفوا عينيك بغمامات جلدية. لامعة لكي لا ترى عورة وهشاشة أعوادهم، ولا تسير عكس الإتجاه.
حالتك النفسيه تحزن كل الأشقاء، أنفاس حوافرهم مثلك خرساء.
طوب الأرض يتكلم فى حقك، من يساوى ومن لا يساوى يتندر بك..
“جحا” استخدمك بحرفية ،تَسَلَّى في دُعَابَات عَبَثبة بحكمة وسخرية، ولمحات ذكية،وبراعة وبلاغة فكاهية، تلاعب بالأذهان .

وأنت ترفض وترقص وترفص، وتحب وتكره، وتتلاعب بعقول البشرية.
تعديت كل المقاييس الزمنية، تمرغت مع حضارات زراعية، ومن باطن الغابات إلى أعالي الجبال، ودخلت موسوعة عالم التخبط والشقاء.
فضائلك في وداعة البقرة، مُتَجالِد مُتَحَمِّل في صَلاَبَة البغل، وطَاقَةالنمر، وذكاء يقارب أخاك.!!
دخلت خيال الأدباء وخلدتك أبيات الشعراء، كتبها “خوان رامون خيمينيث” عن حياة وموت الحمار بلاتيرو. “أنا والحمار”
و”احمد شوقي” لم ينساك. وأنشد فيك أبيات خلدت ذكراك.
“سقط الحمار من السفينة في الدجى.
فبكى الرفاق لفقده وترحموا.”
ياسعيد الحظ والأضواء العالميه، إصطحبك “توفيق الحكيم”، في حالة من الغمزات الدلالية، إصطحبك خلف ستائر المعاني “حمار الحكيم” يروي فيها صداقته معك، أحاديث وحكم، أبلغ من كلامه مع لغة وألفة البشر.
والأدباء والشعراء والمفكرين والفنانين، تجمعوا في ندوات ومؤتمرات ومحاورات، وأعضاء جمعيات، في بطاقات تحمل إسمك.
أساطير وأحمال، تجرها حوافر أقدامك، بلا أنيننَ أو نحِيب، تؤانس شغف بني الإنسان بلا تذمر ، من تباب الصين، إلى إله الخمر في اليونان، و جولات خرافية في القارة الهندية، وفي الكتابات السومرية نقشوا إسمك، قبل بداية الأعوام. تغلبت يا …. على شهرة فصاحة وهندام ورشاقة الحصان.
منبعك من الأرض الطيبة الأفريقية، و في البرديات المصرية، قصة جنون وغيرة “ست” في حالة حقد وغيظ قتل أخاه، واستولى على الأختام . شاهدت بعينك كل ما كان.
وإله الشر رأى صمتك، أو غفلة رؤيتك والإهتمام، وضعك في خبث وسخرية في مثابة الآلهة.
عاصرت خصامات وحروب بينه وبين “أوزوريس” سنوات تأكل سنوات، وأنت تتساءل في براءة أو طرشان، يابطل زمانك وأيامك، خدعك مكر الكهان، وألبسوك صولجان الخلود، على جدران المعابد الفرعونية، رسموك ” ياحمار” رمز الإله “ست” وانت طَائِش غير دريان.
تنهق وتبرطع، من مواء القطة الناطقة من حولك، وفي لسانها قطعة من لحم ودم، “أوزوريس”.
هربت وتواريت خلف ضربات النعال.

وبفطنة “إيزيس” جمعت الأشلاء، وعادت الروح التائهة الشاردة في الفضاء.
مراتع حكاياتك غرائب وعجائب، منذ بداية التاريخ روايات بكل اللغات، عِبْرَة وإرْشَاد، أو شطحات جنوح الفكر والخيال.
تنظر كل الحيوانات إلى جوف صمتك متعجبة من شأنك.
وأنت لا تدري كيف اصبحت نجم النجوم وقصص عبثية يعشقها الاطفال.
وفي بلاد العم “سام” رفرفت الأعلام تَهَلَّلَت الألسنة وأصبحت ياصاحب هَزَّة ذيلك تلهب العقول في نشوة الانتصار.
ياجمالك في دلالك، سحر قامتك نقشت على الأعلام.
صوت نعيقك صرع وأخفق “الفيل الابيض” وطرده من بيت العزوة شر طردة. يغرد لنفسه عنيد متمرد خارج السرداق. لم يعجبه الحمار تعلق بالبردعة،وترك المولد غضبان.
وأصبحت يا… متوج في أعلى مقام. وفزت بالورقة الذهبية في طاولة الصراع على مائدة القمار.
الكل من حولك، أذكياء بلا بردعة أوغطاء، وأنت تحمل ذكريات وحكايات نائمة في غرف ممرات الدسائس واللعب بالنار.
ساهر الليل يا حامل المشقة والشقاء، مكتوف الفكر والعينان، خلف أسوار الدار، تتمعن وتنصت في تكهن، ما لا يقال أو يدار، خلف الجدران.
وصاحبك في حالة نزق خِفَّة ورُعونَة، مع رنات الخلخال سهران.
لا تذهب ولا تعود إلى الوراء. كلنا اصبحنا مثلك نمضع حسرتنا، ونزهو بألوان الكمامات نختال في عروض الأزياء ونترنخ بلا سيقان.
نتجادل في كبرياء، وأفواهنا تلعق وَسْوَاس الخوف خرساء.
ظلمك الزمان، ووعكات حوافر الإنسان، فوق وسادة حملك وضياع حلمك، أن تكون لك شأن أو جاه.
دعني ياصاحبي أقترب منك، وأمسح دمعة حزينة حبيسة الأنفاس، تتمدد بذهنك
لماذا توقفت الآن!؟ وإلى أين أنت ذاهب؟
شارد الذهن، تنظر إلى عنان الفضاء سابح في السماء، وكأنك تبصر من عيون “زرقاء اليمامة” أمام فوهة الظلام.
تذكر أحلام مسيرة السنين، في لحظة ندم وعتاب على ما فات، كلنا في الهواء أسوياء.
أنا أعرف كيف صَمَتَت الألسنة، وتناسوا أفضالك وحملك، ونهبوا ونهشوا لحمك. مثلك مثل غيرك !
لا أستطيع أن أخبرك عن علة النسيان عند بني الإنسان، ربما قسوة اللجام ألجمت اللسان..!
نحن كنا معك في مَرْتَعك نراقب المباراة، ونثرثر في حالة التوهان، أفواه وحناجر تلتهم بنهم وشهية الذئاب وتتنطع في كذب ورياء. ترفس بحَوافِرها الضعفاء.
تركتك تركض وراء سراب الماضي وحدك، تمضغ في نفسك علف الجبناء.
.لا ملمس ناعم هَنِيء في وجهك، حيرة الدَهْشَة والعصيان، فضحت عناد رأسك، وأظافر الغوغاء لكمات نهشت جلدك.
لسان حالي من حالك، ياصاحب كلينا لا ننظر إلى الوراء. توارى الخطأ في سترة الصواب. والقى الأحمال
. والقى الأحمال على ظهور الدواب.
نتَحَلَّى من عصارة ومرارة الصَّبَّار.
دارت تجاعيد الأيام، ولا تظهر معالم الأمان.
لا أعرف ماذا أنصحك..!
كيف تتزين وتتلون بتَبَهْرَج الثَّعَالِب، قبل وجبة عشاء، تتنافس مع الغزلان، ولمعان شهوة خفية بألف وجه ولسان.
وتشارك في غواية رقصات شيطان، دائر حيران، تَجَمَّل في فَرْوَة الحملان .
وأنت ياصاحب! كيف صَمَتَ الزمن خلفك وأنت على صامت على هذا الحال.

منذ بداية مشوار دنيا الأحياء وأنت تسأل خطاك في هوس الاحلام، هل يتغير القدر وتتبدل الأسماء، وتمسك أنت بحبل البشر، وسطوة اللجام.؟
غريب أيها الحيوان..!
أنت دائما في ترحال إلي الأمام. تملك دفة الزمام، تقود الموكب وصاحب السوط خلفك، في حالة إسترخاء وكبرياء، ينهق لو توقفت تلتقط الأنفاس. ويصرخ كأنك أنت الملام.
تنظر إلى قوس الأمان والأمل تريد أن تعبر حاجز الزمان. وتفهم حقيقة وجودك مع الكائن الناطق.
من منكم يفهم الآ خر ياترى ؟
، كلاكما حيران.
لا تفهم ما يقول، ولا يسمعك غير صراخ الطرشان، وأنت سائر مع قدرك وقدري وقدر كل إنسان.!
من يمتلك القدرة والتحمل وصبرك يا…حمار الحكمة، وحامل لقب بطولة الأثقال.
فكري عياد . لندن

فكري عيّاد فنان تشكيلي مصري مقيم في لندن.المملكة المتحدة








admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0
.. ورحل المثقف الرفيع، متعدد المواهب، شفيع شلبي، الذي أفنى عمره في الدعوة الى “تحرير العقل”، وتبنى بمفرده إنتاج موسوعة “أعلام مصر في القرن العشرين”، عبر المركز العربي للافلام الوثائفية، الذي يملكه، وحاور من خلالها : المعماري الكبير حسن فتحي، والأدباء المفكرين والفلاسفة : د. لويس عوض، نجيب محفوظ، د.يوسف إدريس، ود.زكي نجيب محمود .. وغيرهم، كما عاش حياته يدعو إلي مجابهة مختلف التحديات، بالمشاركة في تأسيس “الدولة”، وهو الأمر الذي يتأتى، في رأيه، ببناء مؤسساتنا الشعبية، من نقابات دستورية عصرية مستقبلية، و جمعيات شعبية فاعلة، و اتحادات قوية مؤثرة، باعتبارها لبنات تأسيس دولة الشعب المصري العظيم.

شفيع شلبي دفع ثمن حبه لوطنه
شفيع شلبي “حكاية” شاءت الظروف أن أتعرف عليها، بعد ما وضعتني في طريقه، وعملت معه، كما شهدت لحظة تأسيس المركز العربي للأفلام الوثائقية، ومن ثم تعرفت عليه عن قرب . وربما تتيح لي الأيام المقبلة الحديث عنه باستفاضة ..تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته وألهم زوجته السيدة الفاضلة سمية الشناوى ونجله الوحيد شادي وشقيقه الإذاعي عُمر وعائلته الصبر والسلوان
شفيع شلبي هو تاريخ من الدأب؛ سواء على صعيد عمله في الإذاعة ( شفيع شلبي في كل مكان / صور بالراديو وبرنامج قدمه عبر إذاعة وادي النيل اختار لمقدمته موسيقى محمد فوزي في أغنيته “بلدي أحببتك يا بلدي”..وغيرها) والتليفزيون (سينما في علب /الشارع المصري/ البيت العريشي (ضمن حلقات جاب فيها سيناء من شمالها إلي جنوبها بعد التحريرمباشرة) ..وغيرها ، فمن خلال برنامج “سينما في علب”، الذي استوعبته الخريطة طوال الفترة من عام 1976، وحتي بداية سبتمبر عام 1981، قدم مايقرب من ألف فيلم، ما بين “سينما المؤلف”، والسينما بشكلها التقليدي، والسينما التجريبية، والكثير من تجارب المخرجين الشبان وقتها، مثل خيري بشارة، و محمد خان، و غيرهما. ومن خلال برنامجه “الشارع المصري”، قدم مجموعة من الحلقات كانت بمثابة حجر أساس العمل الوثائقي، بمعناه المحبب للمشاهد بعيداً عن أفلام المساجد، التي كانت شائعة وقتها، كأنموذج للفيلم التسجيلي، اذ تناول من خلالها تاريخ القاهرة القديمة، والاسلامية، مثل شارع محمد علي والقلعة، والمعز لدين الله الفاطمي، وشكل الموالد في تلك الفترة، وطرز وعمارة الشارع المصري . وللأسف تعرض لظلم شديد. ولم يلتفت أحد لمشروعه الثقافي التنويري الكبير، مثلما لم يستفد الإعلام المصري من قدراته، كمبدع شامل، واعلامي موهوب، ومثقف موسوعي، وحتي عندما أغلقت الابواب في وجهه واتجه للعمل الخاص، قام بتدشين المركز العربي للأفلام الوثائقية، الذي امتلك من خلاله تراثاً من الحوارات، نجح عبرها في أن يصون ذاكرة الثقافة المصرية، وأمسك بما لم يعد ممكناً الإمساك به، بأكثر مما فعلت “الدولة” نفسها .
فهل تتحرك وزارة الدولة للاعلام للحصول على هذا “الكنز الوثائقي”، بعد الرجوع الي عائلته، من أجل دعم مكتبة التليفزيون، خصوصاً أنه كان مذيعاً باتحاد الاذاعة والتليفزيون، وابناً للاعلام المصري، قبل احالته للتقاعد، وهو في ريعان شبابه .. وأجمل سنوات نضجه وعطائه ! .

“شفيع” الذي عرفته
الزمان : مطلع الثمانينيّات من القرن الماضي .. المكان : إشارة مرور بشارع رمسيس .. الحدث : سيارة 128تقف بجوار السيارة اللادا، التي استقلها بجوار مالكها صديقي ورفيق صباي، وفجأة يطل من ال 128بوجهه الطفولي الجميل :”انت فين ؟” فأرد عليه :”عايش في الدنيا”. وبحدسه استشعر أن لدي ما يكفيني، ورغم هذا سألني :”بتعمل ايه يعني ؟” فأجبته :”خلصت الجيش، واشتغلت في السياحة بأسوان، لكنني تركت الشغل، وعدت للقاهرة”. ومع تحول إشارة المرور إلى اللون الأخضر أملى عليّ رقم هاتفه (الأرضي طبعاً)، وودعني قائلاً :”كلمني ضروري” !

هكذا كان اللقاء والإذاعي، كما كان يحب أن يُطلق عليه، شفيع شلبي، الذي ترجع علاقتي به إلى منتصف السبعينيات، من القرن الماضي، عندما كنت أدرس بكلية الألسن، وكان يزوروني في الشقة، التي استأجرناها أنا وشقيقي، الذي كان يدرس بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، وكثيراً ما تناقشنا في برامجه، ثم كان له الفضل في انضمامي إلى جمعية الفيلم، التي كانت تشترط لقبول العضوية، أن يزكيك أحد أعضائها القدامى، وتولى هو المهمة، وبانتهاء الدراسة، وحصولي على ليسانس الألسن، التحقت بالخدمة العسكرية، وجاء توزيعي في مسقط رأسي أسوان، وبانتهاء الخدمة عملت بالسياحة، لكنني لم أجد نفسي فيها، وقررت النزوح إلى القاهرة، لأجد نفسي وجهاً لوجه مع “شفيع شلبي” في إشارة المرور!
بعدها بأيام قليلة، أجريت المكالمة الهاتفية المتفق عليها بيننا، وكانت المفاجأة أن عرض عليّ العمل معه في المشروع الذي موله، ووضع حجر أساسه عام 1981، وأطلق عليه اسم “المركز العربي للإنتاج الوثائقي”، وكانت مهمتي تفريغ الشرائط التي صورها مع كبار الأدباء والمفكرين؛ مثل : د. لويس عوض، نجيب محفوظ، د. زكي نجيب محمود، شيخ المعمارين حسن فتحي ود. يوسف إدريس، وشاءت الأقدار أن أتواجد أثناء تصوير حلقة مهندس الفقراء حسن فتحي، في منزله بدرب اللبانة بحي القلعة، وحلقة د. يوسف إدريس، بمكتبه بجريدة الأهرام . كما كنت مُكلفاً بتوزيع المخاطبات، والإخطارات، على السفارات، والمؤسسات الثقافية الخاصة، التي تُعلمهم بتدشين “المركز العربي للإنتاج الوثائقي”، وطبيعة عمله.
لا أنكر أنني كنت مستمتعاً بالعمل، بدرجة كبيرة؛ إذ كنت أطمح، طوال عمري، بالتواجد في الحقل الصحفي والإعلامي، وكنت أدرك، يقيناً، أنني “دخلت كلية الألسن غلط”، وأن مكاني في كلية الإعلام، التي ضاعت مني بفارق 2, %، لكن شيء ما كان يوسوس في نفسي بأن “شفيع شلبي يحاول أن يشغل نفسه”، وأنه يُدرك أن “مكانه الصحيح على شاشة التليفزيون المصري”، وأنه “لا يصح إلا الصحيح”، غير أنه بسبب طبعه الكتوم، وقدرته على إخفاء مشاعره، وعدم الإفصاح عن قراراته؛ لاعتياده العيش في عالم خاص قوامه الحذر، واستقلالية مبكرة (جاب العالم، وهو طالب، قبل نصف قرن، ب 20 جنيهاً فقط، مُستخدماً طريقة Auto Stop ، وانفصل بحياته عن عائلته، التي تقيم في حلوان، بسن مُبكرة)، كان يُدير دولاب العمل في المركز العربي للإنتاج الوثائقي، على قدم وساق، بينما عقله مشغول بأمر ما

كانت لديه طاقة كبيرة، مصحوبة بإرادة قوية، وقدرة غير عادية على المثابرة، وبلوغ هدفه، مهما كلفه الأمر، وفِي زمن لم تكن “التكنولوجيا”، قد بلغت فيه ما بلغت من تقدم، وطفرة هائلة، كان موصولاً بأحدث التقنيات العالمية، من أجهزة تسجيل وآلات تصوير، وهواتف، يختارها صغيرة الحجم، لتسهل مهمته، في الحركة، ومواكبة أي حدث، ولم يكن يفرط بسهولة في مايملك، خصوصاً الشرائط المصورة، حتى أنه خصص غرفة بأكملها، بالمركز العربي للإنتاج الوثائقي، كمكتبة للشرائط، والوثائق المرئية، التي لم أكن أعرف، بدقة، ما جدواها ؟ وكيف يتسنى له أن يستثمرها في زمن متغير، ولاهث الإيقاع، بدرجة مذهلة، وبالطبع لم أكن أجرؤ على مفاتحته في تساؤلاتي، لعلمي أنه، سابق عصره، بحق، وأن لديه “مشروعاً” لا يوجد مخلوق يعرف تفاصيله، وأبعاده، سواه !
في تلك الفترة كنت أقيم بفندق شعبي، في شارع نجيب الريحاني، وأقطع المشوار اليومي لمقر المركز العربي للإنتاج الوثائقي، بحدائق القبة، بدراجة هوائية ملك للمركز، كنت استغلها، في غير أوقات العمل الرسمية، في الذهاب إلى دور العرض السينمائي النائية؛ مثل فندق السلام بجوار نادي الشمس، لمشاهدة أفلام مهرجان القاهرة السينمائي وقت انعقاده، فضلاً عن الندوات، والمؤتمرات، التي ينبغي التواجد فيها، لأن “الأستاذ” يقوم بتصويرها لحساب المركز، حيث كان يعمل بطريقة ال One Man Unit، ورغم أن الظروف لم تكن مواتية، في السوق الإعلامي، لكي يعمل المركز بكامل طاقته، ولأن غالبية المواد المصورة، مع رموز ثقافية، وشخصيات عامة، تدخل في سياق “مشروع مؤجل”، مختمر في ذهن “شفيع” وحده، ولا ينطبق عليها المقولة الاقتصادية “دورة رأس المال”، إلا أنه لم يحدث، مُطلقاً، أن واجه المركز أزمة، أو ارتباكاً، من أي نوع، في تسديد استحقاقاته . وربما لهذا السبب كافأت الأقدار شفيع شلبي بأن عاد للشاشة الصغيرة، بمبادرة من السيدة مديحة كمال، رئيس القناة الثانية، وكانت “هانم” بمعنى الكلمة، تتمتع بحس راق، وذوق رفيع، وربما لهذا السبب اختارت تقديم برنامج باسم “جولة الفنون”، يُلقي الضوء على حركة الفن التشكيلي، وكانت بالمناسبة زوجة للكاتب الصحفي المعروف علي حمدي الجمال . ما يعنيني هنا أن شفيع شلبي عاد لتقديم البرامج، بعد أزمة قرارات سبتمبر الشهيرة، وبعد أن جرى تجميده، والأهم أن مديحة كمال أطلقت يده، في اختيار فكرة البرنامج، الذي يقدمه على شاشة القناة الثانية، وهو ما علمته عندما جاءني ذات ليلة، ومن دون أن يبدو عليه أنه سعيد أو “طاير من الفرح”، وكان كذلك بالفعل في قرارة نفسه، وقال لي : “جهز نفسك علشان عندنا شغل في التليفزيون” .. هكذا ؟ وببساطة ! .. يالها من رصانة لم أرها في حياتي .. إنه الحلم الذي طال انتظاره يا رجل، واللحظة التي عشت من أجلها.
وربما لا يعرف الكثيرون أن “شفيع شلبي”، كان واحداً من ضحايا القرارات التي أصدرها السادات، في الثالث من سبتمبر 1981، وأوحى للرأي العام خلالها أنها استهدفت “حظر” استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية أو حزبية، و”التحفظ” على بعض الاشخاص المشاركين في «تهديد سلامة الوطن باستغلال الأحداث الجارية، وعلى أموال بعض الهيئات والمنظمات والجمعيات، وإلغاء التراخيص الممنوحة بإصدار بعض الصحف والمطبوعات مع التحفظ على أموالها ومقارها»، ولم يجرؤ على القول إن ما جرى “اعتقالات” سافرة لمعارضي اتفاقية كامب دافيد؛ فبمقتضى القرارات تم اعتقال 1536، من رموز المعارضة السياسية في مصر، كما تضمنت نقل بعض أعضاء هيئة التدريس والجامعات والمعاهد العليا، وعدد من الصحفيين والإذاعيين، الذين قامت «دلائل جدية علي أنهم مارسوا نشاطاً له تأثير ضار في تكوين الرأي العام، أو تربية الشباب أو هدد الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو سلامة الوطن»، إلي الوظائف التي يحددها الوزير المختص، وكانت النتيجة أن تقرر نقل عدد من هيئات التدريس لوزارات مختلفة؛ مثل : د.أمينة رشيد أستاذ الأدب الفرنسى بكلية الآداب جامعة القاهرة، د.عواطف عبد الرحمن الأستاذ بكلية الإعلام، د. رشدى سعيد فرج، د. لطيفة الزيات، د. عبد المحسن طه بدر، د.عبد المنعم تليمة، د.جابر عصفور، د.سيد البحراوى، د.صبرى المتولى ود.حسن حنفى، بينما تقرر نقل 67 صحفياً وإذاعياً إلى هيئة الاستعلامات، كان من بينهم شفيع عبد الرحمن شلبي، الذي احتل رقم 47 في القائمة، التي ضمت الإذاعيين الكبيرين طاهر أبو زيد وصلاح زكي، بالإضافة إلى : مقدمة البرامج الدينية كاريمان حمزة، والمخرج التليفزيوني يوسف مرزوق،

الناقد سامي السلاموني
وضمت قائمة الصحفيين : الناقد سمير فريد، الناقد سامي السلاموني، والكتاب : فهمي هويدي، مصطفى بهجت بدوي، محمد سلماوي، رفعت السعيد، امينة شفيق، لطفي الخولي، صلاح حافظ، جلال عارف، محمود عوض، محمد عودة، أحمد حمروش، صافى ناز كاظم، حسين فهمي مصطفى، شوقي عبد الحكيم، حامد زيدان، فتحى رضوان، كامل زهيري، محمد عبد القدوس، عبد الله إمام، عادل الغضبان، حسين عبد الرازق، صلاح عيسى، فريدة وأمينة النقاش، حازم هاشم، حسنين كروم، رشدي أبو الحسن وجلال العشري .ومن الشخصيات العامة ضمت القائمة : الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل، فتحي رضوان، وزير الإرشاد القومي في عهد عبد الناصر، عمر التلمسانى مرشد جماعة الإخوان المسلمين، الزعيم الوفدى فؤاد سراج الدين، عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية، وشاهندة مقلد، أبوالعلا ماضي، محمد السيد حبيب، محمد سيف الإسلام، ناجح إبراهيم، محمد حلمى مراد، حامد زيدان، أبوالعز الحريرى، عبدالغفار شكر، مصطفى بكرى، كرم زهدى، سامح عاشور، كمال أحمد، طه السماوى، الفنان على محمد أحمد الشريف، حلمى شعراوى، إسماعيل صبرى عبد الله، ، د. محمد أحمد خلف الله، جمال أسعد عبدالملك، الدكتور محمد كمال عطية الإبراشى، كما ضمت قائمة المعتقلين بعض القساوسة منهم الأنباء بنيامين والأنبا بيشوى والأنبا ويصا والأنبا بيمن، الشيخ عبد الحميد كشك، امام مسجد الملك بشارع مصر والسودان، الشيخ عبد الرشيد صقر، إمام مسجد صلاح الدين بالمنيل، الشيخ يوسف البدري، إمام مسجد في حلوان، ورئيس جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الشيخ أحمد المحلاوي إمام مسجد القائد ابراهيم بالاسكندرية، الشيخ حافظ سلامة، إمام مسجد النور بالعباسية، والشهداء بالسويس، وحلمي الجزار، طبيب وأمير أمراء الجماعات الإسلامية، المفكر القبطى د. ميلاد حنا، مع تحديد إقامة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية، وبطريرك الكرازة المرقسية بوادى النطرون، وتعيينلجنة من 5 من الأساقفة لإدارة الكنيسة، بينما هرب خيرت الشاطر والكثير من قياديي الأخوان.
الطريف أن “السادات” صنَّف المعتقلين فى خطابه، الذي ألقاه يوم 5 سبتمبر 1981، بأنهم : 469 جماعة تكفير وهجرة، 235 جماعة إسلامية، 100 تطرف دينى من الإخوان المسلمين وأعضاء جمعيات دينية إسلامية وأئمة مساجد متطرفين، 259 مثيراً للتعصب وتبادل عنف بين مسلمين ومسيحيين، 107 قيادات مسيحية متعصبة ومتطرفة، 240 مثيرا للشغب ومجرماً من أصحاب السوابق الجنائية، 57 متهما فى حوادث الزاوية الحمراء، 36 من الأحزاب (التى سماها المناهضة)، منهم 16 حزب التجمع، 7 من حزب العمل، 3 «الوفد»، إضافة إلى 12 بتهمة التخابر مع السوفييت. مؤكداً أنه اتخذ قراراته بمقتضى المادة 74 في الدستور، التي استخدمها من قبل في مواجهة انتفاضة 18 و19 يناير 1977، وتنص على : «لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستورى أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بيانا إلى الشعب ويجرى الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوما من اتخاذها».
أما الأكثر إثارة فكانت رواية الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد، التي جاء فيها : «كنت قد انتقلت إلى دار الهلال من فترة بسيطة، وأتذكر أننى كنت قد ذهبت مع السادات فى أول رحلة لى للخارج كرئيس تحرير لمجلة (المصور)، وكانت هذه الرحلة للولايات المتحدة، وفى قصر “بلير هاوس”، حيث يُقيم السادات ضيفا على إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، أفصح لنا للمرة الأولى عن الاجراءات الاستثنائية، التي يريد اتخاذها، وعندما راجعته غضب بشدة، وبعد أن خطب فى ميت أبو الكوم.. دعانا لكى نجلس إلى جواره فى بيته، (وهناك طلب من كل واحد فينا أن يكتب أسماء من يريد اعتقالهم) كما طلب منى بالتحديد أن أشن حملة صحفية ضد محمد حسنين هيكل، فقلت له يا (ريس) موسى صبرى لديه تاريخ وصراع مع هيكل، ولكنى إذا فعلت أنا ذلك فلن يصدقنى أحد. وقال لنا : اجلسوا مع النبوى إسماعيل (نائب رئس الوزراء ووزير الداخلية) لكى يتحدث كل واحد عن خصومه ليكونوا ضمن المتحفظ عليهم. وكان منصور حسن وزير الإعلام موجودا إلى جوارنا، وكان ضد التصعيد وضد عدد من الإجراءات الاستثنائية، وبعدها بأيام قليلة جرى تشكيل وزاري محدود خرج به من الوزارة ! بينما طلبوا مني في تلك الليلة أن أكتب قائمة بخصومي فى الصحافة، ولما قلت لهم : لا يوجد لى أعداء.. قال “النبوى” : لديك صحفى اسمه ماجد عطية.. اكتب اسمه، فقلت له هو محرر اقتصادى (يسارى على خفيف) ولا توجد ضغائن تجاهه. وعرفت فى هذه الليلة أن العديد من القيادات الصحفية كتبوا أسماء خصومهم الشخصيين، وكان بعضهم لا يعادى السادات أو يقصده الرئيس فى هذه الاعتقالات أو الوقف عن العمل. وقالوا فى مكتب النبوى أن عبد الله عبد البارى (رئيس مجلس إدارة الأهرام فى ذلك التوقيت) أبلغ عن العديد من الصحفيين منهم محمد سلماوى لوجود خصومة شخصية بين الاثنين وتم نقله فعليا مع غيره إلى وظيفة إدارية. أما النبوي إسماعيل فقال :«كان اجتماعا عاجلا ضم 4 أشخاص أسهموا فى اتخاذ القرارات : أنا والنائب مبارك والمشير أبو غزالة وطبعا الرئيس السادات، وجاءت مرحلة اختيار الأسماء التى اشتركت فيها جميع الأجهزة الأمنية، داخل وخارج وزارة الداخلية، وتضمنت القائمة 1536 شخصا، وكان ممكنا أن تكون أكثر من ذلك، أما المثقفون والسياسيون فلم يتعد عددهم نحو 40 أو 50 شخصا. وفي إجابته على سؤال حول ما إذا تم التأكد، وتحرى الدقة، أثناء إعداد قوائم الأسماء، قال “النبوي” : المفروض أنه فيه دقة وتحرٍّ، ولكن لا يسلم الأمر من أسماء “كده ولا كده”، ليست لها علاقة بالأمر؛ فقد تم الاعتراض على بعض الأسماء، وأنا عن نفسى اعترضت على اعتقال عمر التلمسانى والشيخ كشك وبعض السياسيين !
والحقيقة أن شفيع شلبي عاد للظهور على شاشة التليفزيون المصري، بعد سقوط قرارات سبتمبر الساداتية، وما تضمنته من اعتقالات ونقل إلى هيئة الإستعلامات، وبعض الوزارات، بناء على مبادرة من مديحة كمال، رئيس القناة الثانية أنذاك؛ حيث قدم برنامجاً جاب فيه سيناء، بشمالها وجنوبها، بعد تحريرها بالكامل، بالإضافة إلى بعض المدن المصرية مثل : دمياط وبورسعيد، التي كانت محطته الأخيرة، حيث مُنع بعدها من تقديم البرنامج، والظهور على الشاشة، بتحريض من محافظ بورسعيد، وتعليمات من سامية صادق رئيس التليفزيون آنذاك
وسبحان الله .. بعد أن كان “شفيع” أقرب إلى “طريد الشاشة”، الذي يخشى “الإعلاميون” مجرد الاقتراب من ظله، حتى لا تثور ثائرة صفوت الشريف، فيغضب، وينكل بهم؛ خصوصاً بعد ما تزعم الدعوة إلى تأسيس اتحاد الإذاعيين، حيث لم يكن يعترف بوصف “الإعلاميين”، وتوعد “الشريف” من يفكر فيه، أو يتعاطف معه، أو يدعمه، بالويل والثبور، وقال قولته الشهيرة :”على جثتي” !
عاد شفيع شلبي إلى الشاشة، بعد ما تبدلت مقولة “طريد الشاشة”، ليطارده لقب “المسنود”، الذي تحميه مديحة كمال، التي آمنت بموهبته، وأطلقت يده، وفكره، وهيأت له كافة الظروف، التي تكفل له حرية الحركة، والقرار، وامتلاك نفس الامكانات، الممنوحة للعاملين في القناة الثانية، وقطاع التليفزيون، من حجز كاميرات، وساعات مونتاج، ووقت محدد على خريطة البث، رغم أنه ليس على قوتهما، بل كان محسوباً بالمفهوم الإداري، على قوة الإذاعة، و”صوت العرب”، على وجه التحديد، وبينما انتظر الجميع أن يختار الجلوس على مقعد وثير، في استديو مُكيف الهواء، آثر “الصعب”، كعادته، وانطلق إلى محافظات مصر، يرصد هموم مواطنيها، ويشتبك مع محافظيها، بادئاً رحلة العودة إلى الشاشة بسيناء، التي كانت وقتها قد تحررت بالكامل، وجاب شمالها وجنوبها، يرصد نواقصها، وخيراتها، ويثمن الدور الوطني، والواعي، لأهلها، وينفي عنهم الشائعات المُغرضة، التي طالتهم، وبحسه التسجيلي الرصين، وميله الفطري للتوثيق، جعل حلقات البرنامج أقرب إلى الأفلام التسجيلية، التي أطلق على إحداها اسم “البيت العريشي”، وكشف النقاب من خلالها، عن أصالة وثراء وتكامل “البيت العريشي”، والبيئة السيناوية بأكملها، وفِي نهاية الرحلة، التي استعرض فيها “بانوراما” أرض الفيروز، وأطلال “ياميت”، التي كانت في الأصل قرية سيناوية، بين مدينتي رفح والعريش، احتلتها إسرائيل، بعد أن أجلت سكانها من بدو سيناء، وحولتها إلى واحدة من أكبر المستوطنات الإسرائيلية (أنشئت على شاطيء مساحته تصل إلى 200 متر)، ولم ترحل عنها، إلا بعد تدميرها بالكامل، قبل أيام من تسلم مصر سيناء رسمياً في 25 أبريل 1982. وبإنتهاء الجولة، التي ناهزت الثمانية أيام، كانت المواجهة، أو كما يسمونها في البرامج التليفزيونية، التي تزور المحافظات لتُجمل صورة المحافظ فقط، حوار السيد المحافظ، بينما هي في “العُرف الشفيع شلبي”، لحظة الصدام الوشيك، التي يحمل فيها الأمانة، التي حمله إياها البسطاء من المواطنين والأهالي، في شكل شكاوى، وأوجاع، وهموم، ويضعها في صورة أسئلة أمام محافظ الإقليم، وهو ما فعله في مواجهته مع اللواء منير شاش، وكان محافظاً لشمال سيناء (1982 -1996) ثم اللواء مجدي سليمان، وكان محافظاً لجنوب سيناء (1983- 1986). وبانتهاء الرحلة الشاقة، التي لم يترك فيها ركناً في شمال وجنوب سيناء، من دون أن يُنقب فيه

، عاد فريق البرنامج إلى القاهرة، وأذيعت الحلقات، وكان لها مردود كبير؛ كونها قدمت جانباً مجهولاً من الحياة في سيناء، كما ألقت الضوء على “السيناوية”، الذين لم نكن نعرفهم. ولعل من المناسب أن أنوه هنا، إلى أنه رغم التعب والإرهاق وساعات التصوير المضنية، في أماكن مجهولة، وصحراء مقفرة، غير المعتادة بالنسبة لأطقم البرامج التليفزيونية، التي كانت تختار التصوير في المحافظات وقتها، فإن أحداً من فريق العمل في البرنامج لم يتذمر، أو يتنمر، أو يجأر بالشكوى، بل كانت روح المرح، والدعابة، وخفة الظل، تسود الجميع، ولن أنسى ما حييت اللحظات التي وقع فيها اختيار فريق العمل، من فني الكهرباء والإضاءة، ومسجل الصوت، ومساعد الكاميرا، على أغنية “حبيت بلدي” للعمدة سيد إسماعيل، ليغنوها، والسيارة تسير بين جبال سيناء، ومنحنياتها الخطرة، بعد أن أدخلوا تعديلاً على كلماتها، وبدلاً من أن يقولوا :”حبيت بلدي .. وعشان بلدي.. أنا عاوزك تكبر يا ولدي” كان الغناء بصوت واحد، وكأنهم مٌدربين على يد سليم سحاب :”حبيت سينا .. وتراب سينا.. أنا عاوزك تكبر يا مينا”، كما استغنوا عن المقطع الذي يقول فيه عمنا سيد إسماعيل :”وأشوفك بتعمر “فيها”، وتزرع ورد في صحاريها” ليُصبح :” وأشوفك بتعمر “سينا”، وتزرع ورد في صحاريها”، وسرعان ما انضمينا إليهم، أنا ومدير التصوير ثم شاركنا بحماسة منقطعة النظير الأستاذ شفيع، الذي كان بشوشاً، ودوداً، ومتواضعاً، مع كل فريق العمل، لكنه في العمل “مايعرفش أبوه”، بعكس صورته الذهنية لدى من لم يتعامل معه، وإن كنت لا أعلم، حتى هذه اللحظة، كيف ولماذا وقع اختيار فريق العمل وقتها على هذه الأغنية لتُصبح رفيق الرحلة / المغامرة !
المهم أن الجميع، من قيادات ومسئولين وموظفين، أيقن، بعد العودة، وإذاعة حلقات البرنامج، التي كان له صداها ومردودها الكبيرين، أن مديحة كمال عرفت كيف تضع ثقتها في شخصية تتمتع بكفاءة هائلة، وقدرة كبيرة على تحمل المسئولية، ومن ثم تحرك فريق عمل البرنامج، بقيادة شفيع شلبي، الذي كان يحلو له، بالمناسبة أن يجلس في المقعد الأمامي، بجوار سائق عربة التليفزيون “دودج ڤان”، التي كان يستخدمها التليفزيون وقتها، ولم يكن يفعل هذا من باب الوجاهة، أو “البرستيج”، بل ليُكمل مهمته، كقائد للفريق، يحل المشاكل المرورية الطارئة، ويعطي للسائق الإذن بالتوقف للراحة في كافيتريا على الطريق أو التبضع من “كشك” على قارعة الطريق، ويشهد الله أنه كان سخياً، وكريماً بدرجة لا يمكن تخيلها؛ فعلى عكس المتبع في “الأوردرات”، التي تزور فيها برامج التليفزيون المحافظات، وتتحمل تلك المحافظات عبء إقامتها وإعاشتها، رفض “شفيع” أن تتحمل محافظتا شمال سيناء وجنوبها، مليماً واحداً نظير إعاشة الفريق، ولعلها المرة الأولى التي يتحمل فيها إنتاج التليفزيون النفقات كاملة، بعد ما تبين أن “شفيع” اصطحب مندوب إنتاج، ليتولى هذه المهمة، لتُصبح عادة في كل سفريات البرنامج، ليس من أجل زيادة الأعباء، كما اتهمه البعض، بل من أجل صون كرامته، وكرامة فريق البرنامج، ومن أجل الاستقلالية، التي تجعله نداً لمحافظ الإقليم الذي يزوره، وليس اليد السفلى، كما كان حال بعض المخرجين، الذين يتعامل معهم بعض المحافظين بمبدأ :”أطعم الفم تستحي العين” !
بإيجاز حط “شفيع”، وبرنامجه، الرحال في مدينة دمياط، وفور وصوله نزل إلى شوارعها، والتقى حرفييها، وناقش معهم مشاكل صناعة الأثاث، وثمن ظاهرة أن “لا أحد عاطل في دمياط”، سواء أطفالها وشبابها ورجالها أو كهولها، وتبعاً للاستراتيجية، التي وضعها للبرنامج، قام بتجميع نتائج الجولة الميدانية، ووضعها، بشفافية، أمام د. أحمد جويلي، وكان محافظ دمياط في ذلك الوقت (تولى منصبه في المدة من 1984 حتى 1991 ثم أصبح محافظاً للإسماعيلية ووزيراً للتموين والتجارة الداخلية). ومرة أخرى أذيعت حلقات البرنامج، فأسهمت بتصحيح صورة دمياط، التي تعمل ولا يعرف أهلها البطالة، وكعادته لم يركن شفيع شلبي إلى الراحة، والاستمتاع بالنجاح، لكنه شد الرحال إلى المدينة الحرة : بورسعيد، التي صور فيها، جرياً على عادته، أكثر من حلقة متنوعة، من بينها حلقة عن مخاطر صحية، وبيئية، تعرض لها سكان أحد الأحياء في بورسعيد، لكن اللواء عبد الرحمن الفرماوي، الذي كان محافظ الإقليم وقتها، استشاط غضباً بمجرد علمه بالأمر، من مندوب العلاقات العامة الذي كان يرافق فريق البرنامج، وطالب شفيع شلبي بتسليمه الشرائط المصورة، وبالطبع رفض “شفيع”، وجرت مفاوضات مكثفة، في مكتب المحافظ، الذي هدد بالتصعيد، وتشبث “شفيع” بموقفه، وقرر مغادرة بورسعيد، ربما قبل أن يُطرد منها، وتكررت المحاولات، التي استهدفت تسليم الشرائط المصورة، عند الدائرة الجمركية، وتعرض فريق البرنامج لتحرشات عدة، واجهها “شفيع” بشجاعة منقطعة النظير،

الاذاعية سامية صادق
وواصلت بعثة البرنامج طريق العودة إلى القاهرة، ولحظة وصول سيارة التليفزيون، ودخولي مع شفيع شلبي من الباب الرئيسي طلب أحد قيادات الأمن منه تسليم الشرائط المصورة في بورسعيد، ومرة أخرى تكرر الرفض القاطع، وأصر “شفيع” على أنها عهدة، وسيقوم بتسليمها إلى مكتبة التليفزيون، وأودعها خزانته في الطابق السادس إلى حين بدء عمل المكتبة، في الصباح، لكن مع إشراقة صباح اليوم التالي كانت سامية صادق، رئيس التليفزيون، قد أصدرت قرارها بإيقافه عن العمل، لتنتهي “حدوتة الشاطر شفيع” !
مجدي الطيب

مجدي الطيب كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في القاهرة.مصر
—