فلسفة الرؤية مع أسطورة سيزيف بقلم فكري عيّاد



admin Uncategorized, مختارات سينما ازيس 0



admin Uncategorized, مختارات سينما ازيس 0

عندما تم اكتشاف وتصنيع جهاز الراديو الترانزيستور عام 1955 وتصغيره ليحمل فى الجيب عام 1957، ثم تطويراته المتعددة مع شركة سونى اليابانية، حدث تغير كبير فى الاتصالات على المستوى العالمى، وصفه رئيس الوزراء الكندى ليستر بولز بيرسون 22 أبريل 1963- 20 أبريل 1968- أنه جعل العالم قرية صغيرة، وتطورت التقنيات الاتصالية إلى التلفاز الترانزيستور، وكلها كانت مداخل لتطور وصل إلى ما أطلق عليه بعضهم القرية الإلكترونية العالمية، ثم إلى ظهور عالم الإنترنت والشبكات، والهاتف المحمول حتى تحول العالم إلى ماسبق ان اطلقت عليه الغرفة الكونية، ثم إلى تحوله إلى جهاز نقال، هذا التغير التقنى أثر فى الوعى والقيم والثقافات، وكسر بعض السياجات المفروضة فى دول الجنوب التسلطية على العقل والمعلومات والأخبار نسبيا. من الهاتف المحمول، والألواح الرقمية، اصبح العالم عند أطراف الأصابع. أسهمت الثورة الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعى، فى تشبيك العالم كله، وأصبحت فى تطوراتها فائقة السرعة، تعيد تشكيل الجموع الفعلية والرقمية الغفيرة،وفى ذات الوقت تساعد على إنتاج الفرد فى المجتمعات المتخلفة فى تطورها التقنى فى جنوب العالم. كان الإعلام والصحافة والتلفاز فى القرن الماضى، أحد محركات المجتمعات الصناعية الكبرى، وأثر فى تطور علاقات الإنتاج، وشروطه والأهم فى القيم، والمعايير السلوكية، وفى تطور الثقافة، وتسليعها كجزء من أنماط الاستهلاك فى السلع والخدمات، كما حدث فى السينما الأمريكية والأوروبية، وفى صناعة الأكاذيب، والشهرة الزائفة، وأيضا فى تسليع نجوم السينما والمسرح، ورجال السياسة.
الثورة الرقمية، وفضاءاتها الحرة والمراقبة أيضا أثرت فى تطوير الصحافة، والإعلام، ثم حلت محلها على نحو تدريجى، باستثناء إدخال المواقع الرقمية للصحف الكبرى فى أمريكا، وأوروبا، وباتت حياة الأجيال الجديدة رهينة الرقمنة، وأدواتها وخطاباتها، ومواقعها على الشبكة العنكبوتية. لا شك فى أن هذا التطور التقنى فائق التطور والسرعة يمثل أحد محركات التغير الاجتماعى، وهو ليس عاملًا وحيدًا، وإنما هناك أيضا التطورات التقنية فى العلوم، والثقافة، والاقتصاد والسياسة وطبيعة النظام السياسى، لكن الجديد يتمثل فى أثر التطور الرقمى، السريع جدا فى إحداث التغير الاجتماعى فى عالمنا، بما فيها البلدان الواقعة فى دائرة التخلف الاقتصادى، والاجتماعى فى جنوب العالم، ومنها المنطقة العربية، بحيث تجاوز أثرها التربية والتعليم، والعسر الاقتصادى والاجتماعى، فى إحداث تغييرات فى منظومات القيم الاجتماعية والمعابر السلوكية، بل وفى الوعى الاجتماعى والسياسى إلى حد ما لدى الأجيال الجديدة .
من أبرز هذه التغيرات الاجتماعية، والثقافية، والمعلوماتية، هو تزايد زمن الحياة الرقمية على الحياة الفعلية التى يمارسها الفرد يوميا، خاصة مع تشكل الفرد الرقمى واللغة الرقمية، والقراءة الومضة، والتعبيرات الشذرية الوجيزة والسريعة، والأهم أثر الحياة الرقمية على المشاعر، والأحاسيس والحواس، وأشكال التعبير الرقمية، بل ونمط العلاقات الاجتماعية الفعلية داخل الأسرة، والصداقة، والمجالات الاجتماعية، التى أدت إلى تغيرات فى هذه الحياة الفعلية اليومية، وذلك على النحو التالى:
– تفكيك العلاقات الاجتماعية داخل نظام الأسرة، والعائلة الممتدة، وتحولها من التفاعل المباشر إلى التفاعل الرقمى، من خلال مواقع التواصل الاجتماعى، أو عبر الهاتف المحمول، وهو امتداد العمليات تذرى الأسرة النووية داخل المدن المريفة، بل أثر أيضا على نمط العلاقات التقليدية فى الأرياف، وإلى المزيد من استقلالية الفرد النسبية داخل الأسرة، وخارجها، مع تفاقم الضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم وأثرها على الحياة الاجتماعية اليومية.
– تحول المجاملات الاجتماعية من الواقع الفعلى إلى الواقع الرقمى، فى إقامة سرادقات العزاء الرقمية، وفى التهنئة فى الأفراح، أو النجاح فى الامتحانات العامة، أو الأعياد الدينية، أو الترقى فى الوظائف، أو العمل بعد التخرج أو البطالة، أو السفر فى إجازة، أو السفر للخارج أيا كانت أسبابه ودوافعه.
لا شك فى أن هذه التغيرات وتحولها من الإنسانى التفاعلى المباشر إلى الرقمى، تشير إلى نمو الاستقلالية الفردية عبر التفاعل والاتصال الرقمى، وهو ما أثر فى الحياة المصرية، والعربية – والكونية، بديلا عن التطورات الصناعية، وعلاقات الإنتاج الرأسمالية، والتمايز بين الوضعى والميتاوضعى فى المجال الدينى، وإنتاج الفرد فى المجتمعات الصناعية. مثل هذا لم يحدث فى مصر، والعالم العربى من قبل إلا قليلا فى مجتمعات ما قبل وما بعد الكونيالية الغربية الوقحة، فى ظل أنظمة توتاليتارية، وتسلطية من هنا تعثر ميلاد الفرد المستقل الإرادة والمشيئة، نظرا لسيطرة العلاقات التقليدية، ومورثاتها، وقيمها! جاءت تكنولوجيا الاتصال المتطورة، وأدت إلى تسريع عمليات ميلاد الفرد الرقمى، مع استمرارية القيود على حركته الفعلية!
العلاقات الرقمية أدت إلى تغيير كبير ومتنام فى قيم ومشاعر وسلوك الفرد الرقمى ومعاييره، بل فى لغته الرقمية، وتحول هذه المشاعر إلى مشاعر خشبية -إذا ساغ التعبير والوصف- أى لغة بلا مشاعر فى الحزن، والفرح، والسخرية. لغة نمطية متكررة، ومتداولة على الواقع الرقمى فى العزاء، والمشاركة فى الفرح..إلخ.
تسيطر على المشاعر الرقمية منشورات نمطية مكررة من غالب الأفراد الرقميين، وحلت بديلا عن المشاركات الاجتماعية فى العزاء، والأفراح، والمرض، دونما روابط اجتماعية تفاعلية ومباشرة. بات البديل الرقمى التواصلى هو المسيطر على مشاعر وتفكير الفرد الرقمى.
لا شك فى أن هذا التغير فى العلاقات الاجتماعية يحملُ فى أعطافه عديدا من المثالب، لكنه بات مسيطراً، والمرجح عدم تغيره، فى اللغة الساكتة، المنزوعة المشاعر والأحاسيس التى يتم تداولها على مواقع التغير الاجتماعى، واستبدال الكلمات منزوعة الأحاسيس، وبعض الصور الومضات، لتحل بديلا عن المشاركة الفعلية، بل وأثرت أيضا عليها.
أدت الثورة الرقمية إلى نمط من الاستعراضات الرقمية فى مجال الصداقة الرقمية، من خلال تحولها بديلا عن أفعال الصداقة الفعلية من اللقاءات المباشرة، والمشاركات والدعم من الصديق لأصدقائه فى الأحزان، والأفراح، والمشكلات الاجتماعية، إلى نمط من الصداقات منزوعة الروح والأحاسيس، فى ظل مسافات بين الأصدقاء فى الواقع الفعلى، وإلى محض تعبيرات خشبية على الواقع الافتراضى، أو عبر الهاتف المحمول.
ثمة تحولات، وتغيرات اجتماعية واسعة تتم عبر الحياة الرقمية، وتطوراتها فائقة السرعة على حياة الفرد الرقمى والفعلى، ولن تتغير إلا من خلال التطورات الكبرى مع الذكاء الاصطناعى التوليدى، خاصة مع الأجيال الشابة والأصغر سنا، وذلك على الرغم من تحفظات الأجيال الأكبر سنا، ونصائحها، والحكم الأخلاقية التى تبديها على الواقعين الفعلى والرقمى، ولا السياسات التعليمية والتربوية القديمة، ولا منشورات النوستالجيا لما يطلق عليه الزمن الجميل، وغيرها الأوصاف التى غادرتها معانيها وسياقاتها التاريخية. عالمنا يتحول نحو قطيعة مع علاقات الماضى ومحمولاته وقيمه وسلوكياته.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

تبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر مصري تنويري ومستشار مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية
**
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ الخميس 24 أغسطس 2023
admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس 0

التغيرات الاجتماعية منذ عقدى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى فى حالة سرعة فائقة فى عالمنا، خاصة مع الثورة الصناعية الثالثة، ثم الرقمنة، وانعكاساتهما على الحياة اليومية، والعمل، والتعليم، والاستهلاك المكثف والسريع للسلع والخدمات، وتشيؤ أنساق القيم الاجتماعية، وأيضا تسليع القيم السياسية من خلال الربط بينها، وبين دولة الرفاه فى المجتمعات الأكثر تطورا، حيث باتت رهينة ارتفاع الأجور والخدمات، خاصة الضمانات الاجتماعية. هذا المتغير فائق السرعة، وانعكاساته الاجتماعية والسياسية والثقافية، والفلسفية اثر على أنماط الحياة والاستهلاك للسلع الموسيقية والغنائية خاصة مع الانتقال إلى الأيديولوجيا الناعمة فى أوروبا، ثم إلى مرحلة نهاية الإيديولوجيا، والتحول إلى ما بعد الحداثة، أدى ذلك إلى تغيرات كبرى فى أنماط الاستهلاك للسلع الثقافية، ومن بينها الموسيقى، والأغانى، والمسرح والسينما فى الولايات المتحدة، وأوروبا. ثقافة الاستهلاك السريع امتدت إلى الثقافة، ولم تقتصر على الدول الأكثر تطورا فقط، وامتدت إلى عالمنا العربى، وأسهم فى ذلك عديد الأسباب ومنها أولا: ثورة عوائد النفط والهجرة إلى الخليج، والعراق، وليبيا، وفرض ذلك نمطا من الاستهلاك لم يكن معهودا من قبل فى مصر، ودول العسر الاقتصادى العربى فى المشرق.
ثانيا: ظاهرة ترييف المدن، والهجرة من الريف إلى المدينة، على نحو أثر على الذوق الموسيقى والجمالى المدينى التاريخى الذى تآكل، وبروز القابلية لتأثر الطبقة الوسطى المدينية بالجمل الموسيقية، والأغانى ذات المصادر الموسيقية المتعددة، فى الدلتا، والصعيد، والنوبة وموسيقى المناطق الحدودية, بالإضافة إلى تغيرات فى الاستهلاك الموسيقى والغناء للمصريين الذين هاجروا مؤقتا للنفط، بحثا عن الرزق.
ثالثا: ظهور بدايات الثورة الاتصالية الجديدة من خلال ثورة الكاسيت التى صاغت ثقافتها الخاصة فى الاتصال بين المواطنين فى الهجرة أو الريف، وعائلاتهم، وأسرهم وأصدقائهم او من الخليج الى مصر، والأهم توظيفه فى الموسيقى والغناء الشعبى، وغيرهما.
رابعا: تسليع السلوك الاجتماعى، وارتفاع معدلات الاستهلاك للسلع والخدمات، خاصة فى المدن المريفة، وتمدد هذا النمط السلوكى إلى مجال الموسيقى، والأغانى، فى سرعة، خاصة فى عقد التسعينيات، مع التغيرات الجيلية، وتجاوز الأجيال الجديدة لنمط الأغانى والموسيقى الشرقية وقوالبها التى سادت مع الأجيال الأكبر سنا. كانت أبرز التغيرات فى الذوق الغنائى، والموسيقى منذ الثمانينيات والتسعينيات، تتمثل فى فرض هذه الأجيال أصواتا، وموسيقى، وقوالب وأشكالا جديدة، تمثلت فى انتقال بعض الميراث الغنائى والموسيقى من الهامش إلى قلب الذوق العام،

الفنان النوبي الكبير حمزة علاء الدين
وتمثل ذلك فيما يلى: الموسيقى والأغانى والأصوات النوبية، التى تميزت بأنها ثقافة موسيقية، تمركزت تاريخيا حول النوبة، وبعض أبنائها فى القاهرة والإسكندرية أساسا، بعد الهجرة مع سد أسوان ثم السد العالى وبعده، وكانت تذاع فى إذاعة صوت السودان المصرية، ثم مع الثمانينيات والتسعينيات باتت أحد أهم روافد الموسيقى المصرية الجديدة. انتقل حزام السلم الخماسى الموسيقى من النوبة والسودان وحوض النيل إلى مصر كلها. ومرجع ذلك كسر القوالب والأشكال الموسيقية المسيطرة والتى لم تعد تواكب التغير الاجتماعى فى القيم والاستهلاك والسرعة فى الحياة اليومية، والتغير الجيلى. من هنا برز أحمد منيب، وحمزة علاء الدين، -أدخل آلة العود إلى الموسيقى النوبية وعمل أستاذا للموسيقى العرقية فى أمريكا واليابان-، وعلى كوبان ـ استخدم آلات السمسمية، والأبوا، والأكورديون-، وبحر أبو جريشة النوبى السكندرى، ومحمد حمام وأغانيه الوطنية المميزة وغيرها، ومحمد منير الذى شكل حالة جسدت الموسيقى، والذوق النوبى التراثى والمتطور ليغدو من أهم التغيرات فى الغناء المصرى، خاصة مع إدخال بعض الآلات الغربية، ومنها بعض إيقاعات موسيقى الجاز. التغير الثانى تمثل فى ظهور المطرب عمر فتحى فى الثمانينيات، ومات شابا، وبعده ظهر علاء عبدالخالق، وعلى حميدة –وزع شريطه الوحيد 6 ملايين نسخة-، وسيمون، وحمدى باتشان، وهشام عباس، ومصطفى قمر، وحنان، واميرة، ومنى عبدالغنى، وقبلهم إيهاب توفيق وآخرون، كان أبرز ملحنى هذه الأصوات الجديدة الملحن والمطرب حميد الشاعرى، الذى قدم الموسيقى السائدة فى المناطق الحدودية. مع تغير فى كلمات الأغانى، التى لم تعد تقدم الحب، وفق المعانى التى كانت سائدة فى الأجيال السابقة، من الشوق، والبعاد، والانفصال والحنين، واللوع، والكذب، والتمثيل، وكل المعانى التى ارتبطت بالعلاقات شبه الإقطاعية فى فهم معانى الحب قبل 1952، إلى الحب ومعانيه لدى الطبقة الوسطى –الوسطى، والوسطى الصغيرة المدينية قاعدة نظام يوليو حتى حرب أكتوبر 1973، إلى معان جديدة تعتمد على الحرية، وانكسار نسبى للذكورية فى الحب، وظهور الصوت الأنثوى الجديد فى الأغنية، من حيث نظرة النساء والفتيات من الأجيال الجديدة لمفهوم الحب ونهاية الحب الأول والأخير الذى فرضته أغانى الماضى، والسينما، وطابعه الرومانتيكى، باتت الأغنية واللحن السريع جزءا من علاقات التغير الاجتماعى والجيلى فى عقد التسعينيات ومابعد، وعالم التفاصيل الصغيرة التى تحيط بالأفراد. بعض مطربى هذه المرحلة مستمر مثل عمرو دياب، لقدرته على التكيف نسبيا مع التغيرات، وبعضهم راح ضحية عدم القدرة على مواكبة التحولات الجيلية. ويعود ذلك إلى مشكلة الثقافة والوعى الاجتماعى لدى غالب جماعة المطربين والمطربات والملحنين، وتكرارهم لأعمالهم!. باتت التغيرات الجيلية مؤثرة جدا على الموسيقى والألحان مثل الأكل السريع Fast Food، وأثرت الثورة الرقمية على استهلاكها، وعلى حركية الجملة الموسيقية فى عالم يتغير على نحو فائق السرعة والأخطر دخول الذكاء الصناعى فى الموسيقى والسينما، وسيغزو كل شىء، ويغير عالمنا كله.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر مصري تنويري ومستشار مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجة
–
كلام صورة المقال: لوحة للفنان المصري ماهر جرجس
**
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ 17 أغسطس 2023 لباب” مختارات سينما إيزيس “
admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس 0

مصطلح نوستالجيا مركب من المفردتين “nostos” العودة، و”alogos” المعاناة أو الشوق ومعناهما «ألم الشوق»(1) والحنين لماضي ما، سواء أكان ماضي بعيد أو بسيط أو مركب(2). وكان المصطلح يشير لحالة مرضية سوسيو- نفسية لدى بعضهم للذات في الحاضر. ومن ثم تميل أو تجنح إلى تنشيط الذاكرة. وتستدعى بعض الوقائع والصور التي مرت أو عبرت في تاريخ الشخص “النوستالجي” الذي يدرك ويستعيد هذه الأحداث بوصفها لحظات سعادة أو حب أو عشق أو ممارسة حواسية حميمية. أو شكلت نقطة تحول حياتية، سواء في سردية حياته الذاكرتية، والفعلية، أو نقطة انطلاق في عمله المهني. أو في تكوين ثروته، أو مكانته الاجتماعية أو السياسية.
هذا الحنين الجارف أو الشوق العارم لهذه الاستدعاءات الشخصية تمثل سعيا من الذات الجريحة أو المأزومة للبحث عن توازن ما لحظي إزاء واقعها. وقد يمثل ذلك لدى بعضهم هروب من حالة نفسية واجتماعية ما، أو تعثر في مساره أيا كان! أو تجاه واقع سياسي واجتماعي واقتصادي مأزوم ومحبط. بعض الاستدعاءات للنوستالجيا تدور في إطار جماعة عرقية أو قومية أو قبلية أو دينية أو مذهبية أو لغوية. والحياة في دائرتها وثقافتها وأفراحها وأتراحها الجماعية.
بعض أنماط النوستالجيا تعد جزءا من حالة الوعي الشخصي أو الفردي – في المجتمعات التي تم فيها ميلاد الفرد في إطار الرأسمالية والتصنيع – أو اللاوعي وتحولاته ومكبوتاته. ويتم استدعاءها لإعادة فحص بعض الوقائع الحياتية المؤثرة سلبا أو إيجابا على مسارات الشخص أو الفرد.
**
النوستالجيا جزء من عالم الذاكرة وصورها، وباتت جزءا من فلسفتها كجزء من الدرس الفلسفي على أهميته التاريخية والمعاصرة. إلا أن الدرس السوسيو – نفسي بالغ الأهمية في تحليل حالة الشوق والحنين لبعض الماضي الفردي والجماعي والقومي في بعض لحظات التاريخ. وخاصة المرحلة الراهنة التي تكالبت فيها الأزمات وتكاثرت على مصر وعالمنا العربي الكبير. وخاصة في نوستالجيا الحياة الرقمية وومضاتها فائقة السرعة، والنسيان. بينما كل الوقائع جزء من ذاكرة البيانات الضخمة التي تحمل الذاكرة الكونية لعالمنا. يمكننا تصنيف النوستالجيا على نحو مبسط إلى عدة أنماط على النحو التالي:
هذه الأنماط النوستالجية تستدعيها الذاكرة وصورها من قلب التاريخ الشخصي أو الجماعي أو القومي. لكي تؤدي وظيفة نفسية وسوسيولوجية ترمى إلى استعادة لحظات مؤثرة في حيوات هذه الأنماط وتحقيق إشباع ما. أو تماسك على هذه المستويات في لحظات تحتاجها شخصيا أو فرديا وجماعيا وقوميا إزاء أزمات الواقع الفعلي الموضوعي التي تواجه هذه الأنماط.
**

كان التأمل جزءا من اللجوء للنوستالجيا، وبعض من شغف البحث والحنين في الماضي. بحثا عن مصادر تشكيل الذات الفردية والجماعية في مساراتها المتعددة أو الملتوية أو المضطربة.
السؤال الذي نطرحه ما الجديد والمتغير في حالات وأنماط النوستالجيا؟!
يتمثل الجديد المتغير والمتحول في النوستالجيا المعبر عنها رقميا بصور الومضات والكتابة الشذرية على مواقع التواصل الاجتماعي. بعض التغيرات في عالم رقمي وفعلي مفعم بالأزمات الكبرى، والاضطرابات، والحروب الأهلية، وبين الدول. ثمة أيضا تضخم مفرط في الأنا والذوات الرقمية لدى الجموع الرقمية الغفيرة. وسطوة الأشياء والتشيؤ والاستهلاك المفرط والاستعراضات على حياة الجموع الرقمية والفعلية الغفيرة التي حلت محل كل ما هو حقيقي وفق جي ديبور. وخضوع الذوات الغفيرة لإعادة التشكيل المستمر عبر الاستهلاك الفعلي والرقمي من خلال نظم البيانات الضخمة تحت هيمنة الشركات الرقمية الكونية العملاقة.
حالة الغليان الحراري في عالمنا كله، والفيروسات المتحورة الذي يعيد طرح مسألة مركزية الإنسان في الطبيعة والوجود. وأسئلته الفلسفية والدينية والاقتصادية والرأسمالية المتوحشة بما فيها الرأسمالية الرقمية. حيث ثنائية الحرية والرقابة الرقمية مسيطرة في نعومة وسرية.
نوستالجيا
**
ظهور بدايات لإعادة النظر التاريخي والنقدي في بعض السرديات التاريخية حول بعض الأديان. وجمود بعض السلطات الدينية لها وعدم قدرتها على تقديم اجتهادات أو تجديدات تفسيرية وتأويلية لمواجهة أسئلة جديدة ومختلفة عن الأسئلة والإجابات النقدية القديمة الموروثة حول العقائد ونشأتها ومفاهيم الألوهية. وأيضا الأديان الأخرى الآسيوية والإفريقية وخاصة في ظل عصر الأناسة الروبوتية وما بعدها مع التطور فائق السرعة للذكاء الاصطناعي التوليدي والروبوتات قلق من وضعية الإنسان في عصر الاضطرابات والتحولات فائقة السرعة. عصر الخوف المدرك واللامدرك في الوعي الجمعي للشعوب، وثقافاتها المتعددة في عالمنا.
الجديد في حالات النوستالجيا ذي صلة بالتعبير الرقمي عنها بالصور والكتابات الوجيزة جدا الشذراتية عن استدعاءات الحنين للماضي والتعبير الومضاتي عنه. مجتمع الومضات الرقمي أثر على أنماط التفكير الرقمي والفعلي وأدى إلى شيوع السطحية والتفاهات والانطباعات المرسلة في الخطابات الشذراتية والقراءة الومضة. وأيضا التعبير عن النوستالجيا بصور الومضات والانطباعات الساكنة في أحكام القيمة الرغائبية وتشكل نوستالجيا الومضات والشذرات تعبيرا عن بعض من التشوش في الذاكرات الفردية والجماعية والقومية.
لغة الومضات والشذرات المضطربة فائقة السرعة، أثرت على تمثل واستعادة النوستالجيا من الذاكرات الفعلية إلى الرقمية. وساد التركيز الومضاتي سعيا وراء التفضيلات على مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة. هذه المتغيرات أدت إلى تشكل النوستالجيا الرقمية ووظائفها السوسيو – نفسية والسياسية، والحث على مشاركات وتفضيلات الأصدقاء وغيرهم.
**

إنها ترمى إلى استدعاء الصور من الطفولة للمدارس إلى الجامعة والعمل والحب، والزواج والعشق والرفقة، والتريض والسفر للتصييف على الشواطئ أو بعض التفاصيل المؤثرة في حياة الفرد الرقمي. هنا النوستالجيا الرقمية ترمي أيضا إلى تحيين الذاكرة واستدعاءات لفرح ما وللحظة ما. ولكن معبرا عنه على نحو ومضاتي فائق السرعة في استهلاكه من المتابعين. بعض الممثلات والمطربات تدير صورهن النوستالجية لشبابهن وأفلامهن مع نجوم أيامهن. بعض من يديرون هذه الصفحات بأجر تعبيرا عن محاولة منهن أنهن لازلن في شرخ الشباب. ولاستعادة نوستالجيا أفلامهن القديمة، وهو تعبير عن الحنين لماضي غادرهن.
بعض المطربين والمطربات كبار السن يضعون قطعة صغيرة هي الأجمل في أغنياتهم. لمحاولة مواكبة الأغاني السريعة للأجيال الشابة الجديدة واستهلاكها الغنائي البالغ السرعة للموسيقى والأغنية.
بعض النوستالجيا السياسية تستعيد صورة زعيم وطني أو حدث تاريخي ومعها تعليق حاسم في حكمه التاريخي دون تعمق أو درس تاريخي للحدث ومالأته مثل سعد زغلول، ومصطفى النحاس باشا وأحداث 1919. و”الليبرالية” هكذا!! في مواجهة جمال عبدالناصر، ونظام يوليو 1952 مع إسقاط أحكام سطحية وانطباعية جازمة على الصور والتعليقات. أو تمجيد بعضهم للسادات ومبارك دونما تحليل لاختلالات النظام وسياساته. ونتائجه في تدهور الدولة والنظام السياسي والاجتماعي والانهيار الاقتصادي وسياسات التصنيع، والتعليم والصحة. وتفشي الفساد الهيكلي في الدولة والمجتمع وتراجع دولة القانون.
**
هناك صور ومضات وشذرات تعليقات ومضات في الإفراط في استخدام لا علمي، ولا تاريخي لمصطلح “ثورة” من العرابيين إلى 1919 إلى 23 يوليو 1952 إلى 15 مايو الساداتي إلى 25 يناير 2011 إلى 30 يونيو وهكذا.
كلها نوستالجيا ومضاتية رقمية حاملة لانطباعات سطحية وساذجة وتفتقر لموضوعية البحث والمناهج التاريخية. تحولت النوستالجيا الرقمية إلى توظيفات في الصراعات السياسية وسجالات الانطباعات الساذجة بين أشخاص وجماعات لا توجد قاعدة اجتماعية لها ولا لخطابها السياسي ونوستالجياتها الرقمية.
ثمة توظيف للنوستالجيا الرقمية من بعض الروائيين والروائيات والقصاصين والقصاصات والشعراء والشاعرات في نشر أغلفة أعمالهم/ هن الأولى وصورهم/هن. وفقرة أو فقرتين لناقد كبير أو صورة معه أو مع كاتب كبير! بعض الصور بعد أو أثناء الحصول على جائزة ما أيا كانت قيمتها وأهميتها.. إلخ.
**
كلها نوستالجيا لتوازن الذات وأنها ذات قيمة ومكانة أدبية، وأنها قدمت إبداعا بقطع النظر عن قيمة ما كتبه، أو كتبت. وهناك صور بعض الترجمات إلى اللغات الأجنبية بصرف النظر عن مدى ذيوعها بين بعض القراء الغربيين أو الآسيويين أو عدم انتشارها!
إنها نوستالجيا رقمية تستدعى بعض اللحظات لتثبت لذاتها وللمتابعين لها أنهم/هن لازلن ذوي أهمية في الحياة الثقافية الشاحبة في هذا البلد وذاك!
إنها مساع عبر الحنين والشوق إلى الماضي لإحداث توازن سوسيو- نفسي عبر بعض الذكريات التي عبرتها حالة هروب إلى النوستالجيا والذاكرة والتعبير الرقمي عنها في مواجهة واقع موضوعي مُتخم بالمشكلات والعوائق التاريخية والهيكلية والتخلف المركب. وعدم القدرة على مواجهتها في دول العسر العربية بالعقل الحر والفكر النقدي وحريات التعبير المحاصرة والفعل السياسي الحر، إنها نوستالجيا لمواجهة غياب الأمل في الحاضر والمستقبل الغائم!
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر مصري تنويري ومستشار مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية
هوامش:
1- بوجمود شكود- مدونات – 2016
2- لمزيد من التفاصيل انظر موقع ويكيبيديا
عن موقع ( باب مصر )
admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس 0

كانت سينما إيزيس فى شارع مراسينا ، بجوار حديقة حوض المرصود، وبالقرب من مستشفى الرمد فى حى السيدة زينب مطارنا، وقاعدتنا الجوية، للانطلاق فى رحلات سينمائية عظيمة، إلى عواصم هذا العالم ومدنه، وأيضا حكاياته وأساطيره كمافي ” ألف ليلة وليلة ” وفيلم ” لص بغداد ” ولم تكن قاعة سينما إيزيس تعرض فى فترة الخمسينات والستينات، ومنذ تأسيسها ، الا الأفلام الأجنبية فقط، في محيط ميدان السيدة زينب وسينماته، أي سينما الهلال الصيفي، وسينما الأهلي وسينما الشرق، ولم تكن هذه السينمات تعرض إلا أفلاما مصرية وعربية فقط، وفيلمين في كل حفلة، وكذلك سينما إيزيس التي كانت تقع على بعد خطوات من حينا العريق ( قلعة الكبش ) حيث يوجد مسجد أحمد بن طولون، الذي يعتبر أهم أثر إسلامي في مصر..
كانت الأفلام تنتزعنا نحن الأطفال الأشقياء في حينا، بصورها وأحداثها المتخيلة، وبديكوراتها وأجوائهاالموسيقية، من قلب الحارات والأزقة الضيقة فى حينا “قلعة الكبش”، لتزرعنا زرعا فى قلب الميادين الواسعة داخل المدن الكبيرة ..
تضعنا على محطات القطارات، أو تتحرك بنا أمام واجهات المحال الضخمة، تحملنا إلى بواخر المسافرين العظيمة، وتدخل بنا إلى ميناء نيويورك، بعد أن نكون قد شاهدنا في لقطات مقربة – لابد أنها صورت من داخل طائرة عمودية- لتمثال الحرية فى مدخل الميناء..

صارت ” سينما إيزيس “صندوق الدنيا الجديد ، الذى لا تتطلع من خلاله هذه المرة إلى صورة عنترة وأبو زيد الهلالى والسفيرة عزيزة وشجرة الدر الثابتة، وهى تمر أمام الثقب الذى نتطلع إليها من خلاله ، ومركب عليه عدسة مكبرة ، بل صندوق مختلف عن ذلك ..
صندوق بأجنحة، يطير بنا فوق بساط الريح في فيلم ( لص بغداد ) ، محلقا إلى باريس ولندن ونيويورك وفيينا وروما ، وغيرها من عواصم العالم ومدنه، ليفتح لنا ولأول مرة سكة السفر ، يمهد لنا الطريق لغزو هذه المدن ..
السينما فتحت لنا أبواب التشرد والصعلكة، جعلت العالم فى متناول ايدينا، ورتبت لنا فى نسق بديع، على أطراف حينا الصغير، كل مدن العالم الكبيرة، وكنا نحن الصغار العفاريت الأشقياءنحنال للخروج منه، ولم نكن نجرو بعد على تخطى عتبته وحدوده، خوفا من الهراوات والعصى التى تنتظرنا ، وصغار الأحياء الأخرى المجاورة- مثل حي ” طولون” – الذين يقفون لنا بالمرصاد ..
الأفلام التى شاهدناها فى سينما ايزيس ( العصور الحديثة ) لشارلى شابلن و ( المواطن كين ) لاورسون ويلز و ( نفوس معقدة ) و (الرجل الخطأ ) لهيتشكوك، و ( قصة الحى الغربى ) لروبرت وايز ، و( ايرما اللعوب ) لبيلى وايلدر وغيره،ا وكل هذه الأفلام تدور احداثهاداخل المدن الكبيرة ..
جعلتنا نكتشف ملامح مدينتنا ” القاهرة” وأحيائها الكبرى، العباسية ، شبرا ، وبولاق الدكرور، وقبل أن نعرف أين يقع ميدان العتبة، وسور الأزبكية، وشارع سليمان باشا وقصر النيل ، كنا قد صعدنا إلى سقف باريس فى فيلم لرينوار، وتجولنا فى أسواق طوكيوفى فيلم لصامويل فولر، ورقصنا مع جورج شاكيريز وناتالى وود فى حى الزنوج هارلم فى قلب نيويورك فى فيلم ( قصة الحى الغربى )لروبرت وايز..
السينما جعلتنا نعبر المحيطات ، فى اتجاه مدن الغرب، قبل أن نقدم على المخاطرة فى تجاوز حدود الحى، الا فى صحبة الأهل، أو برفقة عياله مفتولى العضلات من أبناء الجزارين، الذين يحتفظون دائما فى جيوبهم بالمديات الصغيرة، بعد أن تأكد لنا أن مفعولها، فقد كانت هذه “المطاوى” كما كنا نطلق عليها – أعظم تأثيرا من العصى والهراوات، وقنابل التراب فى قراطيس الورق..
شاهدنا في ” سينما إيزيس ” قصة الحى الغربى، وخرجنا جميعا ونحن نطرقع بأصابعنا كبطل الفيلم جورج شاكيريز، فاذا ما هبط الليل إلى حينا اجتمعنا إلى جوار مسجد أحمد ابن طولون فى الساحة، أمام دكان عم حسن الحلاق، ورحنا نتقمص شخصيات ابطال الأفلام البوليسية تحت عامود النور ..
أنت يا فتى تلعب دور ريتشارد ويد مارك ، وأنت كلا.. ليس هكذا ينتزع همفرى بوغارات غدارته .. هكذا يفعل.. حسنا .. هذا أفضل بكثير ..
كنا نصنع المسدسات من الورق المقوى، وكانت اصوات طلقات الرصاص تنطلق من أفواهنا طاخ طاخ طاخ، فاذا ما نهرنا عابر سبيل، لاننا نسد عليه الطريق ، كنا نعلن عن تذمرنا بأن نخاطبه بانكليزية لم نكن قد تعلمناها فى المدارس بعد ، من اختراعنا ، فنصرخ فيه، ونركض لنختفى في لمح البصر ..

هذه التمثيليات التى كنا نتقمص فيها ادوار الممثلين الاشرار والاخيار منهم على حد سواء كلفتنا غاليا، ومازلنا نذكر ذلك العازف الأسمر الذي كان يعزف على الناي فى فرقة أم كلثوم، و الذى كان يسكن حينا، ويصعد إليه فى أخر الليل ، فذات مرة اصطدم بنا أثناء تمثيلية من التمثيليمات اياها، فشتمناه وركضنا كالعادة، وكان رمضان اضعفنا عدوا فأمسك العزف، به وراح يضربه ويركله كالمسعور، فاستيقظ أهل الحى على صراخ المسكين، وراحوا يعنفون هذا المارد ، الذى يتطاول بالضرب على طفل ضعيف برئ قزم ، كالفيل الذى يتحرش ببعوضة، ويستطيع بسهولة أن يدهسها، مثل وابور الزلط..
طبعا كل هذا التعنيف والشهامة التى اظهرها أهل الحى ،ومن بينهم أهالينا لم ترحمنا نحن الصغار، من أحزمة الجلد التى كانت تنتظر عودتنا إلى البيوت لينهالوا بها على أجسادنا ..
ضرب لم يمنعنا من التردد على سينما ايزيس ، والانتقال بتمثيلياتنا الى ساحة أخرى فى الحى، وحين التقينا نحن الصغار فى صباح اليوم التالى، ونحن نهبط الدحديرة فى طريقنا المعتاد إلى (مدرسة حسن باشا طاهر الابتدائية) في الحلمية- على بعد خطوات من حينا العريق ( قلعة الكبش )، كان أول ما فعلناه ان رحنا نطرقع بأصابعنا كجورج شاكيريز كما في فيلم ” قصة الحي الغربي ، وبقيت “سينما ايزيس” فى اذن كل واحد منا، جرسا رنانا متصل الرنين، يدعونا إلى مدن هذا العالم، حيث نتسلل الى القاعة كأننا ندلف إلى كهف اصطناعى مظلم ، ثم فجأة يسقط غبار مضئ متراقص على الستارة وترتوى عيوننا.تصبح حزمة الضوء الساقطة المتراقصة على الشاشة جسدا وحياة، تقودنا حزمة الضوء إلى مغامرة متجولة، ونظل هكذا حتى تذيب موسيقى ختامية الظلال على لستارة، ونخرج لنتحدث عن أحد الأفلام .

فى الظلام كنا نتساءل، عن طبيعة هذه العلاقة ،التى تنشأ بين الانسان والسينما ، ثم كبرنا وعرفنا ان السمة الجوهرية للسينما هى انها تمارس تأثيرها على الانسان فى نفس الوضع والمكان ،الذى يوجد فيه المتفرج، وهى تستبدل بتحرياتنا تحرياتها. ادركنا أنها السينما تتخيل من أجلنا، ونتخيل بدلا منا ، وفى الوقت نفسه تتخيل بعيدا عنا تخيلا أكثر كثافة وأكثر دقة ، وعرفنا أنها أكثر قدرة من الانسان الواقعى، حين تتجاهل فوراق المكان والزمان، عندما تقدم لنا فى مكان واحد وفى زمان واحد، احداثا متتالية فى أزمنة متباعدة أو منفصلة عن بعضها بعضا جغرافيافى مكان واحد ، فتجعلنا تجعلنا نرى عملية اختراق الانسان للعالم ، وهى تجعلنا ايضا نرى اختراق العالم للانسان، وهذه العملية هى فى البداية، عملية استكشاف لما هو خارجنا ،وهى فى النهاية عملية كشف عما هو فى داخلنا ، و ياله من أمر عجيب حقا ، ان تسكننا مدن السينما الأخرى من صنع الخيال والوهم وخداع البصر ، أكثر من هذه المدن التى نعيش فيها..
المجد اذن لروح الخيال الانسانى كما يقول الشاعر الفرنسي الكبير ابولينير . المجد لروح المخاطرة والمغامرة فى هذه المدن الأخرى من الخيالات والأساطير والأحلام والأوهام والأفكار المكبوتة، التى تجعلنا نحن البشر ننطلق من عقالنا، لنتجاوز الزمان والمكان، نخترق الحدود والابعاد، فإذا إنتهى الفيلم في ” سينما إيزيس “، وعدنا الى أرضية الواقع، لم نكن نعرف نحن الأطفال الأشقياء في حينا العريق ” قلعة الكبش” إن كنا إنسان يحلم بأنه فراشة ، أم فراشة تحلم بأنها إنسان.
صلاح هاشم مصطفى

صلاح هاشم أديب وناقد ومخرج سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
عن جريدة ” القاهرة ” المصرية الإسبوعية – رئيس التحرير طارق رضوان – العدد 1200 – الصادر بتاريخ الثلاثاء 18 يوليو 2023


admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0

رحيل ناقد عزيز
تحت هذا العنوان كتب الناقد اللبناني الكبير محمد رضا عندما جاءه خبر وفاة الناقد الانجليزي الكبير دريك مالكولم يقول :
( ..يوم أمس وصلني خبر وفاة صديق ناقد هو دَريك مالكولم مع رغبة في عدم استخدام السوشيال ميديا لنشر الخبر. لكن قبل قليل تم نشر الخبر في الميديا وعليه أكتب عنه التالي:
– مالكولم من نقاد الأمس (توفي عن 91 سنة) ليس فقط سناً، بل كأسلوب نقد واحتراف.
– كان ناقد صحيفة «ذا غارديان» لأكثر من 25 سنة وبعدها انتقل إلى Lodnon Everning Standard لنحو عشر سنوات.
– إذا كانت الشمس تغيب عن الأشخاص، مهما اشتهروا فهي غابت عن مالكولم. أسر لي بثلاث شكاوى أحزنتني:
1) “الطاقم الجديد للغارديان لا يعرفني. تصوّر بعد 25 سنة خدمة اتصلت بالأمس لأتحدث هاتفياً مع رئيس التحرير فرد عليّ شخص لا أعرفه وسألني من أنا. ذكرت له إسمي فقال إذا كانت لديك شكوى كقارئ إبعثها بالإيمايل. That SOB لم يعرفني”- ڤنيسيا: 2004
2) “الآن صار عليّ لكي أذهب إلى المهرجانات أن أقوم بالتعهد للصحيفة إجراء مقابلات”- كان: 2017
3) “في أحد الأيام طلبتني صحيفة بريطانية. كنت تركت الغارديان وأبحث عن عمل. فرحت. ذهبت للقاء رئيس التحرير. استقبلني بترحاب وشكرني على المجيء ثم سألني: أريد أن آخذ رأيك بأم مهم: مَن مِن النقاد الشبّان تنصحني بتعيينه ناقداً لهذه الصحيفة؟”.- لندن: 2010
محمد رضا

محمد رضا ناقد سينمائي لبناني مقيم في أمريكا
admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس 0

أدت الثورة الرقمية إلى تطورات نوعية في جميع مجالات الحياة الفعلية والرقمية، تتمدّد تلك التطورات في سرعة فائقة منذ اكتشاف الحاسوب وعالم الشبكات، خاصة في مجال بناء نظام اللغة والاختصارات والعلامات، وعلى رأسها إنتاج النظرات الومضات، والصور، والفيديو الطلقة الموجز.
أدى ذلك التطور إلى تحوّل في كتابة المقالات والمنشورات والتغريدات، والإيجاز في بلورة الأفكار واختزالها، وكثافة الخطابات الرقمية، وسيولتها وبعض الاضطراب والتناقض داخلها. من ثم بدى الاختلاف في مفهوم القراءة والتلقي الرقمي وأثره على الفعلي والورقي.
أثّر ذلك التغيّر، أيضًا، على عملية قراءة النصوص على الألواح الرقمية والحاسوب والهواتف الذكية المتطوّرة في سرعتها وإمكانياتها. يمكن أن نطلق عليها «القراءة الومضة» أو فائقة السرعة، على مثال عصرنا، التي لا تتوقف بعمق عند مضمون النص وللتركيز إلا عند بعض الكلمات الدالة التي تشاغل القارئ لحظة القراءة!
تبدو القراءة فائقة السرعة هي مستقبل عمليات التلقي، والتمثل القرائي، وهو ما قد يثير مشكلة هشاشة وعدم عمق وسطحية العملية القرائية، وانفجار ردود الأفعال السريعة، وسوء الفهم، وعدم استيعاب النصّ الرقميّ المكتوب.
بعض إمعان النظر في هذه الظاهرة يشير إلى ظاهرة “السطحيون الرقميون الجدد”، وخاصة في ظل تدهور مستويات نوعية التعليم العام والجامعي في غالب بلداننا العربية، وضعف المحتوى المعرفي لها.
ثمة انهيار في مستوى إجادة اللغة العربية، وضمور قاموسها اللغوي عن متابعة المفردات والمصطلحات الجديدة في التكنولوجيا والعلوم الطبيعية والاجتماعية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدية. من هنا هيمنت اللغات المحكية في الكتابة الرقمية لتزيح بعضًا من العربية الفصيحة التي تمثل الموحّد الأساس للثقافات العربية!
لا شكّ أنّ انفجار اللغات المحكية أدى إلى بعض الفجوات في التلقي، والفهم المتبادل بين الجماهير الرقمية الغفيرة! واستثناء خطاب الصورة، وحتى فيديو الطلقة المصاحب للصوت والكلام العامي في بعض الفهم له!
السؤال الذي ينطلق من هذه الظواهر يتمثّل في: هل تظل القراءة الومضة والفيديوهات الطلقة «التريندات» محض تعبير عن السطحية والسطحيين أم أنها ستتطوّر مع الكتابة الرقمية، وفعل التلقي والتمثل؟
بعض المؤشرات يذهب إلى أنّ عملية الكتابة والتلقي فائقة السرعة هي التي ستسيطر ومعها محاولاتها السطحية وضعيفة المحتوى المعرفي لدى الأجيال الشابة الحالية وكبار السن في ظل انهيار التعليم، والكتابات والخطب السياسية والدعوية الدينية التي تتسم بالطابع النقلي فقير المحتوى والعمق، والجمود والانفصال عن أسئلة عصرنا، وبعضها يتسم بالجمود الفكري وعدم الاجتهاد وشيوع الانتحال والكذب.
من ناحية أخرى فإنّ سطوة نزعة الانتحال والأخبار الكاذبة، والصور والفيديوهات المصطنعة والمركّبة! ستعزّز من استمرارية عالم ما بعد الحقيقة، والشعبوية السياسية والقومية والعرقية وكراهية الآخر !
الكتابة والصور والفيديوهات الرقمية فتحت الأبواب أمام حرّية التعبير للجماهير الغفيرة هروبًا من المجال العام الفعلي المقيّد إلى المجال العام الرقمي الحرّ والمراقب!. ثمّة حرّية طليقة في البوح المتحرّر من الخوف، والتعبير الذاتي والجسدي والحواسي والمشاعري الانكشافي.
مستقبل التحوّل الرقمي وتحوّل التفكير إلى السرعة الفائقة والكتابة الاختزالية الرقمية سيتشكل مع الأطفال والصبية مستقبلًا، وسيؤدي ذلك إلى فجوات جيلية في أنماط التفكير والتركيز والتعبير فائقة السرعة.
ستؤدي اللغة الرقمية وأشكالها التعبيرية إلى انكشاف الذوات الرقمية للجماهير الغفيرة، والشخصنة والولع بالذات ومحاولة إثبات وفرض وجودها في العالم الرقمي في ظلّ مرحلة الإناسة الروبوتية، وصعود دور الروبوت في الحياة الفعلية والثقافية والاجتماعية! وتغيير الحياة بل وبعض الوجود الإنساني، والقطيعة مع التاريخ ومراحله كلها!
وللحديث بقيّة.
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح باحث ومفكر مصري تنويري ومستشار مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية
عن موقع ” عروبة 22 ” لمختارات ” سينما إيزيس “
admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس 0

الفكر العربى الراهن يبدو بعيدا عن حركة الفكر العالمى، وتطوراته الكبرى، وتزداد الفجوات بين الإنتاج العلمى والمعرفى السائد، وبين الدراسات، والبحوث التى يتم إنتاجها داخل الجماعات الأكاديمية والبحثية فى شمال العالم، وآسيا الناهضة حول الصين، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، والهند، وماليزيا، واليابان، وفيتنام. من هنا تبدو مقاربات حالة العالم علميا، ونظريا، وفلسفيا وسوسيولوجيا بعيدة عن الجماعات البحثية والأكاديمية العربية، والاستثناءات محدودة.
من هنا لاتزال مقارباتنا للظواهر والمشكلات داخل كل بلد عربى، تقليدية، وتعيد إنتاج منظورات ومفاهيم، ومصطلحات تم تجاوز غالبها فى المدارس العلمية المختلفة فى عالمنا، والاستثناءات محدودة عربيا! هناك فجوات أخرى بين الإنتاج النظرى والتطبيقى العربى السائد، وبين الواقع الموضوعى فى كل مجتمع عربى، خاصة للقيود السلطوية المفروضة على الإنتاج العلمى، وعلى الدراسات الميدانية، وغياب حريات الرأى والتعبير والبحث، والضوابط المفروضة على الحريات الأكاديمية. من هنا لايزال الفكر العربى أسيرا لنزعة ماضوية تقليدية، سواء فى المقاربات النقلية اللاتاريخية التى ترتكز على بعض الأيديولوجيات الوضعية حول الدين، أو ضعف مستويات البحث الاجتماعى، والفلسفى، وعدم الدقة فى توظيف الآلة النظرية والاصطلاحية المستعارة من المتون النظرية والفلسفية، والسوسيولوجية الغربية، التى تم تجاوز بعضها فى الدرس الأكاديمى العالمى.
من هنا يتجلى الانفصال بين البحوث النظرية عن الواقع الموضوعى المتعدد وخصوصياته فى عالمنا العربى، وبين مشكلات الواقع المتفاقمة. الانفصال عن حركة تطور الفكر العالمى -فى مصادره وتعددياته المختلفة- أدت إلى جمود الإنتاج العلمى والمعرفى، ومن ثم بات رهنا لدوائره وقضاياها شبه المغلقة، ويبدو بعيدا عن زمن العالم فائق السرعة، وأيضا عن زمن المجتمع وتحولاته التى تتم بعيدا عن عيون البحث السوسيولوجى، والسياسى، والقانونى، والفلسفى فى الواقع الموضوعى. من هنا نستطيع القول إن هذا الفكر بات سلفيا يعتمد على بعض متونه التى تغيرت، وتم تجاوزها فى مصادر إنتاجها الغربى أساسا، وفى ذات الوقت يعيد تدوير الأفكار والتنظيرات التى سادت قبل، وما بعد الكولونيالية، او فى سياق تاريخى ارتبط بالدولة الوطنية ما بعد الاستقلال، حتى عقد الستينيات من القرن الماضى. الأخطر أن مشكلات الواقع. الموضوعى فى كل بلد عربى، باتت رهينة نظرات سلفية شبه حداثية، لا تزال تدور فى ثنائيات ضدية لم تعد صالحة لمواجهة مشكلات التحديث والحداثة المبتسرة والمبتورة فى تطبيقاتها عربيا، ومشكلات العلاقة الضدية بين النقل والعقل، بين المقدس، وبين الوضعى المتغير!. الأخطر سيادة نظرة كسولة لمشكلات عالمنا فائق السرعة، والتطور، وأثرها على الحياة فى المجتمعات العربية من خلال هيمنة المنظورات الموروثة من ماضى الفكر العربى، منذ نهاية القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، وبعضها يمتد إلى ما بعد هزيمة يونيو 1967، ونهاية الحرب الباردة وسقوط حائط برلين، ومعه الإمبراطورية الفلسفية والسياسية الماركسية، والسوفيتية.
من هنا لا تزال مقاربة مشكلاتنا وأزماتنا رهينة فكر أصبح جزءا من الماضى، ومن ثم يبدو التطور فى الفكر العربى محدودا، واستثنائيا من بعض المفكرين، بينما الجماعات الثقافية العربية فى عمومها لا تزال أسيرة مقارباتها الماضوية فى تناول مشكلات الواقع التاريخى الموضوعى المتغير. لا شك فى أن المقاربات التحليلية البسيطة فى مجملها انساقت وراء المشاعر الفياضة المحمولة على التفكير الرغائبى الأيديولوجى لا تحليل الواقع الموضوعى، وعلى مستوى الممارسة السياسية، حدث انكشاف لمستويات الجماعات الإسلامية السياسية، وافتقارها للمعرفة والخبرات السياسية الحديثة، وثقافة الدولة وإدارتها والسياسات العالمية المتغيرة رغم رأسمالها التنظيمى الصارم، وقدراتها التنظيمية فى ظل فكر سياسى دينى مؤدلج، وخارج تطورات تاريخ مجتمعات عالمنا العربى، وزمن العالم المتغير. هذه النزعة فى المقاربات السلفية الدينية، والمدنية والعلمانية هى التى سيطرت على الفكر العربى، ومدارسه على اختلافها، وظلت جميعها فى حالة عزلة وانفصال عن تحولات المجتمع فى أعماقه، وتطورات عالمنا السياسية، والفكرية، والتقنية، وظلوا جميعا أسرى بعض متون مراجعهم الفكرية التاريخية، وتحول جميعهم إلى دعاة ومبشرين لمتونهم التاريخية التأويلية الوضعية، دونما نظر إلى واقع تحولات العالم، ومجتمعاتهم، فى ظل غياب الحرية العقلية والسياسية، ورفض الآخر والاختلاف الفكرى والتعايش معه. ظل غالب هؤلاء أسرى المقاربات التاريخية الماضوية فى النظر إلى مشكلات قديمة، وجديدة متغيرة، دونما تجديد وانما إعادة انتاج وتدوير مجموعة من الأفكار، والنظرات الموروثة التى تفسر كل شىء ولا تفسر شيئاً، وهو ما رأيناه ولا نزال منذ ما قبل الاستقلال، وما بعده فى ظل الدولة الوطنية التى لا تزال غير قادرة على توطيد دعائمها فى ظل موت السياسة، واستخدام آليات العنف والخوف، فى فرض سيطرتها على حركة الجموع الغفيرة، وتفاقم أزماتها، ومشكلاتها الكبرى فى بناء الموحدات الوطنية، واستمرارية الانقسامات بين المكونات الأساسية داخل غالب هذه المجتمعات.
من هنا يبدو غالب الفكر العربى. والاستثناءات قليلة من المشرق للمغرب العربى ماضوى، وتراثى، وتغيب عنه إلا قليلا مقاربة الحاضر، والأخطر المستقبل ومؤشراته فى الواقع الموضوعى المتحول، وتبدو شحيحة، ونادرة فى الفكر المسيطر على العقل العربى، ويعود ذلك إلى عدم المتابعة، وانقطاع البعثات العلمية إلى جامعات العالم الأكثر تطورا، وسيطرة مفاهيم الحداثة المبتورة على العقل المسيطر، وقلة حاولت مقاربة ما بعد الحداثة وقلة قليلة جدا، دخلت إلى مجال البحث فى عالم المابعديات، والسيولة. الأخطر هذا الغياب شبه الكامل عن عالم الثورة الصناعية الرابعة، وعالم الأناسة الروبوتية، والذكاء الاصطناعى، حيث كان الغياب مسيطرا إلا لقلة قليلة تتابع تطورات عالمنا. الأخطر أن المجتمعات لا تزال لم تحقق مهام التحديث والحداثة.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح باحث و مفكر مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية
***
عن جريدة ” الأهرام ” بتاريخ 6 يوليو 2023 لمختارات سينما إيزيس
admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس 0
إستهلال
“رجال جوف ” في مجتمع الإستعراض خارج الزمن
يطرح المفكر المصري نبيل عبد الفتاح هنا صورة لـ “الحياة التافهة” التي أصبحنا نعيشها الآن في كل لحظة، في عصر “الثقافة الرقمية” بإمتياز، والواقع الافتراضي، التي جعلت حياتنا الواقعية الحقيقية – نحن الرجال الجوف، والإشارة هنا الى قصيدة تي.إس.إليوت وهي كارثة حقا ، مليئة بالأكاذيب والخزعبلات ، وتفانين ومبتكرات الذكاء الاصطناعي من مخترعات، والأخبار المغلوطة،
وصار كل كل شخص تفابله ، تفاجأ بأنه شاعر كبير – آه مش عاجبك – وعنده عشر داوين، أو روائي كبير، آه، وعنده روايتين وتلاته، أو خبير ، أو رسام كبير – آه كده عيني عينك- وبكل وقاحة.
ترى ماسر هذه التحولات التي حدثت خلال الأربعين سنة الأخيرة ، على كافة المستويات السياسية و الثقافية والاجتماعية والتعليمية في عالمنا العربي والعالم،، وجعلت حياتنا مستنقعا من الجهل والإسفاف ، والسطحيةوالتفاهة،وحولتنا الى مسخ، وغرباء كما في رواية لفرانز كافكا، تحت جلودنا؟.
نبيل عبد الفتاح يشرح وينقب ويبحث، ويسأل ويفتش هنا ، كيف صارت حياتنا الآن “تمثيل في تمثيل” وكلها ” أقنعة ” نتحايل بها للعيش، في مجتمع الإستعراض، الذي تنبأ به المفكر الفرنسي الماركسي جي ديبور، في محاولة للوقوف على الأسياب التي تجعلنا الآن – نحن الرجال الجوف – نعيش خارج الزمن.
صلاح هاشم
**

إن نظرات ولو عابرة على عينات ما يجرى على الحياة الرقمية، وما يتم التداول عبرها، تشير إلى سيطرة الأكاذيب، والأخبار المغلوطة، والتعليقات السطحية، وتحول الجماهير الرقمية الغفيرة إلى خبراء! فى السياسة، والأديان والمذاهب، والفنون، والثقافة، والفلسفة والسوسيولوجيا، والهوية..إلخ! كل ذلك يتم فى سياقات قصيرة بسرعة فائقة، والسمة الرئيسية لغالب المنشورات، والتغريدات، يتسم بالسطحية والتفاهة، ومرجع ذلك حالة الانكشاف الكونى لما يجرى داخل هذه الجماهير الرقمية والفعلية الغفيرة، من تراجع مستويات التعليم، والتكوين، والخبرات لاسيما فى عالمنا العربى، وسطوة ثقافة الكذب، والمراوغة والازدواجية فى التكوين الفردى، التى تشكلت فى مواجهة السلطات السياسية والدينية والمذهبية والقبائلية والعشائرية. تبدو ثقافة الكذب تراكمات تاريخية فى مناورات الشخص العربى، وتمددت إلى علاقاته الشخصية داخل الأسرة، وجماعة الرفاق، والزمالة، والجيرة..الخ! من هنا شكلت إحدى آليات التفاعل الاجتماعى، هروبا من الإفصاح عن الرأى، والموقف، أو تجاه أزمة، أو الإقرار بالخطأ. بات الكذب آلية للهروب من الحقيقة النسبية ومواجهة الذات بأخطائها فى العمل والصداقة، والزواج، والأسرة، والسياسة. من هنا لعبت ثقافة الكذب دورها فى المراوغة مع ذوى السلطة والنفوذ.
تساندت ثقافة الكذب مع ثقافة النفاق فى عديد المجالات، لتحقيق بعض المصالح، أو الهروب من بعض المواقف الحرجة..إلخ.لا شك أن ذلك يعود إلى اختلال فى نظام التنشئة الاجتماعية، وخاصة فى المجتمعات الزراعية التى لاتزال القيم الاجتماعية الريفية الموروثة، هى المسيطرة على توجهات الأشخاص فى العلاقة مع السلطات أيا كانت سعيا وراء الاستمرارية فى الحياة، والحصول على المصالح الشخصية. القيم الريفية هيمنت على فضاءات وثقافة المدن، وباتت هى المحلقة على حياتها مع الانتقال من الأرياف إلى المدن المريفة، لا شك أن تدهور أنظمة القيم الاجتماعية فى عالمنا العربى وترييفها، يعود إلى تدهور مستويات أنظمة التعليم، والإعلام والثقافة خلال أكثر من خمسين عاما خلت، ولا تزال تتدهور، وخاصة مع تراجع مستوى المدرسين فى التعليم العام، وأيضا تردى مستويات التعليم الجامعى.
لا شك أن ذلك يعود أيضا إلى تراجع مستويات الجماعات العلمية فى الجامعات العربية، وهو ما بات يمثل أحد الانتقادات التى يوجهها بعض الأساتذة القدامى البارزين للتعليم الجامعى وتخصصاته فى جميع المجالات لاسيما العلوم الاجتماعية، وانفصال بعضها عن التطور فى النظريات، والمعارف النظيرة لها فى أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية كنتاج لقلة البعثات العلمية إلى هذه الجامعات مقارنة بسنوات الاستعمار، وبعد الاستقلال الوطنى فى هذه البلدان باستثناء بعض الدول النفطية فى العقود الأخيرة بعد ثورة عوائد النفط فى أعقاب حرب أكتوبر 1973، ومع ذلك أدت أيضا القيود على حريات البحث، والرأى والتعبير، والحريات الأكاديمية إلى جمود الفكر داخل الجامعات العربية، ومن ثم تراجع مستويات الأطروحات العلمية ما بعد الجامعية، وتحولها إلى محض رجعى للوجاهة الاجتماعية. ناهيك عن أن بعض الفساد بات جزءاً من الحياة الأكاديمية العربية فى منح الدرجات العلمية – الماجستير والدكتوراه – والترقى من درجة علمية لأخرى، على نحو ما يشير إليه بعض الأساتذة فى هذه الجامعات!.
يشكل رهاب الثقافة والمثقفين أحد أمراض بعض السلطات السياسية العربية نظرا للخوف من أدوار المثقفين، وإدراك مواقفهم النقدية بوصفها مثيرة للقلق، وتبث الانتقادات فى الحياة العامة، وتحرص على عدم الاستقرار. هذا الإدراك أدى إلى سوء فهم وإدراك لدور المثقف النقدى فى تحليل الاختلالات فى النظم الاجتماعية والسياسية والثقافية والأخلاقية والدينية السائدة، وأن دوره النقدى يرمى إلى تصحيح، وإصلاح هذه الاختلالات البنائية، من أجل تطور الدولة والمجتمع معاً!.
لا شك أن رهاب المثقف لدى السلطات السياسية أدى إلى تراجع أدوارهم لغياب الطلب السياسى ثم الطلب الاجتماعى على المثقف ودوره النقدى، وهو ما امتد إلى الثقافة عموما التى تحولت إلى ثقافة الترفيه، والاستعراض والسطحية، خاصة أن ثقافة السطحية والتفاهة باتت الأكثر تعبيراً عن غياب المثقف النقدى، والإبداعات الثقافية الجادة، وخاصة مع شيوع كتابة الروايات كأداة للذيوع، ومعها ورش كتابة الروايات، والقصص بأجر فى عديد البلدان العربية، واحتلت الرواية أبرز علامات الثقافات العربية، وذلك على الرغم من أن فيضان الكتابة الروائية، لا يعدو أن يكون تعبيراً عن أزمة هذه الثقافات، وليس دلالة على هويتها، وازدهارها ومجدها، لأنها محض كتابات روائية بعضها سطحى ويفتقر إلى الموهبة، والخبرة الأسلوبية والأساليب المبتكرة، والبنى الروائية المحكمة، وخاصة فى ظل بروز وتمدد عصب الشلل الأدبية والنقدية. لا شك أن هذا الفيضان من السطحية والتفاهة فى الحياة الرقمية، يرجع أيضا إلى تدهور النقد المتخصص الذى يتابع الحياة الثقافية من منظورات نقدية متخصصة على نحو ما كان يتم قبل الثورة الرقمية. كل هذه الأسباب أثرت سلبا على تكوين ومعرفة ووعى غالب الجماهير الرقمية الغفيرة، وجاءت وسائل التواصل الاجتماعى لتكشف عن تدنى مستويات الوعى والمعرفة لدى هذه الجماهير الرقمية والفعلية فى خطابات المنشورات، والتغريدات، والفيديوهات المطلقة والصور، والنظرات الومضة والتعليقات السريعة.
من هنا كانت الثورة الرقمية كاشفة عن نزعة الاستعراض ومحاولة إثبات حضور الذات الرقمية فى ظل عدم قدرتها على هذا الحضور فى الحياة الفعلية. تحول كل ما هو حقيقى إلى تمثيل وفق جى ديبور فى مجتمع الاستعراض.ذهب ديبور إلى أننا نعيش المديوكراتية، بينما الثورة الرقمية أدت إلى عصر المنيوقراطية أى ما دون الحد الأدنى من المعرفة والوعى والتعليم على نحو ما تشير إليه الحياة الرقمية السائلة والمضطربة، والكاشفة عن اختلال حياة الإنسان والمجتمعات العربية وتعليمها وثقافاتها، وهو ما يحتاج إلى مراجعات كبرى فى السياسات التعليمية والثقافية، وفى أنظمة التنشئة الاجتماعية، ولمواجهة صدمات المستقبل والذكاء الاصطناعى، لأننا فى حالة غيبوبة عن زمن العالم.
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح باحث ومفكر مصري.مقيم في القاهرة.مصر
**
عن جريدة ” الأهرام ” الصادرة بتاريخ الخميس 29 يونيو لباب” مختارات سينما إيزيس “
admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0

في ندوة لمناقشة مجموعة ( الحصان الأبيض ) لصلاح هاشم في “مختبر السرديات” بمكتبة الاسكندرية يوم الثلاثاء 3 ديسمبر عام 1019 ، بمشاركة د.ندى يسري ود.محمد مخيمر، وإدارة د.منير عتيبة مدير المختبر، وحضور مؤلف ( الحصان الأبيض ) الأديب والناقد والمخرج السينمائي صلاح هاشم، تحدث د.مجمد مخيمر عن المجموعة كما ورد في الفيديو المرفق لمداخلته

صلاح هاشم في مختبر السردبات لمناقشة مجموعة الحصان الأبيض.3 ديسمبر 2019
للمزيد: