معاني الفن : في ذكرى ميلاد الفنان الكبير سعيد حداية بقلم فكري عيّاد






admin Uncategorized, رئيسية, كل جديد 0


admin Uncategorized, رئيسية, مهرجانات 0
يهتم مهرجان الإسماعيلية اهتماما خاصا بالنقد السينمائي. خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة تحت رئاسة الناقد عصام زكريا. وهو اهتمام جدير بالتشجيع لأن ذلك النوع من النشاط الفكري الإنساني لا يأخذ في مصر حقه من الاهتمام منذ نشأته علي يد الراحل العظيم فريد المزاوي “1913 – 1978” حتي اليوم.
وقد نظم مهرجان الإسماعيلية في عام 2019 حلقة بحثية عن تاريخ الحركة النقدية السينمائية في مرحلة السبعينيات. وهو أيضا يهتم بإصدار الكتب التي تقدم الثقافة السينمائية والتي أصبحت اليوم شديدة الأهمية للنقاد قدر أهميتها للقراء. وذلك لحاجة النقاد خاصة من جيل الشباب إلي الاطلاع علي ماضي الثقافة السينمائية في مصر وفي قلبها النقد السينمائي.

ومن هذه الكتب “سامي السلاموني.. كتابات عن السينما التسجيلية والروائية القصيرة” إعداد الباحث الراحل يعقوب وهبي. وقد سعدت بإصدار هذا الكتاب عن مهرجان الإسماعيلية وهو الذي ظل 8 سنوات “مركون” في إحدي السلاسل السينمائية. رغم احتياجنا الشديد للكتاب خاصة أنه يستكمل مجموعة الأعمال الكاملة لكتابات الناقد الراحل سامي السلاموني والتي عكف علي جمعها وتبويبها الباحث السينمائي الراحل يعقوب وهبي.
ومن إصدارات “الإسماعيلية” هذا العام أيضا كتاب “عطيات الأبنودي.. سفيرة الغلابة” إعداد حسين عبداللطيف. وكتاب “سعيد شيمي الرجل الذي يري” بعيون مجموعة من النقاد. وكتاب عن أعمال المخرج الراحل أسامة فوزي إعداد مجموعة من أصدقائه. وكتاب “برهان علوية.. وحكايات غير منتهية” إعداد الناقد اللبناني نديم جرجورة وكتاب “جاز وأفلام.. سينما السود المقاومة بأنغام الجاز” إعداد الناقد صلاح هاشم وهو مؤسس مهرجان “جاز وأفلام” الذي أقام منه 4 دورات في أماكن متفرقة. وهو نموذج للمهرجانات المتخصصة في نوع معين من السينما تمثل إضافة للثقافة السينمائية المصرية والعربية وتعطي القارئ والمستمع المصري فكرة عن نوع من الموسيقي والأفلام لا نعرف عنها شيئا للأسف.
ومن إصدارات “الإسماعيلية” أيضا كتاب “نجيب محفوظ بختم النسر” وفيه ينشر الصحفي والأديب طارق الطاهر الملف الوظيفي للأديب العالمي نجيب محفوظ الذي حافظ علي وظيفته كوسيلة لكسب عيشه طوال سنوات منذ أن عمل في وزارة الأوقاف ثم انتقاله لوزارة الإرشاد والتي أصبحت وزارة الثقافة ورئاسته للرقابة وغير ذلك من الوظائف التي تقلدها حتي خروجه للمعاش عام 1971. وأعتقد أن هذا الكتاب سوف يحمل العديد من الطرائف في حياة أديبنا الكبير.
يستحق مهرجان الإسماعيلية أن نطلق عليه مهرجان الثقافة السينمائية لاهتمامه بتغطية هذا الجانب المهم في حياتنا. وأتمني من الناقد عصام زكريا رئيس المهرجان ود. خالد عبدالجليل رئيس المركز القومي للسينمائي.. أن يحافظا علي هذا التوجه العظيم الذي يحفظ لهذا البلد ذاكرته وما أحوجنا إلي ذلك في كل المجالات .
حسام حافظ

حسام حافظ ناقد سينمائي مقيم في القاهرة .مصر.المشرف على صفحة السينما في جريدة ” الجمهورية “
admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس 0

القاهرة.حسام عبد البصير:
سعى هشام مبارك في “الوفد” لعقد مقارنة بين مصر التي في الواقع، وتلك التي نراها في إعلانات التلفزيون فكانت النتيجة مروعة: مصر التي في خاطري لا مكان فيها لهذه الطبقية البغيضة، التي جعلت نصف إعلانات التلفزيون عن تلك الكومباوندات التي انتشرت في طول البلاد وعرضها كالنار في الهشيم، بينما النصف الآخر من الإعلانات يدعونا نحن أيضا للتبرع لمستشفيات الأطفال والكبار الغلابة، الذين ينتظرون يدا حانية تطبطب عليهم، وتداوي أوجاعهم. موازين مختلة تلك التي تطالب ذلك المواطن الغلبان، الذي يشاهد إعلانات القصور واليخوت، وهو يمصمص شفتيه حسرة على شبابه، بأن يمصمصها مرة أخرى على هؤلاء الغلابة الذين يحتاجون للتبرع. يحدث ذلك في الوقت الذي لا حديث فيه في جميع المنتديات الرمضانية وعلى موائد الإفطار، إلا عن الأرقام الفلكية التي تصل إلى ملايين الملايين التي يتقاضاها نجوم الفن، مقابل ظهورهم في أعمال فنية أو إعلانية. تخيل شعورك وأنت الموظف المجاهد والمجتهد بعد أن تكون قضيت عمرك حسن السير والسلوك في وظيفتك، ثم تجد في نهاية خدمتك (هذا إن وجدت أصلا) مبلغا ضئيلا لا يكفي حتى أن يشترى لك ولو قالب طوب في تلك الكومباوندات، التي تطاردنا في الإعلانات ليل نهار. تعديل طفيف في المعادلة، يعني أن أي نسبة ولو ضئيلة من تلك الملايين كفيلة بأن توفر العلاج، ومن قبله الكرامة لهؤلاء الذين يتم ابتزاز مشاعرنا للتبرع لهم. كيف أقتنع بدعوة للتبرع يقوم بها من قبض في مسلسله أربعين وخمسين وستين مليونا.
لو عندهم ضمير
لو كل واحد من هؤلاء الممثلين، بحسب ما يأمل هشام مبارك، تبرع ولو حتى بمليون من تلك الملايين التي قبضها مقابل تمثيله، لما احتجنا لكل هذه الحملات التي تدعو للتبرع لإنقاذ مريض أو توفير مكان في عناية مركزة، أو حتى مجرد سرير في أي مستشفى. بعد أن أصبح وجود سرير خال في أي مكان، يحتاج إلى وساطة تصل لوزيرة الصحة نفسها، وربما لرئيس الحكومة شخصيا. ما يحدث على شاشة التلفزيون كل ليلة في هذا السفه الإعلاني، كان يستوجب تفعيل قانون من أين لك هذا، خاصة لشركات المحمول والاتصالات، التي تخصص ميزانية سنوية تصل لمليارات الجنيهات في كل رمضان، حيث تتنافس كل شركة على استضافة كبار النجوم بملايين فلكية، بينما هذه الشركات نفسها تتنافس علينا كمستهلكين لبضاعتها، وتتفنن في سرقتنا عيني عينك، تحت مرمى ومسمع من الأجهزة من خلال لعبة كروت الشحن، التي تسحب منا باليمين ما نظن أنها تمنحه لنا بالشمال من عروض واهمة تدغدغ مشاعرنا، وتستغل الاستخدام غير الرشيد الذي نستخدمه كلنا إلا من رحم ربي لهذا الاختراع المسمى بالمحمول، الذي لم يكن له وجود في مصر التي في خاطري، بينما الآن يصول ويجول في مصر التي في الإعلانات. مصر التي في خاطري تتسم بالوقار والحشمة، بينما مصر التي في الإعلانات لا تعرف سوى الرقص والعري للترويج عن السلع والخدمات، وحتى الآن لم أجد جوابا شافيا عن علاقة الرقص والأغاني برواج السلعة أو الخدمة. هل هناك أمل في عودة مصر التي في خاطري؟ أم أن المطلوب رفع الراية البيضاء أمام مصر التي في الإعلانات؟
أثرياء ومتسولون
خلال تبنيه ملف التبرعات والعمل الخيري والأهلي، اكتشف أكرم القصاص في “اليوم السابع” مفارقات تظهر خلال شهر رمضان، وتتكرر سنويا، حيث التناقضات بين إعلانات عن كومباوندات شديدة الفخامة، أغلبها تقدم لأقل من واحد في المئة، وإعلانات تطلب التبرع لجمعيات ومشروعات خيرية صحية أو تعليمية غير مكتملة، والأمر يفتقد إلى المنطق، ويشير إلى تفاوت واضح، ومسافة تفصل فئات المجتمع بشكل حاد. هناك علاقة بين مروجي الكومباوند، وسكانه، وطالبي التبرعات. في عالم التسول هناك أمر لافت للنظر، أن المتسولين القادرين على التمثيل أكثر، هم الذين ينجحون في خداع الجمهور، وهم محترفون وغير محتاجين، بينما الفقير فعلا الذي يفتقد ميزات تمثيلية يبقى على فقره، الأمر نفسه يمكن تطبيقه على محترفي جمع التبرعات، ممن يستطيعون الدعاية جيدا، واللعب على عواطف الجمهور، يجمعون الكثير، وغالبا فإن ما يتم جمعه لا يصل منه إلى الفقراء غير نسبة قليلة، والباقي يدخل جيوبا، ويتحول إلى كومباوندات ومزارع وعزب وأطيان، والنتيجة أن مليارات تتجه نية من يتبرعون بها إلى أن توجه للفقراء والمؤسسات الطبية، لكنها تذهب لجيوب المحترفين. هناك بالطبع مؤسسات تجمع الكثير وتنفق الكثير، وهي مؤسسات تحظى بسمعة طيبة، أبرزها مركز مجدي يعقوب للقلب في أسوان وتوابعه، بل إن صندوقا مثل “تحيا مصر” يقوم بالعديد من الخدمات في إعانة الفقراء وإطلاق الغارمات، وتطوير مستشفيات وقرى، أضعاف ما تقدمه جمعيات الدعاية والإعلان، وأغلب الجمعيات ذات الأسماء الرنانة، ليس لأي منها أنشطة ظاهرة، باستثناء إعلانات تملأ السوشيال ميديا، ويصعب التوصل إلى هذه الجمعيات على الأرض، بينما تعجز مؤسسات خدمية، مثل معهد الأورام، أو مستشفى أبوالريش، عن تحصيل تبرعات، على الرغم من أنها تقدم خدمات حقيقية مجانية، أضعاف ما تقدمه مؤسسات الدعاية والإعلان.
كورونا يقاتل
نتحول نحو “الوطن” حيث اهتم الدكتور محمود خليل بدولة البرازيل التي توشك على الدخول في كارثة، نتيجة تفاقم معدلات الإصابة والوفاة بكورونا خلال الأيام الأخيرة. فقد وصل الأمر إلى حد وفاة شخص كل 3 دقائق جراء الإصابة بالفيروس.. سقط آلاف الأطفال هناك صرعى كورونا، وإجمالي عدد المصابين تجاوز الـ13 مليونا. الأصل في ما وصلت إليه البرازيل هو حالة الاستخفاف التي تعاملت بها كل من السلطات والشعب هناك مع الفيروس. لعلك تذكر موقف الرئيس البرازيلي حين استخف بالفيروس، وأكد أنه لا يزيد على إنفلونزا عادية، وأصر في العام الماضي على عدم التوسع في الإجراءات الاحترازية، وذكر أن مثل من يدعوه إلى إغلاق البلاد، كمثل من يدعو مصنع سيارات إلى الإغلاق لمجرد أن إحدى السيارات التي أنتجها تعرضت لحادثة تصادم. وعندما ظهرت لقاحات ضد فيروس كورونا رفض الحصول عليها، ولم يكتف بذلك، بل حذّر كل من ينوي تناول اللقاح من أن يتحول إلى «تمساح». حذا العديد من البرازيليين حذو رئيسهم، في حين حذرت المعارضة هناك من مغبّة ذلك بدون جدوى.. والنتيجة 13 مليون إصابة.. وحالة وفاة كل 3 دقائق. التعامل المستخف بالمخاطر الصغيرة يحولها في الأغلب إلى كوارث كبرى. مجموعة من اللقاحات تتنافس منذ فترة داخل سوق التطعيم، ويزعم منتجو كل لقاح أنه الأجدى في مواجهة الفيروس، في حين أن التجربة تقول إن جدوى اللقاحات في مواجهة كورونا لم تظهر أو تتبلور بشكل يطمئن إلى محاصرته في القريب.
لا تكرروا المأساة
علاج وحيد يراه الدكتور محمود خليل، ثبت أنه الأجدى والأكثر فاعلية في مواجهة فيروس كورونا.. هو محاصرة البؤر التي ظهر فيها، ومنع تسربه إلى غيرها من خلال تقليل الحركة، بالإضافة إلى الالتزام بالإجراءات الاحترازية المتعارف عليها. أثبتت تجربة تعامل البشر مع كورونا، على مدار ما يقرب من عام ونصف العام، أن خير وسيلة للوقاية من الإصابة به هى «الفرار منه».. ومحاولة محاصرته.. كما تفعل دول أوروبا. أخشى أن أقول إن هناك دولاً أخرى تتعامل بالمنطق البرازيلي وتواجه الموجة الثالثة من الفيروس بنوع من الإهمال والاستخفاف، الأمر الذي ظهر مردوده في ارتفاع معدلات الإصابات وأعداد الوفيات بالفيروس. والمتابع لأحوال ومعدلات انتشار فيروس كورونا في مصر، خلال الفترة الأخيرة يلاحظ الزيادة في أرقام الإصابات والوفيات المعلنة عبر وزارة الصحة. الحكومة كالعادة تشتكي من عدم التزام الناس، وتتهمهم بالتخلي عن الإجراءات الاحترازية، وعدم مراعاة شروط التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامة وغير ذلك. شكوى الحكومة من الناس في محلها، لكنها مطالبة بالتحرك السريع واتخاذ إجراءات لمحاصرة الفيروس، حتى لا تتفاقم الأمور. لقد نشر موقع «القاهرة 24» عن سقوط 14 وفاة جراء الإصابة بكورونا في سوهاج قبل أذان مغرب يوم واحد هو يوم الجمعة الماضي، وإذا أضفت إلى ذلك ارتفاع معدلات الإصابة والوفيات كما نلاحظها في العالمين الواقعي والافتراضي، وفي بيانات وزارة الصحة، فعلينا أن نطالب الحكومة بالتحرك السريع واتخاذ إجراءات عاجلة لمحاصرة الفيروس بعيداً عن «المنطق البرازيلي» في المعالجة.
الضحايا يتكلمون
داخل مستشفى بنها الجامعي، الذي استقبل 65 مصابا في حادث قطار بنها، الذي وقع ظهر أمس بين قريتي كفر الحصة وسندنهور في بنها، يرقد عدد من مصابي الحادث الأليم، يروون لحظات الرعب والموت التي شاهدوها بأعينهم، حيث رددوا الشهادتين ظنا منهم أنها النهاية. ففي قسم القلب والصدر، يرقد محمد فاروق محمد 38 عاما، موظف من المنصورة حيث روي أنه اعتاد ركوب القطارات خلال توجهه إلى القاهرة لقضاء مصالحه، وفي هذا اليوم اصطحب زوجته معه وركبا قطار 948 من المنصورة للقاهرة، لإجراء بعض الفحوصات والتحاليل الطبية، وأوضح أنه أقنع زوجته بالركوب، «فجأة حدث هرج ومرج ووقعت بالطرقة، ووقف أحد الركاب على ظهري ولم أدر بنفسي إلا وأنا في المستشفى الجامعي، وفوجئت بزوجتى أمامي على السرير المقابل، وتمسك بذراعها الذي أصيب بكدمات وتدعو الله أن يشفيني». وقال عبدالمنعم الشناوي 37 عاما، من كفر الشيخ، الذى يرقد في إحدى الغرف في قسم القلب والصدر في مستشفى بنها الجامعي، «رددنا الشهادة بعد سماع انفجار وتوقف القطار مرة واحدة»، مضيفا «سمعت أصوات وصرخات بجواري لإنقاذ الركاب وقام آخرون يبحثون عن ذويهم ومن كانوا معهم بالمربع الذي يجلسون عليه في القطار».
سارا معاً كصديقين
في معرض هجومه على الممثل محمد رمضان قال مصطفى عبيد في “الوفد”: مأساة الولد الذي أفلت من مُستنقعات اللاشيء أن موهبته قُدرت، وأن بشرا طيبين مدوا سواعدهم لإظهارها وإمتاع الناس بها، وهو ما لم ينتظره أو يتوقعه فانشرخ وجدانه، وسقطت قيمه. لم أصدق مشهد بعثرته المال، بعد حُكم قضائي بالتعويض حصل عليه طيار مصر للطيران الذي فُصل، لأنه سمح له بدخول كابينة القيادة. تصورت أن الأمر محض مبالغة فيسبوكية، حتى رأيته، فتوجعت وحزنت، وأيقنت أن النجاح قد يدفع إلى الفشل. ما الفن إن لم يُخفف وجعا؟ ما الجمال إن لم يُرقق قلبا؟ ما المتعة إن لم تغرس قيما؟ ما الحياة والنجومية والتحقق إن لم تُمثل جذوة تحفيز وماكينة دعم لأصحاب المواهب والمجتهدين للتطور والتقدم؟ هناك نجوم صعدوا بكفاح، وتألقوا بوهج، وأسعدوا الناس فأسعدهم الناس، لكنهم عند نقطة بعينها انفصلوا عن البشر، فسقطوا من شاهق. لا ألق يدوم، ولا مجد يبقى للأبد، ومَن لا يتعلم من السابقين، يُكرر خطاياهم. كان نجيب محفوظ، أعظم مبدعي مصر، يُدرك ذلك جيدا. لم يكن ساحرا في الحكي وماتعا في الكتابة فقط، وإنما كان فريدا في أخلاقه، تواضعه، بساطته، رُقيه، شعوره بالانتماء للناس، وحرصه على أن يكون منهم لا فوقهم. كُتلة جمال إنساني وسيرة عطرة خالدة تُحكى إلى يوم القيامة. حكى لي أديب كبير أنه كتب قصة قصيرة وهو صغير، ولم يعرف تقييما موضوعيا لها، فنصحه البعض بعرضها على نجيب محفوظ. كيف؟ سأل الرجل، فقيل له إنه يسير كل يوم في الثامنة صباحا ليعبر كوبري قصر النيل في طريقه من البيت إلى جريدة “الأهرام”. بالفعل استيقظ مبكرا، وانتظر الرجل حتى إذا رأه سائرا اقترب منه واستوقفه فوقف، وأعطاه القصة. قال لى الحاكي « توقعت أن يغضب الأديب الكبير على هذا التطفل، أو يرفض ويُعيد لي القصة، أو ينهرني لكنه لم يفعل. ابتسم في رقة وقال له: أشكرك على هذه الثقة. دعني أقرأها وفي الأسبوع المقبل في هذا الوقت سأخبرك برأيي». وفى اليوم الموعود، عاد كاتب القصة إلى كوبري قصر النيل في توقيت مشابه، ووجد نجيب محفوظ يسير في هدوء محتضنا أوراق القصة، وقد كتب عليها بعض الملاحظات. وقف معه، وكرر شكره على ثقته به، وأخبره إن العمل جميل لكنه سيكون أجمل لو فعل كذا وكذا.. وسارا معا كصديقين. ومثل هذا الخُلق هو سر خلود نجيب محفوظ لا نوبل.
عن جريدة ” القدس العربي ” الصادرة في لندن
بتاريخ الاثنين 19 إبريل2021
admin Uncategorized, رئيسية, كل جديد 0

علي بدرخان
قررت إدارة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط في اجتماعها برئاسة الناقد السينمائي الأمير أباظة، إهداء الدورة الـ٣٧ للمهرجان التي تقام خلال الفترة من ٢٥ سبتمبر حتى أول أكتوبر المقبل، إلى المخرج الكبير علي بدرخان احتفالا باليوبيل الماسي لميلاده.
ومن جانبه قال الأمير أباظة إن المخرج علي بدرخان يملك مشوارا سينمائيا كبيرا ومهما، ولذلك يستحق التكريم والاحتفال باليوبيل الماسي لميلاده، مشيرا إلى أنه سوف يتم إصدار كتابا عن مسيرته السينمائية ، وإقامة معرض أفيشات وصور عن أعماله، بالإضافة لتكريمه في حفل الافتتاح بحضور زملائه وتلاميذه.
من ناحية أخرى قال أباظة إنه يجرى حاليا الاستعداد للدورة الجديدة وتحديد المسابقات واختيار المكرمين، مع الالتزام الكامل بالإجراءات الاحترازية والوقائية والحفاظ على التباعد الاجتماعي، وتعقيم أماكن العرض تحت إشراف وزارة الصحة مثلما حدث في الدورة الأخيرة التي تم تنفيذ جميع التعليمات الصحية بها، ولذلك لم تظهر أي حالات كورونا، وهذا ما سنحرص عليه في الدورة المقبلة، حفاظا على صحة الضيوف.
يشار إلى أن المخرج علي بدرخان التحق بالمعهد العالي للسينما وتخرج منه عام 1967، حيث أخرج أول فيلم طويل له حمل اسم “الحب الذي كان” عام 1973، وأخرج بعدها عدد من الأفلام المهمة منها “الكرنك، شفيقة ومتولي، الجوع، والراعي والنساء”.
admin Uncategorized, شخصيات ومذاهب, فوتوجرافيا, مختارات سينما ازيس 0

قتيبة الجنابي مُخرج عراقي. درس التصوير الفوتوغرافي والسينمائي في أكاديمية الفنون الهنغارية وحصل على دكتوراه في موضوع رحلة السينما العربيّة. عمل في التليفزيون الهنغاري لسنواتٍ عدّة ويعيش متنقِّلاً بين بغداد ولندن وبودابست. كما صوَّر مجموعة من الأفلام التسجيلية لدار الأوبرا البريطانية. عمل مدير تصوير لسبعة أفلام روائية طويلة بين لندن وباريس. كما أنتج وأخرج مجموعة من الأفلام التسجيلية القصيرة والمستقلّة نال بعضها جوائز في مهرجانات وتليفزيونات حول العالم. في الغضون أقام معارض فوتوغرافية، وله كتابان فوتوغرافيان – بعيداً عن بغداد وأضواء أجنبية. حصل عمله الروائي الأوّل «الرحيل من بغداد» على الجائزة الأولى في مهرجان الخليج السينمائي وجائزة مهرجان مونتي كارلو، ورُشِّح لجائزة السلام في برلين، كذلك اُختير كأفضل فيلمٍ بريطاني مستقلّ لعام 2011. أنجز فيلمه الروائي التسجيلي الثاني (قصص العابرين)، والذي صوَّره طوال 30 عاماً.
– المتابع لأفلامك السينمائية يرى أن الغربة والرحيل القسري عن الوطن، وكذا الحنين إليه، تُعَدُّ ثيمات مهيمنة على معظم أفلامك القصيرة والطويلة، الوثائقية أو الروائية؟
الغربة والابتعاد عن المكان الأوَّل ليسا خياراً شخصياً، لم أكنْ أهوى المنافي والأماكن البعيدة الغريبة، ولكن سنوات القمع والديكتاتورية بما حملت من أوجاع ومحن دفعتني قسراً إلى مغادرة مدينتي التي أحبّ (بغداد) في عمرٍ مبكِّر من حياتي، وجعلتني على موعد دائم مع المجهول. رغم ذلك كنت أتوقَّع أن سنوات اغترابي ستكون قليلة أو محدودة، لكن الواقع الذي عشته كان غير ذلك، فما كان أمامي للخلاص من تلك المحنة إلّا التفكير جديّاً بتدوين وتوثيق تجربة المنافي والرحلات التي مررت بها أسوةً بجيلٍ من العراقيين المُعارضين سياسياً، على أمل انتهاء المحنة والرجوع إلى بغداد يوماً ما. لكن بمرور الوقت أيقنت أن المنفى سيكون رحلة طويلة محفوفة بالأسى والصعاب، فاخترت أن تكون صوري وأفلامي شهادات حيّة عن تجربة جيلي في بلدان المنافي حول العالم. في سنواتٍ لاحقة أخذت الأمور منحى آخر بالنسبة إليّ، حلم العودة بات قصيّاً جدّاً، وتجربة المنفى أصبحت خياراً أوحد لمواصلة الحياة.
حينذاك تناسلت الحروب وطال المنفى. لذا بدأت أتعمَّق أكثر فأكثر في تجارب الغربة، وأصبح هذا الموضوع هاجسي الأكبر. وطوال سنوات دراستي وعملي أدركت أنني أقترب شيئاً فشيئاً من مفهوم الاغتراب بمعناه الفكري. هكذا أتت أفلامي القصيرة والتسجيلية التي تناولت بها شخصيات إبداعية عراقية تعاني من وطأة حياة المنفى، كشهادةٍ حيّة وصادقة عن معنى الرحيل عن الوطن، أذكر منها فيلم «أرض الخراب» بين بغداد ولندن، والذي تناولت فيه تجربة الفَنَّانة المسرحية الراحلة ناهدة الرماح، وكذلك الفيلم الوثائقي «الرجل الذي لا يعرف السكون» عن تجربة الفَنَّان المسرحي الرائد «خليل شوقي» ثمّ استمرّت رحلتي على خطٍ موازٍ لتسجيل غربة الفَنَّان التشكيلي الراحل «محمود صبري»، الذي يحيا بين لوحاته في شقّة صغيرة بلندن وهو الفَنَّان الاستثنائي الذي شكَّل علامة فارقة بين فنَّاني جيله.
هكذا تداخلت الأحاسيس، وتوالت صور الأوجاع، وبدأت بوصلتي الإبداعية تقترب أكثر من حكايات المنافي والرحيل والعابرين، ربَّما لأنها الحياة الوحيدة التي أعرفها.
– هل نستطيع القول إن أفلامك لاسيّما فيلمي (الرحيل من بغداد، وقصص العابرين) تحمل نوعاً من الناستولوجيا المشفوعة التي ترتكز غالباً على وقائع سنواتٍ مضت، جعلتك كمُخرج تستعين بمحمولات الذاكرة في رسم الشخصيات والأحداث الدرامية (معظمها سياسيّ)، لتغدو الصورة السينمائية عندك نزوعاً ذاتيّاً للتطهر من أعباء ماضٍ مسكون بالخوف والرعب والحروب؟
في فيلمي الروائي الطويل (الرحيل من بغداد) تناولت ما يمكن أن أسميه الكابوس العراقي وهو حالة عامّة تلبَّست أهلنا في العراق في ظلّ حكم نظام البعث. إحساس المرء بالخوف والمراقبة والذنب (أسوة بأبطال كافكا) ظلّ الهاجس الأشد مرارة في تجربتي الشخصية التي انعكست على صور أفلامي. ربَّما في سياق أوسع يعلِّمنا التاريخ أن الشعوب التي اكتوت بنار الديكتاتورية تعرف -على نحوٍ لا ينافسها فيه أحد- معنى الشعور بالرقابة الدائمة وتكميم الأفواه وانعدام الثِّقة، ولكن ما لا يعقل في عراق البعث هو أن تصل الأمور إلى حَدِّ وشاية الأب بابنه لكسب ود السُّلطة، أليس هذا ضرباً من اللامعقول؟
هذه المعضلة الواقعية ستتحوَّل إلى أزمة أخلاقية حقيقية في فيلم (الرحيل من بغداد)، والذي دونت فيه الكثير من صفحات حياتي الشخصية طوال أكثر من ثلاثين عاماً مثّلت بمجملها سنوات ابتعادي عن بغداد. لا يعني ذلك أن أفلامي صُنعت لكي تكون هروباً من وطأة الماضي والتخلُّص من أعبائه، لأنها تعريةٌ لذلك الماضي وكشفٌ لخباياه. يمكنني القول إن أفلامي (حتى القصيرة منها) هي بوجهٍ من الوجوه محاكاة صميمية لحيوات المنفيين، عراقيين كانوا أو غير عراقيين ممّن مرّوا بتجارب مريرة مماثلة. من هنا فهذه الأفلام هي ذاكرة مشتركة لكلّ من هوت حياتهم على نحوٍ مخيف في الربع الأخير من القرن الماضي، واستذكار إنساني لكلّ أولئك المُؤبَّدين في محطَّات القطارات ومخيمات الاحتجاز والفنادق الرخيصة، لأصدقاء كثر بقيت عيونهم مفتوحة في أثناء النوم، وآذانهم مصوَّبة على ما يحمله المذياع من أخبار الوطن البعيد.
– معظم أفلامك القصيرة جاءت مكتفية بالصورة دون الحوار وتراجعت أهمِّية الحكاية لصالح الاشتغال الملحوظ على بنية الفيلم السينمائي، شكله ولغته الفَنّيّة التي تخفي تأثيرات أدبيّة من نوعٍ ما؟
فيما يتعلَّق بكون معظم أفلامي القصيرة من دون حوار أو لنقل بحوارٍ مقتصد، أقول وبشكلٍ مختصر بأنني كنت ولا أزال أعتقد أن السينما في نهاية الأمر هي مشروع بصري جمالي، والحكاية هي أمر ثانوي، ولذا على المُخرج الذي يعي هذه الحقيقة العناية بشكل أساسي بالصورة التي تتكلَّم أكثر من غيرها، والاهتمام بشكلها وتأثيراتها المرجوة خلال صناعة فيلمه السينمائي. لك أن تتخيَّل أن فيلمي الروائي الجديد الموسوم «رجل الخشب»، والذي يناهز زمنه الساعة ونصف الساعة لا يتجاوز الشريط الصوتي فيه نحو عشر دقائق. أنا من هواة الصورة القادرة على نقل الحكاية والأحاسيس بلغة معبِّرة، بليغة وغير ثرثارة.
وفي البحث عن أسباب تلك الخيارات أظن أن الواقع الذي واجهته هو الذي حتَّم عليَّ العمل بحس الفيلم المستقل، الاكتفاء ببراهين الصورة وليس بإبهارها الإنتاجي الفخم، فيلم فقير كما يصفه البعض لكنه غني بعمقه الإبداعي والإنساني… هكذا كان عليَّ أن أسلك هذا الطريق للوصول إلى فيلم عراقي على مستوى الهويّة، عالمي على مستوى اللُّغة. إنها سينما جادة شديدة الخصوصية، وضعتني حالياً أمام مُهمَّة إتمام «ثلاثية أفلامي المستقلّة»، والتي كان أوّلها فيلم «الرحيل من بغداد»، ومن ثَمَّ فيلمي الروائي- التسجيلي (قصص العابرين)، وخاتمة الثلاثية (رجل الخشب)، الذي أُصور مشاهده حالياً. وتعقيباً على إشارتك الواردة في نهاية السؤال، أعترف بتأثيرات الأدب على مخيلتي وأفكاري، فبوصلتي كانت وما تزال كامنة في حكايات الكاتب العراقي محمد خضير بسحر عوالمه القصصيّة وشخصيّاته ولغته الثَّرة التي اعتبرها الملهم الروحي لي في ساعات الاختناق ومشقّة البحث عن جديد.
– ثمّة شاعرية بيِّنة في مشاهدك السينمائية تثري المعنى وتعزِّز دلالات الصورة، تذكّرنا إلى حَدٍّ ما بأجواء تاركوفسكي وترنس مالك، لقطات تحكي بالصوت واللون والصورة أكثر من أي شيءٍ آخر، (نوافذ مشرعة في منازل مهجورة، قطارات متروكة وسكك حديد موحشة، أرجوحة فارغة وصفير ريح، كومة مفاتيح صدئة، صور أشخاص مغيبين ورجال مسنين بوجوه يائسة…)، كيف تتراءى لك هذه الصور وما الذي يمثِّله أسلوب وصل اللقطات /اللوحات خارج خطّ السرد الدرامي أو عبر تدميره؟
لا أعرف إجابة نموذجية عن سؤالك. لكن أستطيع القول إنني لا أفتعل هذه الأشياء، ولا أصطنع الصور، كلّ اللقطات والمشاهد تأتي في لحظات نفسية معيَّنة لا أعرف بالضبط من أين، لكنها تداهمني وتدفعني لحمل كاميرتي وتجسيد ما أراه، أسوة بالشاعر الذي يطارد القصيدة. أحياناً تتدفَّق الأحاسيس من لوعة الانتظار ومن البحث عن طريق آمن للعودة إلى المكان الأوّل. ويمكن لها أن تأتي من مخزوننا التراجيدي العراقي من حقب الأحزان والأوجاع التي مررنا بها. إن تراجيديا الحسين، ومأساة كلكامش، وخيبات الآباء والأبناء في متاهة السنوات العجاف والسواد الدائم الذي تتدثَّر به أمهاتنا كلّها صور حيَّة تسكن مخيلتي بشكلٍ أبدي. وليس بدرجة أَقلّ تركت سنوات الحروب والاستبداد بصماتها الغائرة في وجدان جيلنا وذاكرته. هروبنا من العراق لم يكن اختيارياً. كان حلاً قاسياً علينا جميعاً. الثلج والمحطَّات المُوحشة والقطارات وغرف الفنادق الوضيعة وشرطة الحدود ووثائق التنقُّل غير الرسمية بين البلدان وشحة أخبار الوطن، حفَّزتني للبحث عن عزاءٍ روحي، عن ضرورة مشاركة همومنا مع الآخر. في هذه المناخات وُلِدَتْ مفردات أفلامي السينمائية التي أفادت كثيراً من خبرتي في مجال التصوير الفوتوغرافي. أحد النقَّاد الأوروبيين واسمه «بيتر بال» وهو رئيس تحرير مجلّة «فوتوغراف الهنغارية» كتب يوماً ما في دليل معرضي الفوتوغرافي الأوّل «أنت مثل شاعر فوتوغرافي يبحث عن زوايا مدينته بغداد في بلدنا» .
أمّا بخصوص تأثري بإنجازات العظيم تلركوفسكي والشاعر السينمائي ترنس مالك فليس لي أن أقول سوى إنني تعلَّمت الكثير منهم وتفاعلت مع تجاربهم الإبداعية، وأظن أن قيمة الفَنّ الحقّة هي في أنه عابر للحدود ومنفتح على تجارب الآخرين أينما كانوا.
– كيف تصف علاقتك بالسينما العراقية منذ انطلاقها وحتى العام 2003، هل تركت أثرها على أفلامك؟ وما هي أبرز التجارب التي أثّرت بك؟
في السنوات الأولى التي شهدت نضج وعينا وشغفنا بالسينما كان هنالك نوعٌ من التداخل بين المحلِّيّ والعربيّ والعالميّ، فنحن منحازون للجودة وخاضعين لتأثير الأفلام المُميَّزة بغض النظر عن هويّتها. فلا أحد ينكر حجم تأثير السينما المصريّة علينا كشبابٍ سينمائي طموح، وذلك لقربها من نمط حياتنا وهمومنا وأحلامنا، رغم ذلك كان للفيلم العراقي نكهته الخاصّة التي جعلته أقرب لذائقتنا ووجداننا، وإن كان شحيحاً في الإنتاج مقارنةً بسينمات أخرى. أتذكَّر جيّداً الدعايات الأولى في التليفزيون والسينما لفيلم «الظامئون» بهاء الصورة وجمالية اللون الأبيض والأسود لا تزال قابعة في ذاكرتي، فضلاً عن تميّز أداء ممثِّليه والموقع الجغرافي الساحر للتصوير. لقد كانت تجربة فريدة بالنسبة لي، لاسيّما حينما شاهدته في إحدى سينمات بغداد. في ذاك الزمن كانت هناك أفلامٌ واقعية حقَّاً وأخرى طليعية سبّاقة في معالجاتها لقضايا حسّاسة، منها فيلم (سعيد أفندي، الحارس، من المسؤول، وفيلم المنعطف عن رواية خمسة أصوات للروائي غائب طعمة فرمان).. أستطيع القول إنني تأثَّرت مع العديد من أبناء جيلي بهذه الأفلام وبمُخرجيها بقدر تأثُّري بأفلام الواقعية الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى نحوٍ أكثر تحديداً بخواصها وآلية عملها، حيث الاكتفاء بميزانيات بسيطة والتصوير في مواقع الحدث، والاعتماد على ممثِّلين غير محترفين، وكوادر محلّيّة تمتلك نوعاً من العشق الشديد للإنجاز والمغامرة الإبداعية. بالتأكيد هنالك أفلام عراقية أخرى تمتلك خصوصيتها وتميُّزها كان لها دورٌ حاسم في توجيه اهتمامنا وصقل ذائقتنا السينمائية.
– بعد سنوات من الدراسة الأكاديمية داخل العراق وخارجه، أيّ التجارب السينمائية العربيّة والعالميّة التي تجدها أقرب إلى رؤيتك وأسلوبك السينمائي؟
طوال 40 سنة من الدراسة والعمل والمحاولة في عالم الصورة والفيلم أستطيع القول إنني تأثَّرت في مراحل مختلفة بأساليب وتجارب عديدة من العالم العربي، فقد كانت أفلام المُخرج الراحل يوسف شاهين ملهمةً لي بدرجةٍ كبيرة، ولا يمكن تخطّي تأثيرها (باب الحديد، الأرض، العصفور، وعودة الابن الضّال)، لأنها تمثِّل سينما الوعي المُحفِّزة للتفكير بجماليات السينما وقضاياها. على صعيد مقارب أعجبت بأفلام المُخرج توفيق صالح (يوميات نائب في الأرياف، والمخدوعون)، ولاحقاً هيمنت على ذائقتنا تجارب جماعة السينما الجديدة التي خرجت عن التقاليد السائدة للفيلم العربي، أتذكَّر هنا فيلم («أغنية على الممر» لعلي عبد الخالق، و«زائر الفجر» لممدوح شكري وكذلك فيلم «الظلال» في الجانب الآخر للمُخرج غالب شعث) كما تأثَّرت بخصوصية تجربة السينمائي العراقي الموسوعي «قيس الزبيدي» صاحب الفيلم الروائي المُتجدِّد «اليازرلي»، الذي أُنتج في دمشق. ثمّ تابعت تطوُّرات السينما الجزائرية في نتاجاتها المتنوِّعة التي نالت التقدير والجوائز كفيلم (وقائع سنوات الجمر) للمُخرج محمد الأخضر حامينا، وأفلام مرزوق علوش والقائمة تطول. كما لا يمكن إغفال تأثير فيلم «بس يا بحر» للمُخرج الكويتي خالد الصديق، فقد كان على المستوى الشخصي فيلماً صادماً ومبهراً في حينها.
وفي سنواتٍ لاحقة أخذتنا التقلُّبات السياسيّة وسنوات الحروب والديكتاتورية بعيداً عن واقعنا العربيّ، حيث ذهبت لدراسة فنّ الفوتوغراف والسينما في بودابست-هنغاريا وجرفتني الحياة والتأثيرات الجديدة إلى مساحة سينمائية ومعرفية أخرى أغنت معرفتي ووسَّعت تطلّعاتي. حينها عشقت الفيلم الهنغاري طوال سنوات إقامتي هناك، وشيئاً فشيئاً، أصبحت مساهماً ومتدرِّباً مع مُخرجين هنغاريين معروفين، ومن خلالهم اقتربت أكثر من تجارب السينما السوفياتية آنذاك، إلّا أن التأثير الأعمق كان على يد المُخرج الألماني «فيم فيندرز» الصانع الأمهر لأفلام الطريق، لاسيّما تحفته السينمائية «باريس تكساس». ولكي نكون منصفين مَنْ منّا لم يتأثَّر بأفلام الواقعية الإيطالية، والموجة الجديدة في فرنسا، وإبداعات السينما الإيرانية، والفيلم الأميركي المستقل؟. في الغضون دفعني عشقي لأدب ماركيز إلى الاستغراق بمتابعة إنجازات سينما أميركا اللاتينية، التي عالجت قضايا سياسية واجتماعية شديدة القرب من قضايانا العربيّة. كما أحببت بذات الشغف أفلام المُخرج الهندي «ساتياجيت راي» لخصوصيتها الشديدة وصدقها وقوة شاعريتها. وفي أوروبا ثمّة أفلام رائعة لسينمائيين مهاجرين أو متحدِّرين من أعراقٍ مختلطة لها خصوصيتها وجمالها الآخاذ. إجمالاً مسلسل التأثيرات والتفاعل مع الآخر لا يمكن أن يتوقَّف.
شيءٌ آخر يمكن أن أكون قد عملت به في أفلامي هو أني خاطبت الوجدان الأوروبي بلغة أريد لها أن تكون متفرِّدة وعالمية في نقل أحاسيسنا وقصصنا. كلّ هذا قادني لأن أبحث عن التميُّز بصوري وأفلامي. كنت أفكر أحياناً بكيفية الوصول بالمتلقي الذي يشاهد صوري وأفلامي إلى معرفة هويّة صاحب هذا العمل الفَنّيّ. إنه برهان الروح العراقية في تخليق الموضوع والشكل وسيل الأحاسيس التي تشبه نظيراتها في أيما بقعة من هذا العالم. لن تكون صوري ولقطاتي معبِّرة ما لم يخفق قلبي لها في تلك اللحظة.
أجرى الحوار
أحمد تامر جهاد
1 سبتمبر 2019
عن مجلة ” الدوحة ” .قطر لباب ” مختارات سينما إيزيس “
admin Uncategorized, رئيسية, شاشة باريس, كل جديد 0
تنظم ” أكاديمية فنون وتقنيات السينما الفرنسية” حفلها السنوي السادس والأربعين، لتوزيع جوائز السيزار- الأوسكار الفرنسي – يوم الجمعة الموافق 12 مارس الساعة 9 مساء، وهي المرة الأولى ،التي يعقد فيها حفل السينما الفرنسية الكبير – تأسس عام 1976 – تحت إدارة جديدة، برئاسة السيدة فيرونيك كيالا – الرئيس السابق لكل من قناة ” آرتيه ” ،و المركز القومي للسينما في فرنسا، ونائب الرئيس، المخرج الفرنسي إيريك توليدانو..
والمعروف أن الإدارة الجديدة، تم إنتخابها في فبراير عام 2020 بعد نشوب ” ثورة ” على الإدارة القديمة المتهالكة، التي كانت تنحاز لـ ” خيارات ” محددة بعينها ،لمجموعة صغيرة من الاداريين والمخرجين والنجوم ، من أصحاب النفوذ ، ضمن الأعضاء القدامى في الاكاديمية، وقد تم على أثرها، طرد رئيس أكاديمية السيزار القديم، بسبب تدخله وتورطه شخصيا،في منح جائزة أحسن مخرج، للمخرج الفرنسي من أصل بولندي رومان بولانسكي، على الرغم من أن بولانسكي، كان ومازال، متهما في قضايا إغتصاب و تحرش جنسي، ومطلوبا للمحاكمة، كما تم اختيار إدارة جديدة للأكاديمية،تتحقق معها شروط ” المساواة” بين المرأة والرجل ، في جميع هياكلها الجديدة..
يترأس حفل السيزار في دورته 46 يوم الجمعة القادم، الممثل والمخرج الفرنسي من أصل عربي رشدي زيم، وقد تم اخنيار الممثلة مارينا فوس لتقديم وإدارة الحفل، والمغني بنجامان بيولا رئيسا للأوركسترا..
والمعروف أن أكثر من 150 فيلما فقط من انتاج 2020 تتنافس على الفوز بجوائز السيزار – ويقل عدد هذه الأفلام بنسبة مرتين، عن عدد الأفلام المشاركة كالمعتاد في كل دورة ، على الرغم من أن دور العرض في فرنسا، تعرضت للاغلاق لفترة تزيد على 162 يوما – أكثر من 5 شهور – بسبب انتشار وباء الكورونا، حتى أن بعض السينمائيين الفرنسيين إعتبروا أن الاصرار عل إقامة الحفل يوم الجمعة القادم ،هو أمر “غير شرعي” بالمرة..
حيث أن الظروف الصحية التي تمر بها البلاد، لم تسمح بخروج عدد كبير من الأفلام، التي كانت جاهزة بالفعل للعرض، ولم يستطع أصحابها – للأسف – ترشيحها ، أوالمشاركة بها في المنافسة على جوائز الأكاديمية السينمائية الفرنسية العريقة..
في حين أصرت الأغلبية، على ضرورة تنظيم الحفل، لارتباطه بمصالح وحقوق، قطاعات واسعة من العاملين في السينما الفرنسية،من موزعين ومنتجين وممثلين،وغيرهم،والمساهمة هكذا، بقدر المستطاع، مع إقامة حفل السيزار46، من الحد من دفع أعدادا متزايدة من العاملين في الوسط السينمائي الفرنسي الى ساحة ” البطالة “..

كاميليا جوردانا
ويتنافس على جائزة أحسن فيلم في حفل السيزار 46 ، مجموعة من 6 أفلام تم اختيارها من ضمن ال150 فيلما التي تم ترشيحها، من ضمنها فيلم ” أقوال وأفعال ” من إخراج إيمانويل موريه، وفيلم ” ADN ” للمخرجة مايوين، وفيلم ” صيف 1985 ” لفرانسوا أوزون..
ومن ضمن الممثلين الفرنسيين المرشحين للفوز بجائزة أحسن ممثل في حفل السيزار 46، الممثل الفرنسي من أصل عربي سامي بوعجيلة،، كما تنضم أيضا الممثلة الفرنسية من أصل عربي كاميليا جوردانا ، الى قائمة الممثلات المرشحات للحصول على جائزة أحسن ممثلة، وهما الإثنان من أبناء وبنات المهاجرين العرب الى فرنسا، وسوف تقوم قناة ” كنال بلوس” الفرنسية التاسعة مساء الجمعة 12 مارس، ببث فقرات حفل السينما الفرنسية الكبير،الذي يقام في فاعة الغناء ” الأوليمبيا ” الشهيرة ، التي غنت بها كوككب الشرق أم كلثوم، في العاصمة باريس..
باريس – صلاح هاشم

صلاح هاشم ناقد سينمائي مصري.مؤسس موقع سينما إيزيس عام 2005 في باريس.فرنسا ورئيس تحرير الموقع
admin Uncategorized, شخصيات ومذاهب, كل جديد, مختارات سينما ازيس 0

قلما عرفت الشاشة مخرجاً عاشقاً للسينما كما هي حال الأميركي مارتن سكورسيزي. فمجرد الاستماع إليه وهو يتحدث عن الأفلام التي ألهمته شيء يشبه رؤية بيكاسو يرسم، أو همنغواي يكتب، أو ماريا كالاس تغني. لم يكتفِ صاحب “سائق تاكسي” بالخلق والابتكار عبر تقديم مجموعة أعمال لا تزال بقوة في ذاكرتنا، بل كان دائماً في الصف الأمامي للدفاع عن الفن السابع، الذي لطالما اعتبره تراثاً بشرياً يجب المحافظة عليه مهما كلف الثمن. بالطبع، الأفلام التي قدمها تتولى رواية هذا العشق للسينما، ولم يكن في حاجة لأكثر من ذلك، إلا أن “مارتي” (كما يسميه المقربون منه)، أراد التعبير عنه بالكلام المباشر في عدد من اللقاءات والندوات التي تسنى لي حضور البعض منها ببهجة تفوق الوصف. يجب ألا ننسى أيضاً، وخصوصاً، أفلامه الوثائقية ذات الطابع الشخصي، منها “رحلتي إلى إيطاليا” (1999)، حيث شرح طولاً وعرضاً علاقته العضوية بالسينما الإيطالية التي صاغت ذائقته ووعيه السياسي، ونحتت ما أصبح عليه لاحقاً، سواء كإنسان أو فنان. وليس مصادفة أيضاً أنه أسس في عام 2007 مؤسسة “مشروع السينما العالمية” التي تهتم بالمحافظة على الأفلام المنسية وترميمها.هذه مقدمة لا بد منها للحديث عما يشغل بال سكورسيزي وهو على مشارف الثمانين. سكورسيزي الذي كان قبل فترة قد أحدث جدلاً عندما صرح بأن أفلام “مارفيل” ليست سينما، بل شيء أشبه بمدن الملاهي. فقبل أيام معدودة، أطلق السينمائي الكبير صفارة الإنذار محذراً من المخاطر التي تواجهها السينما، والتي قد تسبب بموتها، أو اندثارها. بعد مرور أكثر من سنة على تفشي وباء كورونا الذي نتج عنه إغلاق صالات السينما في جميع بقاع الأرض خوفاً من انتشاره (الثقافة دائماً أولى الضحايا)، كان لا بد لشخص من طينة سكورسيزي أن يتفوه بمثل هذا الكلام لنعي ما نخسره وأي خطر نواجهه إذا ما استمرت الحال على ما هي عليه، خصوصاً في إنكار تراجع دور القاعات السينمائية (المكان الحقيقي للمشاهدة) أمام صعود دور منصات العرض التدفقي، مع العلم بأن سكورسيزي نفسه استفاد من هذه المنصات، إذ أنتج فيلمه الأخير “الإيرلندي”، بأموال “نتفليكس” التي تعتبر أشهر منصة بث تدفقي في العالم. فهذه المنصات التي أضحت شراً لا بد منه خلال الحجر الصحي، لا تقتل صالات السينما فحسب، بل تشوه أيضاً رؤيتنا لماهية الفن لأنها تستند إلى حسابات تخضع لخطط تسويقية.ذه الخشية النابعة من القلب على مستقبل السينما، التي باتت واقعاً ملموساً لا مجرد هاجس كما كانت الحال في التسعينات مع انتشار عبارة “موت السينما”، عبّر عنها سكورسيزي كصرخة في مقال طويل نشر في مجلة “هاربرز” (ثاني أقدم مجلة أميركية لم تتوقف عن الصدور منذ تأسيسها في عام 1850)، وخلق نقاشاً في الأوساط المعنية بالسينما، علماً بأن العالم العربي لا يزال بعيداً من أي نقاش، كون الثقافة ليست من أولوياته، سواء كانت صناعةً أو عرضاً أو نقداً.
ولكن، ماذا يقول سكورسيزي تحديداً في هذا المقال التاريخي الذي سيسيل الكثير من الحبر في الصحافة على مدى الأيام القادمة؟ بدايةً، يحمل النص عنوان “المايسترو” (المعلم)، ذلك أن الجزء الأكبر منه مخصص لفيديريكو فيلليني (1920 – 1993)، وهو السينمائي الإيطالي الذي يكن له سكورسيزي إخلاصاً كبيراً، كون “ثمانية ونصف” من الأفلام التي صنعته. من خلال الكلام عن فيلليني يلقي سكورسيزي تحية على عصر كان للسينما فيه دور تأسيسي واجتماعي وفني. يبدأ مقاله باستعادة الزمن الجميل، حيث كان فيه مراهقاً يجوب شوارع مسقطه نيويورك، يوم كان الفن السابع في أوج تألقه، بينما أضحى اليوم مادة للنوستالجيا والحنين. كل شارع من شوارع نيويورك، وكل زقاق من أزقتها التي لطالما ارتبطت بأفلامه، تذكره بمسرح يعرض أحد هذه الأفلام التي كان لها وقع كبير في تكوين وعيه. فهنا يعرض آخر فيلم لكلود شابرول، وهناك جون كاسافيتيس، وعلى مقربة منهما أفلام لجان لوك غودار، وآلان رينيه، وأندريه فايدا، وروبير بروسون، وميكلأنجلو أنتونيوني. كل هذا في عالم شديد التنوع، وبعيد عن سيادة النوع الواحد والفكر الواحد والذوق الواحد. بين كل هذه العروض والاقتراحات البصرية التي يأتي معظمها من القارة العجوز، يميز سكورسيزي فيلليني الذي شكلت فيلمه “ثمانية ونصف” صدمة كبيرة له لم يشف منها إلى اليوم، وهذا ما يشي به مقاله.يتذكر قائلاً: “في قلب هذا كله، كان هناك مخرج واحد يعرفه الجميع، فنان واحد اسمه مرادف للسينما، وما يمكن لهذه السينما أن تفعله. لقد كان اسماً يحضر على الفور أسلوباً معيناً، وسلوكاً معيناً من العالم. في الواقع، أصبح هذا الاسم صفة. لنفترض أنك أردت أن تصف الجو السوريالي في حفل عشاء، أو حفل زفاف، أو جنازة، أو مؤتمر سياسي، أو جنون الكوكب بأسره، فكل ما عليك فعله هو قول صفة “فيلليني”، وسيعرف الناس بالضبط ما تعنيه”.
يشتكي سكورسيزي من أنه في أيامنا هذه يسود منطق التقليل من قيمة فن السينما بشكل منهجي. يقول إن السينما تهشمت، وتحطمت، بل تقلصت إلى قاسمها المشترك الأدنى، والمقصود به “المحتوى”. ويكتب موضحاً: “في الآونة الأخيرة، أي منذ خمسة عشر عاماً، لم نكن نسمع عن مصطلح “محتوى” إلا عندما كان الناس يناقشون السينما على مستوى جاد، وفي معرض مقارنته بـ”الشكل” وقياسه به، لكن وبشكل تدريجي، راح يستخدمه أكثر فأكثر الأشخاص الذين استولوا على شركات الإنتاج، ومعظمهم لا يعرفون شيئاً عن تاريخ الفن وأشكاله المتعددة، أو حتى لا يهتمون بما يكفي به للاعتقاد أنه ينبغي عليهم ذلك. أصبح “المحتوى” مصطلحاً تجارياً لكل صورة تتحرك: أفلام ديفيد لين، فيديو لقط، إعلان “سوبر بول”، تتمة لفيلم “سوبرهيرو”، حلقة مسلسل. لم يكن هذا مرتبطاً، بالطبع، بتجربة مشاهدة الفيلم في الصالة، بل بالمشاهدة المنزلية، على منصات البث التدفقي التي استولت على التجربة السينيفيلية العريقة، تماماً كما وضع موقع “أمازون” يده على المتاجر الحقيقية. من ناحية، كان هذا مفيداً لصانعي الأفلام، بمن فيهم أنا. من ناحية أخرى، فقد أوجد موقفاً يتم فيه تقديم كل شيء إلى المشاهد في ساحة لعب متكافئة، وهذا أمر يبدو ديمقراطياً، ولكنه ليس كذلك. فالخوارزميات اليوم تقترح عليك أن تشاهد أفلاماً بناءً على ما سبق أن شاهدته، والاقتراح هذا لا يستند سوى إلى الموضوع أو النوع، فماذا يفعل ذلك لفن السينما؟”.في رأي سكورسيزي فإن مصطلح Curator (اختيار أو تقديم عمل فني على غرار ما يقوم به المهرجانات أو بعض المتاحف في الغرب)، ليس مصطلحاً غير ديموقراطي أو “نخبوي”، وهو مصطلح أصبح بلا معنى من فرط استخدامه. أن تشارك الآخرين ما تحبه، فهذا فعل ينم عن كرم. وأفضل منصات البث، من قناة “كرايتيريون” إلى “موبي”، مروراً بـTCM تعتمد على الاختيار والتقديم. أما الخوارزميات، فتستند إلى حسابات تعامل المشاهد كمستهلك، ولا شيء آخر.
وفي معرض مقارنته الحاضر بالماضي، يأتي سكورسيزي على ذكر الموزع والناقد أموس فوغيل (وهو أيضاً صاحب الكتاب الشهير “السينما الانقلابية”)، معتبراً خياراته للأفلام في الستينات وعمله التعريفي المديد لا فعل سخاء فحسب، بل بادرة تنطوي على الكثير من الشجاعة. أما دان تالبوت، الذي كان مبرمجاً، فيروي أنه أسس شركة “أفلام نيويوركر” فحسب من أجل توزيع فيلم أحبه، وهو “قبل الثورة” لبرتوللوتشي. الأفلام التي وصلت إلى المشاهدين بفضل جهود هؤلاء صنعت لحظة مجيدة في تاريخ أميركا. في نظر سكورسيزي أن الظروف التي صنعت هذه اللحظة ولت إلى غير رجعة. يقول: “لهذا السبب أعود إلى تلك السنوات كثيراً. أشعر أنني محظوظ لأنني كنت شاباً وحياً ومنفتحاً على كل ما كان يحدث (من حولي). لطالما كانت السينما أكثر من مجرد محتوى، وستظل كذلك دائماً، والدليل على ذلك هو الأفلام التي كانت تخرج في الصالات أسبوعياً في تلك الفترة. أفلام من جميع أنحاء العالم، يحاور بعضها البعض الآخر، وتعيد تعريف الفن. من حيث الجوهر، كان هؤلاء الفنانون يتصارعون دائماً مع سؤال “ما هي السينما؟”، ثم يتركون الرد لفيلمهم القادم. لم يكن أحد يعمل في الفراغ. أمثال غودار، وبرتوللوتشي، وأنتونيوني، وبرغمان، وإيمامورا، وراي، وكاسافيتيس، وكوبريك، وفاردا، ووارهول، كانوا يعيدون خلق السينما مع كل حركة كاميرا جديدة، في حين كان السينمائيون المكرسون من أمثال ولز، وبروسون، وهيوستن، وفيسكونتي، يستعيدون النشاط بسبب الطفرة التي من حولهم”.
يؤكد سكورسيزي ببعض الحزن الذي يغلف قلمه، أن كل شيء تغير، السينما، وكذلك أهميتها، ودورها الطليعي في ثقافتنا. لا ينسى التذكير بأن الأعمال الكلاسيكية من فيلليني إلى مورناو، تراث جمالي يجب عدم التفريط به، بل من الواجب أن نوضح للمالكين القانونيين الحاليين لهذه الأفلام أنها ترقى إلى أكثر بكثير من مجرد ممتلكات يمكن استغلالها، ثم حبسها. “هذه الأفلام من أعظم كنوز ثقافتنا، ويجب التعامل معها وفقاً لذلك”، يكتب سكورسيزي قبل أن يختم: “يتعين علينا تحسين مفاهيمنا للفصل بين ما ينتمي إلى السينما، وما ليست سينما. فيديريكو فيلليني نقطة انطلاق جيدة. يمكنك أن تقول الكثير عن أفلامه، ولكن إليك شيء واحد لا جدال فيه: أفلامه سينما. قطعت سينماه شوطاً طوعيلاً في اتجاه تحديد شكل الفن”.
هوفيك حبشيان

هوفيك حبشيان ناقد سينمائي لبناني
admin Uncategorized, رئيسية, لف الدنيا 0
إستهلال :
***
كتاب ” لف الدنيا.من قلعة الكبش الى بلفيل “
1- بلفيل

بلفيل بريشة الفنان المصري الكبير جورج البهجوري
استدار الى البهجورى ثم قال مبتسما :
– لا يا عم .. كله كوم وبلفيل كوم ، لقد حاولوا من قبل الاعتداء على هناك وقد نجوت بأعجوبة ، إذا كنت تود الذهاب إلى بلفيل فأفعل ذلك وجدك ، ولكن لا تنس أن تأخذ معك دورية حراسة .
ثم همس فى اذنى أمام جمع من الأصدقاء قائلاً :
– تشجع …
كنت أعلم أن المدن التى تكسو وجهها بالمساحيق والأصباغ ثم تتعطر لك وترتدى أجمل ما لديها من ثياب هى جسد بلا روح ، إنها تخفى قبحها وبشاعتها فى الشوارع الخلفية المهملة المنسية .
لنذهب إلى بلفيل فى ضواحى باريس الشمالية – سنستمع هناك إلى أم كلثوم تغنى ” هجرتك” … وسنشرب شايا بالنعناع ، وسنأكل سمكا مشويا فى عرض الطريق ، وسنسعد بلقاء أطفال بلفيل ، وهم يمرحون فى شوارعها العامرة بالخلق …

بلفيل بريشة جورج البهجوري
فجأة تذوب باريس بضجيجها المعتاد وصخبها المتمرد وترفها المتوحش . ولا يبقى أثر لشارع الشانزيليزيه الذى يعج بالسياح فى الليل .
أتطلع من نافذة المترو وهو ينهب القضبان الحديدية من محطة إلى أخرى ، يصعد بعض العمال العرب ، يوم آخر شاق من العمل غربت شمسه ، يحلمون بأطفالهم الصغار الذين يذرعون شوارع وحوارى بلفيل جيئة وذهابا ، يسألون عن الآباء الذين غابوا منذ ذلك الصباح البعيد ، متى يعودون ؟
السيدة التى تجلس قبالتى تبدى امتعاضا شديدا ، أنا أعرف ما تفكر به لسان حالها يقول :
– احترس دائما من الغرباء السمر ذوى الشعر الأكرت .
فى بلفيل ستطالعك تلك الوجوه الداكنة التى شبعت من حرارة الشمس واكتسبت بشرتها ذلك اللون النحاسى المتألق .
فى بلفيل ستجد شيئا من بؤس الوطن وفقره .. قدرا من العذاب . ستطالعك ابتسامات الأطفال ، رغم كل مظاهر الفقر وبشاعة اليأس فى العيون .
يمتد بوليفار دو بلفيل بلا نهاية ، الحمام الجاثم فوق اسلاك الكهرباء تدب فيه الحياة فجاة ، فيحلق مع الربح فى اتجاه الشمال .
تنتشر المقاهى بكثرة على الجانبين ونسمات الهواء اللطيفة تداعب الوجوه فى رقة ، والشمس تشرق فى بهاء . ولا يفسد بهجة المكان الا عربات البوليس التى تواجه مخرج محطة بلفيل .
يتقدم رجال البوليس يحيونك ، يطلبون منك أن تفصح عن هويتك ، عليك أن تبرز لهم بطاقتك الشخصية ، ثم بطاقة الاقامة ، ثم أوراقاً أخرى روتينية ، عليك أن تحملها معك فى جيبك ، اينما كنت ، خاصة إذا كنت عربياً ، وجهك يا صديقى يفضحك فى كل مكان .
على الجانبين ، تنتشر المحلات العربية التى تبيع كل شئ ، من السمسم والكزبرة مرورا بالتوابل ، حتى الطحينة والمخلل والمكسرات .
الحاج محمد المغربى يتنقل فى دكانه بهمة ونشاط ليلى طلبات الزبائن . يبحث عن السلم الخشبى الصغير ليرتقيه وتمتد يده إلى أحد الرفوف ليتناول براد شاى أزرق .. يلوح به للزبون إذا كان مطابقا للأوصاف المطلوبة .. يهز الزبون رأسه موافق … فيهبط الحاج محمد بالبراد الأزرق .
فجأة يمرق أمام الدكان بائع عقود الياسمين التونسى الذى يجوب طرقات بلفيل فى النهار ، رائحة الياسمين تسبقه إلى زبائنه ، وهو يدندن بلحن للمطربة التونسية عليا …
نتقدم فى الطريق الصاعد … حشد هائل من البشر يموج بالحركة .. تطل عليك من نوافذ المنازل القصيرة الايلة إلى السقوط ، وجوه عربية تجمع الغسيل المنشور على الحبال . تفضحك نظراتك .. تبتسم لك احداهن – آه … تلك الابتسامات من الوطن – ثم تسرع إلى الداخل فى حياء وخجل .
تقف مجموعة من العمال أمام إحدى وكالات السفر … رحلات إلى الجزائر .. والمغرب وتونس .. قائمة مكتوبة باللغة العربية .. يبرز من بين العمال شاب قصير يقف أمام القائمة يقرأها ثم يستدير إلى أصدقائه ويترجم لهم ما يقرأ باللهجة الجزائرية ..
اليوم هو يوم الجمعة والزحام فى سوق بلفيل على اشده .. يميل نحوك أحدهم ثم يقول :
– هذه أرخص الأسواق الباريسية . أسعار الخضار والفاكهة عندنا هنا تقل بكثير عن الأسعار الرسمية .
يتناول بائع البطيخ سكينه الحاد ثم يهوى بها فى قلب البطيخة وينتزع لك القلب لتذوق حلاوته بنفسك . تقضم قطعة من البطيخة ، ويقف المترددون على السوق حولك ويزدحمون فى اتجاه البائع الذى لا يكف عن الصياح . صوته كالرعد يصل إليك ولو كنت هناك فى الطرف الآخر من السوق .
الساعة الآن الثانية عشرة ظهراً . على الحائط كتابات وملصقات باللغة العربية . واحدة تعلن عن المباراة الأخيرة التى ستقام قريبا فى ستاد ضخم بباريس والتى يتنافس فيها الفريق العربى فى المهجر والفريق البرتغالى .
الملصق يدعو أهل بلفيل العرب إلى الإقبال على المباراة لتشجيع فريقهم الكروى الذى احتفظ بكأس البطولة فى العام الماضى .
هناك كتابة على الجدران تحذر العمال العرب من مبلغ العشرة الآف فرنك الذى وعدت به سكرتارية الدولة لشئون الهجرة كل عامل عربى يترك فرنسا نهائياً .
إعلانات عن شقق للتأجير والبيع . إمساكيات رمضان تتصدر المطاعم العربية . محلات الجزارة العربية تبيع لك اللحم الحلال المذبوح . السوق يعبره البشر أفواجاً متموجة تراه عن بعد .
نجمه داوود تتصدر محلات الجزارة اليهودية .
تتطلع إلى إعلانات الأفلام العربية . فيلم ” الرسالة ” يعرض هنا فى سينما ” بلفو ” العرض مستمر وتذكرة السينما لا تكلفك أكثر من ستة فرنكات . معظم رواد السينما يقصدونها أساساً للنوم . يستلقون على مقاعدهم فى الداخل ويتركون العنان لسلطان الرقاد .
فى منتصف الليل يمر ذلك الرجل البدين القصير وهو يطرق على طبلته بعصاه . يفيق النائمون ، إلى أين يتجهون … من يدرى ..
ربما إلى الحدائق والأرصفة وفتحات المترو الدافئة التى تتسلل منها أنفاس البشر إلى الخارج … حتما ستكون السماء رحيمة بهم فلن تمطر الليلة .
نتابع السير . نتقدم فى أحد الشوارع الجانبية . شارع ” رامبونو ” الذى يعتبره الجميع رئة حى بلفيل وعموده الفقرى . عليك أن تتسلق الشارع الممتد كالتل لتصل إلى قمته . فجأة تتطلع إليك العيون لأول مرة . إنك شخص غير مرغوب فيه . تحركاتهم ونظراتهم تجعلانك تحس بذلك .
يطل عليك الصغار من خلف الجدران الترابية . يسدون عليك الطريق ، وكأنهم يحاولون منعك من التقدم . وجوههم شاحبة هزيلة وأجسادهم ضامرة . تدفعهم عنك برفق .
تمضى فى السير ، خلف البوابة يختفى عالم رهيب مرعب . من الأزقة والحوارى الضيقة الصغيرة
وعندما يتجه بصرك إلى الأعلى تروعك هذه الكتل الهائلة من سقوف المنازل المتلاصقة التى يخيل إليك أنها ستسقط بعد لحظة فوق رأسك .
عندما تعبر البوابة الصغيرة تداهمك الروائح الكريهة . فتكاد أن تختنق .. يتسلل إلى سمعك بكاء طفل رضيع يأتى من بعيد ، ربما كان طفلا جائعا تركته أمه وحده وغادرت المكان بحثاً عن لقمة عيش .
وفجأة تهمس فتاة سويسرية فى أذن صديقها :
أننى خائفة ، لا اجرؤ على المجئ إلى هنا وحدى .. حتى معك لا أقدر أن أفعل ذلك .. إننى لا أصدق ما أراه .
يوافق جلبير كالمذهول :
– كيف يحدث هذا . من يصدق أن كل هذا البوس يقع على بعد عشر دقائق سيرا على الأقدام من ساحة الأوبرا الأنيقة الباذخة .
قررت أن أبقى وحدى فى بلفيل حتى يدخل الليل . فى أحد المقاهى العربية ، تجمع بعض الرواد فى أحد الأركان يلعبون الورق . فريد الأطرش يدندن .. ” عاد الربيع من تانى ” الحركة فى الميدان لم تنقطع بعد . المعلم كمال القروى الجزائرى صاحب القهوة يحدثنى يحاول أن يفسر لى لماذا ينظرون إلى بريبة ويقول :
– للديار حرمة . أنت تدخل متطفلا على القوم .. هذا حى يقطنه قوادون وتجار مخدرات ومومسات ومجرمون وهاربون من العدالة من كل لون وجنس، لذلك تتطلع إليك العيون فى البداية خوفا من أن تكون مرشداً للبوليس .. فالداخل إلى بلفيل مشكوك فى أمره وهو مدان من قبل الجميع إلى أن يثبت حسن نيته .
المعلم كمال يعيش فى بلفيل ويملك هذا المقهى منذ 15 سنة . ويقول أنه من الصعب تحديد عدد سكان الحى . الاحصاءات الرسمية تقول : 20 ألفا والمعلم كمال يقول مائة الف شخص : أنا لا أدرى أيهما الصحيح : حسابات الحكومة أم حسابات المعلم قروى .
ويقول المعلم أن معظم سكان بلفيل من العرب واليهود . لقد جاءوا إلى الحى فى 3 موجات. الأولى عام 1956 بعد استقلال تونس . الموجة الثانية فى عام 1961 بعد أزمة بنزرت . والموجة الثالثة فى عام 1967 بعد حرب الأيام الستة .
والحى يعتبر ” غيتو ” مفتوحا لكل من يعيش على هامش الحياة فى باريس . ” فى حزيران (يونيو) عام 1968 ، نشبت معركة سقط فيها أكثر من قتيل عندما احتج سكان بلفيل العرب على احتفالات اليهود فى أول ذكرى لانتصار اسرائيل فى حرب الأيام الستة ” .
ويمضى قائلا :
” لكننى أقسم لك أن هناك دسيسة فى الأمر . لأبد أن أحد المتسللين إلى الحى قد افتعل خلافا تطور إلى قتال بين الطرفين . على كل حال اذقناهم درسا لن ينسوه . ثم تدخل البوليس ” .
ثم ينتقل فجأة إلى الحديث عن الأطفال :
الأطفال هنا يتركون وحالهم ليتشردوا فى الطرقات .. ليدبروا المقالب لعابرى السبيل . الأباء والأمهات لا يهتمون بتعليم ابنائهم .. ليس هناك أمام الصغار سوى الخيار بين أمرين : اما التشرد فى الشوارع واما تعلم صنعة أو حرفة . صبى بقال أو صبى جزار أو حلاق .
عمال النظافة لا يترددون على الحى ، الا مرة واحدة فى الأسبوع . الغرفة الواحدة يسكنها أكثر من خمسة أشخاص . ومن السهل أن يصاب المرء هنا بالدرن .
تشترك المقاهى المتناثرة فى شارعى ” رامبونو ” و “اوريلون” كلها ، تقريباً ، فى سمة واحدة . العجائز والعاطلون عن العمل يقصدونها ليلعبوا الورق . الشباب المتسكع يتردد عليها من أجل العراك وتبادل السباب والشتائم .
ذلك هو حى بلفيل العربى ، جزيرة من البؤس وسط بحر من الاغتراب حسبها القادمون الجنة الموعودة ، وإذا بهم ينتقلون من فقر وحرمان فى الوطن إلى التشرد والبؤس فى اللاوطن .
صلاح هاشم
مجلة ” الوطن العربي ” . باريس . 1978

صلاح هاشم كاتب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس.فرنسا.مؤسس ورئيس تحرير موقع سينما إيزيس عام 2005 في باريس
admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب 0
فيلم الفنان التشكيلى الإيطالى “كارافاجيو” ، عرض في مهرجان القاهرة السينمائي في دورة سابقة، وهو من الأفلام التى تحتاج إلى انتاج ضخم، لما تحمله تلك المرحلة التي يحكي عنها الفيلم، منذ القرن الخامس عشرة وبداية عصر النهضة، من أزياء مميزة ، من طراز ذلك العصر

إلى جانب الديكور والاكسسوارات والضوء وأماكن التصوير ،وتوثق إيطاليا بهذه الأفلام لمرحلة هامة من تاريخ حضارتها الهائلة ، وقد قام بإخراج الفيلم المخرج الإيطالى انجيلو لونجوتى، وقام بكتابة السيناريو جيمس كارينجوتن وقام بدور الرسام “كارافاجيو- Caravaggio” الممثل الإيطالى “اليسسيوبونى Bonnie- Lesion “، والممثلة الإيطالية” كلينا كيم- Cleona Kim”.
ولد ” مايكل انجلوميس – Michel Angelomis” وشهرته “كارافاجيو – Caravaggio” قرب برشيا فى إقليم لومبارديا، وتلقى تدريبه الأول فى ميلانو ، ثم رحل من بلدته إلى روما قبل أن يبلغ العشرين من عمره، حيث أمضى الفترة من 1588-1591 حالما أن يصبح رسامًا مشهورا، ولم يكن الطريق أمامه سهلا، بل كان مليئا بالصراعات، ضد الفقر والمرض ، ومالبث أن أبدع “النزعة الطبيعية” التى غدت نقيضًا للنزعة المتكلفة السابقة
وبدلًا من إنتقاء الشخصيات البارزة ، إنبرى يصور النماذج المستمدة من الحياة الشعبية،التى يخالطها ويقع عليها بصره ، مفضلاً تسجيل قسمات العامة من الناس وسلوكهم، حتى أنه أعجب بفتاة فقيرة من العامة ،واتخذ منها موديلا لأعماله

وقد كان يرى فى ملامح وجهها التعيس والبسيط، ماينشده من تحقيق هدفه وطموحه الفنى، حتى انه قام بتعريض نفسه للخطر، فدخل فى صراع بمبارزة ذلك الشخص الشرير، الذى اعتدى عليها، وقام بتشويه وجهها بضربة سيفه، فكان لذلك أعمق الأثر فى نفس كارافاجيو الإنسان، الذى تعاطف مع البسطاء والمظلومين والمحرومين من عامة الشعب، المقهورين بتقاليد ذلك العصر، وقد إهتم بموضوعات الطبيعة الصامتة، من زهور وفواكه، كانت تنال إعجاب الزائرين وبخاصة الكاردينال “دى مونت”، الذى عمل لديه فترة ،وجاء مشهد الأستوديو فى الفيلم فى غاية الروعة، وطريقة إعداد الرسام للألوان، وتحضير العمل، ووضعية الموديلات، والدقة والعناية بكل التفاصيل الصغيرة .
ومن نماذجه المبكرة لوحة ” باكجوس عليلًا ، و”ميدوسا” وتكشف كلها عن روح النضارة والمباشرة، وخلوها من الإصطناع والتكلف الأكاديمى الشائع فى روما آنذاك، ، أما التجديد الذى أتى به وأذاع صيته، وجعل إسمه موضع الجدل والخلاف، فلم يكن تطبيق الأسلوب الواقعى، على الصورر الدينية فحسب
إنما كان ينطوى على العمق الدرامى، لعنصر الضوء، والتضاد بين الظل والنور ، وكان يقوم بتسليط الضوء الحاد ،على تكويناته الفنية سواء كانت عنصرًا بشريًا أو طبيعة صامتة، وذلك من خلال مصباح معلق بأحد زوايا مرسمه ، ليستقر الضوء على أحد جوانب تكوينه، تاركًا بقية الأجزاء فى ظلام دامس ، وهو مايثير روح التعاطف عند المتلقى، ويشده إلى بقية التفاصيل، والإستغراق فى حالة التأمل
كذلك نلاحظ قناعته من الألوان الأساسية بلون واحد ، وذلك بإكتفائه أحيانًا باللون الأحمر الوهاج ، وبالجمع في لوحاته بين البساطة والشموخ، مما جعلها شديدة التأثير فى الحركة الدينية الشعبية خلال عصره ، كذلك تميزت لوحاته ببراعة كارافاجيو ، فى إتقان التصوير ، والتقليد البارع، للأشياء الطبيعية، فقد كان كارفاجيو الفنان الفذ، مملوءًا بروح التفاؤل، الذى شاع فى ذلك العصر ،من بساطة وحب للحياة .

والموضوعات الدينية التى سجلها كارافاجيو، يتمثل فيها الحضور المسرحى للشخوص، وتصويرهم فى ذروة لحظاتهم العاطفية، المعبرة عن دخائلهم ، وهو بحياته القصيرة ، كان قد عاش عصرًا كبيرا بآفاقه الرحيبة
ومن أعماله التى تستحق أن نتوقف المرء أمامها، وتم تصويرها فى الفيلم بعناية وتكنيك عال، وفهم عميق للمشهد، والإحساس بالشخصية، اللوحة التي يفزع فيها ذلك الفتى، الذى قام بدور الموديل، فى معظم اعمال كارافاجيو ،وهو صاحب شخصية كوميدية، وقد تحسب بسبب جماله أنه فتاة، وذلك أثثاء محاولة كارفاجيو وضع السحلية فى يده، وكان عليه أن يمسكها بيده في اللوحة، فكان مشهدًا رائعًا حيث إلتقط الفنان تلك اللحظة العفوية التى مرت سريعًا، والتقطها فى نظرة الفتى، وحركة ذراعه الحادة ، في محاولته الهروب من السحلية، وهو لايستطيع في ذات الوقت، أن يتحرك من مكانه .
وقد اتسمت هذه اللوحة بالصدق، بما فيها من تسجيل الإحساس بالحركة، التى كانت حقيقية، و حيث يظهر، ذلك التضاد الحاد، بين النور والظل ، الذي يجعلنا تستنتج أن تاريخ هذه اللوحة، يسبق السنوات العشرة الأخيرة من القرن ، وإنها لوحة سابقة لعصرها

وقد كان محرك هذا العمل، خيبة أمل الفنان فى الحب، وهى خيبة الأمل التى حطمت سعادة كارافاجيو الشاب، بالإضافة إلى أن هذه اللوحة تمثل أفضل النسخ الثلاثة المعروفة، التى صورت هذا الموضوع، ورغم بعض العيوب التى لحقت بها، والتى تطلبت إعادة ترميمها ، فإنها لحسن حظنا ربما، مازالت تحمل ملامح البداية الأصلية لظهور كارافاجيو ، ويبدو أن هذه الصورة تنطوى على استعارة أو مجاز ، فمن الواضح أن السحلية، تمثل علامة أو دلالة غير سارة، حيث تشير بعض المصادر القديمة الى أنها ترمز إلى الموت، كماتشير مصادر أخرى الى أنها السحلية ترمز إلى الشبق..
د/أحلام فكرى