داود عبد السيد كان يصنع أفلامه بعقل مفكر وقلب طفل بقلم إبراهيم داود
بقلم إبراهيم داود
للأستاذ داود عبد السيد فى قلبى منزلة كبيرة وقديمة، أعرفه هو وراجح وأسرتيهما وأنا فى مطلع العمر، وكنا نصيف سنويا معا مع نخبة عظيمة من الأصدقاء، وبرحيل داود اليوم فقدت بشكل شخصى صديقا وأخا كبيرا جمعتنا ليال وحكايات شجية، ألف رحمة ونور على روحك ياأبا يوسف:
من الأشياء العظيمة التى نعتز بها فى مصر أننا نجيد صناعة الأفلام، وأننا “عندنا سينما”، أو بمعنى أدق تاريخ مبهرمن السينما، نحتفظ به فى وجداننا حتى لو تواطأ الآخرون واحتفظوا به فى خزائنهم، عشرات من صناع هذه الأفلام عزفوا على الشاشة طوال قرن من الزمان مصائر أهلهم فى لحظات الإنتصار والهزيمة، فى لحظات الفرح والحزن،أسهموا بعذوبة فى تحديث المجتمع ومواساته وتبديد وحشته، وخلقوا لغة مشتركة وذكريات عريضة، والسينما المصرية تلقت ضربات موجعة فى فترات كثيرة من تاريخها مثلها مثل الغناء والمسرح والأدب وفن التلاوة، لسحب البساط من تحت أقدام المصريين، خصوم الخيال فى الخارج والداخل حاولوا ايقاف التصوير، أوتشغيل كاميراتهم بعيدا عن أشواق الناس، كتب الأورجوانى ادواردوجاليانو : “في السينما وفي الأدب , يبحر هذا المسخ المحتال الدموي في بحار العالم , بفكين مفتوحين على الدوام فيهما ألف خنجر, يفكر فينا ويلحس شفتيه .. خارج السينما والأدب , لا يبدي القرش أي اهتمام باللحم البشري , نادراً ما يهاجمنا , اللهم إلا للدفاع عن النفس أو نتيجة خطأ ما .. وعندما يخطئ قرش ضعيف البصر , ويظننا دلفيناً أو ذئب بحر , يقضم قضمة ثم يبصقها بقرف : إننا قليلو اللحم كثيرو العظم , وللحمنا القليل طعم مريع .. الخطرون هم نحن , وأسماك القرش تعرف ذلك جيداً , ولكنها لا تصنع أفلاماً ولا تكتب روايات”، توجد أجيال طالعة تحاول وتجاهد من أجل مواصلة المسيرة، تنجح بعض الأعمال في إضافة لمسة تؤكد أننا نعيش معا، والآن، ويخفق آخرون لأسباب ليس لها علاقة بالفن، أسباب يعرفها الجميع، الصناع العتاة مثل على بدرخان وخيرى بشارة وداود عبد السيد موجودون أيضا، ولكنهم لا يصنعون أفلاما، لماذا؟، لأن الظروف غير مواتية، كيف؟ .. لا توجد اجابة، داود واحد من أهم المخرجين الذين يقدمون سينما مختلفة، تشير الى مصر الحقيقية وليست المجازية، يشير بصوته الخفيض الى ما يؤرق الشخصية المصرية التى تنشد البهجة والخير والسلام والعدل والحرية، تشعر وأنت تشاهد العرض أن مخرجه يجلس الى جوارك يتأمل مصائر أبطاله مثلك تماما،

النقاد اعتبروه من مخرجى الواقعية الجديدة مع عاطف الطيب، ولكن الكاتب السورى عدى الزغبى شبهه بكافكا، لأنك اذا شاهدت أرض الخوف وقدرات غير عادية ومواطن ومخبر وحرامى والبحث عن سيد مرزوق، تشعر أن ما يحدث طبيعى، طبيعى جدا، وأنك عشت هذا الواقع غير الواقعى، داود ينجح دائما في كشف الرابط السرى الواضح بين الطبيعى وما وراء الطبيعى، هو يحدق طويلا في هذا الرابط وفى الحيرة التى يتركها في الروح، طبعا يمكن استبعاد فيلمى “الصعاليك”و “سارق الفرح” رغم الحيرة التى تتلبسك وأنت خارج من قاعة العرض، في رائعته ” الكيت كات” تتجلى الواقعية في أزهى صورها، تتذكر الواقعية الإيطالية وسينما صلاح أبو سيف، وعالم أدب كتاب الستينيات في مصر، لم يكن الإخراج ضمن أحلامه وهو صغير، كان يريد أن يصبح صحفيا، ولكن ابن خالته الذى يعشق الرسوم المتحركة أخذه الى استوديو جلال، وكان المخرج احمد ضياء الدين يصور فيلما، أحس أن هذ العالم يخصه، تخرج في معهد السينما سنة 1967، وهو العام الذى انكسرت فيه الأحلام الكبيرة على البلاط، عمل مساعد مخرج مع يوسف شاهين في فيلم الأرض، ومع كمال الشيخ في “الرجل الذى فقد ظله”، ومع ممدوح شكرى في ” أوهام الحب”، ولكنه لم يحتمل العمل كمساعد، وحمل الكاميرا وراح يقطع القاهرة لعمل أفلام تسجيلية اجتماعية، أبرزها : وصية رجل حكيم في شئون القرية والتعليم 1976، العمل في الحقل 1979،عن الناس والأنبياء والفنانين 1980، أما فيلمه الروائى الأول “الصعاليك” خرج الى النور سنة 1985، كتب داود السيناريو لكل أعماله باستثناء “أرض الأحلام”، لأنه صاحب رؤية سينمائية يريد أن يكتبها هو، ويرى أن مقولة أن الأدب يرفع مستوى السينما مقولة غير صحيحة، لأن ما يرفع مستوى السينما فعلا استعمالها لجميع لجميع المصادر المتاحة لها، من بينها الأدب، تصدى لعملين أدبيين في أفلامه، رواية مالك الحزين لإبراهيم أصلان (الكيت كات)، وقصة خيرى شلبى سارق الفرح، هو استلهم الشخصيات وبنى عليها تصوراته كسينمائى يقدم البشر من خلال وسيط مختلف، عبد السيد لا يحب الأفلام المباشرة المصنوعة بمواصفات مسبقة ، ويكون في أفضل احواله حين يقترب من المزاج الشعبى، في كل أفلامه هو ليس ضد مستبد بعينه هو ضد الإستبداد، الذى يعصف بمصائرأبطاله، ويرى أن الهوس الدينى له أسباب كثيرة، أهمها الهزيمة التى جعلت قطاعا كبيرا يرجع الى مصدر الأمان ممثلا في الأمجاد التاريخية والدينية، وهى التى جعلت الثقة في المستقبل مهزوزة، داود يصنع أفلامه بعقل مفكر وقلب طفل، يصغى الى الأحزان القديمة ويذيبها في ألوانه السحرية لتشع بهجة، بهجة للمواساة ولتقضية الأوقات الصعبة، مثقف كبير لا يتكالب على شيء، يشع مودة وطيبة ورغبة دائمة لتقديم أعمال جديدة تؤكد فرادة مشروعه الكبيرفى السينما، ستيفن سبيلبرج المولود مثل مخرجنا الكبير سنة 1946 قال كأنه استعار صوت داود : “بالرغم من أنني أتقدم في السن، إلا أن ما أفعله لا يكبر أبدأ، وهذا ما أعتقد أنه يبقيني جائعا” ..نحن في انتظار جديدك يا أبا يوسف .
نشر هذا المقال بالأهرام فى يناير ٢٠٢١
بقلم
إبراهيم داود

إبراهيم داود كاتب وشاعر مصري مقيم في القاهرة . مصر
























