فوزي سليمان ملك المهرجانات السينمائية، وتكريم مستحق في الإجتفال بمئوية ميلاده الأولى . بقلم صلاح هاشم



admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0



admin Uncategorized, افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب, مهرجانات 0

حققت السينما الاسيوية المتطورة، في ايران والصين وتايوان وكوريا واليابان في السنوات الأخيرة طفرة هائلة، وحصدت بافلامها الجوائز، في المهرجانات السينمائية الكبري مثل ” كان ” و” فينيسيا ” و” برلين ” و” نانت. سينما القارات الثلاث “, ومع ذلك تخلو بلادنا ،من اية مهرجانات مخصصة لهذه السينما، التي لاتكف عن اعطائنا الدروس، لنا ولغيرنا،هي تسحرنا بفنها الاخاذ..
حتي ان احد النقاد، اعترف لي حديثا في مهرجان ” كان ” الأخير، بأنه سيكف نهائيا عن مشاهدة الافلام الفرنسية،الغارقة في النرجسية المقيتة،والمريضة، في بعض انتاجاتها، وليس كلها، بداء الثرثرة، والكلام و” الرغي ” ،والكثير من الادعاء الفارغ، والحذلقات الفنية الاستعراضية المبهرة، علي مستوي الشكل، مثل هذا الفيلم الفرنسي “الوجودي” الاصطناعي المركب الممل ” تشريح سقوط ” الذي خطف سعفة ” كان ” 76 الذهبية،ووجدت أنه لايستحقها بالمرة..
وقال لي صديقي، أنه يريد ان يتفرغ لمشاهدة افلام السينما الاسيوية فقط، والبحث في اسباب ظاهرة ” الافتتان بالسينما الاسيوية “في فرنسا، والاعجاب الجم بافلامها، وبخاصة بين النقاد الفرنسيين والاوروبيين.وكنت من واقع متابعاتي ومنذ زمن لمهرجان “القارات الثلاث.افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية” في نانت، الذي يخصص قسما كبيرا لهذه السينما، شاهدت العديد من الافلام الاسيوية الرائعة، واعجبت بها، وكنت اتساءل دوما: لماذا لاتتعلم سينماتنا العربية من تلك الافلام، التي بدأت تغزو اوروبا وامريكا والعالم، ولماذا لانستقدم افلامها ونعرضها في بلادنا، ورحت ابحث في سر سحر السينما الاسيوية الخفي.تري هل يمكن ان تكون بديلا ملهما لنا ،عن افلام هوليوود التجارية، التي تغرق اسواقنا واسواق العالم، ونتعاطف معها بطبيعتنا اكثر.
أكيرا كيروساوا وتأثير السينما اليابانية على جيل كامل

لاجدال في ان الافلام الاسيوية من جهة اثرت في السينما الامريكية والاوروبية الحديثة, وبخاصة في افضل نماذجها الفنية المتطورة، وكان اجمل تقدير لهذه السينما والتقاليد الفنية التي ارستها، من خلال اعمال كبار المخرجين، من امثال اكيرا كيروساوا، واوزو، وميتسوجوتشي من اليابان، وساتيا جيت راي من الهند، ان المخرجين الامريكيين كوبولا وجورج لوكاش ومارتين سكورسيزي، شاركوا في انتاج فيلم ” احلام ” للياباني اكيرا كوروساوا، بعد ان فشل معلمهم، وبشهادتهم ،فشل ان يجد ممولا لفيلمه ذاك في اليابان..
كما اثرت افلام السيف، والكونج فو، وافلام المخرج الصيني جون وو من هونج كونج، في مخرجي الموجة السينمائية الامريكية الحديثة , كما في اعمال كوينتن ترانتينو، حتي ان فيلمه ” اقتل جيم ” كان بمثابة ” تحية ” الي هذه السينما، التي تأثر الي حد كبير بحركيتها و ديناميكيتها، وبهرته ،بحيويتها الفائقة..

ونفس الشييء مع المخرج الامريكي جيم جامروش، الذي يبدو متأثرا بفلسفة الزن اليابانية، وكان فيلمه ،الذي يعرض لقاتل اجير امريكي اسود، يربي الحمام فوق سطح بيت ، ويدرس في كتاب تعاليم فلسفة الزن ليصير بوذيا ، ويقتل كما يصلي في معبد، وكما يتصادق في حب مع احد الباعة الجائلين، ويحارب رجالات المافيا الاوغاد ، الذين تورط معهم في جريمة..

وكان ان سارعت هوليوود الي استقدام “جون ووو” من هونج كونج، وبسرعة صارالدجاجة التي تبيض ذهبا، واخرج عدة افلام في هوليوود، حصدت مئات الملايين لاستوديوهاتها، مثل فيلمه ” الوجه المزدوج ” face-off بطولة جون ترافولتا.كما ان العديد من المخرجين الاوروبيين، مثل الالماني فيم فندرز، لايخفون اعجابهم وتأثرهم بافلام السينما اليابانية, فقد تأثر فندرز مثلا بالمخرج الياباني اوزو، واخرج فيلما تسجيليا عن اوزو في اليابان، وكان عرض فيم فندرز في هذا الإطار فيلمه الأخير ” يوم رائع ” – A PERFECT DAY- الذي شاهدته في مهرجان ” كان ” وأعجبت به كثيرا وحصل على جائزة في مسابقة الأفلام الروائية في المهرجان، في حين ذهبت جائزة السعفة الذهبية لفيلم فرنسي ممل وثرثار وعدمي ،من النوع ” الوجودي ” – تشريح سقوط ” الذي خرجت منه بعد نصف ساعة، ومنحته اكثر مما يستحق، على أمل أن أخرج منه بشييء، ولم يحدث.
أين يكمن سحر السينما الاسيوية الخفي؟

ولهذا الاعجاب والافتتان بسحر السينما الاسيوية الخفي في اوروبا وامريكا والعالم اسبابه بالطبع، ومن ضمنها اعتمادهذه السينما اولاعلي تطوير التقاليد السينمائية التي ارساها المخرجون القدامي، واهتمامها بذاكرتها وتاريخها، ونهلها من تلك التقاليد الفنية الغنية ،علي مستوي طريقة السرد، والتعامل مع الموروث الحكائي والفني الشعبي، في فنون الادب و الموسيقي والرقص والغناء والمسرح كما في ” مسرح النو ” في اليابان، واستحضارها في السينما.بالاضافة الي ان لهذه السينما الاسيوية زمن خاص، وايقاع خاص, ونفس شعري مميز يقربها في اعمال بعض المخرجين الاسيويين من امثال التركي ايلماظ جوني، كما في فيلمه الاثير ” القطيع ” ،والياباني ميتزوجوتشي كما في فيلمه الساحر ” حكايات القمر الشاحب بعد المطر ” ، والايراني عباس كيرستامي كما في فيلمه ” عبر اشجار الزيتون ” ، والهندي ساتيا جيت راي كما في فيلمة ” ثلاثية أوبو “, والياباني اكيرا ميروساوا كما في فيلمه الاثير ” راشومون ” ..
يقربها من روح الاساطير, والحكواتية العظام، والادب الروائي العالمي في افضل نماذجه, عند ادجار الآن بو وتولستوي وتشيكوف ومحفوظ. انها ببساطة تحكي لنا رواية الارض، وتطرح فلسفة حياة كاملة , وتجعلنا نفكر في المصير الانساني، ويقينا ان مايمنحها عظمتها وتألقها، اضافة الي حركيتها الفائقة، والمنظر الطبيعي الساحر للبيئة والطبيعة والمكان، تركيزها علي الانسان، و الوجه الانساني. وجه “الآخر” الذي لا لانعرفه ، فتجعلنا نتواصل معه، وتقربنا من خلال ذلك التواصل،وكمرآة لحركة الحياة والواقع وصيرورته في تلك المجتمعات الاسيوية..
تقربنا اكثر من انسانيتنا، وتتسامي بارواحنا، في قلب حضارة الاستهلاك المادية الانانية في الغرب، التي تقتل الروح. وعلينا الآن, وأكثر من أي وقت مضي ، ان نحاول استيعاب الدرس الاسيوي ، ونتعلم من السينما الايرانية والتركية والصينية واليابانية التي حققت طفرة هائلة في السنوات الأخيرة ،وندرسها ايقاعا وتاريخا وتكوينا، لنعرّف باضافاتها ومدارسها، ونخرج من عزلتنا..
بقلم
صلاح هاشم- باريس

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس.فرنسا.مؤسس موقع ” سينما إيزيس ” الجديدة عام 2005 في باريس فرنسا ويعني الموقع بفكر السينما المعاصرة وفنون الصورة ويطرح ” رؤية ” للثقافة والحياة
***


admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب 0
في عام 2004 صدر بالفرنسية عن دار نشر “روشيه”ROCHER في باريس، كتاب “احلام فترة النقاهة” للروائي المصري العربي الكبير نجيب محفوظ- من مواليد 11 ديسمبرعام1911 .حي الجمالية. وتوفي في 30 أغسطس عام 2006- ،الحائز علي جائزة نوبل، وترجمها من العربية الي الفرنسية أحمد يوسف، بمساعدة ردولف كاريب، وقدم للكتاب الكاتب الصحفي محمد سلماوي.وكان الكتاب، الذي صدر بمناسبة الاحتفال بمرور92 سنة علي ميلاد استاذي نجيب محفوظ آنذاك،يضم 55 حلما من “احلام فترة النقاهة”، التي كانت تنشركل اسبوع منذ عام 2001، في مجلة “نصف الدنيا” التي تصدرها مؤسسة “الاهرام”، كما كانت هذه هي المرة الاولي، التي ينشر فيها عمل روائي للكاتب الكبير، خارج حدود مصر،وهو لم ينته من كتابته بعد، ولم يصدر حتي الآن في كتاب في وطنه. لكن ماذا في هذا الكتاب لاستاذي نجيب محفوظ – عؤلاء علموني – بمناسبة الإحتفال بذكرى عيد ميلاده ؟

“احلام فترة النقاهة”.. هي الاحلام التي يراها نجيب محفوظ في منامه، وبسبب عجزه عن الكتابة ، بعد اصابته في محاولة لاغتياله، علي يد احد المتطرفين عام1994 ، تعتبر نوعا جديدا من الكتابة الروائية، اقرب مايكون الي الحكاية او القصة الرمزية، وشكل روائي جديد علي استاذي نجيب محفوظ ، الذي صدر له حتي الآن اكثر من 40 رواية و300 قصة قصيرة، ويرتبط اسمه- كما يذكر محمد سلماوي في مقدمة الكتاب- بتطور فن الرواية في مصر، والمكانة الرفيعة التي بلغتها في العالم العربي، بفضل اعماله، كما في رواية ” اولاد حارتنا”، والتي حصل بها علي جائزة نوبل عام 1988 ووضعتني على سكة كتابة القصة القصيرة، وكرست تاريخيا مع غيرها، لرصد حالات المجتمع المصري وتقلباته السياسية واوضاعه ، وطبقاته الاجتماعية، وبلغت قمما سامقة في التصوير والوصف، جعلت السينما العربية والعالمية، تنهل وتقتبس منها الكثير، ومازلنا -نضيف من عندنا- مازلنا نتذكر الروائع السينمائية التي قدمتها ، واعتمدت علي رواياته، مثل فيلم ” بداية ونهاية” بطولة عمر الشريف وسناء جميل وفريد شوقي وامينة رزق للمخرج المصري الكبير الراحل صلاح ابوسيف، كما اقتبس ذات الرواية المخرج الارجنتيني ارتور روبنستين، وقدمها في عمل سينمائي”باروكي” متميز.وفيلم “اللص والكلاب” للمخرج المصري الكبيرالراحل كمال الشيخ بطولة شكري سرحان وشادية، ويعتبر دورها في هذا الفيلم، من اعظم الادوار التي قدمتها علي الشاشة،عبر مسيرتها السينمائية الكبيرة، وشمخت فيه بفنها..
غرباء في الوطن
احلام فترة النقاهة ،التي نشرت منها جريدة “اخبار الادب” في مصر 90 حلما في العدد الخاص الذي اصدرته في شهر ديسمبر2003 بمناسبة الاحتفال ببلوغ الكاتب سن الثانية والتسعين، هي نوع ادبي جديد، كما يذكر محمد سلماوي في مقدمة الكتاب، لكن هذه الاحلام التي قرأتها في “اخبار الادب” والتهمتها في ليلة، ذكرتني ايضا بعوالمها ، باعمال الكاتبين الارجنتيني جورج لوي بورغيس، والكاتب الامريكي ادجار الآن بو، وبخاصة في قصصهما القصيرة المكثفة المركزة ، وعوالمها الغامضة ونزعتها “الصوفية”، ومحاولة تفسير العمل كأنه لغز محير..

المخرج السويدي العظيم إنجمار برجمان
لغز قد لاتدرك كنهه بعد طول تفكير، لكنه بسرعة، سوف يصبح قطعة منك، لانه يحكي عن اشياء تحبها مثله، واماكن عشتها، واناس فقدتهم، وذكريات امتزجت بوعيك وكيانك، ولاتستطيع منها خلاصا، وهم يدخلون مع نجيب محفوظ في الحلم، او هو يدخلهم بنفسه، ويجعلهم يشاركونه ويصحبونه في جولاته، في نعيم اللحظة، اوجحيم الواقع العبثي المعاش في الحلم، فهو يحكي عن امه واخته وسيد درويش، ويجعل اخته تتحول في الحلم الثامن ، الي نجمته السينمائية المفضلة السويدية جريتا جاربو، ‘ذ يقول:
(“ونظرت الي اختي، فاذا بها قد تحولت الي الممثلة السينمائية جريتا جاربو وهي ممثلتي المفضلة ،وطرت من السعادة بغير اجنحة، وملأ السرور جوانحي، غير ان ذلك السحر، لم يدم طويلا”.) ..

الممثلة السويدية جريتا جاربو
ثم اذا به يفقدها جريتا جاربو، حين تختفي فجأة ، مثل طيف في احلامه، ويشعر بأن الحزن، غشي كل شييء ، كأنه شبورة مفاجئة..
(أحلام فترة النقاهة) كما أحببتها وتمثلتها وهضمتها، تجمعها عوامل مشتركة، من حيث الشكل، فهي خبطات سريعة مركزة ، بريشة فنان ساحر، ولاتزيد عن صفحة، وبعضها يحتل نصف صفحة..
وهي كما بدت لنا، تكثيف مركز باهر وجريء، لواقع مجتمع، بكل ازماته واحباطاته ورعبه، والقهر الذي يمارسه علي المواطن، ونتيجة للفوضي الضاربة التي خلقت العشوائيات، وتلك “الخرابات” التي نجدها في احلام نجيب محفوظ، وجعلتنا نتغرب عن حياتنا في مجتمعاتنا، وعملت نتيجة القهر السياسي والاجتماعي علي تهميش وإبعاد المواطنين عن المشاركة في أي مشروع، لترتيب وتنظيم حياتهم من جديد، في ظل “الادارة ” – أو المؤسسة – التي يرمز لها نجيب محفوظ بصاحب البيت في احلامه، وتستطيع ان تطردك يامواطن من دارك في اي وقت، في غياب العدالة، وتجعلك تركض عريانا في العراء، وانت تصرخ ملتاعا من فرط الظلم..
محفوظ يتساءل: ماذا جرى؟
بمعني انك حين تقرأ ( أحلام فترة النقاهة) لنجيب محفوظ، فكأنك في الواقع تتفرج علي احوال البلاد والعباد، في فترة تاريخية محددة في مصر، بل ان عبثية الواقع المعاش، في بعض مظاهره – كما تلمسناها في زيارة للبلاد في فترة حكم الرئيس مبارك ، التي صارت كما ذكر الروائي صنع الله ابراهيم آنذاك، بلا تعليم ولا ثقافة ولاصحة- قد تتجاوز عبثية وكابوسية ورعب، تلك الاحلام التي يحكي عنها نجيب محفوظ في عمله .انها هنا ” العين ” – عين نجيب محفوظ في احلامه- التي ترصد من خلف ستار الحلم، مجريات واقع معاش، احداثه ومجاعاته، رعبه وعبثه الآن، وتصرخ ان الحقونا..
كما تبدو لنا بعض احلام نجيب محفوظ، التي تذكرك ايضا باعمال الايطالي ايتالو كالفانو،في قصصه القصيرة، والكاتب التشيكي فرانز كافكا كما في قصة “المستعمرة” – THE COLONY – تبدو اشبه ماتكون بشريط سينمائي طويل، يذكرك في بعض مشاهده، بمشاهد وإحالات الى افلام شاهدتها من قبل، مثل فيلم “التوت البري”WILD STAWBERRY& للسويدي انجمار برجمان..
وبخاصة مشهد الحلم في الفيلم ، بجوه وغرابته، وتلك الساعة التي تتوسط الميدان، وسوف تجد نفس الساعة التي تتوسط الميدان ، في اول مشهد من فيلم ، او كما تريد- “حلم” نجيب محفوظ ” في فترة نقاهته ، الذي يرويه لنا كما يلي:
“اسوق دراجتي من ناحية الي اخرى ، مدفوعا بالجوع باحثا عن مطعم مناسب لذوي الدخل المحدود، ودائما اجدها مغلقة الابواب، وحانت مني التفاتة الي ساعة الميدان ،فرايت اسفلها صديقي ، فدعاني باشارة من يده فملت بدراجتي نحوه واذا به علي علم بحالي ،فاقترح علي ان اترك دراجتي معه ليسهل علي البحث فنفذت اقتراحه، وواصلت البحث وجوعي يشتد، وصادفني في طريقي مطعم العائلات فبدافع من الجوع واليأس، اتجهت نحوه علي الرغم من علمي بارتفاع اسعاره ورآني صاحبه وهو يقف في مدخله امام ستارة مسدلة ،فما كان منه الا ان أزاح الستارة، فبدت خرابة ملأي بالنفايات في وضع البهو الفخم المعد للطعام فقلت بانزعاج ماذا جري؟ فقال الرجل: اسرع الي كبابجي الشباب، لعلك تدركه قبل ان يشطّب ، ولم أضيع وقتا ،فرجعت الي ساعة الميدان ، ولكنني لم اجد الدراجة والصديق.”..
بين محفوظ وبرجمان
هذا الحلم الاول في الكتاب ،يذكرني بمشهد الحلم في فيلم برجمان، الذي يحكي عن استاذ جامعي متقدم في السن وفي عمر نجيب محفوظ وهو يسافر في سيارة في طريقه الي استوكهولم العاصمة، لحضور احتفال بمناسبة تكريمه واستلامه جائزة، واثناء الرحلة يحلم مثل نجيب محفوظ، ويجعلنا برجمان نشاهد احلامه ومن ضمنها هذا الحلم، او بالاحري الكابوس والساعة التي تتوسط الميدان هي علامة علي الزمن، الذي يولي مع الكبر والهرم من بين ايدينا، ويسترجع بطل الفيلم من خلال احلامه ذكرياته وماضيه ،ويلتقي باناس احبهم وفقدهم، ويحاول ان يبلور كشف حساب لنفسه لامنياته التي لم تتحقق ،ولاحباطته التي مازالت تجثم ثقيلة، في داخله وتكاد ان تكتم علي انفاسه..
أي انسان مهما هان شأنه لايخلو من كرامة
كما تحيل بعض الاحلام، كما في الحلم الثالث وغيره، الي مشاهد التعذيب والعنف في بعض افلام المخرج الامريكي دافيد لينش، كما في فيلمه “الطريق المفقود” LOST HIGHWAY ورعبها ودمويتها، وتذكرنا بالاهانات اليومية التي يتعرض لها المواطن المغترب المعذب في وطنه، وهنا يرتفع صوت الرواي في الحلم الثالث محتجا ضد القهر والتعذيب، مذكرا بأن أي انسان لايمكن ان يخلو من كرامة ،مهما هان شأنه.احلام نجيب محفوظ السريالية، بكل مافيها من جد وهزل، ضحكات ودموع،غم وفرح، ليست احلاما عبثية، لانها تجعلنا نتأمل في حياتنا وواقعنا الآن، من خلف ستار الحلم.وربما كانت نوعا من التطهير – catharsis – كما في التراجيديا اليونانية القديمة التي تجعلنا نتطهر بالرعب من ادراننا ،ونحب الحياة ونقبل عليها اكثر، حتي نتواعد من جديد، في عالم او وطن آخر جديد، يكون اكثر عدالة وتسامحا، نتواعد في حارات مصر، ولاهدف لنا إلا الإنشراح باللقاء ، والإستسلام للمزاح والضحك، ونطير في الفضاء من الفرح.بلا أجنجة ..
هذا الطيران، الذي هو نوع من التسامي ، الذي يربطنا بالوطن الحقيقي، حين تتحقق فيه الكرامة، والامان والسلامة ، لكل مواطن، فيجعلنا نتصالح مع انفسنا والعالم، ونعانق كل الكائنات والموجودات ..
تحية الي أستاذي نجيب محفوظ ، الذي كنت اقرأ له وأنا في الخامسة من عمري رواية ” أولاد حارتنا ” – التي كانت تنشر مسلسلة في فترة الخمسينيات – بدأ النشر في 21 سبتمبر، وتوقف النشر في 25 ديسمبر 1950 – في جريدة الأهرام ،وكان الفنان المصري الكبير الحسين فوزي، يرسم لوجات للسلسلة بريشته، لأحداثها وشخصياتها وأجوائها ، وأحلم بأن أصير قاصا أوكاتبا روائيا مثله، لأحكي عن أولاد حارتنا في حينا العريق ” قلعة الكبش ” في السيدة زينب ،تاريخه وذاكرته..
تحية لنجيب محفوظ ،علي أحلامه وكتاباته التي مازالت مثل “بوصلة” نهتدي بها علي الطريق، فلانتغرب عن واقعنا ،ومجتمعاتنا، حتي في اشد احلامنا ظلاما ورعبا..
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد ومخرج سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا ، رئيس تحرير ومؤسس موقع سينما إيزيس عام 2005 في باريس
***
عن جريدة ” القاهرة ” – العدد 1221 – الصادر بتاريخ 12 ديسمبر 2023

الصفحة الأولى من جريدة القاهرة
admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, نزهة الناقد 0


يعتبرفيلم ” عمر “، في رأيي، من أنضح الافلام الفلسطينية ، التي اخرجها المخرج الفلسطيني الكبير هاني أبو أسعد، صاحب فيلمي ” عرس رنا ” و ” الجنة الآن ” ،بل ربما كان أنضج افلامه سينمائيا على الاطلاق، لأنه فيلم سياسي، يحكي عن شباب في فلسطين مع الحب والمقاومة، ويمنح المقاومة شرعيتها، في وطن محتل، ويتمير بـ ” حس إنساني ” نبيل..
يحكي الفيلم عن ” عمر ” ، وهو شاب فلسطيني يعمل خبازا، غير ان جدار العار الذي شيدته الحكومات الاسرائيلية الصهيونية المتعاقبة ، صار يحول بينه وبين رؤية ولقاء حبيبته نادية، التي تعيش في الطرف الآخر من فلسطين ، وعليه عمر، ان أراد زيارتها،أن يسافر بالطائرة ، لكي يصل الى منزلها، ويلتقى بأخيها طارق صديقه،غير أن عمر يحتال لرؤية حبيبته، فيجدل حبلا ويتسلق “جدار العار” الى الطرف الآخر من الحياة والحب والعشق، ويعرض نفسه هكذا للموت، ورصاصات جنود حراسة السور،ثم يقبض عليه ذات مرةويقف عقابا له على حجر، في لهيب الشمس الحارقة..
ونتعرف على ابطال الفيلم الثلاثة،في المشهد الافتتاحي، نتعرف على أصدقاء عمر، وهم طارق شقيق نادية حبيبته، وأمجد الذي يلعب يلعب على العود ويطلب منه في المشهد الافتتاحي ،اذا أراد ان يتحصل على قهوته، أن يقلد مارلون براندو والطريقة التي يتكلم بها ، في فيلم ” العرّاب أو الأب الروحي ” للامريكي فرانسيس فورد كوبولا..
أما طارق، الصديق الثالث لعمر، فهو انضج الثلاثة سياسيا،وهو مناضل يحرضهم على الكفاح، ومقاومة الاحتلال..
ويتدرب الثلاثة على اطلاق الرصاص، من بندقية بميكروسكوب، ويقوم عمر بسرقة سيارة ،ويقوم طارق بسرقة بندقية ،وعند مواجهة جنود حراسة جدار العار ليلا في عملية هجومية، يطلب طارق من أمجد أن يقوم باطلاق نيران بنقيته، فيردي أحد جنود حراسة السور قتيلا، ويسرع الثلاثة بالهرب ..
فيلم ” عمر ” يمنح المقاومة في ظل الإحتلال شرعيتها
غير أن الجنود يتعقبون عمر، ويقبضون عليه ويودع الحبس ، ومن هنا يبدأ الجزء الثاني من الفيلم ، فنرى عملية تعذيب عمرعاريا، وإجباره بكافة الوسائل على الاعتراف، والادلاء بشخصية القاتل..
ونشاهد ضمن عملية التعذيب، حرق اعضاء عمر التناسلية، بولاعة سجائر، غير مخرجنا هاني أبو أسعد من فلسطين،لايتوقف طويلا عند هذه اللقطة المرعبة التي كنا شاهدناها من قبل في فيلم مكسيكي، بدا لنا، كما لوكان مؤسسا بكامله وكليته الفنية ، على لقطة مماثلة، لقطة مؤلمة ودموية ومرعبة تقشعر لها الأبدان.حيث يقوم أحد أفراد عصابة، بالقاء البنزين على الاعضاء التناسلية للضحية بطل الفيلم، ثم يشعل فيها بولاعته النار، في مشهد من أفظع المشاهد الدموية التي عرضت ولحد الآن في السينما المعاصرة..
آليات تجنيد الفلسطينين داخل سجون الإحتلال
وعودة الى فيلم عمر، يلتقي عمرفي السجن ،بشيخ ذو لحية، يحرضه على عدم الاعتراف بأي شيي، لأي مخلوق من السجناء ، او الثقة في اي انسان في السجن، ولا يجب أن يخدع ، اذا حكي له أحدهم أسراره، ليكسب ثقته، ويجعله يعترف في مابعد عن شخصية الجاني أو الفاعل الذي قتل الجندي..
وفي المشهد التالي ،نكتشف ان ذاك الشيخ إياه ، لم يكن سوى أحد رجال المخابرات الاسرائيلية،وهومكلف بتجنيد المناضلين الفلسطيننيين في السجون، واقناعهم بالعمل، لحساب جهاز المخابرات ،والاشتغال كعملاء لاسرائيل في فلسطين المحتلة..
ويتعهد ضابط المخابرات ذاك، باطلاق سراح عمر، ان دلّه على مكان طارق، غير ان عمر يتساءل : لكن ، ومن أين عرف الضابط الاسرائيلي بأن طارق قد شارك في عملية الهجوم ، على جنود حراسة جدار العار؟..
ويتوصل بعد تفكير الى قناعة ، أنه لايمكن ان يكون الا أحد الثلاثة ،عمر وأمجد وطارق، الذين شاركوا في العملية بالطبع..
ويخرج عمر من السجن، بعد ان قطع وعدا بتسليم صديقه طارق وشقيق حبيبته نادية الى المخابرات، ولمعرفة من هو ذلك “الخائن” ، الذي أفشي للمخابرات الاسرائلية سرهم ..

وتتعقد القصة تدريجيا، وتصبح بعد انقضاء مشاهد لقاءات الحبيبين، عمر ونادية في الجزء الأول، أكثر تعقيدا ، إذ تتشابك خيوطها بشكل صاعد متوتر، كما في نوع الافلام البوليسية، وتنحو نحو التشويق،لاكتشاف الحقيقة، فيست هناك حقيقة واحدة،ويجب اكتشافها، بل عدة حقائق، معقدة ومتداخلة..
وعمليات توجيه MANIPULATIONS وتحريك بما يخدم مصالح المخابرات وهى تتلاعب بعقول الفلسطينيين، ويخرج طارق من الحبس، ويتهم بالخيانة، وهو لابد ان يدفع الثمن،ويحاول طارق ،ان يغتسل من عار الخيانة بأي شكل – فاذا كان اطلق سراحه بهذه السرعة، فلابد أنه قد خان، وباع القضية- وعليه أن يكتشف الخائن الحقيقي..

وتتوالي الأحداث في الفيلم، لتكشف عن ثلاث حقائق أساسية، تبدو لنا ولغيرنا جلية،بسبب ظروف القهر والاحتلال التي يعيشها الشعب الفلسطيني :
أولا- قسوة ظروف العزل،والنفى القسري، وتقسيم الفلسطيين، من خلال ذلك الجدار الذي شيد ، تقسيمهم أكثر،وتشتيتهم أقسىى، ووضعهم تحت ذل وقهرالرقابة.. وثانيا – يكشف الفيلم عن حقيقة “الطبيعة السيكولوجية” النفسانية الشاملة للشعب الفلسطيني، الذي يعيش تحت الاحتلال، جيث يحاصر ويعذب ويقتل ويهان ، وعن مناخات التخويف والتخوين، التي تستخدمها إسرائيل، للتلاعب تحت ظروف الاحتلال ،بمصير الشعب الفلسطيني، وتسفير الفلسطينيين من العملاء الى نيوزيلندا، كمكافأة لهم، على خيانتهم لأهاليهم ووطنهم، ولأصحاب القضية،،
ولايمكن تباعا، وفي ظل في أجواء كهذه ،أن تنتهى قصص الحب على خير، كما في بعض أفلامنا الساذجة، ويتزوج عمر من نادية، ياحلاوة، ويسافران معا لقضاء شهر عسل في الموزامبيق، أو بلاد الواق الواق..
فنادية لم تخرج ، ولن تخرج ابدا للأسف،من ذلك الزقاق الضيق، الذي حشرت فيه قسرا مع أهلها، وتقول نادية في الفيلم انها قد زارت الخليل فقط، وتحلم بقضاء شهر عسل في باريس..
ومن خلال سيناريو الفيلم، يطرح المخرج الفلسطيني الكبير هاني أبو أسعد، العديد من النكات، التي تعكس أجواء الانهزامية والمرارة، التي يستشعرها الفلسطينيون تحت الاحتلال،وهناك نكتة رمزية موحية، عن طريقة “صيد القرود في افريقيا” تفضح بين ثناياها، الطريقة التي تتعامل بها المخابرات الاسرائيلية ،مع افراد الشعب الفلسطيني ،تحت ظروف الاحتلال، ومن ضمنها نكتة، عن تحرير القدس، ثم مضاجعة نساء العدو، التي تقال لشيخ مسن، فيكون رده ، إن اذهبوا أولا لتحرير القدس، ثم تعالوا بعد تحريرها، وضاجعوا زوجتي
ليس هناك وطن آخر أفضل من فلسطين
وهناك في الفيلم ” كمين “، لتي تتكرر كثيرا، و” حفر ” للفلسطينيين، من صنع المخابرات، وقد يعتقد بعض الفلسطينيين، انهم اشطر واكثر ذكاء من جنود المخابرات الاسرائيلية ، لكنهم اذا بهم يكتشفون، انهم سقطوا في الكمين او الحفرة التي ارادوا حفرها للعدو الاسرائلي، الذي يتجسس عليهم وعلى أسرارهم، ويتلاعب بالعقول الفلسطينية المتعبة المنهكة الضعيفة ..
وهناك ايضا في الفيلم، عمليات تدجين و” تجنيد ” مستمرة ،من قبل المخابرات الإسرائيلية، لأن الاجواء والظروف النفسانية للفلسطينيين تحت الإحتلال، تساعد على ذلك..

المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد
فيلم ” عمر ” لهاني أبو أسعد، فيلم فلسطيني قوي، وجد شاعري ومؤثر، بفضل قصته وحبكته، وتشريحه لنفسية الشباب الفلسطيني المقاوم، الذي يتعرض لأبشع عمليات “التغريب”عن وطنه، تاريخه وذاكرته،وهو يعطي لهذه المقاومة ” شرعيتها ” واستمراريتها،رغم كل ظروف الاحتلال والتعذيب والقهرالمستمرة، في الأرض المحتلة، والتي لم تنته بعد، بعدما وصلت الى عملية “إبادة جماعية”، و”جرائم حرب” فاشية مروعة، في قطاع غزة، مازالت ترتكبها إسرائيل، على مرأى ومسمع من العالم.كما يتسامق ذلك الفيلم ” الانساني “، بتصويره الجميل، وإنسيابيية أحداثه، من دون إستعراض عضلات إخراجية،أومبالغات ميلودرامية بكائية عاطفية..
“عمر ” فيلم واقعي، جد “متوازن ” من أفلام الشخصيات CHARACTER MOVIE إن صح التعبير، ويقدم ولحد الآن في رأينا، أفضل معالجة سينمائية للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، من دون خطب ولاشعارات، ويمضي الفيلم الى هدفه، من دون ان نشعر بملل أو تطويل ، وينتهى الفيلم بـ ” عمر” الذي يثأر لنفسه من ضابط المخابرات. ذلك الضابط، الذي جعله يعيش طويلا في الوهم، وكان لابد أن يدفع الثمن في النهاية. كما يحذر الفيلم من ذلك الوهم ، وهنا تكمن القيمة الأساسية في الفيلم ، لكن عن أي ” وهم ” يتحدث ؟
وهم أن تكون هناك فلسطين اخرى أفضل، في مكان آخر غير فلسطين، في سيناء مثلا، فهذه أكذوبة،من صنع اسرائيل، لتهجير الفلسطينين قسرا خارج بلادهم، لتصفية القضية- ولن تسمح به مصرابدا – وضرب الفلسطيني بالفلسطيني في الفيلم، عملا بسياسة “فرق تسد”..
وهو ماينبه اليه فيلم “عمر”- من إنتاج2013- كاشفا من خلال تطور أحداث الفيلم عن ” آلياته “، كما يتألق الفيلم بمجموعة من المواهب الفلسطينية الجديدة الرائعة، التي تمنح الفيلم واقعيته، وشاعريته، ومصداقيته : الممثل آدم بكري، في دور عمر، والممثلة ليم لبنى، في دور نادية، والممثل سامر بشارة ،في دور أمجد، وسوف تقوم على أكتاف هؤلاء الممثلين الجدد، من الشباب الرائع لاشك ، سينما فلسطين الغد الوليدة، ولاعجب أن يفوز الفيلم، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة ” نظرة خاصة ” في مهرجان ” كان 2013 . كما يحسب ايضالمخرجه ، إعتماده على فلسطينيين ،في كل طاقم الفيلم الفني ،من مدير تصوير ومونتير ومساعدين الخ، شاركوا جميعا في نجاح الفيلم، ومازلت أتذكر تلك اللحظات الجميلة التي عشتها عند عرض الفيلم في مهرجان ” كان “عندما وقف الجمهورلفترة طويلة، في نهاية العرض، ليصفق لذلك الإبداع الفلسطيني المتوهج – STANDING OVATION – في ساحة الفن..
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
عن جريدة ” القاهرة ” – العدد 1220 الصادر بتاريخ 5 ديسمبر 2023

الحصان الشَارِد الجامح،
والشامِس بين شَمُوس الأسماء..
خلف سِياج العقول والأسرار.
دفَّة زورق هَائِم.. حالم.
بين النجوم
والأضواء.
يغفو على خدرِ جمال الليالي.
شرقاً وغرباً على أجنحة الآراء.
يتماوج منسجماً حالمًا.
يسابق سفينة سندباد.

الكاتب والقاص والمخرج المصري صلاح هاشم الشامس
في أحضان عشيقته..
يحتضن شعاع توهجها.
يجمع الزهر والسنّا والعطور.
يَمرُج بين كل مرج وبستان.
يعزف أجمل قصص المشاهد.
يُسَطِرَ ويُصَنِفَ ويُصَوِرَ ..
من عالم السينما والقاعات.

آه يا إيزيس..!
يا بدر البدور في الظلمات.
روضة المعرفة في أزهارِها..
تنثرِين حروف الكلام والحكايات.
نجومًا في ليالينا الظلماء.

حصان البحر دائماً شارد..
حوافرُه مُكابَدَة وجُهد.
على شواطئ العمر .
سابح بلا كَلَل أو إِعْياء.
يعيدُ جمال الصوت للنغمات.
يسقط خلف سيقان الكواليس.
معه الف سؤال وسؤال.
يَقول في ملفات وصفحات.
ما يُقال وما لَا يقال..
**
مع تحياتي.
للناقد والكاتب الفني،
والمؤرخ السينمائي.
الصديق صلاح هاشم.
يقلم

فكري عياد
.
admin Uncategorized, اصدارات كتب, رئيسية, روح الصورة 0

هؤلاء علموني. صلاح أبو سيف في لاروشيل 1992
لقطة مع أستاذي المخرج المصري العظيم صلاح ابو سيف في مهرجان لاروشيل السينمائي في فرنسا 1992، وكان الناقد الفرنسى الكبير جان لو باسيك مؤسس المهرجان الذي كنت أحضره بإنتظام وأـكتب عنه في مجلة ” كل العرب” في باريس، طلب مني أن أختار مخرج مصري، لتكريمه ضمن 4 مخرجين من مشاهير المخرجين السينمائيين في العالم ،بمناسبة مرور 20 عاما على تأسيس المهرجان، وقال لي فكر ياصلاح وأخبرني، لكني أجبته في التو أختار صلاح أبو سيف، فصاح الله الله ،والله كنت أتمنى من قلبي أن تختار صلاح أبو سيف، كنت أحسبك ستختار يوسف شاهين
.ثم سالني هل يمكنك إعداد والاشراف على احتفالية ” تكريم ” HOMMAGE لصلاح ، وإحضار أبو سيف الى لاروشيل ،وحضور تكريمه مع أهل المدينة، في عيدها السينمائي الكبير،
فأجبته على الطريقة اللبنانية : ولو ..طبعا أقدر، وأتصلت بالاستاذ صلاح أبو سيف هاتفيا في التو وأبلغته بالموضوع وتحمل المهرجان نفقات سفره من مصر الى فرنسا ،واقامته مع حرمه في المدينة في فندق 5 نجوم ونفقات سفره من باريس الى لاروشيل ، وكل شييء، بل كل ما يريد مثل الجنى الذي ظهر لآبو في فيلم ” لص بغداد “، فوافق على الفور، وسألني طيب يا أستاذ صلاح ماهي الأفلام التي اخترتها لتعرض في الاحتفال بتكريمي فأجبته بأنه تحضرني مجموعة من الأفلام التي لابد أن تعرض في التكريم مثل ” بداية ونهاية ” و ” الفتوة ” و ” شياب إمرأة ” و ” الوحش ، و ” السقامات ” و ” بين السماء والأرض “، و ” القاهرة 30 “،وطلبت منه أن يتواصل مع الأستاذ هاشم النحاس ، الذي كان يشغل منصب رئيس المركز القومي للسينما أنذاك لعمل نسخ جديدة من تلك الأعمال السينمائية المصرية الفذة، وكتبت لاحقا في كتالوج المهرجان عن موقع صلاح أبوسيف في السينما المصرية تاريخها وذاكرتها وتراثها السينمائي العريق، بأنه المخرج الذي وضع الشعب المصري على الشاشة وجعله بطلا _ وليس ” أولاد الذوات” في ردهات القصور، – لكل افلامه، وعندما حضر من باريس الى لاروشيل، كان في استقباله هو وحرمه – وكنت سبقته الى هناك للخروج في الموكب الحافل – عمدة المدينة وحشد من النقاد والصحافيين والمصورين وأهل المدينة، وجان لو باسيك مؤسس ورئيس المهرجان ، وكتبت الصحافة الفرنسية عن الحدث السينمائي الكبير في فرنسا واختفالية السينما المصرية في شخص صلاح ابو سيف وتصدرت عنوانيها مانشيت كبير يقول أن صلاح ابو سيف حمل الشمس من مصر الى لاروشل ، وكان وجه أستاذي صلاح أبو سيف في غمرة الموكب الحافل، يشرق بالفرح العميق، مثل إنسان يصحو من نومه غجأة، فإذا به يدرك في التو ، وبحضوره في المشهد الكرنفالي الاحتفالي الكبير، وموسيقى عذبة تصدح في الأرجاء،أن خلم حياته قد تحقق، أمام عينيه، وهو غير مصدق.
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم كاتب وقاص وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
فقرة من كتاب ” السينما العربية خارج الحدود 2 “.يصدر قريبا في مصر

admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس, نزهة الناقد 0

الروائي والكاتب والناقد السينمائي البرتو مورافيا.أستاذي
فى مقدمة كتاب ” ثلاثون عاماً في السينما” للروائي الإيطالي الكبيرألبرتو مورافيا،يكتب المخرج الإيطالى فيللينى الكبيررسالة إلى مورافيا، يقول له فيها :
( ..لقد أعجبت حقاً يامورافيا ، وأيما إعجاب، بمقالك عن فيلمى الأخير، الذى ذكرت فيه ، أن الشئ المميز فى أفلام فيللينى وفنه، أنه ينظر إلى حاضره،ويتطلع الى الحاضر فى أفلامه، كما لو كان يتأمل، فى جل أيامه الماضيات، بعد أن يضيف إليها ” فورية ” الحاضر، ومباشريته .فيللينى ينظر الحاضر، بنفس ابتسامة التسلية، التى نتطلع بها ،فى أغلب الأوقات إلى الماضى ،ذلك أن المسألة ببساطة،أن الماضي لا يختلف كثيراً عن الحاضر، فى معظم جوانبه ، ومظاهره الإيجابية ، بل و كذلك فى أخطائه، وسلبياته أيضا

قيلليني : مورافيا يكي عن الأفلام كا لو كانت كائنات حية
هذه الأفكار التى عبرت عنها يامورافيا تجاه فيلمى الأخير، البعيدة عن البلاغة ،والحذلقة الأدبية، ، تتسم بقدر عظيم من البساطة والشفافية. أنها بساطة العارف، الإنسان الذى خبر الأشياء، وخاض تجارب، لاحصر لها، ويعرف دائماً عما يتحدث بالضبط ، فإذا به يضع كل شئ فى مكانه، وبدقة متناهية، من خلال نظرته الثاقبة إلى عملية الإبداع والخلق، التى تكشف عن نفسها، وتتبلور بشكل أساسى، فى طرح مفهوم مغاير للزمن.إن الناقد الذى أتعاطف معه، هو الناقد الذى يتحدث عن الفيلم، ومن دون مبالغة، كما لو كان كائنا حيا ، أو إنسانا. الناقد الذى لا يتعامل مع الأفلام، من ” فوق “، ولا ينظر إليها ..” من بعيد ” ، مثل عالم الرياضيات، أو المهندس ، ثم يتفحصها – إذا تفحصها – ببرودة الجراح، فى غرفة العمليات ! ..
الناقد الذى اثق فيه، هو الناقد الذى يتحدث عن العمل الفنى ( لوحة ، كتاب ، أو فيلم ) بلغة تكشف لنا عن مشاعره، وأحاسيسه الفردية الإنسانية،فى حضرة العمل ، وتبين لنا فى الوقت ذاته، حدود الموضوعية..
والحقيقة – يضيف فيلليني – أنى كنت أندهش يا مورافيا ، حين أطالع كتاباتك النقدية عن الأفلام ، فى صحيفة ” الاسبرسو “، وأندهش من استقلاليتك المطلقة، تجاه أحكام النقاد الآخرين. إنك لا تهتم البتة، بما يكتبون ، ولا تهتم أبدا بالإشاعات، التى تحيط بكل فيلم ، ويظل مرجعك الوحيد، منهجك ” المورافى ” الذاتى فى الكتابة ، الذى ينطلق فى أغلب الأحيان، من ملاحظة سوسيولوجية ، أو فرضية فلسفية ، أو فكرة أدبية .
الكتابة عن الأفلام ” وسيلة ” لفهم العالم
وفقط عندما نقرأ مقالاتك، عن أفلام بعينها، ندرك على الفور، أن الكتابة عن فيلم ما بالنسبة إليك ، هى “وسيلة” لفهم العالم،وفرصة للانطلاق، فى “مغامرة” فكرية، تدعمها وتثريها، قراءاتك ومعارفك وخبراتك، فإذا بها تضع العمل السينمائى، تحت ضوء خاص، وفريد من نوعه ..
مقالاتك عن السينما يا مورافيا، تمنحنى قدرا عظيما من الإثارة ، وتجعلنى أستشعر هذه المشاعر والأحاسيس ذاتها، التى كنت أستشعرها ،وأنا أطالع تحقيقاتك الجميلة، عن رحلاتك فى أفريقيا..
هنا يحس الإنسان ، بأنه فى حضرة “مغامر”، يمكن الوثوق به، والاعتماد عليه، فى غزو تلك الممالك، والأقاليم الوعرة ، التى لم تطأها قدم بعد، ثم العودة بعد الرحلة الشاقة، بتقرير مفصل، وخال من كل ما له علاقة بالوعظ، والإرشاد،والأفكار المسبقة..” ..
منهج مورافيا في النقد السينمائي
هذا الكتاب لمورافيا، الذي أعتبره من ضمن هؤلاء الذين علموني، و أنحاز كلية الى أفكاره، يقدم رحلة شائقة مثيرة، فى عوالم سينمائية متميزة ،عبر العديد من الأفلام،التي صارت الآن من” روائع ” الفن السابع، ونلاحظ فيما يتعلق بمنهج مورافيا ، فى قراءة ونقد هذه الأعمال السينمائية، إعتماده على إبراز قضية ومحتوى سيناريو الفيلم، أى قصته،من حيث هى بلورة، لرؤية المخرج، وموقفه تجاه ما يحدث فى العالم، مع إهمال مورافيا لدور الممثل فى الفيلم..
ينشغل مورافيا بموضوع الفيلم، وقضيته الفكرية، أكثر من انشغاله بأبطاله ونجومه وممثليه، حيث لا يفرد لهم، إلا سطوراً معدودة، فى نهاية الحديث عن كل فيلم على حدة ، وهو بذلك يعلى من قيمة ” السيناريو “، حيث يضعه فى المرتبة الأولى من العتاصر المؤسسة للعمل،ولا يجد فى أداء الممثلين ،ومهما كان متألقاً وباهراً ، سوى دعامة ليس إلا، من دعامات المعمار الفكرى للقضيةالتى يعالجها..
يلخص مورافيا على عجل،قصة الفيلم فى عدة أسطر، ثم يدلف فوراً إلى قضيته، ويستفيد من قراءاته ومعلوماته فى الأدب، والفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وغيرها، بالإضافة إلى خبراته الحياتية،ليسلط على قضية الفيلم الضوء، ويتفحصها بعدسته المكبرة، حتى أننا نجد أنفسنا فى نهاية المطاف،إزاء “قطعة أدبية” فنية مثيرة،بخصوص كل فيلم من الأفلام التى يتناولها فى الكتاب – أكثر من 150 فيلما – على حدة..
لا ينظر أستاذي مورافيا إلى السينما ، على أساس أنها ” صناعة ” ، ولا ينظر إلى المخرجين على أساس أنهم ” حرفيون “، بل ينظر إلى السينما، وعبر مقالاته النقدية فى هذا الكتاب، على أساس أنها ” فن ” ART ، من إبداع ” مؤلفين “AUTEURES .فن جاد، لا يسعى إلى الترفيه والمتعة فحسب، بل يشارك أيضا، فى تثقيف البشر وتوعيتهم، من خلال تناوله القضايا والمشاكل المعاصرة.والفن هنا، ليس إلا أسلوب حياة، ولأن الإنسان أو المبدع الفنان، ليس منعزلاً ، وعندما تواتيه فرصة التفتح والانطلاق ، فإنه يتحول إلى “عالم صغير ” يحمل فى طياته ” ثقافة الجنس البشرى” السابقة، أما حاضره ،فيتمثل فى ” تواجد ” عصره فى كيانه..
وتعالوا نتأمل في أسلوب مورافيا الأدبي البديع ،عندما يكتب في النقد السينمائي، بخصوص فيلمين هما: فيلم “العصور الحديثة” لشارلي شابلن، وفيلم ” نياجرا ” بطولة مارلين مونرو .
مورافيا يكتب عن فيلم ( العصور الحديثة ) لشارلي شابلن :
(.. فيلم ( العصر الحديث ) من إنتاج 1930 من اخراج شارلى شابلن، يعالج كما يتضح لنا من عنوان الفيلم، المشاكل الناشئة عن العصر الحديث. ما هى هذه المشاكل ؟ إنها مشاكل المكننة، والحضارة الصناعية، والبطالة، والشمولية التكنولوجية، و ” الهيدونية ” أي عبادة الجمال- الجماهير، ونظام العمل المسلسل ، وما إلى ذلك.ترى هل توجد مشكلة واحدة، من بين هذه المشاكل،لا نعانى منها فى الوقت الحاضر؟ .كلا للأسف. والآن نطرح سؤالاً : لماذا لم تعد الكتب والأفلام، التى خرجت منذ أكثر من أربعين عاماً، وسلطت الضوء على هذه المشاكل ، و كشفتها وفضحتها، لماذا لم تعد تقنعنا اليوم ، بينما نجد أن فيلم ( العصر الحديث )، مازال ولحد الآن مقنعاً، ومحتفظا بنضارته ؟!.ربما تكون الإجابة ببساطة، أن السر يكمن فى أن شارلى شابلن ، فنان عبقرى ،غير أن هذه الإجابة وحدها ،لا تفسر لنا أى شئ بالمرة ..
لنشرح الأمر إذن..
يلتقى شارلى فى الفيلم بالبنت، وبفضل بطاقة التزكية، التى منحها لها مدير السجن ،يحصل شارلي على عمل، كحارس ليلى، فى مخزن تجارى كبير، وعندما ينتهى العمل فى المخزن، يفتح شارلى الباب لصديقته ، فتدلف إلى الداخل،ويكون أول ما يفعله،هو أن يقدم إليها وجبة طعام جيدة، فى كافتيريا المخزن، ثم يصعدان إلى قسم الملابس، وتلبس البنت فستاناً من فساتين السهرة،وتتعطر بأطيب العطور، وتلف حول عنقها معطفاً من الفراء، مثل الفتيات البرجوازيات، من بنات الأسر الغنية..
نحن نعرف أن أحلام شارلى ، لا تختلف كثيراً عن أحلام صاحبته ، فهو أيضا يطمح إلى حياة برجوازية هنيئة،وفقا للنمط الرأسمالى.يحلم ببيت صغير،وعمل، وراتب مضمون، وتبقى المرأة فى مكانها، داخل المطبخ،لتعدله وجبة الفطور،التى يتناولها قبل أن يدخن سيجاره، وهو يطالع جريدته،وبعدها يخرج،ويتوجه مباشرة إلى عمله.إنه حلم بطلين، من أبطال “حضارة الاستهلاك” التي نعيشها الآن، وهو الشييء الذي يجعل.من هذا الفيلم، مازال ولحد الآن، محتفظا بنضارته.. ) ..
مورافيا يكتب عن فيلم ( شلالات نياجرا ) بطولة مارلين مونرو :
(.. ذهبت لمشاهدة فيلم ” شلالات نياجارا ” من إخراج الأميركى هنرى هاثاواى .إنتاج، 1953 وهو الوحيد المعروض حاليا فى روما، لمارلين مونرو،لأكتشف سر هذه الأسطورة،أسطورة النجمة التى انتحرت، منذ زمن، بعد أن تناولت جرعة كبيرة من أقراص النيمبوتال المنومة،ومازالت الجرائد والمجلات، تلهج بالثناء عليها، كملكة الحسن والجمال ،التى اختفت عن عالمنا، وإلى الأبد، ولم يستطع الزمن حتى الأن أن يعمل عمله، فى الشهرة التى حصدتها ،فى حياتها ، وجعلت منها أسطورة..
فيلم “شلالات نياغارا ” ينتمى إلى نوع ” الفيلم البوليسي”، وتحول بمرور الزمن، إلى فيلم فكاهى،يناقش موضوع الغيرة، والخيانة،متخذاً من شلالات نياجرا المعروفة، ديكوراً وخلفية له، ومن الأهمية أن نلاحظ هنا، أن مارلين لا تلعب فيه دوراً رئيسيا ،كبطلة مطلقة ، فالفيلم من إنتاج العام 1953 ، وهى السنة التى بدأ فيها التعامل مع مارلين ،كموضوع للجنس .الممثل جوزف كوتون،بطل الفيلم ، ممثل بائس،وهو هنا بالذات، مجرد صفر على الشمال، والدليل على ذلك ،أنها تختفى من الفيلم، قبل انتهائه بثلاثة أرباع الساعة ، وبالرغم من ذلك ، يستمر الفيلم فى طريقه، نحو الكارثة، إلى أن يصل إلى نهايته التعسة..
هذا الفيلم عندما تنتهى من مشاهدته ، سوف يتبخر تماما من ذهنك،ولن تتبقى منه سوى مجموعة من الصور الخالدة لمارلين مونرو..
لكن حذار، أنا لا أعنى هنا بالصورالمتحركة،بل أعنى الصور الثابتة لمارلين فى الفيلم.لا أقصد تمثيل مارلين وأدائها،بل أقصد صورة مارلين فى الفيلم، التى لا تختلف كثيراً عن الصور، التى نراها فى روزنامة أو نتيجة الحائط ، ونجد فيه صورا لمارين في الفراش، و مارلين ترتدى ثوباً من الساتان ، ومارلين فى الحمام ،و مارلين فى قسم الشرطة.هذا الشئ الذى يجعل مارلين، تحتل الشاشة العريضة، أعني هذا الحضور المتألق، لهذه النجمة الأسطورة ، لا علاقة له البتة ،لا بموهبتها فى التمثيل ، ولا بما يطلق عليه، بالجاذبية الجنسية..
سحر مارلين هذا، يكمن وحده فى صورتها .الشئ ينبع من ذاته ، من مارلين نفسها . هذا الشئ اسمه فقط : مارلين على الشاشة !! ..
قد يكون مفتاح سر مارلين، وأسطورتها، فى الطريقة التى تضحك بها مارلين، فى لحظة تظهر مارلين على الشاشة، غافية ساهية، وشاردة الذهن . تنسى مارلين أنها تمثل، وتتطلع إلينا ،من قلب الشاشة ، كما لو كانت تتطلع إلينا، وهى ترقد على فراش الموت، وقد تسللنا إلى غرفتها خلسة . وفجأة نكتشف وجه مارلين البرئ ، وسحر مارلين الخفى، فى العينين الكبيرتين ..
نظرة مارلين هذه ،الخالية من كل لهو وإغراء،هى نظرة صريحة وواضحة، تعكس كل ما فى هذا العالم من براءة، فى مواجهة الحب … والثقافة … والمجتمع … والأفكار …. وعلم النفس !
نظرة تعكس بإختصار ، نظرة إنسان خائف، منزعج ومرعوب، مثل طفل يتيم، ضل طريقه فى قلب غابة مظلمة وموحشة !. مارلين تخشى على نفسها، من براءتها، هذه البراءة فى مواجهة أى شئ، وكل الأشياء.. تضحك مارلين ، نعم تضحك فقط ، لكى تغطى هذه البراءة،وتحاول أن تخفيها بعناية عن الأنظار..
أسطورة مارلين فى نهاية المطاف، هى أسطورة ” بنت الشعب “، فى حضارة صناعية، تضعها على الهامش،برغم تواضع مارلين ، وقلبها العامر، بكل ما هو طيب وخير من النوايا ..
مأساة مارلين، أنها لم تفهم، أن مفتاح الثقافة اليوم ،هو التمرد ، والمؤسف حقا أنها لم تتنبه لهذا الأمر، إلا قبل نهايتها المحتومة، بوقت قصير..
عندئذ فقط ، أدركت مارلين أنها مهما ضحكت، فلن تستطيع أبداً ،أن تخفى ” سذاجة مارلين” فى مواجهة العالم ، ولم يكن هناك خلاص ، إن كان ثمة خلاص، على الإطلاق ، إلا بالانتحار..
انتحرت مارلين، لتعاقب مارلين التى خضعت، بدلاً من أن تقاوم وتتمرد . وقد كان انتحار مارلين، كعقاب على الامتثال والخضوع للمجتمع، هو الذي جعل منها “أسطورة ” فذة ، من أساطير السينما .. فى عصرنا ..
يقلم
صلاح هاشم .باريس

صلاح هاشم مصطفى كاتب وقاص وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
عن جريدة ” القاهرة ” – العدد 1219 – الصادر بتاريخ 28 نوفمبر 2023
سينما.هؤلاء علموني.ميشيل سيمان
ربما كان “العقل” الأكثر حرية وموسوعية، الذي أنجبه “النقد السينمائي” في العالم
و إطلالة على ” حداثة “السينما العالمية المعاصرة

ميشيل سيمان
هؤلاء علموني. ياوجع القلب. توفي يوم الإثنين 13 نوفمبر عن عمر يناهز 85 عاما،أستاذي الكاتب والمؤلف، والناقد السينمائي والأستاذ الجامعي- باريس 7 – والمثقف الموسوعي التنويري الفرنسي الكبير ، ورئيس تحرير مجلة ” بوزيتيف ” السينمائية الفرنسية الشهيرة،ميشيل سيمان– MICHEL CIMENT– ( من مواليد 26 مايو 1938 وتوفي في باريس في 13 نوفمبر 2023) الذي يعتبر – في رأيي – ومن دون مبالغة، أشهر ناقد سينمائي فرنسي عالمي، بعد أندريه بازان، في تاريخ السينما الفرنسية والعالمية،والذي تشرفت بمعرفته منذ عام 1992، عندما حضر تظاهرة تكريم – HOMMAGE -مخرجنا المصري العربي الكبير الأستاذصلاح أبو سيف في مهرجان لاروشيل السينمائي في فرنسا، من إعدادي، وبتكليف من المهرجان، في نفس العام،وأجرى حوارا مع أستاذي صلاح أبو سيف ،وقمت بالترجمة، للمحطة الإذاعية الثقافية ” فرانس كولتور”، حيث كان يعد فيها برنامجا سينمائيا بعنوان ” عرض خاص “
سيمان، روح متحررة ، وفضول معرفي لايشبع
ثم نعمت بإستاذيته- بعدما تطورت صداقتنا – وعلمه وثقافته، وتواضعه ودماثة خلقه الجم،وسوف نفتقده – يا وجع القلب – وتفتقده السينما العالمية،وكنت ترجمت باقة من حواراته مع مجموعة من أشهر المخرجين وأساتذة السينما في العالم، من أمثال الإيراني عباس كياروستامي ، والتركي نوري بيلغ سيلان، والإيطالي فردريكو فيلليني ، والفرنسي روبير بريسون وغيرهم، ونشرتها في بعض الدوريات المصرية والعربية..

وصدر لميشيل سيمان، عدة كتب مهمة في السينما ، وتعتبر كمراجع، وإطلالة على ” حداثة ” السينما المعاصرة،من ضمنها كتاب ” كوبريك ” عن المخرج الأمريكي الكبير ستانلي كوبريك، الذي يتحدث فيه عن أفلامه ومنهجه في الإخراج، وكان سيمان، الناقد العالمي الوحيد الذي قبل كوبريك أن يجري حوارا معه ويتحدث عن سينماه..
وكتاب ” جواز سفر الى هوليوود ” الذي يضم مجموعة من الحوارات مع المخرجين الأوروبيين- مثل المخرج الألماني فيم فندرز – الذين جربوا العمل في هوليوود ،مصانع الأحلام، وإستوديوهاتها الماجور الكبرى..
كرّس ميشيل سيمان حياته ، لنقل معرفته ،وشغفه بالفن السابع، الى أجيال من عشاق السينما، و كان يتمتع بروح متحررة ، وفضول لا يشبع، وكان تجسيدًا للولع بالسينما، واحتضن جميع أنواع السينما، ولم يترك أي فيلم جانبا ابدا،وواصل استكشاف السينما العالمية حتى النهاية..
وربما كان ،كما كتب عنه البعض، ومن ضمنهم تيري فريمو مدير مهرجان كان، ربما كان العقل الأكثر حرية وموسوعية، الذي أنتجه النقد السينمائي في العالم على الإطلاق، وأعرب جيل جاكوب رئيس مهرجان ” كان ” السابق، عن عظيم إحترامه وتقديره للصحفي ميشيل سيمان، الذي لم يكن ناقدا عظيما، ومؤرخا مشهورا عالميا فحسب، بل كان أيضا صاحب روح فضولية، بشأن السينما والفن، والذي ناضل بشدة من أجلهما طوال حياته.
النقد السينمائي في فرنسا نوع أدبي

وكان ميشيل سيمان يعتبر أن النقد السينمائي في فرنسا، هو نوع أدبي، ويكتب على طريقة المقال الأدبي، المصاغ بالكثير من الإسلوبية البلاغية، وبكثير من التأمل، في اللغة، كموسيقى وإيقاعات، صمت وهمس، مما يحيل المقال السينمائي في النهاية الى” قطعة أدبية جميلة ” قبل أن يكون مقالا سينمائيا متخصصا، ولاشك أن أهم مايميز النقد السينمائي الفرنسي الحديث -مدرسة مجلة ” بوزيتيف – تأسست عام 1952 إهتمامها بالتأكيد على فكرة المزج في الكتابة السينمائية باالفلسفة والأدب والموسيقى والفنون الجميلة، وفكرة أن السينما، لاينبغي أن تنسى مطلقا ، أنها ” سياسية “، وتعالوا نتأمل الآن في ” أسلوبية ” الكتابة عند أستاذي ميشيل سيمان في كتابه ” كوكب سينمائي صغير ” PETITE PLANETE CINEMATOGRAPHIQUE الذي يعتبر أحد أهم الكتب السينمائية ، التي صدرت في فرنسا ،خلال العشر سنوات الأخيرة..
فقد كتبه سيمان خلال أربعين سنة ،من الاكتشافات و النقاشات والرحلات، في مهرجانات السينما العالمية، ويضم الكتاب مجموعة كبيرة من الحوارات السينمائية العميقة التي اجراها مع 50 مخرجا من 30 دولة..
ميشيل سيمان .اسلوب أدبي وثقافة موسوعية

يكتب سيمان في حواره مع المخرج التركي الشاب نوري بيلغ شيلان الذي إلتقاه في مهرجان ” كان السينمائي عام 2000 هكذا، وأنظر هنا وتأمل، في قطعة أدبية جميلة وشخصية” تعكس أسلوب أستاذي ميشيل سيمان الأدبي، وثقافته الموسوعية :
(..إلتقيت بالمخرج التركي نوري بيلغ شيلان لأول مرة في مهرجان ” كان ” السينمائي عام 2000 ، وكان قدم الى المهرجان، كزائر فقط، ثم التقيت به للمرة الثانية بعدها بثلاث سنوات في ذات المهرجان، وكان قدم الى المهرجان ليعرض هذه المرة فيلمه الروائي الطويل الثالث، بعنوان ” أوزاك “.كان شيلان آنذاك، الذي شارك فيلمه في المسابقة الرسمية للمهرجان بمثابة ” سندريلا ” المسابقة ، فقد كان مجرد إسم مجهول، للكثير من الصحفيين..
حصل شيلان بفيلمه في المسابقة على جائزتين، من الجوائز الكبرى للمسابقة : حصل على الجائزة الكبرى، ومعنى ذلك أنه كاد يفوز بسعفة المهرجان الذهبية، كما حصل على جائزة أحسن تمثيل في أفلام المسابقة ، وذهبت لممثلين إثنين في فيلمه ” اوزاك “..
وقد بدا لي بعد اكتشاف فيلمين لنوري بيلغ سيلان هما فيلم” قصبة ” و فيلم ” سحابات مايو ” في مهرجان برلين ، انهما يكشفان عن موهبة مخرج كبير جديد في السينما العالمية ، وانه لاشييء يعادل، تواضعه الجم وخجله، سوى قوة وبأس أفلامه، وعناده وتصميمه..
وعلى قدر ما أتذكر، كانت هذه هي المرة الأولى في حياتي، التي يعترف مخرج فيها لي، بأنه ليس بحاجة الى أية مساعدات ” خارجية ” من أحد ، بعد أن عرضت عليه أن اتدخل، بصفتي الشخصية ،لإيجاد مشاركين من فرنسا،للمساهمة في إنتاج أفلامه،ودعمه لمواصلة محاولته السينمائية الطموحة، في بلد لاتحتل فيه أعمال سينما المؤلف، أولويات الوسط الإنتاجي السينمائي الاقتصادي التركي..
اعترف لي نوري بيلغ شيلان – الذي يعمل منتجا وكاتبا للسيناريو ومخرجا ومديرا للتصوير ومونتيرا وممثلا في أفلامه- أنه يفضل دوما أن يعتمد على نفسه، في سد إحتياجاته، وأن هذا الشييء ،يضمن له “حرية مطلقة “، لاخراج أفلامه بالشكل الذي يحب.وأنه يستطيع أن ينتج أفلامه ،بحيث لاتتجاوز تكلفة الفيلم الواحد مائة الف يورو ،بمساعدة أربعة فنيين مساعدين فقط ( مسجل صوت، ومساعد اخراج، ومساعد تصوير ومساعد إنتاج ) وباستخدام ممثلين غير محترفين، من أفراد أسرته أو اصدقائه..
وأعتقد برأيي أن فيلما مثل ” أوزاك ” ، يستطيع أن يتنافس مع مجموعة من أجمل الأفلام القادمة من أنحاء العالم ، في مسابقة مهرجان ” كان ” .. يمنحنا في رأيي درسا بليغا..
ليس فقط على مستوى جماليات الفيلم، والسينما، ولكن أيضا على مستوى الاخلاقيات، ودرجات التكامل الفني، فقد بدأ نوري بيلغ شيلان حياته كمصور فوتوغرافي ، مثل المخرجين السينمائيين الكبار من أمثال الأمريكي ستانلي كوبريك، و الفرنسية آنياس فاردا و الأمريكي جيري شاتزبيرج والإيراني كيارستمي..
ولاشك في ظني ، أن نوري بيلغ سيلان مثلهم، قد ورث من خلال ممارسة فن تصوير الصور الثابتة، هذا ” البعد ” – عدم الانغماس والاستغراق في الصورة- الخفيف، وذاك “البرود” على مستوى الاخراج اللذان نلاحظهما ، ولايمنعانك – ولو من باب “معرفة الغير” فقط – من التعاطف مع شخصيات وأبطال أعماله، ويمنحان مخرجنا في ذات الوقت، قدرة على إضفاء مسحة من ” الحس الفكاهي” على كل أفلامه..
إن نوري شيلان ينتمي في رأيي الى “حلقة” من الفنانين المبدعين، الذين يجعلوننا نعيد النظر في حياتنا، ونتعلم من جديد، ..كيف ننظر الى العالم.. وسط فوضى وصخب حياتنا اليومية..التي صارت مليئة ،بل وتكاد تطفح بالصور ..) ..
وداعا ميشيل سيمان أستاذي، المثال والقدوة.
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم مصطفى كاتب وقاص وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
عن جريدة ” القاهرة ” العدد الصادر بتاريخ الثلاثاء 21 نوفمبر 2023
admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, كل جديد, نزهة الناقد 0




المخرجة جين كامبيون


admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب 0

ليليانا كافانى مخرجة ايطالية ،تجد متعة حقيقة،فى صنع افلام، تثير عند عرضها إما موجات من الاستنكار والاستهجان ، وإما مدا واسعا ، من الاعجاب والتقدير.فيلمها ” الجلد ” – THE SKIN – من إنتاج 19812 الذي يحكي عن الحرب، ويعتبر أحد أهم أفلام الحرب في تاريخ السينما، أحدث جدلاً واسعاً،عندما خرج للعرض، فما هى حكاية هذا الفيلم، وما سر الفضيحة،ألتي ألصقت به – من أنه ينشر غسيل إيطاليا الوسخ على الملأ- مثل معظم الأفلام ” الصادمة” التى تخرج علينا، من جعبة هذه المخرجة” الايطالية ” الساحرة ” ليليانا كافاني ، التي كرمت حديثا بمنحها أسد ذهبي ،في مهرجان فينيسيا الفائت..

حكاية ” الجلد ” مأخوذه من كتاب للروائي الايطالى كورزيو مالابارت ،بعنوان ” الجلد “، يروى فيه الوقائع المرعبة ،التى عاصرها بنفسه، عندما دخل مدينة نابولى جنود الحلفاء، لتحريرها عام 1943من قبضة النازي. ونشر الكتاب فى العام 1949 ، ويصف فيه مالابارت ،كيف كانت الامهات والفتيات، يخرجن إلى الطريق، ليمارسن الدعارة ويعرضن اللحم البشرى،كبضاعة ،على الجنود الامريكيين ،من أجل سد البطون الجائعة ، وكسرة من البسكويت ، تبقيهن على قيد الحياة..
ويصل الكتاب الى أوجه،عندما يصف مالابارت مأدبة، أعدها الجنرال قائد القوات الامريكية في نابولى ، يقدم فيها الخدم، فوق صحن مغطى بأوراق الخس الخضراء ، طفلا مسلوقا بعناية ، ومتبلا، على أنه سمكة، إصطيدت خصيصا لهذه المأدبه ، ويعرفها الايطاليون بإسم “عروسة البحر”..
أن مشهد كهذا، لا يمكن بالطبع أن يفوت المخرجة الايطالية، التى اختارت أبشع صور الحرب التى وصفها مالابارت فى كتابه ، ونسجت باتقان فنى سينمائى بارع عبر سلاسة السرد – أى الانتقال بنعومة من لقطة إلى أخرى ، ومن مشهد إلى مشهد آخر، من دون الاخلال بتركيبة العمل الفنى ..

نسجت قصيدة سينمائية كابوسية عن الحرب، كمهزلة تراجيدية، يستبيح فيها الجنود المحررون – ويا للمأساة – حرمة المعابد.ولا تبالغ هنا، عندما نقول المعابد، لأن مالابارت – وليليان كافانى فى فيلمهما –THE SKIN – المأخوذ عن كتابه – يعتبران الجلد الانسانى، بمثابة ” معبد مقدس “، إذا داسته الأقدام، فان ذلك عار على الوطن، والبشر، والضمير الانسانى
وعلى الرغم من أن الفيلم يتناول الحرب، كموضوع أساسي ، فان مشاهد الحرب تغيب تماما عنه، ولا يتأكد وجودها بشكل عام، كخلفية للأحداث، إلا فى لقطة واحدة، يعبر فيها أحد الجنود حقلا ملغوما، ليقضى حاجته ، فاذا باللغم ينفجر، وإذا بأحشائه تخرج فى لقطة مروعة، تلخص عبثية الحرب، عندما يلفظ الأبرياء أنفاسهم الأخيرة ، من أجل حفنة من الكلمات الجوفاء، كالدفاع عن، وعن، بإسم الوطن..
فأى عظمة ، فى أن يموت المرء ، كهذا الجندى الأمريكى الشاب، متأثرا بجراحه ، وقد خرجت أحشاؤه بين يديه، بعيدا عن الوطن، وغريبا فى ذلك الحقل الايطالى، من أجل سمعة الرئيس الأمريكى، الحريص علي الفوز، فى انتخابات الرئاسة المقبلة؟.

لكن الأهم من ذلك كله، أن الحرب ،تحول البشر فى المعسكرين السابقين ، جزارين كانوا أم ضحايا.تحولهم إلى وحوش آدمية كاسرة،ويتضح لنا ذلك فى شخصيات الفيلم الرئيسية، التى رسمتها ليليانان كافانى البارعةبعناية خاصة، ومن ضمنها شخصية الجنرال، قائد القوات الامريكية المحررة – الذى يقوم بدوره فى الفيلم الممثل بيرت لا نكستر ، فهو رجل عصامى ،وأبن نكتة، يقود الجيش الخامس، ويدخل نابولى دخول الفاتحين، وهو يتفجر حيوية، ويعتبر الجيش من ممتلكاته الشخصية.الجنرال في الفيلم رجل يعشق المنافسة، ويرغب فى أن يصبح النجم اللامع الأوحد بين القاده الامريكيين كافة، الذين كلفوا بمهمة ” حربية “، أو بالأحري ” عملية ” حريبة فى أوروبا، وتسيطر عيله فكرة واحده، تعشش فى تلافيف دماغه ، ولا يستطيع منها خلاصا، وهى تتبلور فى رغبته ، فى أن يصل إلى روما لتحريرها بأى ثمن، قبل أن يحرر الجنرالات الأمريكيون الآخرون، أى عاصمة أوروبية أخرى قبله..

وهو يود أن يدخل روما ظافرا، وأن يسلك طريق ” لافيا أبيا ” إليها ، ذلك الطريق الذى سار فيه الغزاه الظافرون من قبل ، من أمثال يوليوس قيصر، ومارك انطونيو..
لكن الجنرال مارك كورك، تثور ثائرته عندما يعلم بوصول ديبور وايت ، ويعتقد أن هذه الشيطانة، قد حلت لتنتزع منه شعبيته، فيوكل إلى مالابارت – ماستروياني في الفيلم – مهمة التخلص منها، في أسرع وقت، وديبورا هي زوجة سناتور أمريكى، قبلت الذهاب إلى جبهة القتال، من أجل الدعاية لزوجها فى الانتخابات الرئاسية المقبلة..
وها هو مالابارت، يعد مأدبة لهذه الارستقراطية المترفعة من بوسطن، فتفتح عينيها على بشاعة الحرب والمجاعة، حين يقدم لها طفلة صغيرة مسلوقة، فوق صحن فاخر من الفضة..
إنها الحرب إذن، التى تحول البشر فى معسكرى الجزارين والضحايا، إلى وحوش كاسرة. فالجنرال الامريكى وحش،لا يهمه الا الوصول إلى روما لتحريرها قبل الآخرين، وديبورا وايت وحش، لا يفكر إلا فى استغلال الحرب الدائرة، من أجل تحقيق مصالح شخصية وضيعة، في زمن المأساة، وبعينين مغمضتين على الأهوال الدائرة من حوله، ومشاهد الرعب، التي تدور لها الرؤؤس..
والمعلم ابن البلد النابوليتانى ادواردوماتزولى،هو أيضا وحش يطعم الأسرى الألمان، كى يبيعهم لحما بالكيلو، للقوات الامريكية المحررة، ويهدد بأن يصنع من شحمهم صابونا، ونابولى تعانى من أزمة الصابون فى زمن الحرب، إذا لم يقبل الجنرال بشروطه، فى صفقة لحم الأسرى البشعة، والجندى الامريكى جيمى وارن وحش، لايتورع عن فض بكارة عذراء نابولى الوحيدة – حبيبته – عندما استيقظ على الحقيقة المدمرة، ألا وهي أن كل نساء وفتيات نابولى الصغيرات يعملن في الدعارة.والجنود الامريكيون فى الفيلم وحوش، حين يقفون فى طوابير طويلة، فى قصر تاريخى عريق ،تحول إلى بيت كبير للدعارة، فى زمن الحرب، ليتفرجوا على عورة فتاة صغيرة عذراء، يعرضها والدها للبيع ، ويطالب الجنود بدولار واحد، فى مقابل امتاع النظر بأعجوبة الأعاجيب ،فى زمن الدماروالقتل..
والجنود الامريكيون وحوش،حين يتحسسون مؤخرات الصغار الطرية ، فى حضرة الامهات اللواتى يساومن على الثمن، والدموع تذرف من عيونهن،ومالابارت فى كل هذا وحش، يتلذذ بمشاهد الرعب الكابوسية، و لا يهمه الا إختلاس النظر، إلى جسد المدينة الممزق.وهكذايتحول الفيلم، إلى صالة عرض، لصور وحوش آدمية كاسرة ، لا تعرف الرحمة، فى زمن الموت والمجاعة..

لكن ليليانان كافانى، على الرغم من ذلك كله، لا تدين شخصيات الفيلم.فالجندى الأميركى الذى يفض بكارة حبيبته على مشهد من الجنود، فى قسوة وعنف بالغين، هو الجندى الذى ينقذ صغيراً فى حقل ملغوم ، بل أن هؤلاء الصغار، الذين اجتمع بهم الجنود الأميركيون، وأغتصبوهم فى الحرب، هم الآن رجال إيطاليا،الذين يصوتون مع الشيوعيين ،أو مع الديمقراطيين المسيحيين، ومن ذا يا ترى يستطيع أن يعيرهم ، بما وقع لهم فى الحرب ؟..
فحين تنتهى الحرب، ويتوقف القتال، سوف تعود الحياة إلى ما كانت عليه، ووقتئذ سيكون للأخلاق والوعظ إعتبار،أما فى زمن الحرب، فلا أخلاق ولا وعظ، ومن الأفضل كما يقول مالا بارت فى الفيلم، أن تعرض الأمهات فى نابولى، لحم فتياتهن على قارعة الطريق للبيع، لأن ذلك سيكون يقينا، أقل قسوة من ذبحهن، وحشو البطون الجائعة ، بلحمهن..
فى المشهد الأخير من الفيلم ، تدهس دبابة أميركية رجلا إيطاليا ، حمل ولده وخرج وهو يلوح بالعلم الأميركى ونجومه ، مرحبا بقوات التحرير الظافرة، حين تتقدم دبابة، في لقطة من أبشع لقطات الفيلم، وأكثرها تعبيراً ودلالة ،عن مغزاه الحقيقى، حين ينجح الأب، فى دفع الصغير جانبا، ليستسلم هو لعجلات الدبابة التى شبكت في قدميه، وعندئذ تتقدم الدبابة،فوق جسده المسجى، وتمرعليه، فيتحول إلى مفرش جيلاتينى – من اللحم والدم – منبسطا فوق الأسفلت، ويده المقطوعة، تمسك بالعلم الأميركى، على قارعة الطريق.عندئذ تصرخ النساء وتولول، ويأمر الجنرال الأميركى قائد الجيش الخامس، بوضع ذلك ” الشئ ” – اللحم الإنسانى – جانبا، حتى تتقدم القوات الظافرة ، على الطريق لتحرير روما..
هذا هو الإنسان ، كما تراه ليليانا كافانى، فى فيلمها الرائع ، مجرد ” شئ ” ، ونفاية من اللحم والجلد،إذا أنتزع منه الحكام والقادة والغزاة كل شئ،، فى غمار مجد الحروب الزائف، تحت شمس إيطاليا الحارقة..
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم مصطفى كاتب وقاص وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
***

عن جريدة ” القاهرة ” الإسبوعية العدد1215 الصادر بتاريخ الثلاثاء 7 نوفمبر 2023