الاحتغال بمئوية الأستاذ عبد الفتاح الجمل الراعي الصالح لجيل الستينات في معرض القاهرة للكتاب 55 بقلم ولاء عبد الفتاح






admin Uncategorized, رئيسية, شخصيات ومذاهب, لف الدنيا 0

بمناسبة الاحتفال بـ”المئوية الأولى” لناقد سينمائي مصري كبير
هؤلاء علموني. فوزي سليمان–
يوم السبت الموافق 24 ديسمبر 2023 وصلتني الرسالة التالية في بريدي الاليكتروني، ويقول فيها صاحبها الذي لم أكن أعرفه أو التقيت به من قبل : (..السيد الأستاذ الكاتب و الناقد الكبير/ صلاح هاشم : تحية طيبة و بعد. سيادتكم من المفكرين والنقاد، الذين كان لهم تواصل مع الناقد الراحل/ فوزى سليمان ، وقد كتبت عنه سطورا رائعة على موقع سيادتكم- موقع “سينما إيزيس”، بعد رحيله (فى 3 سبتمبر 2017) و تم ضم هذه السطور ،فى الكتاب الذى صدر عن فوزى سليمان، من “دار الهلال” فى نوفمبر 2018 بعنوان (فى ذكرى صديق- عن فوزى سليمان و دوره) ..
و كنت اتمنى ان ارسل لك نسخ من هذا الكتاب ، ولكني اعرف ان سيادتكم فى باريس، فعند توافر أى فرصة ،وسيادتكم بالقاهرة، يمكن ان يتم الترتيب لذلك، و انا متابع جيد لكتابات سيادتكم فى جريدة “القاهرة”، و على صفحاتكم فى مواقع التواصل الاجتماعى، وأكتب لسيادتكم الان، لانه فى 8يناير 2024، تكون الذكرى المئوية على ميلاد الناقد الراحل والوالد العزيز من مواليد 8 يناير 1924، وتوفي في 3 سبتمبر2017 وأتمنى ان يتذكره زملاؤه من جيل المعاصرين له، بكتابة بعض السطور عنه، لاننى اعتقد انه يستحق ذلك، و اكون فى غاية الشكر والتقدير لسيادتكم.) وكانت الرسالة بتوقيع مهندس استشاري أديب فوزي سليمان..
كتبت ردا الى الإبن الأستاذ أديب، قلت له فيه : ( أهلا وسهلا استاذ أديب،يسعدني جدا طبعا أن أكتب في جريدة ” القاهرة ” عن عمنا.. وأستاذنا فوزي سليمان الحبيب ،بمناسبة الاحتفال بالمئوية الأولى على ميلاده في 8 يناير 2024 وإن شاء الله نلتقي في مصر على خير.كل التقدير وخالص محبتي..) ..
فوزي سليمان “ملك” المهرجانات السينمائية
والواقع أني كنت كتبت، على صفحتي أو حسابي في الفيسبوك من فترة ،خلال العام المنصرم 2023 قائمة أسماء بعنوان ” هؤلاء علموني “تضم أسماء مجموعة كبيرة من الناس والاساتذةوالفنانين والكتاب والنقاد والمبدعين، الذين تعلمت منهم، وعرفتهم عن قرب، واختلطت بهم في الوسط السينمائي المصري وبخاصة في فترة الستينيات، في مرحلة الدراسة في جامعة القاهرة والتكوين..
مثل الأستاذ فوزي سليمان الذي كنت اقرأ مقالاته في مجلة ” السينما ” – رئيس التحرير الأستاذ سعد الدين وهبة – مع مقالات الأستاذ أحمد الحضري والأستاذ يوسف شريف رزق الله..
والأستاذ عبد الفتاح الجمل المشرف على الصفحات الثقافية في جريدة المساء- وأعتبره الراعي الرسمي لجيل الستينيات بأكمله – الجيل الذي أنتمي إليه، ود.علي شلش و د.صبحي شفيق والأستاذ رؤوف توفيق رئيس تحرير مجلة ” صباح الخير” وغيرهم..
وبعضهم درّس لي في الجامعة من أمثال د.فاطمة موسيى ( فن الرواية ) ود.مجدي وهبة( فن الشعر) ود.رشاد رشدي ( مادة وتاريخ النقد )، و حيث تعرفت علي الأستاذ فوزي سليمان عام 1965 وأنا مازلت طالبا في قسم الأدب الإنجليزي بكلية الآداب جامعة القاهرة في فترة الستينيات،وأعتبرها أكثر الفترات الثقافية توهجا في تاريخ مصر الحديثة ،حيت كنت أتابع جولاته المكوكية، في مهرجانات السينما العالمية،وأعتبره ” ملك المهرجانات السينمائيةكنت اتابع مقالات د. لويس عوض في جريدة الأهرام، واقرأ له ضمن جموعة من النقاد تأثرت بهم وبكتاباتهم، مثل عبد القادر المازني ومحمد مندور ..
ولم أكنب آنذاك أكتب في السينما، بل كنت أكتب القصة المصرية القصيرة، بإتقان وحرارة ، كما يقول د. غالي شكري في مقدمة كتاب ” الوطن الآخر. سندباديات في شوارع أوروبا الخلفية مع المهاجرين العرب، الصادر عن دار الآفاق الجديدة في لبنان عام 1981 حتى ذلك الوقت ،وأنا طالب في الجامعة ،ولم أتخرج بعد، لم أكن تعرفت على الأستاذ الناقد فوزي سليمان فلم يكن يتردد على المقاهي الأدبية مثل مقهى إيزائيفتش و مقهى ريش، أو يصادق الشعراء والكتاب الذين تعرفت عليهم – مع صديقي عبد العظيم الورداني زميلي في القسم وقتذاك – في ذلك المقهى الأخير وصاحبتهم،مثل الأساتذة بهاء طاهر وجمال الغيطاني ونجيب محفوظ وأمل دنقل وجميل عطية وإبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبد الله ومحمد البساطي وإبراهيم عبد المجيد وغيرهم، وكانت مقالاتنا وقصصنا وترجماتنا ينشرها لنا الاستاذعبد الفتاح الجمل في المساء، الراعي الصالح – كما كتبت عنه الصحافية المصرية عائشة المراغي – لجبل بأكمله، وكانت مصر كلها تقرأ ماينشر في المساء.
إلى أن إلتقيت بعم فوزي سليمان، عندما ذهبت لتغطية مهرجان ” كان ” السينمائي العالمي لمجلة” الوطن العربي ” أول مجلة عربية إسبوعية تصدر من باريس، عام 1981، وكنت بدأت قبلها أكتب في السينما في المجلة المذكورة عن مهرجانات فرنسية ،مثل مهرجان مونبلييه للسينمات المتوسطية ومهرجان القارات الثلاث افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية،ومهرجان أوبرهاوزن في ألمانيا، وأخطو خطواتي الأولى في النقد السينمائي..
ومنذأن تعرفت شخصيا على عم فوزي سليمان عام 1981 في مهرجان ” كان ” ،في صحبة مجموعة من اهم الكتاب والنقاد السينمائيين في مصر، من امثال الاساتذة أحمد الحضري و رفيق الصبان ورؤوف توفيق ويوسف شريف رزق الله وسمير فريد ، صرنا أصدقاء في التو،
ليس فقط بسبب عشقنا للسينما والفن السابع الحلال وافلامه..
، بل بسبب ثقافتنا الإنجليزية أيضا، ودخولي الى السينما من باب ” الأدب ” ودراستي للأدب الإنجليزي، قبل أن أشرع في كتابة القصة المصرية القصيرة، كما كان عم فوزي سليمان استاذا للغة الانجليزية في المدارس الثانوية المصرية،قبل أن يتفرغ تماما للكتابة في السينما، ويجعلنا من خلال كتاباته ،نتعرف على تطور أساليب وفكر السينما الحديثة المعاصرة في العالم..
من خلال حضوره للمهرجانات، والكتابة عن أفلامها، ووقائعها وندواتها ،حتى صار ملك المهرجانات في الوسط الأدبي والثقافي والفني في بلدنا، وللجيل الذي أنتمي إليه،عن إستخقاق وجدارة..
سر عشق المصريين للسينما
وكانت مفاجأة كبيرة لي عندما التقينا ، أنه أخبرني بأنه أعجب كثيرا بمقال لي عن المخرج الأمريكي الكبير ستانلي كرامر، كنت عثرت عليه في مجلة سينمائية قديمة، اشتريتها من ” سور الأزبكية ” في مصر، فقمت بترجمة المقال عن الانجليزية ،وأرسلته وأنا طالب في الجامعة الى “مجلة السينما” الشهرية – رئيس التحرير سعد الدين وهبة -فنشرته لي ف صفحة 64 في العدد 19 الصادر في شهر أغسطس 1970 ، من دون أن تعلم أني شاب صغير عمره 20 سنة فقط، وهو يخطو أولى خطواته، في الكتابة عن السينما، وحدث أن الأستاذ فوزي سليمان كتب ملفا عن السينما الدانمركية في 10 صفحات من صفحة 46 الى صفحة55 في باب ” السينما في العالم”في نفس العدد ..

وتعلمت من الأستاذ فوزي سليمان سليمان، وفي كل مرة كان يتجدد فيها اللقاء به في مهرجان ” كان ” في صحبة أهل ” كان ” من الكتاب والنقاد والسينمائيين المصريين – من أمثال أحمد الحضري ورفيق الصبان ومحمود علي وأحمد صالح ووحيد حامد ورؤؤف توفيق وماجدة واصف وسمير فريد ويوسف شريف رزق الله وماجدة خير الله وغيرهم – تعلمت أولا أن مشاهدة الأفلام وإبداء الرأي فيها هو مهنة حقيقية وضرورية، ولايجب أن يستهان بالمعارف الجديدة، التي يتحصل عليها الناقد من خلال مشاهدته للأفلام – عين على السينما وعين على الوطن والعالم – والتعليق عليها، والتي تتسامق بالنقد السينمائي، لتجعله وثيق الصلة بمهنة التربية والتعليم..
ولذا لايستطيع الناقد المحترف، والباحث الموسوعي ،أن يزوال مهنة أخرى، حيث أنه يكرس الساعات الطوال كما يقول الناقد الفرنسي الكبير -هؤلاء علموني – ميشال سيمان- أكثر من 10 ساعات في اليوم للسينما – بل وأحيانا كل سنين عمره – ثم يضعهاكما فعل فوزي سليمان، القدوة والمثال – للبحث عن المعلومات الخاصة، بمخرج الفيلم وصناعه- كاتب سيناريو الفيلم ومدير تصوير الفيلم وممثلينه – بل وكل المعلومات التي يمكنه، بل من واجبه، أن يبحث عنها، قبل أن يكتب عن الفيلم، والتي تغذي لديه ، وتعزز من قيمة ونعمة “الفضول”، والشغف بالسينما جماع الفنون ، والانفتاح – من خلال إتقان ودراسة لغة أو لغات أجنبية وبخاصة الانجليزية والفرنسية – الإنفتاح على ممالك و ثقافات وشعوب العالم، ثم يضعها – هذه المعلومات في التاريخ والجغرافيا واللاهوت والفلسفة والنثروبولوجيا ( علم الإنسان ) عن فيلم ما- تحت تصرف القراء ..
كما تعلمت ثانيا من أستاذي فوزي سليمان، أن عشق السينما، والولع بها ،هو أصلا من حب المصريين للناس، والبشر،وهو نابع من حضارة مصر” أم الدنيا “، وهذا الارتباط في اللاوعي الجمعي المصري، بالضمير الإنساني – وهو إختراع مصري، مع مفهوم ” الخلود ” ، وفضول المشاءين الكبار، والمخرجين الفلاسفة العظام، الذين يرون لنا قصة الأرض، كما فعل المخرج الايرلندي العظيم جون هيوستون، صاحب فيلم ” الملكة الافريقية”، وفيلم ” أهالي دبلن ” عن رواية للروائي الايرلندي جيمس جويس، الذي ترجم لنا عمنا فوزي سليمان كتابا عنه ،حياته وفنه وأفلامه ،ومسيرته السينمائية الكبيرة.شكرا أستاذ فوزي سليمان على كل شييء ، وثق تماماأنك مازلت – طالما بقى فينا رمق من حياة –.. مازلت بيننا..
بقلم
صلاح هاشم .باريس

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد مصري مقيم في باريس.فرنسا.مؤسس موقع ” سينما إيزيس ” في باريس عام 2005 ومهرجان ” الموسيقيى في السينما.جاز وأفلام ” عام 2015 في مصر.الدورة السادسة للمهرجان تعقد في شهر مارس 2024
***
نقلا عن جريدة ” القاهرة ” الإسبوعية – العدد 1227- الصادر بتاريخ 23 يناير 2024


admin Uncategorized, اصدارات كتب, رئيسية, كل جديد 0

إنتهت التجهيزات لإقامة موعد معرض الكتاب 2024 بدورته الخامسة والخمسين لعام 2024، تحت شعار “نصنع المعرفة.. نصون الكلمة”، خاصة بعد أن وافق مجلس الوزراء على قيام الهيئة المصرية العامة للكتاب بالتعاقد على تنفيذ التجهيزات بالصورة التي تليق بمكانة مصر الثقافية بالساحتين العربية والدولية.
ومن ثم يقام معرض الكتاب خلال الفترة من 24 يناير وحتى 6 فبراير، بمركز مصر للمعارض والمؤتمرات بالتجمع الخامس؛ بناء على اجتماع اللجنة الاستشارية العليا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب بدورته الخامسة والخمسين.
ومن المقرر أن يستمر العمل في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2024 من الساعة العاشرة صباحًا حتى الثامنة مساء، ما عدا يومي الخميس والجمعة حتى التاسعة مساء.
admin Uncategorized, كل جديد, نزهة الناقد 0


admin Uncategorized, رئيسية, مختارات سينما ازيس 0

شكلت الثقافة المصرية الحداثية أحد محركات الإصلاح الإجتماعي والتطور السياسي في مصر، منذ بناء الدولة الحديثة، وطيلة المرحلة شبه الليبرالية، وحتى الآن. وكان المكون الثقافي أحد عوامل تشكيل النخبة السياسية والثقافية، والاجتماعية، خاصة الطبقات الوسطى، وساهم في الارتقاء بنوعية التعليم العام والجامعي، قبل تدهوره في عهدي السادات ومبارك. وساهمت الثقافة في الحراك الاجتماعي لأعلى، وتشكيل طلب اجتماعي تاريخي عليها، بعد تراجعه في نهاية عقد السبعينات، وما بعد ذلك، لصالح الثروة كركيزة للمكانة الاجتماعية والنفوذ! وأدى الانفصال بين المكون الثقافي وسياسة ومناهج التعليم والإعلام إلى تراجع دور الثقافة في التنمية، وفي الحوافز الاجتماعية، وأثر ذلك سلبا على دور المفكرين والمثقفين في الحياة العامة، وتراجع أدوارهم التاريخية، سواء في إطار حركات التحرر الوطنى، أو بناء الدولة الوطنية، والأهم في بناء المكانة الثقافية المصرية في الخارج، على نحو أدى إلى بروز مواقع جديدة منافسة.
ومع تنامي الوفورات المالية لدى بعض الدول العربية اتجهت هذه الدول إلى التوسع في توظيف المثقفين المشرقيين، ثم المراكز الثقافية المغاربية، وهو ما يكشف عن أن الثقافة ومراكز الإنتاج الثقافي العربي باتت جزءاً من سياسة هدفت إلى جذب الجماعات الثقافية العربية.
غالب المثقفين والمبدعين في مجتمعات الوفرة المالية يعتمدون في نشر أعمالهم، ونقدها، على خارج بلدانهم! ومن الملاحظ أن هناك انفصال بين الثقافة، والتنمية، والحرية في عديد من هذه البلدان، وبين سياساتها في مجال التنمية النيوليبرالية، والفوائض المالية الضخمة التى تعتمد عليها هذه البلدان، التي حولت الثقافة من مجال حرية الرأى والتعبير والبحث، والتدين والاعتقاد، إلى مجال الترفيه. لا شك أن هذه السياسات الثقافية أثرت سلبا على تطور الجماعات الثقافية العربية -وعديد أجيالها- وعلى العلاقة وثيقة العرى بين الثقافة والحرية، وبين الثقافة والتنمية، والثقافة والسياسة في العديد من الدول العربية.

من هنا نحاول في هذه الدراسة الوجيزة إبداء بعض الملاحظات حول أزمات الانفصال بين الثقافة والحرية، وبين الثقافة والسياسات الاقتصادية والتنموية، وبين الثقافة وإعاقات إيجاد حلول خلاقة للثنائيات المتضادة تاريخيا التى أثرت سلبا على فتح الطرق أمام تقدم المجتمع المصري، وإعاقة محاولات تطوره التاريخي. ونطرح فيما يلي أهم هذه الملاحظات.
1- منذ نهاية القرن التاسع عشر، والسؤال الرئيس الذى يواجه العقل المصري، والعربى، لماذا تقدموا؟ ولماذا تخلفنا؟ الذى صاغه شكيب أرسلان. هذا السؤال أُعيدت صياغته في عديد الكتابات، أيا كانت توجهاتها الفكرية والسياسية، وذلك سعيا وراء تشخيص حالة التخلف التاريخي المركبة، التى تراكمت عبر مسارات المراحل التاريخية المختلفة، بدءا من الاحتلال العثمانى.
2- تعددت الإجابات المختلفة حول سؤال لماذا تقدم الغرب، وتخلف العالم العربى؟ كانت غالب التشخصيات لحالة التخلف التاريخي، تركز على ما أطلق عليه الثنائيات أو الضدية، بين العقل والنقل، بين الحرية والاستبداد، بين العلم الحديث والتراث الدينى، بين التقليدية والحداثة، بين الدين والدولة، بين دولة التعبئة وأزمة الحريات العامة والشخصية، بين الأصالة والمعاصرة ، وبين الإسلام السياسي والدولة الحديثة.
3- غالب الثنائيات المتضادة كانت علامة على النزعة التعميمية في صياغة المقولات السياسية والفكرية والفلسفية التى وسمت العقل والفكر المصري، والعربي. الميل إلى المقولات العامة الحاملة لبعض التبسيط في التشخيص والتحليلات العامة، والسائلة وغير المنضبطة إصطلاحيًا وتحليليا، وغياب الدراسات الميدانية والتاريخية النقدية، كانت ناتجة عن الملاحظات العامة، وميل بعض من رواد الفكر العربي إلى دمج بعض من الترجمات المنتحلة من بعض الكتابات الغربية داخل كتاباتهم دونما إسناد مرجعى لهذه الكتابات، وهي ظاهرة كانت سائدة لدى بعضهم آنذاك.
4- بعد نشأة الجامعة المصرية، والبعثات إلى أوروبا -خاصة فرنسا- بدأت بعض تقاليد البحث الأكاديمي والمنهجي تستمد من بعض التقاليد السائدة في الدرس المنهجي الأوروبي، ومن المناهج والنظريات والمفاهيم، ويستعاد بعضها في الكتب الجامعية في علوم الاجتماع، والفلسفة، والجغرافيا، واللغات الأجنبية، ومعها حركة الترجمة التى كانت رائدة وسباقة منذ بدايات مشروع النهضة المجهضة.
5- في الدرس القانوني التاريخي، وفى فروع العلوم القانونية، تشكلت ثقافة قانونية حديثة، مع استمداد القانون الغربي الوضعي الحديث وبعض نظرياته في عهد محمد على باشا، وغالبه في عهد إسماعيل باشا، وذلك لدمج تجارة القطن ضمن النظام الاقتصادى الدولى آنذاك. وهو ما اقتضى إنشاء المحاكم المختلطة، من خلال توحيد القانون -على النمط الإيطالى، والبلجيكى والفرنسى- وهى المهمة التى قام بها المحامى السكندرى المتمصر مانوري، ثم إنشاء المحاكم المختلطة حتى توحيد جهتى القضاء بعد اتفاقية مونتريه 1937.
6- استمداد الهندسات القانونية والاجتماعية الحاملة لها أدت إلى تحفيز الديناميات الاجتماعية الحديثة، وإلى إنتاج فكر قانوني حداثي، وهو ما ساهم في تطوير وتحريك عمليات التحديث السلطوى للقيم، والنظام الاجتماعي في مصر. وعلى الرغم من أهمية هذا الدور، إلا أن الفكر القانوني المصري، والقضائى، حاول تطبيع المصطلحات القانونية الغربية، من خلال اللجوء إلى بعض المواريث الإصطلاحية لأصول الفقه، والنظام القانوني للشريعة الإسلامية من خلال إستراتيجية لغوية وإصطلاحية رمت إلى بناء جسور بين التراث القانوني والفقهى للشريعة، والقانون الوضعى الغربى الحديث. ومن الملاحظ أن البعثات العلمية إلى الجامعات الفرنسية ساهمت في تكوين بعض أساتذة كليات الحقوق على النمط الفرنسى، وهو ما ساعد في استمرارية الجسور مع مصادر المعرفة القانونية اللاتينية –أساسا- وخاصة في المرحلة شبه الليبرالية، وحتى منتصف ستينات القرن الماضى.
7- لا شك أن تراجع حركة البعثات إلى فرنسا وإيطاليا –ومعهما الدول الغربية- منذ عقد ثمانينات القرن الماضى، أدى إلى فجوات بين العقل المصري القانوني، وبن التحولات في الفكر القانوني العالمى، والمقارن، وذلك مع بعض التوجه الجزئى إلى الفكر القانوني الأمريكى، وأحكام ومبادئ المحكمة العليا بالولايات المتحدة في بعض أحكام المحكمة الدستورية العليا بعد إنشائها وتطور أحكامها ومبادئها العامة.
8- لا شك أن هيمنة فكر الإسلام السياسي في العقود الأخيرة من القرن الماضى، والعقود التالية من القرن الحادى والعشرين، ودراساته الشكلية المقارنة مع الفكر القانوني الغربى، ومصادره التقليدية وفلسفته، أثرت على العقل القانوني والقضائى المصري، وعلى الأحكام والمبادئ القضائية. لا شك أن ذلك مرجعه التأثير والتأثر بين الجماعات القانونية والقضائية، والمحامين، وبين البيئة السياسية والدينية السائدة في المجتمع المصري، وتحولاته السوسيو- دينية، والاقتصادية في ظل تفاقم أزماته اللاحقة حتى المرحلة الحالية.
9- أدت هذه التغيرات المختلفة إلى عديد القيود على الحريات العامة، والشخصية، والأخطر محاصرة العقل النقدى الحر، مع تنامى رفع بعض الجمهور، والدعاة الدينيين المتشددين –وحركيو الجماعات الإسلامية السياسية- لدعاوى الحسبة، ضد بعض المثقفين، والكتابة والكتب والآراء المغايرة لأفكارهم الدينية والتأويلية الوضعية، بدعوي مخالفة الشريعة الإسلامية.
10- ساعد إنشاء الجامعات الإقليمية المتعددة -ومعها كليات الآداب والحقوق وكليات التربية والعلوم الإنسانية- دون مقومات موضوعية لها، على تدهور إنتاجها العلمي، خاصة في ظل منحها للدرجات العلمية –الماجستير والدكتوراة- وندرة البعثات الخارجية إلى الجامعات الغربية، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في مستويات الإنتاج العلمى، الذى بات محليًا، ويفتقر غالبه إلى الجدة والفكر الخلاق في مجال العلوم الإنسانية، وخاصة الفلسفة، وعلم الاجتماع والعلوم القانونية، وغياب رؤى تربط بين هذا الإنتاج وبين التنمية وسياستها ومشكلات المجتمع المصري المتراكمة. من ناحية أخرى، حدث انفصال بين التدريس والبحث الاجتماعي، وباتت الكتب ذات طابع مدرسي تدور حول الدرس “الأكاديمى”، مقابل تركيز الأساتذة على الكتب المدرسية -المقررة على الطلاب- بديلا عن متابعة البحث في التخصصات المختلفة وتطوراته في الفكر العالمي والمقارن.
11- لوحظ أيضا تراجع نسبي لمتابعة الفلسفات الجديدة في الغرب من منظور نقدي – وأيضا الفلسفات الآسيوية- ومعها تدهور بعض الإنتاج الفلسفي المصري مقارنة بالإنتاج الفلسفي والترجمات في المنطقة المغاربية –تونس والمغرب والجزائرً- ناهيك عن انفصال الدرس الفلسفي عن الحياة ومشكلاتها الوجودية والسياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمع والدولة المصرية، وأيضا على المستوى العالمي والعربي إلا قليلا.
الإشارات السابقة عن أزمات الإنتاج العلمى في الجامعات، وفق الواقع الموضوعى المصري والعربى الراهن، مرجعها أزماته المتعددة، مقارنة بالمراحل التاريخية السابقة، منذ إنشاء الجامعة المصرية، وفى المرحلة شبه الليبرالية إلى أوائل نظام يوليو 1952، وفوائض المرحلة شبه الليبرالية، ومفكريها البارزين، والارتكاز عليها.
12- في عقود نظام يوليو 1952 المختلفة من الناصرية إلى الساداتية، شهدت الحياة الثقافية المصرية والعربية حالة من هيمنة الإيديولوجيات -أيا كانت مصادرها الماركسية، والاشتراكية العربية، والفكر القومى العربى، ثم الإيديولوجية الرأسمالية الاقتصادية في عهد السادات- وهو ما أثر سلبا إلى حد ما على العقل النقدى الحر، وتحول التفكير حول مركزية الشعار الإيديولوجى والتعميمات المفرطة، والأحكام القيمية، على الخطابات السياسية، والثقافية، المنفصلة عن أسسها الفلسفية والاقتصادية والسوسيولوجية، وهو ما ساهم في إفقار بعض هذه الخطابات معرفياً.
13- لا شك أن السياسة الثقافية في كل مرحلة من هذه المراحل تأثرت بالتوجه الإيديولوجى للسلطة السياسية، ومعها الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، والثقافى، ومن ثم أدت إلى عمليات تبسيط وتسطيح للعقل العام. من ناحية أخرى، أثر ذلك على مناهج التعليم العام، والتنشئة التعليمية على وجه الخصوص، وعلى تأليف المقررات التعليمية، والأخطر على كتابة التاريخ في هذه المناهج، التى تغيرت مع كل مرحلة، وهو ما خلق حالة من بعض التشوش، والتخليط اللا تاريخى، والأخطاء العلمية حول تاريخ مصر العام، وتاريخ المرحلتين شبه الليبرالية، ومراحل نظام يوليو 1952، والنزعة إلى أدلجة تاريخ الشعب المصري، والإفراط في الأحكام اللاتاريخية، التى تعتمد على التبسيطات المخلة.
14- أدت بعض القيود التاريخية على الحريات العامة، والشخصية، وخاصة حريات الرأى والتعبير والبحث العلمي، إلى تقييد العقل النقدى الحر، على نحو أثر سلباً على الفكر النقدى الحر، وعلى المحتوى المعرفى للإنتاج العلمى في مجال العلوم الاجتماعية بمختلف فروعها القانونية، والسياسية والفلسفية والأدبية..الخ، وعلى الإبداع الأدبى الروائى، والقصصى، والشعرى، بل وامتد إلى الفنون الجميلة في التصوير، حيث الامتناع عن رسم “الموديلات” العاريات كما كان يحدث في كلية الفنون الجميلة. بعض ذلك مرجعه تمدد الفكر الدينى الإسلامي السياسي، والقيم الاجتماعية المحافظة، والمتشددة في الوسط الجامعي، والمجتمع المصري الذي مال إلى المحافظة والتدين الشكلي في أعقاب هزيمة يونيو 1967 ثم في العقود التي تلت حرب أكتوبر 1973.
15- تزايدت بعض الفجوات بين الدرس الأكاديمى في الجامعات، وبين الحياة الثقافية، وحدث صدع بين الدراسات والبحوث، وبين مشاكل الثقافة المصرية، وبين الحياة الأكاديمية، والحياة الثقافية، وعلى نحو مغاير للتقليد التاريخي في المرحلة شبه الليبرالية، وبعض فوائضها في المرحلة الناصرية، من التفاعل بين الجامعة والمجتمع، والجامعة والثقافة والجماعات الثقافية، وذلك على الرغم من أن بعض قيادات وزارة الثقافة كانوا من المنتدبين من الجامعات الكبرى، خاصة جامعتي القاهرة وعين شمس، ثم امتد إلى بعض الجامعات الإقليمية الأخرى.
16- الانفصال بين التكوين التعليمي والثقافى الذي بات يشكل ظاهرة عامة، وتحول إلى واحدة من مشكلات تشكيل العقل العام للمتعلمين –في التعليم العام والجامعى- على نحو ساهم في هامشية الطلب الاجتماعي على الثقافة، والإنتاج الثقافي الفكرى والإبداعى، ثم إلى غيابه منذ عقد التسعينات في عهد الرئيس الأسبق مبارك، وصولا إلى الانتفاضة الجماهيرية “الثورية” الطابع، في 25 يناير 2011، وما بعدها، ووصول جماعة الإخوان والسلفيين إلى سدة السلطة.
17- تراجع الاهتمام السياسي بالثقافة والجماعات الثقافية لأسباب عديدة، ما أدى إلى ما سبق أن أطلقنا عليه “صمت المثقفين”، إلا قليلاً منهم!
18- في أعقاب 25 يناير 2011، وحكم الإخوان، و30 يونيو 2013، حدثت حالة من الانفجار الروائى، من بعض الأجيال الشابة -وبعضها من أجيال سابقة- إلا أن غالبه اتسم بالسطحية، وضعف البنيات، والركاكة الأسلوبية، والأخيلة الضحلة، وبعضها على قلته اتسم بالموهبة، والملكة الإبداعية، والتخييلات الخصبة، والاستثنائية.
ويبدو لى أن هذه الحالة سوف تتبلور مستقبلا، وتنضج بعض تجاربها الروائية الجديدة، والشابة، وتنضج بعيداً عن صخب الوضعية الحالية، والسرديات التى ينحسر عنها عمق التجربة الإبداعية، والنضج الإسلوبى، والبناء السردى المحكم، وصخب الدعاية والترويج من بعضهم، وبعض من دور النشر، والمجموعات “الشللية” المحيطة ببعض الكتاب الجدد، من نوادى القراءة على الواقع الرقمي أو الفعلي، وبعض الصالونات الثقافية!
19- مع تراجع توزيع الصحف والمجلات الورقية، في ظل الثورة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، تحولت غالب الأجيال الجديدة –وبعض سابقيها- إلى القراءة الرقمية فائقة السرعة، وانحصر غالب النقد في الدوائر المدرسية بالجامعات، وقلة قليلة في بعض المجلات الثقافية -محدودة التوزيع- ورقيا، ورقمياً. في هذا الإطار، بدا عدم فاعلية بعض الخطاب النقدى، وتأثيره على الحركة السردية الروائية والقصصية والشعرية، وذلك لظهور نمط من القراءة الومضة السريعة – كما سبق أن أطلقنا عليها- والوجيزة جدا، والمكثفة، ولكنها لم تؤثر حتى هذه اللحظة في الخطاب النقدى الأدبى، والسوسيو- سياسى، والسوسيو- قانونى، والفلسفى عموماً، من حيث إيجازه، وكثافته ومحموله، واصطلاحاته ولغته، وهو ما أدى إلى تهميشه لمستهلكى خطاب المنشورات والتغريدات، والانستجرام، والفيديوهات الطلقة.
20- تعانى الحركة التشكيلية المصرية –التصوير والنحت والأعمال المركبة- من عديد المشكلات التى تؤثر على مسارات الثقافة المصرية والعربية، وعلى رأسها ما يلى:
أ- هامشية المكون الفنى –الرسم والنحت والموسيقى- في مناهج التنشئة التعليمية في التعليم العام، والفنى، وأيضا التعليم الجامعي، في العلوم الإنسانية، والطبيعية، على نحو أدى إلى عدم تشكيل ذائقة فنية وجمالية لدى الطلاب، تستطيع مقاومة ذائقة القبح وثقافته في حياة الأفراد والمجتمع، ومن ثم غلبة الانفصال بين المجتمع والفنون التشكيلية، وحركتها وابداعاتها المتعددة، وأجيالها المختلفة من الشيوخ والشباب. من ثم، اقتصارها على مجموعات صغيرة جدا ومحدودة من متذوقي ومقتني الفن التشكيلي على قلتهم القليلة جدًا، وخاصة من الطبقات العليا، وقلة نادرة من الوسطى العليا.
ب- غياب الثقافة التشكيلية، وتطورات مدارسها الفنية عن بعض الوعي الاجتماعي شبه الجمعي للمصريين بالفنون التشكيلية، على نحو تبدو بعض اللوحات والقطع التحتية غريبة وغير مفهومة لدى غالبيتهم الساحقة.
ج- الانفصال شبه الجماعي بين غالب الجماعة الثقافية بالفنون التشكيلية، وتذوقها، واقتنائها، وعدم ارتياد المعارض المختلفة، كجزء من التكوين الثقافي، وقلة قليلة جدا هي من ترتاد المعارض للفرجة.
د- قيام بعض الشيوخ المتشددين دينياً من السلفيين ودعاة الطرق –بتعبير الأستاذ العميد/ طه حسين- وغيرهم بتحريم اللوحات التشكيلية والقطع التحتية، كجزء من خطاب التحريم، والتكفير السياسي، الذى يهدف، ولا يزال، إلى تأثيم الإبداع عموما، والفنون وبعض السرديات الروائية والقصصية، وبعض الأشعار، وذلك في إطار الهجمة الممتدة على الجماعة الثقافية، والحد من تأثيرها الثقافي والاجتماعي والسياسي.
بدا هذا الاتجاه تاريخيا مع رواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” والتي نشرتها جريدة الأهرام، وظلت ممنوعة عن الطباعة والنشر في مصر، واقتصر نشرها على بيروت عام 1962، ومنها للقراء في العالم العربى. ثم مع تمدد الحركة الإسلامية السياسية والراديكالية توسع الهجوم على بعض الأعمال الفنية، والغنائية، والسينمائية مع خطاب الشيخ عبدالحميد كشك –وآخرين- وتوظيفه لثورة الكاسيت في توزيع خطاباته الهجومية على بعض المطربين، والمطربات، والممثلين والممثلات. استمر هذا الاتجاه، مع أزمة رواية “وليمة لأعشاب البحر” التى نُشرت بالقاهرة عام 2000 وصدرت عام 1982 في بيروت، ثم أزمة الروايات الثلاث –”أحلام محرمة” لمحمود حامد، و”أبناء الخطأ الرومانسي” لياسر شعبان، و”قبل وبعد” لتوفيق عبدالرحمن- وصدروا عن هيئة قصور الثقافة، حيث تقدم 13 نائبا من الإخوان المسلمين والمستقلين والحزب الوطني بطلب عاجل لاستجواب وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، وتم سحب الروايات الثلاث من الأسواق. تمددت هذه الظاهرة التى تم الخلط فيها بين الواقع الموضوعي، وبين الواقع في السرد، والتخييل، والمجازات في الفن، وأيضا في الفن التشكيلي.
21- لا شك أن خطاب التحريم، والتكفير الدينى، المتشدد سياسيا وتأويليا وضعي بامتياز، ويخالف الاتجاه الإسلامي الإصلاحي الممتد من الأستاذ الإمام محمد عبده، وبعض تلاميذه في الإفتاء بشرعية فن التصوير والذي حُوصر بعد ذلك في ظل عهدي السادات ومبارك. هذا الخطاب التشكيكي التكفيري والتحريمي كان جزءاً من السياسة الدينية للتيار الإسلامي السياسي، والجهادى الراديكالي، وأثر على نحو بالغ السلبية على الفنون التشكيلية في مصر، وبعض دول المنطقة.
22- الفاعليات الثقافية في بعض الدول العربية النفطية باتت تستأثر باهتمامات الجماعات الثقافية العربية، من حيث المشاركة فيها، والرغبات المحمومة لدى بعض الكتاب للحصول على بعض جوائزها. بعض هذا الاهتمام مرجعه الأوضاع الاقتصادية لبعض الروائيين، والقصاصين والشعراء والأكاديميين، على نحو أثر على مستويات الإبداع، والإنتاج الفكرى والكتابة الدورية.
23- مشكلة بعض الفاعليات الثقافية العربية إنها رمت إلى أن تكون مركزاً لجذب المثقفين والمبدعين والفنانين التشكيليين، والمطربين والمطربات، والممثلين والممثلات، والملحنين، ومخرجي السينما، وذلك بهدف الحصول على العوائد المالية، أو لتوسيع قاعدة انتشارهم الجماهيرية تحقيقا للشهرة والذيوع. هذه الفعاليات الثقافية تهدف إلى “الترفيه” للقواعد الاجتماعية من الطبقات الوسطى. الملاحظ أن أنشطة ثقافة الترفيه يبدو المكون الغالب لها ذو طابع يتسم بقدر من مخاطبة الحواس كالموسيقى والغناء المرقص، والأغانى القصيرة؛ والسريعة -المصرية أو اللبنانية أو السورية وبعض من الأغانى المغربية والجزائرية- بإيقاعاتها السريعة على النمط الغربى في ظل تراجع الأغانى والموسيقى الطويلة التى شاعت في منتصف القرن الماضي وحتى الثمانينات، وذلك لمخاطبة مشاعر وحواس، وذائقات الأجيال الجديدة، خاصة جيل زد/Z في بداية عقدى القرن الحالى الأول والثانى، والثالث الذى نحياه.
24- هذا النمط من ثقافة الترفيه، يعكس بعض التحولات في الثقافات العالمية والغربية، وفى ذات الوقت يُعد تحولاً كثيفاً، ومواكباً ومساوقاً للتحولات في الثقافات النيوليبرالية الوحشية، التى ارتكزت على مفهوم الإنسان المستهلك، ومن ثم ثقافة الاستهلاك والاستعراض، والتمثيل وحالة النهم والولع بكثافة عمليات الاستهلاك للسلع، والخدمات، والاستدانة من المصارف، في شبكة من دوائر الاقتراض لتمويل الاستهلاك المفرط.
25- لا شك أن ثقافة الاستهلاك باتت كونية، ويعاد إنتاجها وتشكيلها مع الثقافة الرقمية، والأخطر أن الشركات الرقمية تُخضِع الفضاءات الرقمية وتفضيلات المشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي للرصد والتصنيف، وتبيعها للشركات الرأسمالية الكبرى، لكى تغذى رغبات مئات الملايين، بل والمليارات، من البشر من الثقافات المتعددة كونيا، وتعيد تشكيل أنماط السلوك الإنسانى الاستهلاكى وفق هذه الرغبات والتفضيلات، بل وتعيد صياغتها وتوليدها، وفق مصالح وإنتاج هذه الشركات الرأسمالية على اختلاف تخصصاتها الإنتاجية والخدمية.
26- مع هيمنة أنماط السلوك الاستهلاكي المكثف تراجعت جزئياً، ونسبيا، ما كان يطلق عليها الثقافة الرفيعة -الأوبرا، والسيمفونيات، ومشاهدة معارض الفن التشكيلي، والكتب الفكرية والفلسفية..الخ- وذلك لصالح ثقافة الاستهلاك، والترفيه في الأغانى، والموسيقى المرقصة السريعة، والتحول إلى استهلاك الثقافة المرئية الوجيزة، من الفيديوهات الطلقة، في طقس المشاهدات، والفرجة الومضاتية (من ومضة) ومعه المشاركة المرئية عبر الفيديوهات في عديد تفاصيل الحياة اليومية، في المأكل، والمشرب، والعقائد الدينية، والمواقف والآراء السياسية، وفى القيم الاجتماعية، وفى النزعة الحواسية، وإظهار بعض مكامن الإثارة في الجسد الأنثوي لبعضهن، وفى نظام الزي.. الخ! تجلت ثقافة الاستهلاك والترفيه والإثارة الحواسية في توسع مشاهدات الزيارة للمواقع الإباحية، ووصلت نسبتها في مجمل الإنترنت 12% في عام 2018، ووصل عدد الزيارات للمواقع الإباحية إلى 91 مليار زيارة، ويدخل إلى هذه المواقع حوالى 28 ألف مستخدم كل ثانية، ويتم إنفاق أكثر من 3 آلاف دولار في الثانية الواحدة على الإباحية، ويصل عدد المواقع الإباحية على الإنترنت إلى حوالى 4.2 مليون صفحة، وحوالى 66% منها لا تتضمن إنذار يخبر المتداول إنها للكبار فقط.
27- ومن المثير أن قائمة الدول الأكثر دخولا إلى هذه المواقع شملت الولايات المتحدة، بنسبة دخول بلغت 25.2٪، ثم إيران بنسبة تصل إلى 7.3%، والإمارات العربية المتحدة بنسبة 7.1٪، ومصر بنسبة 5.5٪ تقريبا، والبحرين بنسبة 4٪، وكندا بنسبة 3.6٪، والكويت بنسبة 3.4٪، والهند 3.3٪، وفى فيتنام وصلت النسبة إلى 3.3٪ المائة، وفى قطر وصلت إلى 3.2٪، وفى السعودية وصلت النسبة إلى 2.5٪، والصين وصلت إلى 2.2٪، وفى فرنسا 2.1٪، وفى فلسطين 1.8٪، وفى إندونيسيا 1.5٪. ووصل إجمالي القيمة السنوية لصناعة الإباحية في العالم 12 مليار دولار أمريكى، وهو رقم يتزايد سنويا (أنظر موقع المرسال https://www.almrsal.com/post/345044).
أعداد مستهلكى هذه المواقع تتزايد كونيا وعربيا، وتعيد تشكيل السلوك الجنسي لمستهلكيها، وفى ذات الوقت تنتج إدراكات ورغبات عصية على التحقق في الواقع الفعلي، سواء في نطاق مؤسسة الزواج أو المساكنة، على نحو يخلق حالة من عدم الإشباع الحواسي والحميمي. من ثم، يبدو استهلاك الأفلام والمواقع والصور والفيديوهات الإباحية هروبا من الواقع الاستهلاكى المفرط، إلى نمط من الفرجة والاستهلاك الجنسى البصرى.
28- لا شك أن هذا الانفجار الإباحى على الواقع الافتراضى هو أحد أنماط ثقافة الاستهلاك المكثف عالميا وعربيا. وتؤثر ثقافة الاستهلاك الجنسى في عدم التحقق الذكوري والأنثوي، والتصدع الأسرى، وازدياد العلاقات الموازية للزواج، والخيانات الزوجية، وارتفاع سن الزواج، وأيضا لأسباب اقتصادية واجتماعية ودينية أخرى.
ثقافة الاستهلاك المفرط، أدت إلى توليد متزايد للرغبات وتوسعها، سواء كانت تفضيلات ورغبات حقيقة، وإنسانية متوازنة، وأيضا مصطنعة من قبل الشركات الرأسمالية، وقامت بعمليات لتشيؤ الإنسان، وتحويله إلى كائن استهلاكي، وشيئ من الأشياء، يتم توليد الطلب الاجتماعي والاستهلاكى لديه من قبل هذه الشركات الرقمية الكونية العملاقة، وتبيعه كسلعة، وشئ إلى الشركات الرأسمالية الكبرى في مجال إنتاج السلع والخدمات.
29- ثقافة الاستهلاك المفرط وتسليع الإنسان أدت إلى نزع وشل المشيئة والإرادة الإنسانية، ومن ثم تعلية الفردية والفردنة في المجتمع الرأسمالى فائق التطور، التى تحولت إلى محض صفة ومجاز سياسي، حيث تم تحويل الإنسان/ الفرد/ الفاعل الاجتماعي، إلى مفعول به سياسيا، من خلال الإعلام التقليدي -التلفاز، والقنوات الفضائية، والإذاعة، والصحف والمجلات الورقية- إلى كائن رخو يتم صياغة توجهاته السياسية والحزبية دون مشاركة فعالة، والأهم ازدادت السلعية السياسية للفرد في النظم الليبرالية الغربية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، التى يتم استخدامها في وظائف إعادة تشكيل وصياغة الاتجاهات والمواقف السياسية. بعض استخدامات وسائل التواصل الاجتماعي لدى بعض المشاركين تحاول التخلص من سياسة إعادة التوجيه.
من الملاحظ أن نظم المراقبة الرقمية يزداد حضورها سياسيا على المستوى الكوني، وأخطرها في بقايا الدول والنظم السياسية، والشمولية والتسلطية، حيث تهيمن ثقافة المراقبة الرقمية على الرغم من تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاءات سياسية واجتماعية ودينية للتعبير عن الغضب السياسي والاجتماعى والدينى.
30- تشكل ثقافة الترفيه محاولة لإعادة صياغة الطبقة الوسطى في العديد من الدول، من أجل إنتاج حالة من الاسترخاء الاجتماعي، وتفريغ وتبديد بعض الغضب الاجتماعي والسياسى، من ثم يتم الاتفاق الكثيف على أشكال ثقافة الاستهلاك المفرط في مجال الفنون. من ناحية أخرى، بدأ عصر نهاية الخصوصية التى شكلت أحد وأبرز الحقوق الشخصية في إطار القيم الغربية والإنسانية.
31- من أبرز مشاكل الثقافة العربية علاقة الدين بالتنمية، وخاصة في ظل النظم الرأسمالية النيوليبرالية، وثقافة الاستهلاك المفرط، والترفيه، حيث ظهرت في إطارها ثقافة الاستهلاك الدينى الوضعى، والأحرى ثقافة التدين الوضعى الشعبى، وبعض قيمها التى تناهض الحرية وحقوق الإنسان، والحياة الفردية، والخصوصية. وفرض التدين الشعبي والإسلاموي السياسي والسلفي الوضعى الفعلى، والافتراضى سياجات تعتقل الفرد وحرياته الشخصية والعامة في أطرها، وهو ما يعيق حرية المبادرة الفردية، ومن ثم الفاعلية الفردية في إبداع الأفكار، ويعيق إمكانيات المشاركة السياسية والمجتمعية الفعالة.
32- أعاق العقل التوتاليتاري، والعقل التسلطى السياسي، بما في ذلك داخل بعض قوى المعارضة السياسية، وأحزابها العلنية، إمكانيات تحفيز العقل العام والوعى شبه الجمعي، بقدرة المجتمع على الانطلاق، وذلك من خلال تعزيز قيم العمل الخلاق، والمسؤولية، والعدالة كمحركات للتنمية والازدهار الاقتصادى. شارك العقل الشمولي والتسلطي العقل الديني الوضعي الداعم له في حصار الانسان بين سياحات العبادة الطقسية الشكلية واللغة الدينية والطاعة والخضوع الذي يستغلها العقل المستبد والطغياني.
ثمة دمج بين قيمة العمل الفردى/ الشخصي، والطاعة والانصياع لسلطات العمل من أعلى لأسفل، وهو جزء من الثقافة البطريركية، والنيوبطريركية السائدة في الثقافة الشعبية، على نحو عرقل المبادرة، والحوار بين العاملين ورؤسائهم في علاقات العمل.
33- أدى غياب النظرة الإيجابية السياسية والدينية إلى حرية الفرد، وإرادته الحرة ومشيئته كجزء من الثقافة السياسية السائدة في النظم السياسية الشمولية والتسلطية ما بعد الاستقلال، إلى هامشية مفهوم العمل الإيجابى وذلك خلال عقدى الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وذلك كنتاج لهيمنة السياسات السلطوية، وقراراتها، وعدم مساءلتها لغياب آليات المساءلة على نحو أدى إلى انفصال الثقافة الحرة عن ثقافة العمل التابع والسلطوي، ومن ثم بين مشروعات التنمية، وبين ثقافة وقيم الطبقة العاملة، والبروليتاريا، والبورجوازية الرثة، حتى بعد سياسة الانفتاح، ثم الإصلاح الاقتصادى، والخصخصة.
34- أدت مشروعات العودة إلى الطريق الرأسمالي اقتصاديا، والعودة إلى بعض النظم الليبرالية الغربية، دون الإصلاح السياسي، إلى استمرارية الثقافة السياسية التوتاليتارية، والتسلطية، وانعكاساتها في المجال العام السياسي، والثقافى، وقمع العقل النقدى الحر، والإبداع والمبادرة الخاصة أو الجماعية.
35- كانت الثقافة الشعبية الموجهة للطبقات الشعبية المعسورة منذ خمسينات القرن الماضى إلى ما قبل وما بعد هزيمة 5 يونيو 1967، هى ثقافة تعبوية، من خلال توظيف انتقائى للفنون الشعبية في عمليات التعبئة السياسية والاجتماعية ثم تراجع هذا الاهتمام في عقود الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وحتى عقود الألفية الحالية، نظراً لتراجع القوة الاجتماعية لهذه الطبقات، وارتفاع معدلات البطالة في العديد من المجتمعات العربية، وإدخال بعض التكنولوجيات الجديدة التى تحتاج إلى عمالة فنية محدودة العدد، وذات كفاءة نوعية، وهو ما سوف يتمدد ويتسع في عصر الذكاء الاصطناعى، ودمج بعضه في اقتصادات الدول العربية، حال حدوث ذلك في الآجال القريبة والمتوسطة والبعيدة، وتزايد أعداد العاطلين في عديد المجالات الصناعية، والاقتصادية، والتجارية، وفى الهندسة والتصميم، والنظام الصحى، وإجراء العمليات الجراحية، بكفاءة تتجاوز العنصر البشرى في هذه المجالات، وسيدخل الذكاء الإصطناعي في الفنون والتعليم عن بعد وفي القضاء والمحاماة وعالم الهندسة المعمارية والتخطيط وفي تفاصيل الحياة.
36- كانت ولا تزال ثنائية الدين والتقدم، والتراث والعصر، من أبرز الثنائيات المتضادة التى طرحها العقل العربى والتى تمحورت حولها عديد الإجابات والخطابات التاريخية حول سؤالها الرئيس: هل الدين عائق أمام التنمية والتطور الثقافي والسياسى؟ أم أن الدين محرك من محركات الثقافة والتنمية؟
37- لا شك أن أنماط التدين الوضعى، والفكر الدينى النقلي الموروث تاريخياً، شكلوا أبرز العوائق البنائية في التطور الاجتماعي والسياسى، نظراً لأن المواريث الدينية الثقافية والقيمية، ومحمولاتها السياسية، كانت جزءاً من أسئلة عصورها التاريخية الماضوية، وهيمنة عقل الحكام تاريخياً، وتوظيفهم للقيم والتأويلات الاجتماعية في حماية الملك العضوض، وساندهم في ذلك رجال الدين التابعين لهم. وفى الوقت نفسه ركزوا تفسيراتهم، وتأويلاتهم الدينية على قيم الطاعة والولاء والامتثال للحكام، وأيضا على الثقافة الميتاوضعية، وتناسلت معها سرديات دينية، تنفى الإرادة الحرة للمؤمن، وتكرس الجبرية الدينية، ومن ثم السياسية، ولرجال الدين بوصفهم وكلاء عن الله عز وجل سبحانه وتعالى!
كانت قيمة الحرية والإرادة الحرة موضوعاً للطمس في بعض هذا الفكر الدينى الوضعى، وساد في أنماط التدين الشعبى، لاسيما في الأرياف، حيث تسود الثقافة القدرية في الحياة اليومية، والحكايات والأساطير المنسوبة للدين، وليست لها علاقة بالنص المقدس تعالى وتنزه.
38- شكل التدين الشعبى الوضعى، ومحمولاته من الثقافة الريفية الشعبية عائقاً سوسيو- دينى، وثقافى إزاء ثقافة وقيم الحرية والمساواة والإرادة الحرة، وارتكز على الاتكالية في العمل ونفى وتهميش المسؤولية الفردية عن الفعل الاجتماعي.
هذا التراكم التاريخي لمواريث التدين الشعبى ومحمولاته، تضخم في مراحل التدهور الحضارى، وفى المراحل الاستعمارية. ومع صدمة الغرب، والحداثة والتحديث مع الحملة الفرنسية، لعب الدين دوراً في مقاومة المستعمرين، إلا أن سؤال: لماذا تخلفنا؟ لم يكن مطروحاً بقوة، وإنما حالة المقاومة عبر الدين، والأحرى التدين الدينى الشعبى الوضعى، ووُظف من رجال الدين ومؤسساته في مواجهة التغريب، والنزعات شبه الحداثية، وخطابات بعض مفكريها، على الرغم من بعض النزعات الإسلامية الإصلاحية، من جانب المشايخ الكبار مثل خليفة المنياوى، ورفاعة رافع الطهطاوى، والأمام محمد عبده، ومصطفى المراغى، ومحمود شلتوت، ومحمد عبدالله دراز وآخرين. هذا الاتجاه الإصلاحى واجه صعوبات من داخل الجماعة الدينية، بحيث لم تواصل مساراتها في إصلاح الفكر الدينى الوضعى، وتجديده من داخله، حول محاور الحرية والعدل، والإرادة الحرة، والمساواة بين الأفراد، أيا كانت صراعاتهم الاجتماعية، والمذهبية، والدينية.
39- حدث بعض التحول الوظيفى للدين في عهد الرئيس الأسبق السادات، في استخداماته للدين، التى استمرت من عصر جمال عبدالناصر، وأضاف إليها وظائف جديدة في استخدام الفكر الديني المحافظ والمتشدد، وفي بناء تحالفات جديدة مع التيار الإسلامى السياسي- الإخوان والسلفين، ودعاة السوق– في مواجهة اليساريين، والناصريين، والليبراليين المستقلين، وأيضا لإعادة بناء علاقاته السياسية بالدول العربية النفطية المحافظة في المنطقة، والولايات المتحدة، وأيضا في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد، لتبرير وتسويغ وشرعنة التسوية السياسية مع إسرائيل، بدعم من شيخ الأزهر آنذاك وبعض كبار مشايخه (أنظر مؤلفنا: المصحف والسيف: صراع الدين والدولة في مصر، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1984). لقد تمددت الحركة الإسلامية الراديكالية، وسرديات الغلو الدينى المحافظ، ومعها خطابات الإخوان المسلمين، والجماعات السلفية، ودعاة السوق، والدعاة الجدد في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك. في ظل هذه المرحلة، انفجرت الأعمال الإرهابية مصريا، وفى المنطقة، والعالم على نحو غير مسبوق، ووصل الإسلاميون إلى سدة السلطة في أعقاب الانتفاضات الجماهيرية العربية واسعة النطاق في تونس، ومصر، وفشلهم في إدارة الدولة والمجتمع، وفق خطاباتهم الشعارية التى تناقضت مع الواقع الموضوعى داخل كل دولة على نحو أدى إلى انتفاضات ضد حكمهم!
40- لم يستطيع الفكر العربى الحديث والمعاصر إيجاد حلول لثنائية التراث والمعاصرة، نظرًا للصياغات التوفيقية، ولهيمنة التدين الوضعى المحافظ، وفي ظل الدور الأمريكى في توظيف الدين في مواجهة الكتلة السوفيتية السابقة، وأيضا نتيجة لدور الجماعات الدينية الراديكالية في الإقليم العربي.
41- يبدو لى أن التجديد الديني من داخل المؤسسة الدينية الرسمية، ومشروعات أخرى من خارجها، يمكنها أن تشكل سردية مغايرة عن السرديات الدينية الوضعية التاريخية، والانتقال من الجبر إلى الحرية، ومن الخضوع والإتكالية إلى الإرادة الحرة، ومن التواكلية إلى الإيمان الحر وحرية التدين والاعتقاد، ومن العمل الكسول إلى العمل الخلاق، ومن ثقافة الإجابات الماضوية الجاهزة إلى ثقافة السؤال، ومن الاتباع إلى الإبداع، ومن الاتكال والقدرية إلى العمل المسئول المنتج، ومن الاستغلال الاجتماعي إلى العدل الاجتماعي، ومن التمييز الدينى والمذهبى إلى حرية الاختيار والمساواة بين المواطنين. إن هذا التجديد سوف يسهم في إنتاج ثقافة دينية عصرية قادرة على المساهمة الفعالة في تنمية المجتمع. وأيضا في إحداث نقلة كيفية في تحويل قيم الخضوع والامتثال إلى قيم الحريات الفردية والعامة.
42- إن سرديات تجديدية تأويلية جديدة تمثل ضرورة في عصرنا المتحول، مع الذكاء الإصطناعى، والأسئلة التى يطرحها على الوجود الانسانى ذاته، بل والشرط الإنسانى، ومركزية الإنسان في الكون والوجود.
43- ثورة الذكاء الإصطناعى ستؤدى إلى تحولات كبرى، من الأناسة الروبوتية إلى ما بعد الإنسان، والإنسانية. من ثم ستفرض أسئلة استثنائية، ومختلفة، وتحتاج إلى إجابات مغايرة لما ألفناه في التاريخ الإنسانى كله. لا شك أن حال حدوث هذا التجديد الدينى المختلف، سيساهم في مواكبة هذه التحولات المذهلة. ومن خلال متابعة الأنشطة الثقافية الرسمية، يلاحظ أن ثمة سياسة ثقافية نمطية، واستعراضية تتركز أساسا حول العاصمة –في معارض الفن التشكيلى، والحفلات الموسيقية والغنائية، والأدب والمسرح، والنشر، والندوات- وبعضها في الإسكندرية، وبعض مدن المحافظات، ولا تمتد هذه الأنشطة إلى الريف المصري، حيث القواعد الاجتماعية العريضة للشعب المصري. مرجع ذلك غياب رؤى وفلسفة للثقافة –وفق معناها العام- تربط بين التنمية، وبين الثقافة، وذلك كأحد مكونات، أيه سياسات تنموية –آيا كانت- وكمحفز لها، ومحرك لدينامياتها، ولقيم العمل، والمسؤولية، والمساواة، والمواطنة، واحترام القانون وقواعده.
44- ثمة أزمة ضعف فاعلية الهيئات الثقافية الرسمية، خاصة في ظل التغيرات الجيلية في المجتمع المصري، وخاصة في العقدين الماضيين، وأثر الثورة الرقمية، وثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، واللغة الرقمية على الجيل الشاب، والأصغر سنًا. من ثم، تتمدد وتتزايد الفجوات الجيلية بين السلطة الثقافة الرسمية، وهيئاتها، وبين الأجيال الجديدة، وبين بعض طرائق تفكير قادة هذه المؤسسات، وبينهم!
45- يبدو الفكر المسيطر على السلطة الثقافية الرسمية يدور حول بعض الفكر الذى ساد في العقود الماضية، التى تجاوزها الواقع الاجتماعي والثقافى والجيلي والعالمي، وفى ذات الوقت لا يزال يُستعاد مصطلح القوة الناعمة –استعارة من كتاب جوزيف ناى- لوصف وضعية الثقافة المصرية في المنطقة العربية، على الرغم من تراجع المصطلح إلى القوة الذكية، والأهم مفارقة الوصف لحالة الثقافة المصرية الراهنة، وبروز مراكز ثقافية عربية أخرى في المنطقة المغاربية، وفى ذات الوقت بروز أوعية ثقافية في إقليم النفط، تستوعب عديد الأنشطة –الممولة- من خلال المهرجانات، والجوائز، والمؤتمرات والمعارض والندوات الثقافية.
46- الثقافة المصرية لاتزال تتمركز حول ذاتها، دون الانفتاح على مصادر الثقافات الإنسانية، في آسيا الناهضة، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وتتركز اهتمامات بعض المثقفين والأكاديميين على المركزية الأورو- أمريكية، وهو ما يشكل نقصًا كبيرًا في اهتمامات النخبة الثقافية، والسلطة الثقافية المصرية.
47- ثمة إهمال لثورة الذكاء الإصطناعي في المجالات العلمية، وأثرها الكبير في إحداث تطورات نوعية في غالب العلوم الطبيعية، والتقنيات، وفى العلوم الاجتماعية، والفنون، وفى مجال الثقافة، والتنمية للدول الآخذة في النمو، وليس فقط الدول المتوسطة، والأكثر تطورًا في عالمنا علميًا واقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا.
لاشك أن آفاق التحول في الحياة الإنسانية لا تزال بعيدة عن غالب العقل المصري والعربي، وعن الثقافة المصرية والعربية في كافة مستوياتها، ومكوناتها، وثنائياتها المتضادة، وهيمنة العقل النقلى الدينى، وشبه العلمانى -في كافة مصادره وتوجهاته السياسية والاجتماعية، والثقافية/ ومناهج تفكيره، وماضويتة، وجموده- والاستثناءات محدودة جدًا.
48- من هنا تحتاج الثقافة المصرية العالمة، والوسيطة والشعبية، إلى تبلور رؤى جديدة تستصحب معها المشاكل المتراكمة تاريخيًا، والتحولات في عالمنا، والإقليم المضطرب، وإعادة دمج الثقافة في سياسات ومناهج التعليم، وإصلاح جذري في المؤسسات الثقافية الرسمية، والأهلية، وأيضا ضرورة إيلاء أهمية لتطوير اللغة العربية، وتجديدها في نظامها النحوى وأساليب تدريسها في سلاسة ودون تعقيد للطلاب، وترجمة المصطلحات العلمية الجديدة في الفكر العالمي، وفى تعليمها للطلاب في المدارس والجامعات من خلال سياسة لغوية جديدة.
49- إن تجديد الثقافة المصرية وربطها بالتنمية في رؤي جديدة تمثل أهمية استثنائية على الصعد السياسية والاجتماعية والتنموية، وعلى صعيد مكانة مصر في الإقليم. لا شك أن التجديد الثقافي يعتمد على الحراك السياسي، وإعلاء دور ومكانة العقل النقدى الحر، من خلال حريات الرأى والتعبير، والبحث العلمي.
50- إن تجديد الثقافة المصرية رهين بالرؤى الحرة، والفكر الخلاق المختلف، وتجاوز إشكاليات وأسئلة الماضي وإجاباته النقدية، وثنائياته الضدية، والتفكير المستقبلي الذى يستوعب التحولات الكبرى في عالمنا؛ العلمية والتقنية والثقافية، وفى مجال الذكاء الإصطناعى، وذلك في حرية، وتحرر من غالب الإرث الماضوى الفكري الذى أعاق تجديد الدولة والمجتمع، والجماعات الثقافية والأكاديمية.
بقلم
نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح كاتب وباحث ومفكر تنويري مصري ومستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
***
عن موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
https://acpss.ahram.org.eg/News/21095.aspx
admin Uncategorized, رئيسية, شاشة باريس 0

من أجمل الأفلام التي خرجت مع مطلع العام الجديد 2024 للعرض في باريس، فيلم ” أنا القبطان ” للمخرج الإيطالي الكبير ماتيو جارون – من مواليد روما في 16 أكتوبر 1968- الذي سبق أن أتحفنا بمجموعة من الأفلام الروائية الطويلة الرائعة،التي حصلت على العديد من الجوائز، في مهرجانات سينمائية عالمية، مثل فيلمه ” جومورا” الذي يحكي فيه عصابات المافيا الإيطالية، وحصل على جائزة الإخراج في مهرجان ” كان ” السينمائي عام 2008..

ماتيو جارون مخرج فيلم ” أنا القبطان “
وربما كان ماتيو جارون أحد أشهر المخرجين الآن في إيطاليا بعد ناني موريتي، لقدرته الفائقة التي تكشف عن نفسها في فيلمه الجديد، في تحويل الحكايات التي يرد ذكرها في ” أخبار الحوادت” الى “أساطير”، بقوة الضوء، وسحر السينما الخفي، الذي لم يكشف أحد بعد عن كنهه،كما في هذا الفيلم، الذي يمكن أن يصحح “النظرة الرجعية” المتخلفة ،التي تتبناها حكومة جورجيا ميلوني اليمينية في إيطاليا.، بل و ” فكرة ” الإيطاليين أنفسهم أيضا ، بخصوص ” مأساة ” و واقع الهجرة الحقيقي..
حلم مراهق أفريقي أسود و رجال بيض أوروبيين
فيلم ” أنا القبطان “يصور الوقائع “المأسوية” المذهلة، التي يتعرض لها المهاجرون الافارقة، من فئة الشباب خصوصا، من خلال رحلة بطل الفيلم” سيدو ” وهو شاب افريقي مراهق أسود من مدينة داكار في السنغال، لايتجاوز عمره 16 سنة، ويحلم بأن يصبح مطربا عالميا مشهورا،من خلال أغنيات من نوع ” الراب “، يؤلفها ويغنيها بنفسه أو المجموعة، ويجعل الرجال البيض الأوروبيين من فرط شهرته، يتهافتون على الحصول على توقيعه، وعليه إذن أن يرحل خفية الى أوروبا، الفردوس المفقود، في صحبة صديقه وإبن عمه ويدعى ” موسى ” – يقوم بدوره ممثل سنغالي شاب يدعى مصطفى فال – ومن دون أن يخبر أمه التي تعول أسرة كبيرة العدد..
ويكشف الفيلم عما مايتعرضان له هما الإثنان في رحلتهما، من ضياع وموت في الصحراء، وتعذيب وقتل في السجون، وأقسى أشكال ” العبودية ” والتمييز العنصري، وربما كان أهم مايميز فيلم” أنا القبطان “عن الافلام الروائية والوثائقية، الطويلة والقصيرة، التي صنعت ولحد الآن عن الهجرة،هو أنه لم يكتف بتصوير جزءا صغيرا فقط من الرحلة الكبيرة ، أي رحلة العبور بالقوارب فقط ،من الساحل الافريقي الى إيطاليا، ومايتعرض له المهاجرون البؤساء في رحلتهما الصغيرة هذه ،عبر المتوسط – مقبرة المهاجرين – من غرق وعذابات، وتكدس وتناحر، وازدحام في القوارب وتقاتل تفوق الوصف، وغالبا ما اكتفت أعمال السينما الوثائقية والروائية ،التي تعالج موضوع الهجرة، بالتركيز فقط على تصوير هذا الجزء الصغيرمن الرحلة، أو آخر محطة – إن شئت – في رحلة الأهوال..
” أنا القبطان ” وموسيقى أفريقية حديثة في الخلفية
بل صور فيلم ” أنا القبطان ” رحلة “سيدو ” المراهق السنغالي الأسود الفقير اليتيم ” الذي تعوله أمه مع 5 فتيات صغيرات،من عند ” داكار ” موطنه الأصلي في السنغال – اي صور “الرحلة الكبيرة “- INTEGRAL– المكتملة، وبكل تفاصيلها المرعبة – بدءا من تصويره أولا مع أسرته، وهو ينام مع أخواته على الأرض، ويكذب على أمه، ويقوم بإخفاء أجرته كعامل بناء، ويدفنها في الرمل، ثم يعزف على الطبول في إحتفال افريقي ليلي ،في ماهو أشبه مايكون بالعيد، مما يجعل ” أنا القبطان ” أقرب الى أعمال السينما الوثائقية، ونوع “أفلام الطريق ” – ROAD MOVIES– الروائية، مرورا بثلاث محطات – أو مخاطر – أساسية في مغامرة الرحلة..

مرورا أولابعدة دول افريقية ، متنقلا مع صديقه عبر الحافلات، ثم عبور الصحراء الكبرى، ثم محطة الهبوط في سجون ليبيا، ثم المحطة الأخيرة، أي عبور البحر المتوسط بزورق، يقوده هذا الشاب المراهق الافريقي الأسود، الذي لم يتعلم السباحة، و لم يسبق له أن قاد زورقا في حياته، وهو يحمل أكثر من 250 مهاجرا من الرجال و النساءالحوامل والشباب والأطفال الى الفردوس الأوروبي، وياللهول،مما يعزز أيضا في رأينا من حدة عنصر” التوتر “و ” التشويق “في الفيلم – SUSPENSE– دعنا نرى ماذا نرى – ويجعلنا نحبس أنفاسنا ، وكأننا نتفرج على فيلم بوليسي،أو فيلم من أفلام الرعب ،من إخراج ألفريد هيتشكوك..
كما يتميز الفيلم بـ “بطولة جماعية”، حيث يعرض لعدة ” أبطال ” أوشخصيات في الفيلم، مثل شخصية الأم، وشخصية ” موسى ” إبن العم رفيق الرحلة،وشخصيات تجار الموت والجريمة المنظمة، الذين يعاملون الافارقة بلا شفقة أو رحمة مثل الكلاب والعبيد، وبأن مخرجه اعتمد في فيلمه الروائي هذا ، من أعمال الخيال ، على قصة حقيقية،وقعت بالفعل، وبطلها مهاجرمن غينيا يدعى – AMARA FOFANA – لكن مخرجنا الايطالي، أضاف الى القصة بعضا من محسناته البديعية السينمائية من بنات الخيال، فصور مايعتمل في ذهن البطل، عندما يفشل في إنقاذ سيدة تسقط من الإعياء في قلب الصحراء الموحشةـ، والممتدة الى مالانهاية، وتموت..
كما صور حلم “سيدو “، الذي يسافر في الحلم، في صحبة ملكة افريقية ليطلب من أمه أن تغفر له أنه رحل ،من دون أن يخبرها، وتصفح عنه، وهاتان اللقطتان من أجمل المشاهد المؤثرة في فيلم ” أنا القبطان ” البديع، ، وتحوله من مجرد ” سردية ،تحكي تفاصيل ” حادثة ” أو ” واقعة “ما في أخبار الحوادث، الى” أسطورة”تجعلنا نتعاطف مع أبطال الفيلم، وندخل في لحمه، وتكثف بعاطفيتها ،من قوة وصلابة، “واقعيته” الصلدة..

ماتيو جارون يعرض لموضوع الهجرة من وجهة نظر أفريقية
كما يحسب للفيلم – بشريط صوت موسيقى أفريقي متميز – أن مخرجه ماتيو جارون، إعتمد على أناس عاديين، للتمثيل في الفيلم، والاضطلاع ببطولته، واختار بطل الفيلم ورفيقه في الرحلة من الشارع في مدينة داكار عاصمة السنغال، ولم يكن أي من المشاركين في الفيلم ، أو أبطاله، قد وقفوا أمام الكاميرا ومثلوا في حياتهم من قبل، مما عزّز من “مصداقية “الفيلم، وواقعيته، وشرعيته أيضا.
وجعله يمثل في رأينا ” إضافة “- CONTRIBUTION-غنية الى مدرسة “سينما الواقعية الإيطالية الجديدة “- نيو رياليزم – التي أرسى دعائمها المخرجين الايطاليين العظام ، من أمثال روسوليني – في فيلم روما مدينة مفتوحة – وفيتوريو دوسيكا – سارق الدراجات – وبازوليني – ماما روما – وغيرهم في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية في إيطاليا، وللأسباب التي ذكرناها آنفا إستحق الفيلم فوزه بجائزة الأسد الذهبي في مهرحان فينيسا الماضي 2023 ،كما منح بطل الفيلم جائزة مارشيلو ماستروياني للممثل الشاب السنغالي ” سيدو سار” -لبراعته في أداء أول أدواره في السينما، والجدير بالذكر أن الفيلم ومنذ أن خرج للعرض التجاري في ديسمبر 2023 في إيطاليا، حقق نجاحا كبيرا، وشاهده أكثر من 800 ألف متفرج، من ضمنهم مندوبي دول برلمان الإتحاد الأوروبي الذين صفقوا له طويلا..

تحية الى ماتيو جارون على فيلمه البديع، الذي نجح في أن يقدم فيلما واقعيا وفريدا من نوعه، ليحكي فيه عن مشكلة الهجرة، من وجهة نظر الأفارقة ، وليس من وجهة النظر الأوربيةالقاصرة، وليكشف فيه ،عن أهوال تلك الرحلة ” الكابوسية ” المرعبة التي تقشعر لها الابدان،وقد كانت تلك” الحقائق” الخاصة بتلك الرحلة ، وبتفاصيلها المرعبة، غائبة للأسف، على ما أظن،في كل الأفلام التي تناولت موضوع ” الهجرة الإفريقية ” ولحد الآن.وقد تنسى كل شييء في فيلم ” أنا القبطان ” – MOI CAPITAINE– الذي يستحق المشاهدة عن جدارة، لكنك ربما لن تنسى ابدا مثلي، طالما حييت، اللقطة التي يصيح فيها ” الشاب الأسود “سيدو”في نهاية الفيلم ، وطائرة عامودية من طائرات الإنقاذ تحلق فوق الزورق، يصيح ..وهو غير مصدق إن : ” ..نحن هنا، وأنا القبطان، نعم أنا القبطان”ثم ينفطر الدمع من عينيه.من فضلك لاتدع مشاهدة هذا الفيلم ” الضروري ” – التحفة – تفتك بأي ثمن ..
بقلم
صلاح هاشم . باريس

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد مصري مقيم في باريس.فرنسا. رئيس تحرير ومؤسس موقع ” سينما إيزيس ” عام 2005 في باريس.فرنسا.
***
عن جريدة ” القاهرة ” العدد 1226 الصادر بتاريخ الثلاثاء 16 يناير 2024


admin Uncategorized, رئيسية, روح الصورة, شخصيات ومذاهب, مختارات سينما ازيس 0



admin Uncategorized, اصدارات كتب, كل جديد 0

سينما إيزيس . باريس

الأخوين كوين
العدد الجديد رقم 50 من مجلة ” لوسيتيام اوبسيسيون ” الفرنسية يتكرس بأكمله للحديث عن المخرجين الأمريريكيين “الأخوين كوين” افلامهما ومسيرتهما السينمائية الكبيرة في السينما الأمريكية، وهما

جويل ديفيد كوين (ولد في 29 نوفمبر 1954 ) وإيثان جيسي كوين (ولد في21 سبتمبر 1957) ويعرفان بلقب الأخوين كوين، فهما يكتبان ويخرجان وينتجان أفلامهما سويا. على الرغم من أنه في الفترة الأخيرة فإن الإخراج ينسب لجويل وحده، وينسب الإنتاج لإيثان، ويتناوبان على وضع الاسم الأول في حقوق السيناريو، ويقوم الاثنان بمونتاج أفلامهما تحت إسم مستعار هو «رودريك جينز»يطلق عليهما في مجال الصناعة السينمائية لقب «المخرج ذو الرأسين» لأنهما يتشاركا نفس الرؤية الإخراجية.و يقال بأن الممثلين الذين يعملون معهما لا يستطيعون أن يسألوا الأخوين سؤالا دون أن يحصلوا على نفس الإجابة.من أبرز أفلامهما: فارجو (1996)، ليباوسكي الكبير (1998)، يا أخي أين أنت (2000)، ولابلد للعجائز(2007)، عزم حقيقي (2010). عرفت أفلامهما بطابع مختلف، يجمع بين الكوميديا السوداء والدراما وغالبا ما تركز على أشخاص غريبي الأطوار من خلال حبكة معقدة.هذا الأسلوب في جميع أفلامهما أشار إلى استقلالهما وقدرتهما على تنفيذ شكل السينما الذي يريدانه.

ويضم العدد حوارا طويلا وعميقا معهما حيث يمثلان – الأخوين معا – ظاهرة شديدة الغرابة والتميز ومنذ أن بدأ في صنع افلامهما التي حققت لهما شهرة كبيرة في العالم من عند أول فيلم ومرورا بمجموعة كبيرة من الأفلام التي حصدت العديد من الجوائز في مهرجانات السينما العالمية ، مثل فيلم ” لابلد للعجائز “، و فيلم (بارتون فينك ) الذي حصل على سعفة مهرجان ” كان ” الذهبية في فرنسا،
–
admin Uncategorized, رئيسية, مهرجانات 0


عصام زكريا
سينما إيزيس . القاهرة
كشف الناقد المصري عصام زكريا رئيس مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية لموقع ” سينما إيزيس ” العالمي ،أن الدورة الـ 24 الجديدة سوف تعقد في الفترة ما بين 28 فبراير وحتى 5 مارس 2024، وأكد أنه بعد قرارات مجلس الوزراء في العام الماضي، و الإعلان عن البدء في تطبيق مشروع قرار رئيس مجلس الوزراء ،بشأن ترشيد الإنفاق العام للعام المالي 2023– 2024، ومواجهةتداعيات الأزمة الاقتصادية الحالية، وذكر في حوار موقع ” سينما إيزيس ” معه : ” نواصل العمل على الدورة الجديدة 24 من المهرجان ، وحتى الآن ،ليست هناك أية قرارات بالتأجيل».

admin Uncategorized, افلام, رئيسية, شخصيات ومذاهب 0

أسماء المدير
من أبرز الأفلام العشرة ، التي صنعت في رأينا “مجد “السينما في العام 2023 وهزت العالم، مجموعة من الأفلام ،التي أتينا على ذكرها، بعد مشاهدتها ، والحديث عنها ،في معرض تغطياتنا لمهرجان ” كان ” السينمائي 76 لجريدة ” القاهرة ” ومن ضمنها :
أسماء المدير : ” أيقونة ” سينمائيةمغربية ولدت في ” كان”76
1 – فيلم ” كذب أبيض “ للمخرجة المغربية الشابة أسماء المدير، الذي كتبنا عنه، وقلنا أنه فيلم عبقري وأصيل، ويتواصل من خلال نزاع حميمي وشخصي، بين المخرجة وجدتها، مع تاريخ وذاكرة المغرب، ويخرج بذلك من العالم المصغر – عائلة المخرجة – الى عالم المغرب الكبير،وتوقعنا أن يكتسح المهرجانات السينمائية العالمية،وقد كان بالفعل، وصدقت توقعاتنا، فقد شارك الفيلم في عشرات المهرجانات،وحصد العديد من الجوائز، وحظى بأرفع التكريمات، وأشكال الترحيب والحفاوة، ولعل أهمها فوزه بالجائزة الكبري في مهرجان ” مراكش” السينمائي، في بلده،ووسط أهله،وناسه.وكانت مخرجته- كما هو معروف – اشتغلت على فيلمها أكثر من 9 سنوات، ليخرج الى النور، ويتسامق بفنها،ويؤكد أنها سوف تنضم الى مواليد ” كان ” – BORN IN CANNES – من بين المواهب السينمائية، لتي تم إكتشافها في المهرجان – إن من المخرجين أو الممثلين ،من أمثال المخرجة النيوزيلندية جين كامبيون، التي كانت أول مخرجة تحصل على سعفة ” كان ” الذهبية في تاريخ المهرجان- وكان سببا في إطلاق شهرتهم في العالم، تلك المواهب ،التي سوف تصنع في رأيي” سينما الغد ” في العالم ، عن إستحقاق وجدارة..
فيلم ” كذب أبيض ” عرض في قسم ” نظرة ما ” في ” كان ” 76، وحصل على جائزة الإخراج في مسابقة القسم، وهو فيلم فذ ، وبديع، بفكرته وفنه ومعالجته، كاشفا عن العلاقة بين الديكتاتور – وتمثله الجدة في الفيلم – التي تذكر حفيدتها أسماء دوما ،بأنها مجرد ” صحفية “، و ليست ” مخرجة سينمائية “،وبين المحكومين – أي جميع أفراد أسرة أسماء في الفيلم ، وذلك في إطار الأنظمة القمعيةالإستبدادية، التي لاتتورع، عن إعتقال الأبرياء، وتعذيبهم، وحبسهم في السجون، وتقوم الجدة في الفيلم بإخفاء الصور، وحجبها عن حفيدتها أسماء، لمحوها تمامامن تاريخ شعب، ذاكرته ونضالاته، و يعتبر ” كذب أبيض ” في رأينا ،وديناصورات النقد السينمائي،من النقاد والكتّاب من أمثالنا،” إضافة” ثرية- A CONTRIBUTION – الى تطور فن السينما الوثائقية والروائية، ليس فقط في العالم العربي – بل في العالم ، ولكل العصور..
***
مارتين سكورسيزي : تحقيق في جريمة قتل وإبادة شعب

2 – فيلم ” قتلة فلاور مون “ – KILLERS OF FLOWER MOON– للمخرج الأمريكي الكبير مارتين سكورسيزي الذي حضر الى كان 76 ، ليعرض فيلمه خارج المسابقة – مع أبطال الفيلم من النجوم ،وعمالقة التمثيل في العالم، من أمثال روبير دو نيرو وليوناردو دو كابري،.ويحكي الفيلم المأخوذ عن كتاب لدافيد جران، عن تحقيق لمكتب الإستخبارات الفيدرالي الأمريكي، في واقعة قتل، وإبادة هنود ولاية “أوكلوهاما “الحمر ،على يد البيض الأمريكان، والإستيلاء على أراضيهم ، وما فيها من بترول، في فترة العشرينيات، وعودة فيلم من أفلام سكورسيزي الى قائمة الإختيار الرسمي، بعد مرور 37 سنة، على مشاركة فيلمه “AFTER HOURS ” في قائمة الإختيار الرسمية للمهرجان..

***
جودار : إهتم بأن يصنع ” فنا” أولا قبل الإهتمام بـ”حبكة”الفيلم

3 – فيلم ” حروب فكاهية ” – DROLES DE GUERRES– لجان لوك جودار، وهو فيلم قصير، عرض في مهرجان ” كان 76″ أيضا في إطار تكريم – – المخرج والمفكر الفرنسي الكبير بعد وفاته- الذي كرس كل أفلامه – كما كتب عنه أستاذي الناقد الفرنسي الكبير جان ناربوني رئيس تحرير مجلة ” كراسات السينما ” السابق – للحديث عن الحب والحرب – حيث عرض الفيلم في قسم ” كلاسيكيات كان ،مع فيلم وثائقي طويل عن حياة جودار ،أشبه مايكون بسيرة ذاتية للمخرج المبدع والمفكر السينمائي الكبير ، والتأثيرات ” الثورية ” التي أحدثها على فن السينما في العالم،، من خلال أفلامه الأولى،وبخاصة فيلم ” على آخر نفس” بطولة الفرنسي جان بول بلموندو والامريكية جان سيبيرج ، أو فيلم ” الإحتقار “- LE MEPRIS– بطولة بريجيت باردو وميشيل بيكولي – على فن السينما في العالم وتاريخه.هذا التاريخ الذي يبدأ حسب جودار ،من عند المخرج الأمريكي دافيد جريفيث – الذي صنع ” أبجدية ” للسينما – وينتهي عند المخرج الإيراني الكبير عباس كياروستامي..، ولم يكن جودار يهتم ، وربما في جل أفلامه، بالحبكة، وقصة الفيلم ، بل يهتم بأن يصنع ” سينما ” أولا ..ويحقق فنا، لتطوير وتأصيل، ” فن السينما ” ذاته..
***
نوري بيلغ جيلان : تشيكوف التركي

4 – فيلم ” الحشائش الجافة ” لتشيكوف التركي المخرج نوري بيلغ جيلان، الذي أضطلعت ببطولته الممثلة التركية ميرف ديزدار، وحصلت به على سعفة كان الذهبية لأحسن ممثلة في الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية للدورة 76، حيث يتتنافس مدرسان على حبها في الفيلم وينجذبان إليها ،بسبب مثاليتها ، ولإيمانها بقيمة النضال مع الأقلية الكردية في تركيا، وتشبثها دوما بالأمل، في تغيير الواقع، ومهما كانت التضحيات، على الرغم من أنها فقدت ساقها في حادث إرهابي، وتبرز ميرف كبطلة ” تشيكوفية ” – نسبة الى الكاتب الروسي العبقري أنطون تشيكوف – عن أصالة وجدارة ، وفي ” الحشائش الجافة ” تواصل روحاني مع الأرض والسماء والطبيعة، يجعنا في نهاية الفيلم، نتسامح مع أنفسنا والعالم، وحيث لاتتسامق السينما ،إلا حين تكون هناك قيمة، لكل لقطة، تظهر فيها السماء دوما، والسحب الراحلة ..
***
كوثر بن هنية : ” فتح ” سينمائي جديد

5 – فيلم ” ألفة وبناتها ” للمخرجة التونسية المتميزة كوثر بن هنية، التي حضرت الى مهرجان ” كان ” 76 لعرض فيلمها في قسم ” نظرة خاصة “،مع السيدة ألفة حمروني الشخصية التونسية الحقيقية، التي يحكي عنها الفيلم ، ويكشف في عمل سينمائي وثائقي ” تجريبي ” جيد ومؤثر، يزواج مابين الروائي والتسجيلي، عن مأساة ألفة، بعد أن هاجرت الى ليبيا للعمل وإعالة أسرتها المكونة من 4 فتيات، وكانت النتيجة، بالنظر إلى التحولات والمتغيرات التي شهدها المجتمع التونسي بعد الثورة، ومن ضمنها، صعود التيار الإسلامي التونسي السلفي، أن سقطت بنتان من بناتها، في “جب” داعش الإرهابي المرعب. ومن مشاهد الفيلم القوية، مشاهد التذكير للنسوة الداعشيات، بـ “عذاب القبر “بعد الموت، وقد كان من الضروري كما تقول مخرجة الفيلم، لفهم مأساة ألفة ،وبناتها، أو فهم أي قضية، أن تصنع – كما فعلت كوثر هنية من قبل في جل أفلامها – فيلماعنها، وأهمية عملية ” البحث “في صنع سينما عربية جديدة، مرتبطة بواقعنا العربي ومشكلاته ، كما في فيلم ” البحث عن رفاعة ” – LOOKING FOR RIFAA– المصري الوثائقي، لكاتب هذه السطور، الذي يحكي عن البحث عن رفاعة رافع الطهطاوي، رائد نهضة مصر الحديثة، في واقعنا المصري الحالي، وليس في واقع القرن التاسع عشر..
***
محمد كوردوفاني : مأساة إنقسام السودان

6 – فيلم ” وداعا جوليا “البديع للمخرج السوداني المتميز محمد كوردوفاني ،الذي يوثق من عند عام 2005 وحتى عام 2010 لتاريخ وذاكرة السودان، ويذكر بمأساة إنقسام السودان، وكيف كانت تأثيراته وتحولاته المجتمعية ،على شعب بأكمله، من خلال فيلم سياسي ميلودرامي موسيقي تاريخي مباشر، جميل وبسيط ،ومقنع، ومن دون إستدرار عواطفنا بخبط الحلل، أو الوقوع في مأزق” الثرثرات اللامجدية”كما في جل أفلامنا العربية الزاعقة، ولا علاقة لها بفن السينما، الذي هو فن تشكيلي بالأساس.وكان كوردوفاني صرح عند حصول فيلمه على جائزة ” الحرية ” ، في مسابقة قسم ” نظرة ما ” “بأنه فخور بإنتمائه الى جنسيته، وبلده السودان.
***

ولنا وقفة مع الأفلام المتبقية، من قائمة العشرة أفلام التي هزت العالم في عام 2023 ،وتضم فيلم ” شباب ” – JEUNESSE– للمخرج الصيني الكبير وانج بنج ، وفيلم ” أيام كاملة ” – PERFECT DAYS– للمخرج الألماني الكبيرفيم فندرز، وفيلم ” الأوراق الميتة ” –LES FEUILLES MORTES – للمخرج الفنلندي الكبير آكي كوريسماكي ، وفيلم ” شجرة الفراشات الذهبية ” – LARBRE AUX PAPILLON DOR– الحاصل على جائزة ” الكاميرا الذهبية ” في الدورة 76 ،وعودة هكذا الى المكان الذي انطلقنا منه، و”سحر السينما الاسيوية الخفي” من تاني، في عدد مقبل..
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا، ومؤسس موقع ” سينما إيزيس ” على شبكة الإنترنت عام 2005 في فرنسا الذي يعد أحد أهم المواقع السينمائية العربية وأكثرها زيارة وتصفحا وتفقدا.
***
عن جريدة ” القاهرة – العدد 12 – الصادر بتاريخ الثلاثاء 9 يناير 2024
