الحقيقة العارية بقلم فكري عيّاد
إستهلال
لـ



admin مختارات سينما ازيس, نزهة الناقد 0
إستهلال
لـ




شخصية مصر في السينما
سوف يكون الحضور السينمائي العربي- هكذا كتبت ذات سنة في مفكرتي السينمائية – في مهرجان ” كان ” 65 متميزا جدا، خلال الدورة القادمة التي تعقد في الفترة من 16 الى 27 مايو، والتي يحتفل فيها المهرجان أيضا بعيد ميلاده الخامس والستين..
ولايقاس هذا الحضورالعربي يقينا بالكم والعدد، بل يقاس بالـ “كيف” الفني، وخصبه وتنوعه، في أقسام المهرجان الرسمي من جهة، والتظاهرات الجانبية- من جهة أخرى – المصاحبة مثل مسابقة الفيلم القصير، أو الموازية مثل تظاهرة ” إسبوع النقاد ” أو ” نصف شهر المخرجين” ..
ويبرز ذلك الحضور العربي من خلال مشاركات لأفلام من المغرب ولبنان وسوريا، ومشاركة المنتجة المصرية ماريان خوري في لجنة تحكيم مسابقة تظاهرة ” إسبوع النقاد “، لكنه يشمخ بصفة خاصة في المهرجان من خلال الحضور السينمائي المصري أولا، ومن خلال اختيار فيلم ” بعد الموقعة ” للمخرج المصري المتميز يسري نصر الله ،للمشاركة في مسابقة المهرجان الرسمية..
ويبرز ذلك “الحضور السينمائي المصري” بصفة خاصة في الدورة 65 لعدة أسباب. أولها أومن ضمنها ، كونه يشارك بفيلم يسري في المسابقة الرسمية التي تعتبر ” بؤرة ” المهرجان، و في مركز القلب تماما،إذ تستقطب اليها كل الأضواء، وتسحب الاهتمام الأكبر لافلامها وصناع افلامها..
ونجومها من قبل وفود”الاعلام العالمي” INTERNATIONAL MEDIA المتواجد في المهرجان وارسالياته..
انها ” بوابة ” كان الكبرى،وقاعدة انطلاق الى النجومية والشهرة والمجد، وتستطيع أن تحول – بقدرة قادر – اي ممثل في اي من الافلام المشاركة في المسابقة حتى لو كان يمثل لأول مرة في حياته و غير محترف، تحوله الى نجم سينمائي في غمضة عين..
ولدوا في ” كان “
ولذلك مازال بعض نجوم السينما مثل الامريكي جاك نيكلسون يعتبرون ان مشاركتهم بافلام في بعض تظاهرات المهرجان كان سببا لاطلاق شهرتهم، ويحب نيكلسون بالذات في هذا الصدد أن يذكّر دوما أنه ” ولد في ” كان “BORN IN CANNES وانه أيقن من أنه قد صار ممثلا عالميا فقط في المهرجان، حين عرض له فيلم – EASY RIDER –في إحدى التظاهرات الجانبية، فهو نيكلسون لم يضطلع بالبطولة المطلقة في الفيلم، لكنه مثل في مشهدين أو ثلاثة، لكنها كانت كفيلة بجذب الانظار اليه والاعتراف بحضوره كممثل وإكتشاف موهبته، إضافة الى أن المسابقة تحقق دعاية للفيلم المشارك الذي وقع عليه الاختيار، والبلد الذي ينتمي اليه الفيلم، والمخرج صانع الفيلم، وهي دعاية لايمكن أن تقدر بثروة، ولا أظن أن جيل جاكوب رئيس المهرجان كان مغاليا في كلامه عندما قال مرة بأن الدعاية التي يحققها المهرجان لأي فيلم مشارك في المسابقة على وجه الخصوص خلال فترة الـ 12 يوم( فترة انعقاد المهرجان السينمائي العرمرم )..
توفر على منتج الفيلم العمل -للدعاية للفيلم – لمدة 3 سنوات على الأقل، ورحلات سفر مكوكية مع الفيلم والدوران به في المهرجانات السينمائية العالمية ومحاولة بيعه في سوق الافلام التي تقام هنا وهناك على هامشها والمصروفات والنفقات التي يتحملها، ولذلك عندما تبلغ إدارة المهرجان منتجا ما بأن فيلمه قد وقع عليه الإختيار للمشاركة في المسابقة، من بين أكثر من 1500 فيلما تقدمت للمهرجان ، فإنه يشعر في ذات اللحظة وكأن ثروة ضخمة قد هبطت عليه من السماء فجأة..أوكأنه ربح ورقة يانصيب بمليون يورو في غمضة عين ..
وسوف يكون هذا الحضور السينمائي المصري الأكثر تميزا في ساحة المهرجان ليس بالمشاركة ” المصرية ” في المسابقة الرسمية للمهرجان وحدها، بل بسبب آخر في رأينا الا وهو “الموضوع” المثير للفضول الذي يناقشه الفيلم المشارك ذاته، والاشكاليات التي يطرحها: أي ” ثورة 25 يناير” المصرية التي استقطبت اليها أنظار واهتمام العالم ، وعرض لها فيلم في دورة ” كان ” الفائتة، وسوف يستمر الاهتمام بها دوليا في رأينا لفترة عقود ..
مصر، كيف حالك والألم ؟

فالفيلم ” بعد الموقعة ” الذي لم نشاهده بعد، هو يقينا مثير للفضول بطبيعته، ويجعلنا نتساءل ” بعد الموقعة “إن ماذا بعد ؟ ..
و نستطيع أن نستقرأ من خلال عنوانه فقط ، أنه ربما سيسأل عن مصر،وكيف حالها مع الألم وخيبة الأمل في سينماهه،و مشاعرالاحباط وأمراض الكآبة التي انتابت واصابت كل المصريين، بعد ان انتهت “معركةوموقعة الثورة” ثورة 25 يناير 2011 بالاستيلاء عليها من قبل الإخوان المسلمين، ثم تأميمها من قبل العسكر،واعادة تدوير وإنتاج نظام مبارك من جديد، وكأن الثورة، لم تكن، وكأنك يابو زيد ، ماغزيت..

بل أن تميز الحضور السينمائي المصري ، سيكشف عن نفسه ايضا من خلال طبيعة فيلم ” بعد الموقعة ” ذاته، وحضور “التفكير” المعاصر في السينما في الفيلم، و ظهوره في شموليته أوكليته الفنية TOTALITE و” نسيج ” الفيلم العام ،انطلاقا من قناعاتنا بأن للفيلم عقل مفكر ،وليس مجرد ” طبخة ” أو ” بضاعة ” استهلاكية ، بل ” أداة تفكير ” وتأمل في واقع مشاكلنا الحياتية- كما يقول المفكر السينمائي والمخرج الفرنسي الكبير جان لوك جودار، بل وأداة تفكير أيضا في “فن السينما” ذاته، من أجل تحديثه وتطويره، بابتكارات ” الخلق الفني ” المدهشة، واختراع النظرة..
ولأن القيمة الاساسية في السينما، هي الحث على التفكير، في وقت ترفع فيه يافطة ” ممنوع التفكير ” على سوبر ماركت السينما ، وفي كل مكان في مصر، مع تجريم الحب. وقد يكون المخرج يسري نصر الله في الوقت الحاضر، ومن واقع رؤيتنا لكل أعماله هو المخرج المصري الأكثر تميزا في المشهد السينمائي المصري،لأنه كما يظهر جليا لايكتفي في جل أعماله، بـ ” تصوير سيناريو” فقط، لكي يصنع فيلما..
كما في معظم أعمال السينما التجارية المصرية التافهة الرثة التي هلكتنا، وعجلة انتاج الافلام والمسلسلات الهابطة، المعادة المكررة،التي لاتتوقف عن الدوران ( هل هي مؤامرة أم ماذا، ومن المستفيد منها بالفعل ؟ ) التي أجهزت على البقية المتبقية، من العقل المصري المفكر، ودفنته في التراب، حتي صرنا مسخا في بلادنا، وتغربنا داخل مجتمعاتنا..

” بعد الموقعة ” و سينما يسري نصر الله
بل يفكر نصر الله في كل لقطة، ومجموع اللقطات التي تشكل مشاهد الفيلم، و “يفكر” في الفيلم وهو يصنعه،ويشتغل عليه..
ولأنه صاحب ثقافة سينمائية كبيرة، وعجن السينما وخبزها- بالبلدي- ويجيد عدة لغات، ومطلع على انتاجات السينما العالمية، من خلال حضوره ومشاركاته في المهرجانات السينمائية العالمية،لذلك تبدو أفلامه المصرية أقرب الى “الاستاندار” او المستوى السينمائي العالمي..–

بدأ يسري نصر الله مسيرته الفنية عام 1985 ضمن فريق “تلاميذ المخرج الراحل يوسف شاهين”، بالمشاركة كمساعد مخرج في فيلم ” الوداع يا بونابرت” من بطولة ميشيل بيكولي، وشارك يسري في كتابة سيناريو الفيلم، وهي واحدة من مواهبة التي لازمته طوال مسيرته الفنية، حيث قام – في وقت ما – بتأليف 11 فيلما من أصل 13 عملا فنيا قدمهم للسينما، وكانت خطوته الأولى كمخرج فيلم ” سرقات صيفية “عام 1988 من بطولة زكي فطين عبد الوهاب وعبلة كامل ، وتدور أحداث الفيلم حول أسرة الطفل (ياسر) الإقطاعية التي تأثرت كثيرًا بسبب قرارات يوليو الاشتراكية وأدت إلى تأميم جزء كبير من أملاكهم، في الوقت الذي تربط فيه الصداقة بين ياسر والطفل ليل الفلاح الفقير، وللمفارقة عرض الفيلم أولا في إفتتاح تظاهرة نصف شهر المخرجين في مهرجان كان الدولي 1988، ومن ثم إنطلق الى بقية المهرجانات الدولية وطاف دول العالم من خلالها، وحصل على الكثير من الجوائز، وعرض داخل مصر بشكل محدود في سينما أوديون عام 2014 ضمن مبادرة سينما ” زاوية” التي تشرف عليها المنتجة والمخرجة مدام ماريان خوري..
وعاد يسري نصر الله للعمل ضمن فريق يوسف شاهين وشارك كمخرج منفذ وسيناريست في فيلم “اسكندرية كمان وكمان” عام 1990، وهو الجزء الثالث من السيرة الذاتية لشاهين بعد فيلمي (إسكندرية ليه؟)، و(حدوتة مصرية ) ..

وكان فيلمه ” مرسيدس ” أول محاولة لطرح فيلم جماهيري جاءت عام 1993،عندما قام يسري نصري الله بتأليف وإخراج فيلمه الثاني ذاك “مرسيدس” من بطولة النجمة يسرا وزكي فطين عبد الوهاب وعبلة كامل وباسم سمرة، وحصل الفيلم على الجائزة الفضية عام ١٩٩٤ من مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية بالمغرب، وجائزة أحسن فيلم عام ١٩٩٤ من مهرجان جمعية الفيلم العشرين، كما حصلت الفنانة يسرا عام ١٩٩٥ على جائزة أحسن ممثلة فى مهرجان واجا دوجو ببوركينا فاسو، عن دورها فى الفيلم..
وكان العمل الجماهيري الأشهر ليسري نصري ثنائية “باب الشمس” المقتبسة عن رواية بنفس الاسم، وتم اختيار الفيلم من قبل مجلة Time في قائمة أفضل عشرة أفلام عرضت في عام 2004، كما حصل الفيلم على المرتبة 42 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في السينما العربية حسب استفتاء لنقاد سينمائيين قام به مهرجان دبي السينمائي الدولي في 2013 في الدورة العاشرة للمهرجان..
إذ يهرب نصر الله – وفي أغلب أفلامه – من الانماط السردية التقليدية التجارية، ونماذجها الهابطة المنحطة في السينما المصرية ” العقيمة ،ويدلف بفيلمه ” بعد الموقعة ” الى سكة الحداثة، عبر ” سينما المؤلف “، التي يصنعها والتر ساليس في البرازيل، وبيلغ سيلان في تركيا، وعبد اللطيف كشيش في فرنسا، و فاتح أكين في ألمانيا، وجيم جامروش في امريكا وغيرهم كثر، مع الأخذا طبعا في الإعتبار، اختلاف درجات التكوين ،وطبيعة المجتمعات التي شبوا فيها ونضجوا، ثم راحوا من بعدها، يعكسونها ويصورونها في أفلامهم ،لصنع ” صورة ” تشبهها .
ولولا أن تلك ” الصورة ” الأصيلة حتما في فيلم ” بعد الموقعة ” ليسري نصر الله قد ظهرت بشكل بارزوناضج، ولافت للنظر في مرآة الفن، وحازت اعجاب المشرفين على اختيار أفلام المسابقة، لأكبروأشهر مهرجان سينمائي في العالم، وهم حفنة من عتاة النقاد السينمائيين، ونحن نثق تماما في أذواقهم وكفاءاته، .لما كانوا اختاروا هذا الفيلم المصري الجميل الواعد،مشاركة في مسابقة تدخلها وياللهول ،حفنة من جبابرة المخرجين وأشهرهم في العالم،من أمثال الفرنسي آلان رينيه، والإيراني عباس كياروستامي والبريطاني كين لوش، وغيرهم..
وللحديث بقية
بقلم
صلاح هاشم.باريس

صلاح هاشم أديب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
عن جريدة ” القاهرة ” العدد الصادر بتاريخ 27 أغسطس 2024
admin رئيسية, مفكرة سينمائية, نزهة الناقد 0

نزهة الناقد. تأملات في سينما وعصر
بلد بلا سينما مثل بيت بلا مرأة

تساؤلات مشروعة، تطرحها د.ثناء هاشم في مقالها بعنوان ( ما الذي ننتظره من وزارة الثقافة بخصوص تبديد تراث السينما المصرية) المنشور بتاريخ 13 يوليو في موقع ” سينما إيزيس “..
هذا التراث السينمائي المصري العريق، الذي ترك في العراء ، تارة في حر جهنم في مصر ، وتارة في عز التلج و البرد ،ليكون معرضا للنهب ، عيني عينك ، وبلا حياء ، أو كسرة عين ،أو خجل ، على يد تجار السينما المصرية الحقراء، و هي خيانة كبرى في حق هويتنا وتراثنا وشخصية مصر
تري من يقدر ، أن يعيد الينا تراثنا المنهوب؟
المطلوب الآن تحرك عاجل من قبل وزير الثقافة، في الحكومة الجديدة، أليس كذلك ؟

بين السماء والأرض.صلاح أبو سيف


وهذه في رأيي أهم قضية ،في جدول أولويات وإشتغالات الوزارة، فالسينما المصرية ، كانت دوما مرآة لثقافة مصر، وبلد با سينما ،كما كما كان الشاعر والكاتب المسرحي الألماني العظيم برتولت بريخت يحب أن يردد دوما..” بلد بلا سينما مثل بيت بلا مرآة” وقد كانت السينما المصرية ومنذ نشأتها وتطورها ، مرآة لحضارة وثقافة بلدنا، قارة ” منصر ” أم الدنيا
أليس كذلك ؟
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم مصطفى ،كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا، مؤسس ورئيس تحرير موقع ” سينما إيزيس
admin رئيسية, شخصيات ومذاهب, مفكرة سينمائية, نزهة الناقد 19


ليس هذا دفاعا عن السينما المصرية، التي لا تستطيع في المحاكم أن تدافع عن نفسها، إلا بتقديم الدلائل والبراهين. هكذا فكرت.لاتستطيع أن تدافع عن نفسها إلا من خلال ” أفلامها ” فقط، التي تتحدث عن نفسها، بنفسها..تلك ” الروائع ” التي صنعتنا ، و إستحوذت على أفئدتنا في أفلام ” العزيمة ” و ” السوق السوداء ” و ” غزل البنات ” و ” بداية ونهاية ” و ” الفتوة ” و ” السقامات ” و” اللص والكلاب ” و ” أرض الخوف ” و ” المومياء ” و ” رصيف نمرة 5 ” و ” ريا وسكينة ” و ” باب الحديد ” و ” الحريف ” و ” زوجة رجل مهم ” ، و ” حياة أو موت ” وغيرها ، التي صارت الآن أكبر منا، والتي هي في معظمها ، كما اكتشفت، كلما كبرت، ازدادت حلاوة، ولن تشيخ أبدا على مايبدو ..
صنعت لنا السينما المصرية ” الجميلة ” كل تلك البوابات الى الجمال – من جميل – وقالت لنا اتفضلوا..هاكم تحية كاريوكا وهند رستم وسامية جمال ..هنيئا لكم بسحر الضوء والفن والدلال..
كنا نتحدث صديقي المخرج العراقي وأنا، بجوار نافذة المطبخ المفتوحة، على ضوء النهار، وكان ” الضوء ” في قلب أحاديثنا الليلية، حين نلتقي عادة بعد المغرب في باريس، على براد شاي كبير، وسيجارةن نقعد نتحدث عن حياتنا والسينما، وكنت قد عدت منذ أيام فقط من رحلة لي الى القاهرة ، حضرت فيها مهرجانين هما ” بانوراما السينما الاوروبية ” و” مهرجان الاسماعيلية السينمائي ” وشاهدت العديد من أفلامهما، لكني كنت كرست وقتا كبيرا أثناء زيارتي، لمشاهدة ” روائع ” الأفلام المصرية القديمة..

لايوجد في تقييم الأفلام فرق، بين ” قديم ” و ” جديد “. صحيح ان الأفلام بنت عصرها، لكنها تقفز، عندما تكون جميلة وتعجبنا ، فوق حدود الأماكن والطبائع والأزمنة، لتصبح بنت وقتهان في اللحظة والآن، وهذا ما أستشعرته، في معظم الأفلام القديمة الروائعن التي شاهدتها في مصر..

قال صديقي المخرج العراقي الذي يعيش منذ زمن طويل في باريس، أن السينما المصرية أثبتت أولا أن الشعب المصري.. يحب الجمال. بفتح الجيم..
انظر مثلا الى تلك الصورة التي تتصدر غلاف كتاب ” قصة السينما في مصر” للناقد سعد الدين توفيق ،الصادر عن سلسلة ” كتاب الهلال ” وتظهر فيها فتاة شابة ،تحمل سكينا ، وعلى وشك أن تذبح حبيبها الراكع أمامها ،ممسكا بثيابها. .
ماذا يقول كلام الصورة ؟ .يقول أن الست الموجودة في الصورة هي ست ” منيرة هانم ” في رواية” فاجعة فوق الهرم” تمسك بخنجر، و تحاول قتل ” سعيد بك “، بعد أن طلب منها ذلك، لأنها ترفض غرامه

في كل مصري- قال صاحبي- يكمن ” سعيد بك ” داخله، ولايطيق أن ترفض مصرحبه لها، فيمنحها سكينا ، ويقول لها اذبحيني ياحبيبتي، إذا لم أكن أستحق حبك، و يالله.. خلصيني من عذابي “!.
السينما المصرية من خلال الميلودراما، وقصص الفواجع والمآسي والمبالغات العاطفية ،علمت الناس الحب..
دخلت اليهم من باب الغرام والعشق الجامح، وملامسة الجسد، وهكذاتكرس حبنا لها، من خلال تجربة الحب والعناق والجنس..
وكانت بالنسبة لنا نحن الاطفال الأشقياء في حينا العريق ” في السيدة زينب بمثابة المعمل التجريبي، لممارساتنا الغرامية الملتبسة في الخفاء، تحت السلالم، وفوق العشش المهملة فوق أسطح الدوروالبنايات..
في حينا العريق ” قلعة الكبش ” بجوار مسجد أحمد بن طولون في السيدة زينب، والغرف السرية المسكونة بالأشباح، والحدائق العامة. .
شجعتنا الأفلام المصرية الرائعة – التي كانت تعرض في سينمات الحي: ” سينما الأهلي “، و”سينما الهلال” و”سينما الشرق” – مثل فيلم ” شباب إمرأة “لصلاح أبو سيف، على أن على أن نقتنص قبلات في الخفاء ،في تلك الحديقة المنعزلة بجوار ” مسرح الجيب ” على النيل..
شجعتنا على المغامرة ،وقوت وعززت فينا حب الاقتحام، والنفاذ الى داخل المياه من دون تردد أو وجل..

في الوقت الذي دخلت فيه السينما الامريكية عند نشأتها الى الناس، بفيلم عن السطو على قطار، أي فيلم عن سرقة وضرب ناروقتل ،وعنف ورصاصات طائشة.. أعوذ بالله..ودخلت الى الناس، بثقافة العنف، ثقافة الغزو والنهب والسطو في العالم الجديد.. أمريكا..
دخلت السينما المصرية الى الناس في مصر بفيلم ” زينب ” لمحمد كريم، فاقتبست رواية عن الحب ،عند الفلاحين الغلابة ، للكاتب محمد حسين هيكل ، وكانت الرواية الوحيدة في مصر، وقدمتها للسينما..وهكذا ارتبطت منذ نشأتها بالأدب، و قد كانت ” الدعوة ” في السينما المصرية ، وعلى طول تاريخها ، دعوة الى الحب..
السينما المصرية دعوة الى الحب
وهانذاأكتب في مفكرتي السينمائية بعدعودتي من مشاهدة فيلم ” فتاة المصنع ” لمحمد خان في عرض خاص بسينما نايل سيتي، وأنا أشعر بعد الفيلم بسعادة غامرة، فلم أشاهد في ” فتاة المصنع ” فيلما جميلا وبديعا فحسب، بل أكثر من ذلك ، عايشت ” حالة ” نادرة من الفرح و البهجة ، وكأني اكتشف ” سحر ” السينما ، وبراعة مايسترو في العزف لأول مرة، أجل تلك ” الحالة ” – حالة حب أكيد – التي افتقدناها منذ زمن طويل، في أفلام السينما المصرية الكئيبة المعتمة..
وبخاصة تلك الافلام التي ذهبت الى العشوائيات، لتحكي لنا عن أهلها، لكي تخسف بهم الأرض، ولاتظهرهم لنا الا كحيوانات عدمية ، لايهمها الا اشباع غرائزها الدونية الحيوانية ، في غابة من التراب والحديد وعشش الصفيح والاسفلت ،ومجرمين وقطاع طرق وسفلة ، أي على شاكلة صنّاع تلك الافلام تماما : صورة من القبح والنهم والجشع ، الذي صارت اليه بعض نفوس التجار الحقراء في بلادنا..
وهذه الحالة التي أنحاز اليها في فيلم ” فتاة المصنع ” وجعلتي أشعر كما لوكنت أنا صانعها ومشاركا لمحمد خان في ابداع فيلمه، هي “حالة وله وعشق” – البنت في الفيلم أسمها ” هيام “- بمذاق صوفي تأملي ، ليس فقط لكل الفتيات و النساء المصريات الجميلات في فيلمه، في فرحهن وحزنهن، اللواتي يمثلن ” إيزيس ” المرأة والربة والوطن، بل حالة عشق للسينما ايضا ،اي حالة ” الحب كله ” النادرة للانسانية جمعاء ، كما في تلك الاغنية بنفس الأسم، التي تشدو بها كوكب الشرق أم كلثوم في لقطة من الفيلم ، هذا الفيلم الذي يهديه محمد خان الى سعاد حسني ( ايزيس محمد خان ؟ ) ويجعله يذوب رقة وعذوبة، ويصبح مثل قطعة تورتة بالشوكلاته، فوريه نوار، أو قطعة كنافة بالعسل من عند عرفة الكنفاني ، أشهر بائع كنافة وقطايف في مصر في حينا العريق السيدة زينب، وبمجرد التهامها، تذوب في الفم بطعمها وحلاوتها،تصبح قطعة منا، وتجعلنا نحب الحياة أكثر..
بل لقد استطاع محمد خان في فتاة المصنع أن ينصف سكان العشوائيات، وأن يحول كل عناصر الفيلم من قصة وأداء وتصوير وتمثيل الخ الى قطعة موسيقية عذبة وشجية في مديح وحب المرأة المصرية: بنت الحارات الشعبية في احياء مصر العريقة، بنت البلد في السيدة زينب، والمطرية وباب الشعرية ، والدويقة وباب الخلق وداخل تلك البيوتات والنوافذ والشرفات المتلاصقة في أحياء العشوائيات، وسكانها المهمشين المكدسين في تلك الاماكن الضيقة الخانقة ، لكن الواسعة أيضا ..بكرمهم ..ولهوهن وقلوبهن الرحيمة وتعاطفهن، وعشقهن للحياة..
ومن دون ان ينسى محمد خان واقع القهر الذي يمارسه عليهن المجتمع المصري البرجوازي المحافظ المنافق المحفلط ، وقيمه الرجعية المعفنة المتخلفة، وأن يكشف في فيلمه عن العلاقة بين جيل الحاضر، الذي تمثله هيام بطلة الفيلم ( جيل 21 سنة ونار العشق المشبوبة في اجسادهن، ولاقدرة لهن أو رغبة في اطفائها ) وبين جيل نساء الماضي من سن الاربعين، فما فوق ،الذي تمثله الجدة والأم والخالة، بين قيم وتناقضات جيلين اذن..
وأن يبين في ذات الوقت، العلاقة بين طبقة السادة : ومنهم المشرف الذي يترك البلد ويهاجر في أول الفيلم ، وأم صلاح المشرف الجديد ، وبين طبقة الخدم من سكان العشوائيات : كالخالة وبنت اختها هيام ، ويحرص محمد خان في تنقلاته بين الجيلين والطبقتين، باحترافية عالية، أن يربط بينهما من خلال ” وصلة ” سينمائية رائعة..
“وصلة ” ، تظهر على شكل مقاطع سريعة، أشبه ماتكون بالهمس الخفيف ، من اغنيات لسعاد حسني، ومشاهد من فيلم ” السفيرة عزيزة” تظهر فيها سعاد وهي تتبادل القبلات مع شكري سرحان ،ونتمنى أو نحلم بأن نكون في محله أو مكانه ، فنعانق ايزيس محمد خان سعاد حسني، ولانغادرها،أو نتركها تذهب..
وهذه ” الوصلة ” بقدر ماتمثله كتحية الى سعاد حسني ، وعصور من السينما المصرية وافلامهاالجميلة التي صنعت وجدان شعب، بقدر ماتكثف وتعمق من احساس ومشاعر هيام بالحب ، وتجعلها لاتخجل من أن تفصح عن حبها لصلاح – وياريتني كنت هذا الصلاح الجحش في الفيلم ، ابن أمه ، الذي ينتهي به المطاف الى الزواج من عنزة – معزة – بورجوازية ، لكنت اختطفتها وحلقت بها بعيدا..
بقلم
صلاح هاشم مصطفى

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
***
عن جريدة “القاهرة ” الإسبوعية. العدد ( 1251 ) الصادر بتاريخ الثلاثاء 9 يوليو 2024

admin افلام, رئيسية, مهرجانات, نزهة الناقد 0



Salah Hashem at the 77th “Cannes” Film Festival
Diaries of the 77th Edition A Critic’s Journey: Reflections on Cinema and an Era
Today I watched the wonderful Egyptian film “I Raised My Head to the Sky” by Nada Riad and Ayman El Amir, or “Daughters of the Nile,” which is participating in the Critics’ Week showcase. It is a documentary film that tells the story of a group of Egyptian girls who lived together through the experience of forming a theater troupe, presenting their performances on the streets of the village of “Barsha” in Minya Governorate, in the deep interior of Upper Egypt. The film reveals the shattered dreams of these young Egyptian girls and the tragic conditions they live under, imposed on them by family, religious institutions, and traditions—not just in Barsha and Upper Egypt, but throughout the valley, the river, and the mountains.
It is an exceptional documentary with a realistic narrative approach, elevated by its artistry and cinematic quality. The river, flowing with a slow and melodious rhythm, asks when will salvation and liberation come from the grip of the medieval-like reality that dominates our country, characterized by backwardness, repression, and ignorance, which still prevails as we live in the 21st century. Is anyone listening to us?
Thank you to the filmmakers, who delighted us with “Daughters of the Nile” as they pose major existential questions in the great continent of Egypt, Mother of the World, in their beautiful film. They ask, overwhelmed by the injustice they face, that we raise our heads to the sky and pray for them and for all the daughters of the Nile.
Salah Hashem
Salah Hashem au 77e Festival de Cannes
Journal de la 77e édition Promenade d’un critique : Réflexions sur le cinéma et une époque
Aujourd’hui, j’ai regardé le merveilleux film égyptien “J’ai levé la tête vers le ciel” de Nada Riad et Ayman El Amir, ou “Les filles du Nil”, qui participe à la Semaine de la Critique. C’est un film documentaire qui raconte l’histoire d’un groupe de jeunes filles égyptiennes ayant vécu ensemble l’expérience de former une troupe de théâtre, donnant des représentations dans les rues du village de “Barsha” dans le gouvernorat de Minya, dans la profonde Haute-Égypte intérieure. Le film révèle les rêves brisés de ces jeunes filles égyptiennes et les conditions tragiques qu’elles vivent, imposées par la famille, les institutions religieuses, et les traditions—non seulement à Barsha et en Haute-Égypte, mais aussi à travers la vallée, le fleuve et les montagnes.
C’est un documentaire exceptionnel avec une approche narrative réaliste, sublimé par son art et sa qualité cinématographique. Le fleuve, coulant avec un rythme lent et mélodieux, se demande quand viendront le salut et la libération de l’emprise d’une réalité médiévale qui domine notre pays, caractérisée par le retard, la répression et l’ignorance, qui prévaut encore alors que nous vivons au 21e siècle. Quelqu’un nous entend-il ?
Merci aux réalisateurs, qui nous ont enchantés avec “Les filles du Nil” en posant de grandes questions existentielles dans la grande Égypte, Mère du Monde, dans leur beau film. Elles demandent, accablées par l’injustice qu’elles subissent, que nous levions la tête vers le ciel et priions pour elles et pour toutes les filles du Nil.
admin رئيسية, مهرجانات, نزهة الناقد 1

عودة كوبولا بفيلم ” ميجالوبوليس ” ومشاركة عربية كبيرة
” كان ” السينمائي 77يحتفي بهوليوود والسينما الأمريكية
بقلم
صلاح هاشم .كان .فرنسا
عندما قمنا بتغطية المؤتمر الصحفي لمهرجان ” كان ” السينمائي يوم 11 إبريل الشهر الماضي لجريدة ” القاهرة ” ونشرنا قائمة ” الإختيار الرسمي ” التي تضم أكثر من مائة فيلم جديد تعرض في دورته 77 وتم إختيارها من ضمن أكثر من 2000 فيلم وصلت إلى إدارة المهرجان..

ذكرنا أن أهم “حدث ” جلل ،ستشهده الدورة الحالية 77، التي تقام في الفترة من 14 الى 25 مايو، هو عودة المخرج الأمريكي الاسطورة فرانسيس فورد كوبالا الى المهرجان.ومشاركته بفيلمه الجديد”ميجالوبوليس MEGALOPOLIبعدحصوله منذ اكثر من خمسين سنة ،على سعفة مهرجان ” كان ” الذهبية بفيلمه ” القيامة الآن “.. عن حرب فيتنام..
وكان سبق له أيضا، الفوز بفيلمه ” محادثات سرية ” على سعفة ذهبية ، لينضم هكذا الى حلقة صغيرة جدا، مثل ” ثقب إبرة” ،تضم المخرجين الذين فازوا مرتين بتلك الجائزة – أرفع الجوائز في مسابقة المهرجان الرسمية – مثل المخرج البريطاني الكبير كين لوش، والمخرج الصربي الكبير أمير كوستوريكا..
” ميجالو بوليس ” :عبقرية الإبداع والخلق لا علاقة لها بالسن
والمعروف أن كوبولا من مواليد1935، وبهذه المشاركة الثالثة الجسورة في مسابقة المهرجان على التوالي، وهي ” مخاطرة ” كبيرة “، يراهن بثقة، على أن فيلمه ” ميجالوبوليس” الذي كان يخطط ويرسم لإنتاجه منذ اكثر من 15 سنة، من جيبه الخاص، وصرف عليه 150 مليون دولار، سوف يفوز بسعفة ذهبية ثالثة، لتضعه بثقة على ” عرش ” اعظم المخرجين في العالم، والحكواتية الكبار في عصرنا، ولتؤكد على أن عبقرية الإبداع والخلق – CREATION – لا علاقة لها أبدا بالسن..
بل وتراهن أيضا ، على أن المخرج الأمريكي الكبير العجوز، لم يصنع بعد أفضل أفلامه في المستقبل،وأنه مازال حيا يرزق، وقادرا بقوة المخيلة، وإختراعات وإبتكارات الفن المدهشة، على إبداعات سينمائية جديدة تنتظر، ودعنا إذن نرى ماذا نري ، وأهلا بكوبولا صاحب ” العراب “، و ” القيامة الآن ” ، و “دراكيولا ” وغيرها من الروائع السينمائية- MASTERPIECES – التي أبدعها مخرجنا الأمريكي الأسطورة..
السينما العربية في ” كان ” السينمائي 77
وتشارك السينما العربية في مهرجان ” كان ” 77 من خلال حضور ثمانية أفلام عربية،سبعة افلام طويلة ،وفيلم قصير واحد،من مصر،والسعودية، والمغرب وفلسطين، والجزائر ، والصومال.. هي:

فيلم – نوره Norah – للمخرج السعودي توفيق الزايدي الذي يشارك في مسابقة قسم (نظرة ما) الذي يعرض لمواهب السينما الجديدة في العالم والإتجاهات ” التجريبية ” لتطوير فن السينما، وهو الفيلم الروائي الأول لمخرجه والمعروف أنه أخرج أفلاما قصيرة من قبل، وهذه هي أول خطوة تمثيل سعودي رسمي في تاريخ المهرجان، وكان لافتا، حديث تيري فريمو مدير المهرجان في المؤتمر الصحفي يوم 11 إبريل وبحضور جريدة “القاهرة”، عن ذلك ” الحراك الثقافي والسينمائي والحضاري” ، الحادث الان ، في السعودية، والتنويه به وإبرازه في الدورة 77 بإختيلر فيلم ” نوره”، وتدور أحداث الفيلم في فترة تسعينيات القرن الماضي، عندما يهبط مُدرّس شاب إلى قرية نائية، لتنشأ صداقة بينه وبين نوره، الفتاة المتمردة، التي تحلم بعالم، أوسع و أكبرويتجاوز حدود قريتها الصغيرة..
فيلم القرية جوار الجنة The Village Next to Paradise – الصومال (مسابقة نظرة ما) من إخراج مو هراوي ، ويحكي عن عائلة صومالية، تضطر للنزوح، وتغيير محل إقامتها، بسبب اضطراب الأوضاع في الصومال..
فيلم – الكل يحب تودا Everybody Loves Touda – المغرب ويقدم في قسم (عروض كان الأولى) إخراج المخرج المغربي الكبير نبيل عيوش ، ويمثل المشاركة الرابعة له في مهرجان كان السينمائي..

فيلم – رفعت عيني للسما The Brink of Dreams – مصر (مسابقة أسبوع النقاد)وهو فيلم وثائقي طويل للثنائي ندي رياض وايمن الأمير، ويحكي عن مجموعة فتيات في قرية البرشا بمحافظة المنيا، يقررن تكوين فريق مسرحي بإسم ” بانوراما الباشا ” ،لتقديم عروض مسرحية، تناقش قضايا النساء ، في صعيد مصر..
فيلم – البحر البعيد Across the Sea – المغرب (أسبوع النقاد، عرض خاص) اخراج سعيد عميش، وهو منتج مغربي فرنسي، إتجه في مابعد للإخراج السينمائي، ويحكي عن شاب مغربي، يقرر أن يهاجر بطريقة غير شرعية إلى مارسيليا الفرنسية، وحتى معاصرته، لحادث 11 سبتمبر الإرهابي..وتأثيراته على حياة المهاجرين في المنفى الفرنسي..

فيلم – شرق 12 East of Noon – مصر، ويعرض في تظاهرة (نصف شهر المخرجين) الموازية للمهرجان الرسمي، وهو من إخراج هالة القوصي، ويحكي عن ” فانتازيا ” ،خارج العالم الواقعي ،والزمن، وهو من نوع ” الكوميديا السوداء “، ومن بطولة الصحافية الممثلة منحة البطراوي..

فيلم – إلى أرض مجهولة To a Land Unknown – فلسطين (نصف شهر المخرجين)اخراج المخرج الفلسطيني الدنماركي مهدي فليفل، وكان مشروعًا يحمل عنوان رواية الروائي الفلسطيني الكبير غسّان كنفاني الشهيرة “رجال في الشمس”، لكن المخرج قرر تغيير عنوانه ، ويرصد فيه فليفل رحلة صديقين من مخيم عين الحلوة، وهروبهما إلى العاصمة اليونانية أثينا بحثًا عن حياة أفضل..
فيلم – بعد الشمس After the Sun – الجزائر (قصير، نصف شهر المخرجين)
الفيلم العربي القصير الوحيد في مهرجان كان هذا العام، من إنتاج فرنسي بلجيكي جزائري مشترك للفنان والمخرج الشاب ريان مكيردي، الذي طرح نفسه للعالم من خلال أعمال الفيديو آرت ، ويحكي عن رحلة بالسيارة من ضواحي باريس وبإتجاه مدينة مارسيليا..
تكريم السينما الأمريكية في الدورة 77

إن عودة كوبولا – من مواليد مدينة ديترويت ولاية ميتشيجان في 7 إبريل 1939 – الى المهرجان، نعتبرها ” ضربة معلم ” ، تحسب لإدارة مهرجان ” كان ” الرشيدة ، بقيادة المندوب العام، ودينامو ومدير المهرجان تيري فريمو، و”مفاجأة ” بلون أقواس قزح ،كان لها وقع السحر، ولم تكن ابدا في الحسبان،وحيث يشارك فيلم “ميجالوبوليس “في المسابقة الرسمية للدورة 77 التي تضم 22 فيلما..

ولاشك أن هذه العودة لكوبولا، بالإضافة الى تكريم الممثلة الامريكية القديرة ميريل ستريب بطلة فيلم ” صائد الغزلان ” الرائع لميكيل شيمينو، و تكريم المخرج الأمريكي جورج لوكاش صاحب فيلم ” حرب النجوم “، بمنحهما ” سعفة ذهبية شرفية ” في الدورة الحالية 77..

وحضور الممثلة المريكية القديرة فاي داناواي بطلة فيلم ” بوني وكلايد ” للمخرج الأمريكي العظيم آرثر بن، ونزولها ضيفة على المهرجان من خلال مشاركتها في قسم ” كلاسيكيات كان ” وعرض مجموعة كبيرة من الأفلام الأمريكية الكلاسيكية في القسم المذكور – CANNES CLASSICS– مع الإحتفال بمرور مائة سنة على إنشاء “ستوديو كولومبيا ،من شركات الإنتاج الأمريكية “الماجور الرئيسية” الكبرى في الدورة الحالية..
يؤكد على هذا “الحضور”الفائق والفذ، لمشاهير النجوم والمخرجين من ” العالم الجديد “، ,ونعتبره بمثابة ” تكريم كبير HOMMAGE لـ “هوليوود “، والسينما الأمريكية العظيمةالتي صنعتنا بأفلامها الرائعة-نحن الأطفال الأشقياء في قلعة الكبش،حينا العريق في السيدة زينب – التي كنا نشاهدها في فترة الخمسينيات، ونحن صغار ، في دار عرض ” سينما إيزيس ” في شارع مارسينا في السيدة زينب، على بعد خطوات من مسجد أحمد بن طولون، ومستشفى حوض المرصود، ومصنع حلويات ” الرشيدي “،و”سينما ” الأهلي “..
وعلى بعد خطوة من ” سينما الهلال “،ووقنها لم يكن أحد منا يفكر ، أن أحدنا سوف يكتشف عندما كبرنا، وتفرقت بنا السبل،أن مشاهدة الأفلام، والكتابةعن السينما،هى أيضا وسيلة لفهم العالم،والإقتراب أكثر .. من إنسانيتنا.
بقلم
صلاح هاشم مصطفى

صلاح هاشم كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
admin اصدارات كتب, كل جديد, نزهة الناقد 0



admin اصدارات كتب, شخصيات ومذاهب, مهرجانات, نزهة الناقد 0

على أبواب مهرجان ” كان ” 77″
“أسرار” مهرجان ” كان “في كتاب ( 1 من 3 )
( سوف تمضي الحياة مثل حلم ) لجيل جاكوب : إعترافات رجل الظل

صلاح هاشم .باريس
ترى ماذا يعرف القارئ العادي عن مهرجان كان السينمائي الدولي العريق والأشهر في العالم الذي يعقد دورته المقبلة في الفترة من 14 الى 25 مايو 2024، ماذا يعرف عن تاريخه وأفلامه، ونجومه وأسراره،مايحدث في دروب وكواليس ذلك المهرجان الذي يعتبر أهم حدث إعلامي في العالم، ويحتل الآن المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد نهائيات كاس العالم في كرة القدم ؟..

في باريس صدر منذ فترة كتاب سينمائي رائع ومهم للغاية بعنوان ” سوف تمضي الحياة مثل حلم ” – LA VIE PASSERA COMME UN REVE – لجيل جاكوب الرئيس السابق للمهرجان، والكاتب والناقد السينمائي ،الذي ظل يتربع على عرش مهرجان ” كان ” لفترة 30 عاما،حتى صار يطلق عليه اسم “المواطن كان” CITIZEN CANNES “،الذي يذكر بفيلم “المواطن كين ” للمخرج الأمريكي العملاق أورسون ويلز، ويعرض فيه جيل جاكوب -GILLE JACOB – “رجل الظل” لرحلته الكبيرة التي قطعها مع المهرجان وذاكرته، كاشفا عن أسراره ،وكواليسه، وتلك القواعد التي التزم بها رئيس المهرجان السابق، لكي يصنع لنا وللعالم، ذلك ” الكوكب ” السينمائي المنير. كوكب مهرجان ” كان ” السينمائي، الذي أعتبره، وأنا أتابع دوراته منذ عام1979 وأكتب عنها،أهم حدث سينمائي في العالم ” بعد اختراع السينما منذ اكثر من 120 عاما في فرنسا..

تعالوا قبل أن نعرض لأفلام وفعاليات الدورة 77 ،في رسائل قادمة من قلب المهرجان نتصفح معا هذا الاصدار السينمائي التاريخي المهم، ونرحل في ذاكرة المهرجان ،وقبل أن يخترع لنفسه ربما في الدورة القادمة 77 ذاكرة جديدة لـ ” لإخوة الإنسانية”،ويمضي مثل حلم..
جيل جاكوب الذي صار يطلق عليه الآن في فرنسا والعالم ” المواطن كان ” CITIZEN CANNES هو من مواليد باريس عام 1930 ، وعمل ناقدا في مجلات ” نوفيل ليتيرير ” و ” الاكسبريس ” قبل أن يعين مندوبا عاما لمهرجان ” كان “السينمائي عام 1977 ثم رئيسا للمهرجان منذ عام 2000 وحتى عام 2014 ، ويحكي جيل جاكوب في كتابه عن طفولته، وحكاياته مع أفراد أسرته، وحياته الشخصية، ليكون بمثابة ” سيرة ذاتية ” من جانب. كما يحكي في ذات الوقت عن علاقته بمهرجان ” كان ” وحياته الأخرى السينمائية ، حيث تشابكت الحياتان، وامتزجتا في بوتقة ” السينيفيلي ” بالفرنسية ،أي عشق السينما الفن، لتصنع كيانا إنسانيا سينمائيا فريدا وفذا من نوعه.كيان يتجسد في شخصية جيل جاكوب الكتومة ” السرية ” الذي أدار ماكينة ” كان ” السينمائية العملاقة لفترة ثلاثين عاما، بعدما أصبح المندوب العام للمهرجان،أي المسئول الأول عن اختيار أفلام المهرجان في مسابقته الرسمية،والتظاهرات السينمائية الموازية،مثل ” نظرة خاصة ” وغيرها، وكذلك اختيار رئيس وأعضاء لجنة التحكيم،وهو يتكتم ويحافظ ويتحفظ علي ألغازها وأسرارها ، ومن دون أن يكشف أو يبوح..
إعترافات “رجل الظل”
فقد عرف عن جيل جاكوب الرئيس الاسبق انه ” رجل الظل ” L HOMME DE L OMBRE في المهرجان عن جدارة، فهو لا يظهر الا خلال ما يقرب من أسبوعين فقط في السنة، ويراه الجمهور فقط ،وهو يقف بقامته المديدة علي قمة سلم قصر المهرجان، ويروح يستقبل أشهر وأعظم نجوم السينما في العالم، من أمثال كلينت ايستوود، وكاترين دينوف ،واليزابيث تايلور،وعتاولة المخرجين من امثال وودي آلان وفيلليني وانجلو بولوس وفرانسيس فورد كوبولا وغيرهم ،وهم يصعدون علي سجادة السلم الحمراء، فيصافح هذا المخرج، ويطبع قبلة علي خد هذه النجمة، ويبدو كما لو انه يعرف كل هؤلاء النجوم معرفة شخصية، وقد وقف ليستقبلهم في ” داره ” ، ويقول لهم ان أهلا ومرحبا.في حين تدور مئات الكاميرات من أنحاء العالم، لتنقل الي ملايين المشاهدين في العالم من خلال البث المباشر، ذلك “الاستعراض” السينمائي العالمي العرمرم، وطقوس الصعود على سجادة “كان” الحمراء، ثم فجأة لاشيء..

فجأة يختفي جيل جاكوب ” الرجل الخفي ” أو المواطن كان ” – نسبة الي فيلم ” المواطن كين ” للأمريكي أورسون ويلز كما ذكرنا – مثل ذلك الجني المارد في قصص ألف ليلة وليلة ، الذي يعود في صورة دخان الي قمقمه ، ويغرق في بحر ” كان ” الأزرق الكبير، ولا نعود نسمع عنه أي شيء البتة..

في هذا الكتاب الممتع والمشوق حق، والذي التهمته في يومين وكأني اقرأ رواية بوليسية لاجاثا كريستي أو ماريو بوزو مؤلف رواية ” العرّاب “- THE GODFATHER– ، ندلف بعد ” الواجهة ” الاستعراضية الي ” كواليس ” المهرجان ، ودروبه وكهوفه السرية،وألغازه وأسراره المحيرة، تلك الأسرار التي حرص جيل علي ان يتكتمها ويحتفظ بها لنفسه منذ زمن طويل ،وهاهو بعد 30 عاما من الصمت يكشف هنا عنها ، قبل أن تمضي الحياة مثل حلم ، ويموت جاكوب ،مخنوقا بأسراره. كما اننا نتعرف في الكتاب علي شخصية جيل جاكوب الفريدة، والظروف الحياتية والسينمائية التي صنعته، وكيف استطاع بحنكة ومعلمة وبهدوء وصمت، ان يحول هذا المهرجان الذي كان قبل ان يتولي إدارته أشبه ما يكون ب ” حفل اجتماعي لعلية القوم “، يحوله الي عيد حقيقي للسينما الفن.
عيد سينمائي يعلي من قيم الإبداع والابتكار والاختراع ويجعل السينما وثيقة الصلة بحياتنا ومجتمعاتنا، لكي تقربنا أكثر من إنسانيتنا، فليس المهم كما يقول المخرج الهولندي الكبير جوريس ايفانز ان نعرف إن كان النهر طويلا وعميقا، لكن المهم أن نعرف ان كانت الأسماك فيه سعيدة، والي المواطن ” كان ” جيل جاكوب يعود الفضل في تحويل دفة هذا المهرجان اعتبارا من عام 1978 أي منذ ان تولي مهمة ” المندوب العام “من مهرجان سينمائي دبلوماسي بالدرجة الأولي إلي مهرجان سينمائي فني حقيقي، لدعم وتشجيع والترويج للمحاولات السينمائية الإبداعية الجديدة ،علي سكة ” سينما المؤلف” التي تحول السينما من حرفة وصنعة فقط، إلي نوع من ” الكتابة والتأليف” ،وانتهاج أسلوب فني حر مستقل للتعبير عن ” رؤية ” وموقف من العالم. رؤية اقرب ما تكون إلي فلسفة حياة ووجود، كما في روايات الايرلندي جيمس جويس ،او الروسي تولستوي، اواليوناني نيكوس كزانتزاكيس، وتعبير عن ” هم ” شخصي، بل وأداة – TOOL – أيضا ووسيلة للتفكير في مشاكل عصرنا..
ومن دون هذه ” الرؤية ” في أعمال “المخرجين المؤلفين” من أمثال الأمريكي فرانسيس فورد كوبالا، أو البريطاني كين لوش، او الدانمركي لارس فون تراير، او الصربي امير كوستوريكا، او الايراني عباس كياروستمي، ومن سار خلفهم من المواهب السينمائية الجديدة علي ذات الدرب ،تصبح السينما أداة للترفيه والتسلية ودغدغة المشاعر فحسب، كما في جل أفلامنا المصرية التجارية الفكاهية المبتذلة التافهة السخيفة.وقد تساهم يقينا،بمتبلات الإبهار الفني والعنف الدموي، وخزعبلات التكنولوجيا الحديثة، وبخاصة في انتاجات السينما الأمريكية التجارية المهيمنة علي أسواق العالم، تساهم في تغييبنا عن واقعنا ومجتمعاتنا..

يقول جيل جاكوب في مقدمة الكتاب : ” ..كلنا نعرف المشهد الشهير في فيلم ” وردة القاهرة القرمزية ” للامريكي وودي آلان ، حيث يهبط بطل الفيلم من علي الشاشة ويمتزج بالمشاهدين، ويروح يخطب ود متفرجة ،ويتحول في التو الي كائن حي من دم ولحم. لقد وقع لي نفس الشييء لكن في الاتجاه المعاكس، فقد عشقت السينما في سن 18 سنة، ودخلت في الشاشة عام 1948 ، فأصبحت بمرور الوقت ناقدا ثم ناشرا ثم مديرا ورئيسا في النهاية لمهرجان ” كان ” السينمائي. والمهرجان لا يعني فقط أفلام ، كلا ، بل يعني أفلام، ودراما،وحكايات إنسانية مأسوية، ويضاف إليها في حالة ” كان “، أجواء ومناخات الحياة ذاتها في منطقة الكوت دازور الساحرة ،ومتعتها بجوار البحر، والنقطة الأخيرة مهمة، لأنه من الصعب ان نتخيل مثلا ان ظاهرة ، مثل ظاهرة ” الإستارلت ” للباحثات عن الشهرة من الحسناوات ، اللواتي ينتهزن فرصة انعقاد المهرجان، لكي يتجولن شبه عاريات علي شاطئ البحر في ” كان ” ويستقطبن إليهن عدسات المصورين ،ويبحثن عن ” دور ” أو مجرد الظهور فقط في السينما، وصرن ” أسطورة، من الصعب ان تتخلق مثل تلك ظاهرة، في مهرجان سينمائي يقام أو ينشأ في منطقة جبلية مثلا.أعني أن المنظر الطبيعي الساحر في مدينة ” كان ” وبحرها، يفرض حضوره في إبتداع مثل تلك ظواهر.أعرف اني كنت في التاسعة من عمري عندما نشبت الحرب العالمية الثانية، وعندما بلغت سن التاسعة عشرة تركت مقاعد الدرس، وتفرغت للعمل في الصناعة، وفي سن الثامنة والأربعين أصبحت مديرا لمهرجان ” كان ” السينمائي ، وقد اردت ان احكي عن ذكرياتي، عن الوقائع التي عشتها ، والأفلام التي شهدتها، والشخصيات التي التقيت بها في حياتي، لأني لا اثق أولا في ” وهم ” أسمه الزمن..
ولأني اعتبر ثانيا، ان المرء منا يحيا عدة حيوات في وقت واحد ، وقد كان لي أنا جيل جاكوب حياتان علي الأقل: حياتي البيولوجية ، وحياتي السينمائية، و قد كانت كل حياة تنهل من الحياة الأخري، وتغذيها في آن، لكن الشيء المؤكد ،هواني عشقت السينما،عشقت السينما ورجالاتها، ولا استطيع ان احدد ايهما افضل الآن ، الافلام، أم المخرجين.
العمل السينمائي المكتمل هو ” النصب التذكاري ” الأبدي


صلاح هاشم يكتب لجريدة ” القاهرة ” العدد 2024 الصادر بتاريخ الثلاثاء 23 إبريل 2024
أعتقد أن الأفلام، هي ما يبقي علي اية حال في النهاية. العمل السينمائي الكامل المكتمل، هومثل الرخام. هو ألنصب التذكاري الأبدي، هو المتعة، اما المخرجين فهم العذاب والألم . وقد عرفت معني تلك المتعة، متعة الابداع والخلق، عندما دخلت التكنولوجيا مكاتب المهرجان،وصرت استطيع مشاهدة الفيلم علي شاشة الكمبيوتر، واتحقق بنفسي من متعة ” حمي الابداع ” السينمائي هذه : ان تصنع فيلما، وتشتغل علي مونتاجه، وتجرب مرة بعد مرة ، من دون تعب أو كلل، ومازلت اتذكر كيف شاهدت في هوليوود، وأنا جد مبهور ومسحور، المخرج الأمريكي فرنسيس فورد كوبولا، وهو يشتغل على مونتاج فيلمه”القيامة الآن” بإستخدام الكمبيوتر لأول مرة، ليجعل من مونتاج فيلمه ، سباقا لعصره بعشرسنين، ويا لها من متعة، اشبه ما تكون حقا بمتعة ” الكتابة “، التي يستشعرها المرء، عندما يعمل بمفرده، فيتعلم ويكتشف ، ويصحح ويحفظ، ويلحن، ثم فجأة، ويا للسعادة ،يروح يردد في نهاية المطاف : ” أوه.. يا إلهي ..أخيرا لقد نجحت “..وللحديث عن الكتاب بقية..
بقلم
صلاح هاشم

صلاح هاشم كاتب وناقد وباحث ومترجم مصري مقيم في باريس.فرنسا، وهو مؤسس ورئيس تحرير موقع سينما إيزيس الجديدة
في حديث رمضاني بعد الإفطار، حيث يحلو السهر والسمر مع الحكايات والروايات، في جلسة حلوة، جمعتنا ببعض الأصدقاء الأعزاء من المشاءين الدراويش الكبار في ” أتيليه ” الفنانين والكتاب في القاهرة، على بعد خطوات من مقر حزب” التجمع “وتمثال طلعت حرب في قلب الميدان،تطرقنا الى الكلام عن التأثيرات التي أحدثتها “القاعات السينمائية ” الكثيرة التي كنا نترددها عليها ونحن صغارفي حينا العريق “السيدة زينب” في “الوعي الجمعي المصري” وفي تربيتنا وثقافتنا، وعشقنا للسينما الحلال – حضارة السلوك الكبرى كما أحب أن أسميها – والتي كانت بمثابة ” الجامعة الشعبية ” الأهلية التي تعلمنا فيها ” دروس الحياة ” كما يذكر الروائي المصري الكبير بكر الشرقاوي في فيلم ” وكأنهم كانوا سينمائيين.شهادات على سينما وعصر”، ولم يكن التلفزيون في فترة الخمسينيات آنذاك، قد دخل مصربعد..
بيرت لاتكستر.القرصان الأحمر. سينما إيزيس

فقد كانت تلك التأثيرات، وكما تبين لي، وبعد بحث ودراسة وتنقيب “هائلة” بالفعل، وتستحق أن يكرس لها فيلما وثائقيا بأكمله، لتشرح للناس- وبخاصة للفرنسيين، بعد أن إتخذت من باريس سكنا – لماذ أحب المصريون السينما هكذا لحد العبادة ، وجعلوها تستحوذ بحكاياتها ومغامراتها وأبطالها على أفئدتهم. وحيث كان بإستطاعة سكان حينا العريق” السيدة زينب ” رجاله ونسائه وأطفاله، التردد على 4 قاعات سينمائية شعبية ” ترسو ” من الدرجة الثالثة، في محيط لاتتعدى مساحته بضع كيلومترات،هي :
” سينما إيزيس ” التي كانت تعرض الأفلام الأجنبية فقط، وبخاصة أفلام السينما الأمريكية من إنتاج استوديوعات هوليوود الكبرى ” الماجور ” في فترة الأربعينات فصاعدا، وجعلتنا نعشق أبطال أفلامها من النجوم، ونقلدهم في حركتهم وكلامهم وتمثيلهم، مثل بيرت لانكستر – نجمي المفضل وأنا صغير-.في فيلم ” القرصان الأحمر “، من أفلام السيف، والمغامرات في البحر. وكنت احب مثل الأديب يحيى حقي – هؤلاء علموني ،افلام الشجاعة والفروسية ،وركوب الخيل تسابق القطار، وقفز البطل من هذا الى ذاك ، كما يقول يحيى حفي في كتابه ” في السينما “..
كما احببت بيرت لانكستر في فيلم ” فيرا كروز ” من أفلام ” الوسترن ” أو أفلام ” الكاوبوي” أي رعاة البقر، ويشاركه جاري كوبر في بطولة الفيلم، كما أعجبت بكلارك جيبل ، وآفا جاردنر، وجريس كيلي في فيلم ” موجامبو” ووقعت في حب آفا جاردنر من أول لقطة وأنا في الخامسة من عمري..

و” سينما الهلال ” الصيفي في شارع ماراسينا، التي كانت تفتح أبوابها فقط خلال فترة الصيف،و” سينما الشرق”..
و ” سينما الأهلي ” التي كانت تقع على بعد خطوات من مطعم ومسمط ” الركيب ” الشهير في ميدان السيدة، وكانت تعرض فقط الأفلام المصرية..ويمكنك بعد أن تكون تفرجت على صور بالأبيض والإسو،د للقطات ومشاهد من الفيلم ،وأنت تقف وتتأملها طويلا، وتبحلق في أبطالها من النجوم أيضا، من أمثال ليلى مراد ونجيب الريحاني وأنور وجدي في فيلم ” غزل البنات ” – ومحمود المليجي في فيلم ” الأرض ” – وفاتن حمامة في فيلم ” لك يوم ياظالم” – وفريد شوقي ونادية لطفي في فيلم ” سلطان ” – وإسماعيل يس وشكوكو في فيلم ” ليلة العيد ” – وهند رستم ويوسف شاهين في فيلم ” باب الحديد ” – وشادية وتحية كاريوكا وعبد الوارث عصر وشكري سرحان في فيلم ” شباب إمرأة “– وشاهدت غيرهم من أبطال ونجوم السينما المصرية،وقررت أن تشتري تذكرة وتدخل الفيلم..
وربما كان المصريون، يعتبرون الشعب الوحيد في العالم الذي يسأل : دخلت فيلم ” سلطان ” ؟ ولا يسأل هل شاهدت فيلم ” سلطان ” ؟، حيث لاتقتصر خبرة المصريين، في علاقتهم بالسينما، على فعل ” المشاهدة والفرجة فقط من الخارج ” بل على “الدخول “في لحم الفيلم، والتلاحم معه وإختراقه في الظلام، وبالتالي ” التوحد ” والتماهي ” معه..
السينما كمكان في كتابات الأدباء المصريين المحدثين
في كتابه ” مصر المكان. دراسة في القصة والرواية ” الصادرعام 2012 عن دار الكتب والوثائق المصرية يتحدث الكاتب والروائي المصري الكبير محمد جبريل عن مصر المكان شقة – شجرة – حي -تكية – سينما – جامع الخ، من خلال حضور المكان في اكثر من 200 رواية وأكثر من ألف قصة، فيذكر أولا في ما يخص السينما كمكان ، أن العالم عرف فن السينماتوغراف، أو الصور المتحركة في أواخر القرن التاسع عشر ( 1896 – 1897 ) ثم إنتقل الى مصر من خلال المقاهي التي يديرها الأجانب، في الأسكندرية أولا، ثم في القاهرة، وكانت السينما في بداية القرن العشرين ظاهرة تثير الدهشة والعجب ، وكان حي باكوس بالأسكندرية أول شارع في مصر شيدت فيه دار للسينما، هي سينما الأهرام ..
ويروح محمد جبريل الروائي الفنان إبن الأسكندرية البار، في حديثه عن السينما كمكان، ينهل من بعض روايات نجيب محفوظ ، فيحكي مثلا من رواية ” بين القصرين” :
” واللافت أن احمد عبد الجواد ورفاقه لم يترددوا على سينما سيتي – مثلا – أو مسارح روض الفرج، رغم أنهم كانوا من المولعين بالطرب واللهو والغناء ، لإحساسهم بأن ذلك إنتقاص لهيبتهم ( بين القصرين )..
ثم يورد جبريل الفقرة التالية من رواية ” بداية ونهاية ” ( وقد اقتصرت عروض دور السينما منذ إنشائها -ولسنوات طويلة – على عرض السادسة والربع، والتاسعة والربع مساء، وكان البرنامج يتكون من 3 فقرات: الجريدة المصورة، فيلم قصير، فيلم طويل هو المادة الرئيسية في العرض. وتعبر نفيسة عن التخوف من التأثيرات السلبية للسينما : ” قالت لي أمي مرة، أن الفتاة التي تتشبه بالعشاق، كما يظهرون في السينما، فتاة ساقطة خائبة الأمل..
وقد حلت السينما في الثلاثينيات محل سهرات المسرح في عماد الدين وروض الفرج، فلم يثبت أمامها إلا صالة بديعة مصابني، وبعض ملاهي اللهو الرخيص. ولان عماد الدين كان مشهورا بالمسارح ودور السينما، فقد أيقن رشدي عندما غادرت نوال وشقيقها الأصغر ترام الجيزة في محطة عماد الدين أنهما ذاهبان الى الى دار سينما، وصح يقينه ( من رواية خان الخليلي.نجيب محفوظ ) ..
بل أن الشاب قد يتعرف إلى فتاته للمرة الأولى في السينما، من خلال تلامس الأيدي عفوا في ظلام السينما ( ذراعان ). وربما إتفق الشاب والفتاة، بواسطة شخص ثالث على أن يلتقيا في دار سينما، بما يبدو كأنه مصادفة ليتعارفا، ويبثها في الظلام نجواه، ويحدثها عن مشاعره وأحلامه وتطلعاته. وفي معظم الأحيان، فإن أول تلاصق للجسدين يكون في ظلام السينما . تتعانق اليدان ، وتتلاحم الأصابع، وكانت ظلمة السينما داغعا أن يأخذ صابر الرحيمي راحة يد إلهام في يده فيلثمها، وإنشغل بمداعباته ليدها عن متابعة أحداث الفيلم . وعندما تصور الشيخ عبد الحميد نفسه في مكان منفرد مع فتاته، فقد كان ذلك المكان ” سينما الأهلي” بالسيدة زينب، فيبتاع تذكرتين، ويجلس الى جانبها ، يتظر الى الشاشة، ويده تحيط خصرها، ونظراته تتسلل الى فخذها العاري ( أحلام الشيخ ). وربما تتحول دار السينما إن كانت معروفة بنوعية أفلامها، وقلة روادها بالتالي إلى مكان للقاءات الخاصة جدا،وبالذات مقاعدها الخلفية، وسينما أوديون مثلا كانت متخصصة في عرض الأفلام الروسية، ولذلك لم يكن غريبا في دار سينما أوديون أن تتناهى أصوات الضحكات المكتومة وحفيف الثياب والهمسات العصبية. وقد يلودذ البعض بدار السينما لمجرد الفرار من صهد الطريق، يشغله فحسب نوع دار السينما، هل هي مكيفة الهواء أم لا، ويختار حفلة الساعة الثالثة بعد الظهر، فينام على مقعده، وقد يدخل المرء السينما وبخاصة سينما الشرق أو الأهلي في السيدة زينب لينام..
والسينما من الأمكنة التي يلوذ بها طلبة المدارس عندما يقومون بـ ” التزويغ ” أو ا”لهروب من المدرسة” لإرتياد حفلة العاشرة صباحا، كما كنا نفعل نحن الأطفال الأشقياء في حينا العريق ” قلعة الكبش ” حيث كنا نهرب من “مدرسة حسن باشا طاهر الإبتدائية ” في الحلمية، ونتوجه الى ممر تجاري في ميدان السيدة ملاصق لسينما الأهلي، وكان الممرمتصلا بساحة خارجية للسينما تقع بها دورة مياه، فكنا نتأكد أولا من غياب حارس الممر، ثم نتسلل واحدا بعد الآخر بسرعة ، ونتسلق السور، ونهبط الى تلك الساحة، ثم ندلف منها الى الباب الموصل بقاعة العرض، فنفتحه، و..نتسلل الى القاعة في الظلام، وليس اي ظلام..بالطبع ..
بل ظلام يبدو جماله – كما يحكي عنه إبن السيدة زينب أديبنا الكبير يحيى حقي، عندما يكتب عن علاقته بالسينما في صغره في كتابه الرائع ” في السينما. الكتابات النقدية 10 “، من ضمن سلسلة مؤلفات يحيى حقي اعداد ومراجعة فؤاد دوارة، و الصادر عن الهيئة العامة للكتاب 1988 –إذا شقه عمود من الضوء، ياحبيبي كأنه الروح في الجسد. وآه يافرحتي. أطبق الظلام، وضاعت مني الصالة والعالم كله، ولم يبق في إلا عينان مسمرتان على الشاشة “..
عن “الطاقة الروحانية ” بقوة الضوء التي تمنحنا لنا السينما
درويش من جماعة الحاج سيد محمد مرزبان الصوفية في حينا العريق ” قلعة الكبش” وأقطااب الحضرة النبوية، كانت له طريقة كما يقولون في ” النوم “، تشبه الى حد كبير إستدعاء صور الماضي في السينما عبر لقطات الفلاش باك الإسترجاعية..
الدراسات النفسانية الحديثة، عبر تجاربها على الإنسان والسلوك البشري عموما، تؤكد على أن إستدعاء النوم لدى معظم الناس، يتم عبر طريقة الشريط السينمائي، فعندما يطبق المرء على جفنيه، ويغمض عينيه، ويشرع في النوم، تدور ماكينة عرض داخل رأسه، ويبدأ شريط ما في العرض، ولدى كل إنسان خزانة من الشرائط السينمائية المحفوظة في علب، يختار إحدى هذه الشرائط عند النوم، وتبدأ الفرجة ..
يختار البعض شريطا يكونون فيه داخل حديقة، يتجولون فيها على راحتهم،ببطء شديد، يتأملون كل زهرة من الزهور على حدةن يدققون في شكل كل وردة، ينشدون مع سحب الصيف التي تحلق فوق الحديقة، يدندون مع عصافيرها، ويتفرجون فيها على الأسماك الملونة في بحيرة..
أحيانا تكون صور الشريط القصير بالألوان الطبيعية، وأحيانا تكون الصور باللونين الأسود والأبيض فقط، ولكل لون من الألوان دلالة معينة ..
تتلون السحب بألوان البحر وأمواجه. وتتلون الأرض بألوان الشجر.ويصبح الشريط الى الحلم والنوم أخضرا سندسيا. يصبح ذلك الطريق الصاعد الى الجبل، معبرا الى الصفاء والضياء ، وصفاء النفوس المتواضعة..
منذ زمن طويل وسحيق، اخترع الإنسان الشريط السينمائي، وكانت الصور المتحركة سبيله إلى إكتشاف العالم، وكما يكتشف المرء ذاته في المرآة، أصبح الإنسان يشكل عالمه بالصور. تعلم الإنسان أن يمسك بالأزميل،وأن يبدع..
أجل الصوفيون والقديسون ليسوا بحاجة – كما يقول الكاتب والفيلسوف الفرنسي من أصل أرمني سيوران – الى أعين. إنهم لا ينظرون الى العالم.
قلوبهم عيونهم.
بقلم

صلاح هاشم
صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد ومخرج مصري مقيم في باريس.فرنسا.مؤسس ورئيس تحرير موقع ” سينما إيزيس”.تأسس عام 2005 في باريس

فكرت بعد أن شاهدت فيلم ” أيام رائعة ” – PERFECT DAYS– للمخرج الألماني الكبير – 87 سنة – فيم فندرز، والذي خرج حديثا للعرض في باريس، وأعجبت به كثيرا جدا، وكان الفيلم فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في دورة مهرجان ” المنصرمة 76، كما خصل ممثله على جائزة افضل ممثلل، ترى ماهي العلاقة التي تربط بين السينما والمدينة، عبر تلك الرحلة الطويلة التي قطعتها السينما- أكثر من مائة عام – ومنذ نشأتها؟..

وخرجت بعد مشاهدة الفيلم، ورأسي مليئة بصور المدن التي شاهدتها وأنا صغير، مع أولاد حينا العريق ” قلعة الكبش ” في السيدة زينب في ” سينما إيزيس “.مثل نيويورك في فيلم ” كينج كونج ” – KING KONG– وباريس في فيلم ” إيرما اللعوب[U1] ” – IRMA LA DUCE– وطوكيو في فيلم ” رحلة الى طوكيو – VOYAGE A TOKYO– للمخرج الياباني العظيم أوزو..

طوكيو. السينما تضع العالم في متناول العين
فى الظلام كنا نحن الأولاد الأشقياء في حينا العريق ( قلعة الكبش ) بجوار مسجد أحمد بن طولون في السيدة زينب،وعندما نشاهد فيلما للمخرج ساتيا جيت،نتساءل عن طبيعة هذه العلاقة، التى تنشأ بين الانسان والسينما.ثم كبرنا وعرفنا ان السمة الجوهرية للسينما، هى انها تمارس تأثيرها على الانسان،فى نفس الوضع والمكان، الذى يوجد فيه المتفرج ،وهى تستبدل بتحرياتنا تحرياتها، وهكذا دركنا أنها السينما، تتخيل من أجلنا، ونتخيل بدلا منا ،وفى الوقت نفسه تتخيل بعيدا عنا، تخيلا أكثر كثافة وأكثر دقة.وعرفنا أنها أكثر قدرة من الانسان الواقعى، كما يقول الفيلسوف الفرنسي إدجار موران، حين تتجاهل فوراق المكان والزمان ، عندما تقدم لنا فى مكان واحد، وفى زمان واحد، احداثا متتالية ، فى أزمنة متباعدة، أو منفصلة عن بعضها بعضا جغرافيا، فى مكان واحد ..
إنها تجعلنا نرى عملية اختراق الانسان للعالم، وهى تجعلنا ايضا نرى اختراق العالم للانسان ،وهذه العملية ،هى فى البداية “عملية استكشاف ” لما هو خارجنا ،وهى فى النهاية كما يقول المفكر الفرنسي الكبير إدجار موران، “عملية كشف “عما هو فى داخلنا..
السينما تضع العالم ومدنه فى متناول اليد، أو على وجه أدق تضعهما فى متناول العين . أنها تضع العالم المجهول، لا بمدنه فحسب، بل بقاراته وأنهاره وبحاره وأناسه، فى متناول عيوننا. أنها العين الأقوى والأعمق من العين الانسانية، وأن كانت هى عين الانسان..
السينما تعكس التبادل العقلى ،بين الانسان والعالم ،وهذا التبادل هو استيعاب نفسى تطبيقى للمعرفة أو الوعى، ودراسة أصل السينما كما يؤكد موران، تكشف لنا عن أن السحر والمشاركات الخيالية بصفة أعم ،يجرى تبادلها بنشاط مع العالم بقدر هام من الخيال.ومن الممكن فى رأيه أن نقول عن قاعة السينما، أنها قاعة واسعة للعلاج النفسى، لأنها اداة نفسية بالدرجة الأولى.وإذا أراد أحدنا أن يعرف حقيقة ما بداخل نفسه، فليسأل نفسه أثناء مشاهدته الفيلم، عن معنى رد فعله ،وإذا أراد أن يعرف حقيقة ما بداخل شخص آخر، فليناقشه فى الأفلام التى يراها
هكذا إرتبطت السينما بالمدينة ومنذ نشأتها

والأفلام التى سوف تشاهدها ، في أي معرض خيالي لمدن السينما،،وأنت تنتقل من ديكورات حى سكني ما، وليكن مثلا حي” بلفيل ” في باريس وهو حي شعبي يسكنه المهاجرون العرب واليهود والأفارقة، الى حى أخر مثل حي “الشانزليزيه” في فيلم ” مصعد الى المشنفة ” للمخرج الفرنسي الكبير لوي مال وبطولة جان مورو..

لم تكن في واقع الأمر إلا “أيقونات”، أو ” ألبومات” طرحتها السينما عن المدن، وعلاقة الانسان بها، وهي تعكس مجموعة كبيرة من أفكار وتصورات المخرجين عن المدينة الحديثة، وتوضح كيف ارتبطت المدينة بالسينما ، منذ افتتاح أول صالة عرض للأفلام فى العالم، فى 28 ديسمبر عام 1895 ، فى بدروم مقهى ” الجراند كافيه ” فى شارع كابوسين بباريس، وأصبحت من موضوعاتها المفضلة ..
هذا المعرض الخيالي بأفلامه وديكوراته وأحيائه وجوه ،حين تكون قد انتهيت من مشاهدته، وسلمت سماعتك إلى المضيفة، وأنت فى طريقك الى الخارج، لتلتقى مرة أخرى بفضاء باريس، سيثير فى نفسك سؤالا : أو ليس من الغريب، وبفعل سحر هذا الفن، أن نعيش فى مدن ترزخ بثقلها على كاهلنا، فلا نشعر بها ،فى الوقت الذى يتعاظم فيه احساسنا، بتلك المدن الأخرى التى صورتها لنا السينما وقدمتها لنا على شاشتها وعبر أفضل افلامها ؟..

غريب ان تعيش فى “مانهاتن” فى قلب نيويورك، كما حدث لي في رحلة إسنطلاع قمت بها الى ذلك الحي في قلب نيويورك لكتابة تقارير لمجلة ” الوطن العربي” التي كانت تصدر في باريس في فترة الثمانينيات، لكنك ستكون مشغولا عنها ، بـ” مانهاتن” أخرى ، من ديكور وورق مقوى وخشب وقش، من إبداع مخرج اسمه وودى آلن..يا له من أمر عجيب حقا، ان تسكننا مدن السينما الأخرى، من صنع الخيال والوهم وخداع البصر، أكثر من هذه المدن التى نعيش فيها..
المجد اذن لروح الخيال الانسانى، كما يقول الشاعر الفرنسي العظيم ابولينير . المجد لروح المخاطرة والمغامرة، فى هذه المدن الأخرى من الخيالات والأحلام والأوهام والأفكار المكبوتة، التى تجعلنا نحن البشر، ننطلق من عقالنا لنتجاوز الزمان والمكان، ونخترق الحدود والابعاد، لنحلق فى الفضاء مع الطيور السابحات، وندور، وندور، ثم نهبط إلى أرضية هذا الواقع الصلدة. وتعالوا نستكشف هنا بعض الأفكار الخاصة التي تعتمل في ذهن بعض مشاهير المخرجبن عن المدينة بأقلامهم :

هيتشكوك . 24 ساعة في حياة مدينة
” أحب أن أصنع فيلما بعنوان ” 24 ساعة فى حياة مدينة أصور فيه حياتها . الفيلم يبدأ فى الصباح الباكر بذبابة تحط على أنف صعلوك، يكون قد أمضى ليلته نائما على عتبة باب، ثم تبدأ حركة الصباح فى المدينة، وأريد أن أًصور فيه دورة الغذاء كاملة : وصول الطعام فى الصباح، وكيف يتم توزيعه على البيوت، وحركة البيع والشراء، التى يثيرها، ثم ادخل إلى المطبخ، وأصور عملية مضغ الطعام ،وتوزيعه على فنادق المدينة، وما يحدث بشأن استهلاكه، واستيعاب عناصره الغذائية، وبحيث ينتهى الفيلم بلقطات مقربة فى نهاية اليوم ،لأكوام القمامة والنفايات التى يقذف بها إلى المحيط. مهلا يسألنى أحدهم ماذا أريد أن أقول بهذا الفيلم . حسنا أريد أن أكشف عن معنى هذه ” الدورة” ،التى يمر بها الانسان . وفيلم كهذا، لابد أن يكون حتما مسليا..” ..
بقلم
صلاح هاشم.باريس

صلاح هاشم مصطفى كاتب وناقد سينمائي مصري مقيم في باريس.فرنسا
888
عن جريدة ” القاهرة “.العدد 1230 الصادر بتاريخ 13 فبراير 2024

